الاربعاء 9 شعبان 1441 هـ
آخر تحديث منذ 8 دقيقة
×
تغيير اللغة
القائمة

نموذج طلب الفتوى

لم تنقل الارقام بشكل صحيح
×

لقد تم إرسال السؤال بنجاح. يمكنك مراجعة البريد الوارد خلال 24 ساعة او البريد المزعج؛ رقم الفتوى

×

عفواً يمكنك فقط إرسال طلب فتوى واحد في اليوم.

مرئيات المصلح / برامج المصلح / الدين والحياة / الحلقة (180 ) الغضب وآثاره السلبية

مشاركة هذه الفقرة

الحلقة (180 ) الغضب وآثاره السلبية

تاريخ النشر : 28 جمادى آخر 1441 هـ - الموافق 23 فبراير 2020 م | المشاهدات : 94
المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، مستمعينا الكرام في كل مكان السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نحييكم تحيةً طيبةً عبر أثير إذاعة نداء الإسلام من مكة المكرمة، في هذه الحلقة المتجددة لبرنامج "الدين والحياة"، والتي نستمر معكم فيها على مدى ساعة كاملة بمشيئة الله تعالى.
في بداية هذه الحلقة، مستمعينا الكرام تقبلوا تحياتي محدثكم/ وائل حمدان الصبحي، ومن الإخراج/ خالد الزهراني، وياسر زيدان.
باسمكم جميعًا مستمعينا الكرام، نرحب بضيفنا الكريم في حلقات برنامج "الدين والحياة" فضيلة الشيخ الدكتور/ خالد المصلح؛ أستاذ الفقه بجامعة القصيم، فضيلة الشيخ أهلًا وسهلًا بك، حياك الله، يا مرحبًا.
الشيخ: مرحبًا بك، حياك الله، السلام عليكم ورحمة وبركاته، حياك الله أخي وائل، وأحيي الإخوة والأخوات المستمعين والمستمعات، ونسأل الله - تعالى - أن يجعله لقاءً نافعًا مباركًا.
المقدم: مستمعينا الكرام؛ في حلقات برنامج "الدين والحياة" نتحدث عن موضوعات تهم المسلم في أمور دينه ودنياه، نأتي بهذه الموضوعات إذا كان يحث عليها الشرع نأتي بها، وأيضًا هناك كثير من الأخلاق الذميمة التي ينهانا عنها الشرع الحكيم، من هذه الأخلاق الذميمة والصفات القبيحة ما سنتحدث عنه في هذه الحلقة، ألا وهو خلق الغضب، سنتحدث بمشيئة الله – تَعَالَى - عن هذا الموضوع، وعن النهي الذي جاء في سنة النبي - عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، وأيضًا سنتحدث عن الآثار السلبية والشؤم للغضب على الفرد، وعلى الأسرة، وعلى المجتمع، وعلى العلاقات التي تكون بين الناس عمومًا، في هذه الحلقة مستمعينا الكرام سيكون حديثنا تحت عنوان: "لا تغضب" في حديث النبي -عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في وصيته عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، فضيلة الشيخ ابتداءً ونحن نتحدث عن موضوع الغضب، لا بد لنا أن نعرِّج ابتداءً على معنى الغضب؛ فما معنى الغضب؟
الشيخ: الحمد لله ربِّ العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين؛ نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أمَّا بعد:
فهذا الموضوع الذي نتحدث عنه أيها الإخوة والأخوات؛ موضوع في غاية الأهمية، ومفتاح ذلك أن نعرف ما معنى الغضب كما تفضل أخونا وائل، وكذلك ما يتصل بالغضب في الكتاب والسنة.
الغضب: هو عارض يعرض للإنسان يخرجه عن الحال السوية، ويدفعه إلى إيقاع الأذى بالغير، أو حتى إيقاع الأذى بالنفس، أو الانتقام على موقف، وجماع ذلك: أن الغضب غليان دم القلب كما ذكر أهل اللغة: ثوران دم القلب لقصد الانتقام، أو غليان دم القلب ليحصل منه التشفي، وشفاء الصدر، والكلمات التي ذكرها العلماء فيما يتعلق بالغضب وتعريفه تدور على هذا المعنى. والحقيقة أن بعض المصطلحات ترجمتها قد تزيدها خفاءً؛ ولهذا بعض العلماء يعرف مثل هذه الأشياء بأنه معروف، الغضب معروف، وهو ما يطرأ على الإنسان في حال وقوع شدة، أو مكروه، ويحمله على طلب الانتقام والتشفي؛ هذا ما يتعلق بالغضب من حيث معناه، وكلمات العلماء دائرة على هذا المعنى في بيان معنى هذه المفردة، الغضب يقترن بالغيظ، يقترن بالحنق، يقترن بالأسف، يقترن بالانتقام، يقترن بالسخط، يقترن بالتلظي، يقترن بالحرب، وما أشبه ذلك من المعاني التي هي في الحقيقة تدور على هذا المعنى وإن كان في دقائق اللغة بينها بعض الفروق. إذًا الغضب هو ثورة في النفس تحملها على الانتقام وإيقاع الضرر لمكروه حصل. 
