السبت 24 رجب 1442 هـ
آخر تحديث منذ 1 ساعة 23 دقيقة
×
تغيير اللغة
القائمة
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو Hausa
السبت 24 رجب 1442 هـ آخر تحديث منذ 1 ساعة 23 دقيقة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأعضاء الكرام ! اكتمل اليوم نصاب استقبال الفتاوى.

وغدا إن شاء الله تعالى في تمام السادسة صباحا يتم استقبال الفتاوى الجديدة.

ويمكنكم البحث في قسم الفتوى عما تريد الجواب عنه أو الاتصال المباشر

على الشيخ أ.د خالد المصلح على هذا الرقم 00966505147004

من الساعة العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهرا 

بارك الله فيكم

إدارة موقع أ.د خالد المصلح

×

لقد تم إرسال السؤال بنجاح. يمكنك مراجعة البريد الوارد خلال 24 ساعة او البريد المزعج؛ رقم الفتوى

×

عفواً يمكنك فقط إرسال طلب فتوى واحد في اليوم.

مرئيات المصلح / برامج المصلح / الدين والحياة / الحلقة (188) " ربنا تقبل منا - يوم العيد"

مشاركة هذه الفقرة

الحلقة (188) " ربنا تقبل منا - يوم العيد"

تاريخ النشر : 1 شوال 1441 هـ - الموافق 24 مايو 2020 م | المشاهدات : 199

المقدم:بسم الله الرحمن الرحيم، مستمعينا الكرام في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نحييكم تحية طيبة عبر أثير إذاعة "نداء الإسلام" من مكة المكرمة، أُحييكم أنا محدثكم وائل حمدان الصبحي، ومن الإخراج خالد الزهراني، وياسر زيدان.

حياكم الله مستمعينا الكرام، في هذه الحلقة المتجددة من برنامج "الدين والحياة"، كل عام وأنتم بخير، كل عام وبلادنا بخير، كل عام والأمة الإسلامية جمعاء بخير، أعاده الله علينا وعليكم بالخير واليُمن والمسرَّات، أيضًا نرفع التهنئة لخادم الحرمين الشريفين وسموِّ ولي عهده الأمين بمناسبة عيد الفطر المبارك، أعاده الله علينا وعليكم وعلى الأمة الإسلامية جمعاء ونحن في خير وبركة وعافية وصحة بمشيئة الله تعالى.

مستمعينا الكرام ضيف حلقات برنامج "الدين والحياة" هو فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور الشيخ/ خالد المصلح أستاذ الفقه بجامعة القصيم.

 فضيلة الشيخ السلام عليكم، وأهلًا وسهلًا بك، وكل عام وأنت بخير، وتقبل الله منا ومنك صالح الأعمال.

الشيخ:-وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، تقبل الله منا ومنكم، وأعادنا الله وإياكم ميعاد الخير، وأسال الله تعالى أن يجعل هذه اللحظات لحظات سعادة مفتاح خير للجميع، وأن يجعل مستقبل أيامنا خيرًا.

المقدم:-اللهم آمين، فضيلة الشيخ سيكون حديثنا بمشيئة الله تعالى في هذه الحلقة بعنوان (تقبل الله)، بالتأكيد فضيلة الشيخ ونحن نتحدث عن هذا العنوان ونحن في أيام العيد السعيد، بالتأكيد سنتحدث عن تقبُّل الله –عز وجل- للأعمال خاصة بعد خروجنا من موسم الطاعة والبركة والرحمة والخير في شهر رمضان المبارك، وأيضًا الدعاء بتقبل الله –عز وجل- لأعمالنا جاء في كتاب الله –عز وجل- على لسان النبيين والصالحين في مواضع عدَّة.

أيضًا سنتحدث -بمشيئة الله تعالى- حول هذا الموضوع في نقاط متفرِّقة، لكن نبدأ الحديث فضيلة الشيخ عن تقبُّل الله –عز وجل- للأعمال الصالحة في ختامها.

الشيخ:- أخي الكريم "تقبَّل الله" كلمة تتضمن سؤالًا وطلبًا، فإن قول المؤمن: تَقبَّل الله، وقول الداعي: تقبَّل الله إنما هو دعاء يدعو فيه الإنسان الله –جل وعلا- أن يقبَله، وأن يكون عمله في موضع القبول من الله –عز وجل-، فهي كلمة بالتأكيد تُستعمل في مناسبات كمناسبة العيد للتهنئة، وهي أيضًا كلمة تقال يدعو فيها المؤمن الله –عز وجل- بعد نَصَبٍ وعمل أن يقبل عمله، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة: 27] .

وهذه إشارة إلى أن قبول الله –عز وجل- ليس ممنوحًا لكل أحد، إنما هو مشروط بأوصاف لابد أن تتحقق، ولابد أن يـأتي بها الإنسان، فتقبُّل الله –عز وجل-، جاء في القرآن الخبر عن أن المرسلين -صلوات الله وسلامه عليهم- كانوا يسألون الله –جل وعلا- ذلك، فهذا إبراهيم -عليه السلام-