المقدم: جميل، فضيلة الشيخ، معنى هذا الإيضاح وهذه المقدمة حول معنى الغضب، نريد أن نتحدث أيضًا عن سياقات ذكر الغضب في الكتاب والسنة، كيف جاء ذكر الغضب في الكتاب والسنة؟ هل جاء بالتحذير؟ هل جاء بالحث على البعد عن هذا الخلق أو لا؟
الشيخ: الغضب في القرآن ذكره الله - تَعَالَى - في عدة مواضع؛ فذكره في بيان بعض آثاره، ومن ذلك ما قصه الله - تَعَالَى - عن موسى - عَلَيهِ السَّلامُ -؛ حيث إن موسى - عَلَيهِ السَّلامُ - ترك قومه على أمرٍ من العهد الذي بينه وبينهم على أن يعبدوا الله - عَزَّ وَجَلَّ -، وذهب لميقات ربه على أن يرجع إليهم، الذي حصل أنهم في غيبته - عَلَيهِ السَّلامُ - عَبَدَ قومُه العجلَ؛ ولذلك لما رجع وجد موسى - عَلَيهِ السَّلامُ - في نفسه ألـمًا عظيمًا على ما وقع فيه قومه من الشرك بالله، وقد ذكر ذلك - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - في كتابه في موضعين:
قال الله تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾
الأعراف:150
.
والموضع الثاني: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾
طه:86
؛ وهو الموعد الذي عاهدهم عليه من عبادة الله وحده لا شريك له.
ذكر ذلك في بيان ما جرى من موسى - عَلَيهِ السَّلامُ - في حق ما رآه من قومه من عبادة غير الله - عَزَّ وَجَلَّ - ، وهذا النوع من الغضب هو من الغضب المحمود، إذ إنه غضب لله - عَزَّ وَجَلَّ - ، والغضب لله مما يؤجر عليه الإنسان ما لم يوقعه في محرم، فإذا أوقعه في محرم يتجاوز الشريعة؛ فإنه يكون عند ذلك من الغضب المذموم.
وذكر الله - تَعَالَى - في القرآن حبس الغضب وعدم الانفعال له؛ وذلك في قوله جَلَّ وَعَلا: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾
آل عمران:134
، فإن الله - تَعَالَى - ذكر في هذه الآية الكريمة إمساك النفس عن آثار الغضب، قال تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾
آل عمران:133
، من هم؟ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
آل عمران:134
؛ فجعل الله - تَعَالَى - هذه الخصال من خصال المحسنين التي يحبها ويحب أصحابها الذين اتصفوا بها، ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾، ثم قال: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾
آل عمران:134
؛ يعني الذين يحبسون أنفسهم عندما تمتلئ نفوسهم حنقًا وغضبًا على غيرهم، سواء كان ذلك فيما يتعلق باعتداءٍ في المال، أو اعتداء في النفس، أو اعتداء في غير ذلك من أوجه الاعتداء ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾
آل عمران:134
، ثم ذكر المرتبة الأعلى؛ وهي مرتبة التجاوز والصفح قال: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
آل عمران:134
؛ هذا ما ذكره الله - تَعَالَى - في كتابه، أو هذا بعض ما ذكره الله - عَزَّ وَجَلَّ - في كتابه مما يتعلق بالغضب.
 أما السنة فقد جاء ذكر الغضب في سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - في أكثر من موضع، من أبرز ما جاء في السنة في شأن الغضب، نهي النبي - صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وعلى آله وَسَلَّمَ - عنه؛ وذلك في وصيته - صلى الله عليه وسلم - للرجل الذي طلب منه أن يوصيه؛ فقال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني؛ وهذا طلب عهد ووصية وأمر يستمسك به، يدرك به مصالح دينه ودنياه، فقال - صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيح من حديث أبي هريرة للرجل الذي قال: أوصني، قال صلى الله عليه وسلم: «لَا تَغْضَبْ»؛ لم يزد في الوصية - صلى الله عليه وسلم - على هذه الكلمة الجامعة التي احتوت على ذكر ما ينبغي أن يتصف به الإنسان من إمساك نفسه عن الانفعال لما يدور فيها من ثورة وفوران قد يحمله على تجاوز في قول أو عمل، النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقتصر في هذه الوصية على ذكر ذلك مرة واحدة، بل ردَّد هذا النهي على مسامع الرجل عدة مرات، يقول له: أوصني، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَغْضَبْ، لَا تَغْضَبْ، لَا تَغْضَبْ»؛ وهذا النهي النبوي الشريف عن الغضب لحجز النفس عن آثاره، وعما يترتب عليه.
وقد جاء في رواية أخرى عند مالك والبيهقي أن رجلًا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله! علمني كلمات أعيش بهن ولا تكثر عليَّ فأنسى؛ وهذا فيه مزيد بيان لما ذكره الرجل في طلبه الوصية، أنه طلب كلمات تنفعه في معاشه، قال: أعيش بهن؛ يعني أستعملهن في عيشي، في حياتي، في خاصة نفسي، وفي معاملتي للخلق، ولا تكثر عليَّ فأنسى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَغْضَبْ، لَا تَغْضَبْ، لَا تَغْضَبْ»؛ فهذه الكلمات وهذه الوصية أوصى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الرجل ليستعين بها على عيشه، وعلى أمر دنياه، فالغضب نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث؛ لما له من الآثار القبيحة التي سنتناولها - إن شاء الله تعالى -.
ومما جاء في السنة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ»، فبيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن القوة ونهاية الشدة ليست في أن يغالب الإنسان غيره بقوة البدن، إنما الشدة والقوة في قوة النفس، ومجاهدتها؛ وذلك بحبسها عن الانفعال الذي يوقعها فيما لا تحمد عقباه؛ ولذلك قال: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ»، والصرعة الذي يصرع غيره في المغالبة والمقاتلة، «إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ»؛ فالذي يملك نفسه عند الغضب يتبوأ من المنزلة في القوة والشدة أعلى من ذاك الذي يغلب غيره بقوة بدنه، قوة النفس وقوة الروح أقوى وأعلى وأشرف منزلةً من قوة البدن؛ ولهذا كان من يكظم غيظه محبوبًا لله محسنًا لما اتصف به من جميل الخصال، وكريم الشيم والخلال؛ هذا ما يتصل بما جاء في السنة أو بعض ما جاء في السنة في شأن الغضب، وجاءت أحاديث أخرى سنتناولها - إن شاء الله تعالى - في كيفية السلامة من آثار الغضب، والنجاة من شؤمه.
لكن أقف عند قوله - صلى الله عليه وسلم - في وصيته للرجل: «لَا تَغْضَبْ»، هل المقصود ألا يغضب نهائيًّا؛ بمعنى أنه يترك الغضب بالكلية؟ هذا أمر قد لا يتمكن منه الإنسان.
المقدم: فضيلة الشيخ ربما يكون الغضب في كثير من الأحيان جبلة وطبيعة في النفس البشرية.
الشيخ: صحيح، وثمة أمور تكون من الخصال والأخلاق التي يتصف بها الإنسان من حيث الأصل، لكن نحن مطلوب منا أن نهذِّب هذه الأخلاق، وهذا الغضب ليس مذمومًا في كل صوره، منه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم، ولكن المنهي عنه في قوله: «لَا تَغْضَبْ»، هو ما كان من الغضب المفضي إلى فساد، المفضي إلى شر، المفضي إلى قبائح، المفضي إلى اعتداء كما سيأتي - إن شاء الله تعالى -.
إنما المقصود: أن النهي هنا هل هو نهي عن أصل الغضب، أو نهي عن الاستجابة لآثاره ونتائجه؟
الحديث يحتمل هذا وذاك، فمن قوي ألا يغضب بأن يمرِّن نفسه على عدم الانفعال، وعدم الأسف، والغيظ؛ فهذا هو المطلوب ابتداءً؛ لأنه إذا حقق هذا سلم من الآثار، وسلمت نفسه أيضًا من جمرة الغضب التي تؤذي النفس، وقد تؤدي إلى أنواع من الآفات والأمراض التي تنتج عن هذا الاحتراق الداخلي، والفوران الذي يعتلج في القلب فيؤثر على صحة الإنسان، لكن قد لا يتمكن الإنسان في كل المواضع من ألا يغضب؛ بمعنى ألا يصيبه هذا الألم وهذا الغليان الذي في قلبه، لكنه مأمور إذا حصل له هذا، ولم يتمكن من تلافيه، أن لا يستجيب للغضب وآثاره ونتائجه وما ينتج عنه؛ ولهذا كان من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يوفَّق إلى كلمة الحق في الغضب والرضا، لماذا قال في الغضب والرضا؟ لأنه في الغضب والرضا غالبًا يخرج الإنسان عن الحال السوية التي يكون فيها مائلًا إلى ما قد يكون سببًا للخروج عن العدل، وما يُطلَب من الحق في الأقوال أو الكلمات، أو حتى التصرفات؛ ولهذا قال: «اللهمَّ إِنَّي أسألُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا والغضَبِ»؛ دعاء ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، كلمة الحق في الغضب والرضا مما يوصل الإنسان إلى العدل؛ ولهذا كان من دعائه - صلى الله عليه وسلم - المأثور عنه هذه الدعوة: «وأسأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا والغضَبِ»؛ لأن ذلك يخرج به الإنسان عن الظلم والاعتداء والتجاوز في القول، أو العمل.
إذًا قوله: «لَا تَغْضَبْ»؛ هو نهي عن الغضب ابتداءً إن تمكن منه الإنسان، وإن لم يتمكن فهو منهي عن آثار الغضب في قوله، وفي عمله، وفيما يصدر عنه؛ ولهذا كان من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله: «وأسأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا والغضَبِ».
المقدم: في هذا الجزء من هذه الحلقة نريد أن نتحدث عن الآثار المترتبة على الغضب والشؤم الحاصل من الغضب على الفرد وعلى المجتمع، أيضًا في جزء آخر بمشيئة الله - تَعَالَى - سنتحدث عن العلاج النبوي في الأحاديث الواردة عن النبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم في قضية علاج الغضب، هذه الحالة التي تعتري الإنسان، لكن في هذا الجزء فضيلة الشيخ نريد أن نتحدث عن الآثار السلبية للغضب على الفرد وعلى الأسرة من حوله، وأيضًا على المجتمع ككل.
الشيخ: الغضب هو من الخصال التي يصدر عنها آفات كثيرة، ويصدر عنها شرور كبيرة، ويترتب عليها إذا استجاب له الإنسان مفاسد لا تقترن بحد، قد تفسد دين الإنسان، وقد تفسد دنياه، وقد يترتب عليها من الاعتداءات والشرور ما لا يقف على حد، ولا ينتهي عند تصور، إذ إن الغضب قد يحمل الإنسان على سفك الدماء، قد يحمله على انتهاك الأعراض، قد يفضي به إلى استباحة الأموال، قد يفضي به إلى الكفر بالله - عَزَّ وَجَلَّ - ، والاعتداء على مقام الإلهية والربوبية، وقد يحمله على أن يؤذي نفسه بكل أوجه الأذى؛ ولهذا كان النهي عن الغضب مما ينبغي أن نستحضره، وأن يكون حاضرًا في أذهاننا حتى نكون على تنبُّه من الآثار الرديئة التي تترتب على هذه الخصلة التي تهلك الحرث والنسل، وتفضي إلى فساد الدين والدنيا.
النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - نهى عن الغضب، وقد جاء في الحديث أن رجلين حصل بينهما نزاع بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال سليمان بن صرد: استبَّ رجلان عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، هذا صحابي اسمه سليمان، أخبر عن وقوع مسابة؛ مشاتمة بين رجلين عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، فجعل أحدهما تحمر عيناه وتنتفخ أوداجه؛ وهذ مظهر من آثار الغضب التي أخبر بها الصحابي لما رآه من حال أحدهما، احمرت عيناه وانتفخت أوداجه؛ وهي العنق التي في رقبته، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما رأى هذه الحال من هذا الرجل، قال: «إِنِّي لَأَعْرِفُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِدُ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»، فقال الرجل: وهل ترى بي من جنون؟ وانظر إلى ردِّه على سيد الورى الذي قال هذه الكلمة رأفةً به، ورحمةً به، ودلالةً له على الخير، قال: «إِنِّي لَأَعْرِفُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِدُ»، مما يفضي إلى أذى نفسه، وقد يترتب عليه أذية غيره، فقال الرجل: وهل ترى بي من جنون؟ يعني حتى أقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ فلم يكن قابلًا لكلام النبي - صلى الله عليه وسلم -، لم يكن منكسرًا؛ وهذا بالتأكيد من آثار الغضب الذي وصفه الصحابي الكريم؛ حيث ذكر تغير حاله بسبب الغضب في وجهه وفي انتفاخ أوداجه.
المقصود من هذا: أن الغضب يحمل الإنسان على ردِّ الحق، يحمله على التجاوز في القول، يحمله على مفاسد ليس لها حدٌّ، أو نهاية؛ ولذلك نهى عنه - صلى الله عليه وسلم - ، فقال: «لَا تَغْضَبْ»؛ لأنه عن الغضب تصدر أفعال رديئة كثيرة، يعتدي بها الإنسان على نفسه، يعتدي بها على إخوانه، يعتدي بها على أقاربه.
ولمحة سريعة فيما يترتب على الغضب من أفعال مذمومة: الغضب ينشأ عنه كثير من الأفعال المحرمة؛ كالقتل، والضرب، وأنواع الظلم والعدوان، وكثير من الأقوال المحرمة كالقذف والسب، والفحش، وربما ارتقى إلى درجة الكفر كما يحصل أحيانًا لبعض الناس عندما يسب الله - عَزَّ وَجَلَّ - بسبب الغضب، عندما يتفوَّه بكلمات عظيمة بسبب الغضب قد يفضي إلى حل رباط الأسر، وقد يفضي إلى قطع الأرحام، وقد يفضي إلى إسقاط حقوق من له حق من الوالدين، وذوي القربى، والجيران وغير ذلك، فالآثار المترتبة على الغضب ليست محدودة؛ ولهذا قال بعض العلماء: "اعلم أن نار الغضب متى كانت عنيفة تأججت واضطربت، واحتد منه غليان الدم في القلب، وامتلأت الشرايين والدماغ دخانًا مظلمًا مضطربًا يسودُّ منه مجال العقل، ويضعف به فعله، فكما أن الكهف الضيق إذا ملئ حريقًا اختنق فيه الدخان واللهب، وعلا منه الأجيج، فيصعب علاجه وإطفاؤه، ويصير كل من يدنو منه مادة تقويه؛ يعني تلهبه وتشعله، فكذلك النفس"؛ مثَّل الغضب في أثره كنار مشتعلة في كهف ضيِّق، كذلك النفس إذا اشتعلت غضبًا عميت عن الرشد، وصُمَّت عن الموعظة، فلا تقبل الموعظة، فتصير مواعظه مادةً لغضبه، بالعكس عندما يوجه إليه الوعظ يكون هذا كالإيقاد للنار، وكمزيد حطب في لهبة نار تشعله وتظلمه، ولهذا حكي عن إبليس - عليه من الله ما يستحق - أن يقول: «متى أعجزني ابن آدم فلن يعجزني إذا غضب»؛ يعني في كل الأحوال التي أعجز بها عن ابن آدم فإنني لن أعجز عنه حال غضبه، هذا معنى قوله: «متى أعجزني ابن آدم فلن يعجزني إذا غضب»، لماذا؟ قال: لأنه ينقاد إليَّ فيما أبتغيه منه، ويعمل بما أريده وأرتضيه، وقد قيل: «الغضب جنون ساعة»، لكن ربما أفضى إلى تلف وتدمير لا يمكن أن يدرك وصفه، أو تعلم حقيقته، أو تعرف آثاره.
أخي الكريم، أختي الكريمة؛ نحن نشاهد هذا من أنفسنا عندما تشتعل نفوسنا غضبًا لموقف من المواقف التي نمر بها، نرى تغير اللون، وارتعاد الأطراف، وخروج الأفعال عن الانتظام، نرى اضطراب الكلام والحركة؛ تذكَّرْ موقفًا غضبتَ فيه، والحق كل هذه المعاني موجودة فيه؛ يظهر الزبد على الأشداق، تشتد حمرة الأحداق، تنقلب الخلقة من صورة وديعة إلى صورة مفزعة، لو يرى الغضبان في حال غضبه صورة نفسه، لكان هذا كافيًا في أن يرتدع عن الانفعال والغضب؛ وذلك لما يراه من قبح صورته، وبه يعلم عظيم أثر الغضب على الإنسان نفسه، إذا كان الغضب يغير صورتك الخارجية فاعلم أن تأثيره في قلبك، وفي داخلك، وفي صحتك أضعاف ما ظهر على صورتك، وبالتالي ينبغي أن نستحضر هذه الوصية النبوية؛ «لَا تَغْضَبْ»، بأن نمنع وقوع الغضب ابتداءً، وإذا وقع اجتهدنا في محاصرته، وفي تضييق دائرة آثاره في القول أو العمل.
أثر الغضب على الإنسان واضح، تجد أن الإنسان في حال غضبه لا يملك لسانه، بل ينطلق لسانه بالقبائح؛ بالشتم للقريب والبعيد، والفحش، وقول الزور، وقد يتكلم الإنسان في حال غضبه بما يُستحيا منه، وما لا يمكن أن يصدر عنه في حال رضاه، وحتى لو لم يصدر عنه سباب، أو شتائم، تجد الإنسان في حال غضبه لا ينتظم كلامه، بل يتخبط نظمه، ويضطرب لفظه، ولا تنتظم كلماته؛ لأنه مشوش الفكر؛ ولهذا «لا يقضي القاضي وهو غضبان»، والسبب في ذلك: أنه في حال الغضب يخرج الإنسان عن الاعتدال في الفكر، وأيضًا الاعتدال فيما ينتج عنه من الأقوال، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وأسأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا والغضَبِ».
أما أثره على الأعضاء: فتجد أن الإنسان إذا غضب أضر، قد يكسر بعض ممتلكاته، وقد يؤذي نفسه، قد يعتدي على غيره، فتجده يصدر عنه في حق نفسه، أو في حق غيره، من الأعمال التي تفضي إلى هلاك وتلف، فتجد أنه إذا أفاق عجب من تصرفه.
أحيانًا، وأنتم تشاهدون أيها الإخوة والأخوات، تشاهدون بعض الناس إذا غضب كسر، مثلًا إذا كان في يده جوال كسره، إذا كان في يده شيء رمى به، قد يحمله على خسارة مال عظيم بسبب ما كان من غضب أخرجه عن حال الاعتدال إلى حال الجنون، إلى حال التصرف بلا عقل، التصرف بلا روية؛ هذا فيما يتعلق بأثره على تصرفات الإنسان وعمله، وفعله، وما يصدر عنه في أعضائه.
أما أثره على القلب: فالغضب إذا امتلأ به القلب اضطرب القلب أشد الاضطراب، والقلب ملك الجوارح، وإذا كان ملك الجوارح على هذه الحال من الاضطراب، ومن الفوران والغليان لا تسأل عما يمكن أن يصدر عنه، فهو محل للحقد، محل للحسد، محل لإظهار الشماتة، لمساءة الغير، محل للحزن، محل للغم، محل للغيظ، وبالتالي يترتب على الغضب في القلب من المعاني ما يفسده، وإذا فسد القلب فسد سائر الجسد.
هذه بعض الملامح اليسيرة التي يظهر فيها أثر الغضب، وأثر الانفعال على الإنسان نفسه في قوله، في صورته، في جوهره وقلبه، في عمله وفعله، وبه يتبين قبح الغضب وعظيم آثاره السيئة على الإنسان نفسه؛ هذا كله مما يحمل الإنسان على أن يقف موقفًا حازمًا من الانفعال عند الغضب، بعض الناس يقول: لا تلوموني أنا لا أملك نفسي، لا تبرر لنفسك بأنك لا تملك نفسك، لو لم تكن قادرًا على ملك نفسك لما قال النبي: «لَا تَغْضَبْ»؛ يعني لو كان النهي عن الغضب مما لا يطيقه الناس، فالله لا يكلف الناس ما لا يطيقون، لكن لما كان منع النفس عن الغضب وآثاره ممكنًا جاء النهي النبوي عن الغضب.
وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ» ثم قالت؛ وهذا موضع الشاهد: «وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا»؛ هذا الحديث الشريف يبين أن الغضب لله - عَزَّ وَجَلَّ - محمود؛ وذلك وفق ما تقتضيه الشريعة، لكن فيما يتعلق بالغضب للنفس في حظها وحقها ما كان من سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ينتقم لنفسه - صلى الله عليه وسلم -؛ ولذلك أخبرت أنه لم يكن - صلى الله عليه وسلم - ينتقم لنفسه في شيء، هذا في قوله، وفي عمله، أما في عمله قالت: في بيان هذه الخصلة النبوية، قالت - رَضِي اللهُ عَنْهَا: «ما ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً»، انتبه لهذا الكلام، وأنا أدعو كل أحد إلى أن يلحظ هذه الخصلة في صفاته - صلى الله عليه وسلم - ، الخصلة الإجمالية: أنه ما انتقم لنفسه لا بقول ولا بعمل؛ يعني إذا اعتدي عليه في نفسه، في شيء يتعلق بخاصته ما كان ينتقم لنفسه - صلى الله عليه وسلم -، يعفو ويصفح ويتجاوز، لكن فيما يتعلق بحق الله - عَزَّ وَجَلَّ - يطلب حق الله - عَزَّ وَجَلَّ - ، كيف يكون الانتقام عادةً؟ يكون الانتقام عادةً بالقول، أو بالفعل، النبي - صلى الله عليه وسلم - عائشة تقول: «ما ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً»، سواء كانت زوجةً أو بنتًا، أو غير ذلك، «ولا خادمًا»؛ وهذا يبين ما يتعلق بالأسرة وكبح جماح الغضب بما يتصل بالأسرة، هو من خصاله - صلى الله عليه وسلم -، فلم يكن يضرب ولدًا، ولا امرأة ولا خادمًا، وهذا ما ينبغي أن يسير عليه الإنسان.
طبعًا أذنت الشريعة بالضرب في بعض المواقف والمواضع فيما إذا اضطر الإنسان إلى استعمال الضرب للمعالجة في نطاق ضيق، أو بحدود، لكن الحديث الآن عن أنه إذ كان الأمر في حظ النفس وحق الإنسان فإنه يغلب جانب كبح جماح الغضب، فلم يُعهد عنه - صلى الله عليه وسلم - في معاملته لأهله وأسرته ضرب بالكلية، «ما ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ»؛ أي: لا أحد ينال منه فيما يخصه - صلى الله عليه وسلم - قط، فينتقم من صاحبه إلا أن يُنتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله - عَزَّ وَجَلَّ - ؛ هذا فيما يتعلق بالمؤاخذة الفعلية.
وأما المؤاخذة القولية فكذلك كان - صلى الله عليه وسلم - بعيدًا عن أن يؤاخذ أحدًا من الناس في قوله؛ إعمالًا لقول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾
الأعراف:199
، ولك أن تسمع ذلك من أنس بن مالك - رَضِي اللهُ عَنْهُ - وهو ممن خدم النبي - صلى الله عليه وسلم - مدةً طويلةً، يقول أنس بن مالك رَضِي اللهُ عَنْهُ: «خدمت النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين»؛ يعني مدةً طويلةً، غالبًا في مثل هذه المدة الطويلة يحصل من المواقف ما يكون فيه غضب من صاحب العمل على الخادم، وقد يصدر منه قول أو عمل أو فعل نتيجة إخلال الخادم بالعمل، أنس يقول: «خدمت النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين» مدة طويلة، «فما قال لي أفٍّ قط»؛ يعني ما قال لي كلمة أف؛ وهي أدنى كلمات الزجر، وأدنى كلمات التأنيب التي يمكن أن تصدر من صاحب العمل، وليس فيها إساءة، إنما فيها طلب الكف فقولك كلمة أف: هي تأفف لطلب الكف عن المضي فيما يكره الإنسان، أنس يقول: ما صدر منه - صلى الله عليه وسلم - طوال هذه المدة الطويلة أف قط، «وَلاَ: لِمَ صَنَعْتَ؟ وَلاَ: أَلَّا صَنَعْتَ» يعني ما قال له: لماذا لم تصنع؟ ولا قال له: ألا صنعت؟ هذا فيما يتعلق به صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
 وكذلك يصل الأمر إلى أنه كان ينهى أهله أن يعاتبوه في شيء، فكان إذا قال له أهل النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئًا في فعلٍ: لِـمَ فعلتَ؟ أو لِـمَ لم تفعل؟ قال: «دعوه، فلو قدر شيء لكان»؛ يعني لو قُضِي أن يخدمكم في هذا الذي طلبتموه لكان؛ وبه يتبين عظيم ما كان عليه - صلى الله عليه وسلم - من كبح جماح غضبه، وعدم الانفعال لما يكون من قصور من حوله؛ من زوجة، أو ولد، أو خادم؛ وهذا لا يعني ألا يكون الإنسان منبهًا للخطأ «الدين النصيحة»، ينبه الإنسان إلى الأخطاء، ويوجه للصواب، لكن شتان بين التوجيه الذي يحفه الرفق والمحبة والنصح والصدق، وأحيانًا قد يحفه نوع من التأنيب، لكن دون أن يكون فيه تأفُّف، أو دون أن يكون فيه انتقام للنفس سواء كان ذلك في قول، أو عمل؛ هذا ما يتصل بالجانب المتعلق بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في أسرته فيما يتعلق بالغضب.
 والغضب إذا ساد في المعاملة بين الأب والأبناء والبنات، وبين الأم وبناتها وأبنائها؛ فسدت العلاقة وتشوشت، وكانت محلًّا لكثير من الاختلال الذي قد يفضي إلى قطيعة الرحم، أو العقوق، أو التقصير في حقوق الأولاد، أو في حقوق الوالدين؛ ولهذا نهى الله - عَزَّ وَجَلَّ - الابن عن أن يصدر كل ما يكون من إساءة، ولو كان بكلمة أف تجاه والديه، قال: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾
الإسراء:23
، وكما ذكرت قبل قليل: أف هي أدنى كلمات الضجر، فإذْ قد نهي عنها في حق الوالدين فما فوقها من باب أولى، فينبغي أن تتعاون الأسرة جميعًا في عدم الاستجابة للغضب، لا الوالد على أولاده، سواء كان الوالد أمًّا أو أبًا، ولا الأولاد في حق والديهم، ولا كذلك في حق الإخوة فيما بينهم، ينبغي أن تسود روح الود والمحبة بين الإخوة والأخوات، وأن يجتنبوا كل ما يكون من أسباب الغضب، وهذا لا يعني أنه لا توجد مواقف قد تغضب الأطراف، لكن نحن ندعو إلى ألا ننفعل لما يعتلج في نفوسنا من غضب فيفضي ذلك إلى اختلال العلاقة.
وأما علاقة الرجل بامرأته، فالغضب مما يوقع في شؤم عظيم وشر كبير؛ حيث إن الغضب يفضي إلى انحلال رابطة الزوجية، فقد يغضب الإنسان ويطلِّق، وقد يغضب ويظاهر، فيقول: أنت عليَّ كظهر أمي، وقد يغضب ويُولِي؛ بأن يمنع المرأة من حقها في الفراش، المهم أن هناك أحيانًا من التصرفات التي تنتج عن الغضب في حق العلاقة الأسرية ما يكون مدمرًا، وقد يطال هذا الأبناء والبنات والأسر جميعًا؛ أي: أسرة الزوجة وأسرة الزوج بسبب الغضب، فينبغي أن يكبح الرجل والمرأة غضبهما؛ المرأة لا تغضب فتطلب الطلاق، أو تقصر في الحقوق، الرجل لا يغضب فيوقع الطلاق، أو يقصر في الحقوق، الواجب في الحياة الأسرية أن يلاحظ الأزواج والزوجات هذا المعنى، وقد قال الله تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
النساء:19
، وقال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
البقرة:228
.
المقدم: فضيلة الشيخ لم يتبق أمامنا وقت طويل جدًّا، في دقيقتين لو تكرمت نلملم الموضوع ونتحدث عن الآثار على المجتمع.
الشيخ: الآثار المتعلقة بالغضب على المجتمع أخي الكريم: المجتمع الغضوب مجتمع تسود فيه الخداعات، يسود فيه الظلم، يسود فيه بخس الحقوق، يسود فيه عدم الطمأنينة، ولا السكن، ولا الراحة، يكثر فيه انتهاك الأنظمة وتجاوز الحدود؛ ولذلك ينبغي أن يلاحظ أن بعض الناس يا أخي يظن أن الغضب هو القوة، وقد ذكرت الحديث: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ»، الآن بعض الشباب يرى أن القوة في أن ينفعل لغضبه، تجده قد يتشاكس مع شخص عند أدنى ما يكون، قد يتشاكس مع شخص في موقف سيارة، أو في حادث مروري، أو في شراء سلعة، أو في تجاوز في موقف غير مناسب فيفضي الأمر إلى صراع وعراك، قد يفضي إلى قتل الأنفس، وذهاب الأموال بسبب هذا الموقف الذي قد يراه بعض من ضعف عقله وبصيرته أن هذا هو الرجولة، وهذه هي الشهامة، وهذه هي الفتوة، وهو في ذلك يجني على نفسه وعلى غيره وعلى المجتمع.
أدعو نفسي وجميع إخواني وأخواتي إلى الأخذ بوصية النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَغْضَبْ»؛ وهذه الوصية وصية جامعة ترجمتها في أن يكبح الإنسان الغضب قبل وقوعه، فإذا وقع في الغضب فعليه أن يأخذ بالأسباب الشرعية التي تحدُّ من غضبه، ولا ينفعل لها، أو يستجيب لها:
1- يستعيذ بالله من الشيطان؛ كما وجَّه النبي - صلى الله عليه وسلم - الرجل؛ حيث قال: «إِنِّي لَأَعْرِفُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِدُ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ».
2- أن يغيَّر حاله من الحالة الحرجة التي هو فيها بالخروج من المكان، بالجلوس، بالاضطجاع، تغيير الحالة مما يساعد على كبح جماح الغضب.
3- الوضوء والاغتسال مما يساعد على إطفاء نار الغضب؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْغَضَبَ مِنْ الشَّيْطَانِ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنْ النَّارِ وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ».
4- أن لا يصدر منه قول، أو تصرف أثناء غضبه؛ لأنه لا يتحقق من صحة ما يصدر عنه في آثار الغضب؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقضي القاضي وهو غضبان»؛ وهذا يدل على أنه ينبغي أن لا يصدر عن الإنسان في أثناء الغضب تصرفات لا في حق نفسه، ولا في حق من حوله، ولا في حق أسرته، ولا في حق أصحاب الحقوق، فيوقعه ذلك في التجاوز والظلم.
بهذا يمكن للإنسان أن يكبح نفسه ويمتثل وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - له.
المقدم: الله يعطيك العافية، شكر الله لك، وكتب الله لك الأجر فضيلة الشيخ الدكتور/ خالد المصلح؛ أستاذ الفقه بجامعة القصيم، شكرًا جزيلًا فضيلة الشيخ.
الشيخ: بارك الله فيكم وأشكركم، وأسأل الله - تَعَالَى - لي ولكم الهدوء والطمأنينة، وأن يرزقنا كلمة الحق في الغضب والرضا، وحسن التصرف في الغضب، وأن يعيذنا من الشيطان، وأن يحفظنا من كل سوء وشر، حفظ الله بلادنا والمسلمين، وحفظ ولاتنا، ووفقهم إلى كل ما فيه الخير والرشد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

مواد تم زيارتها

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف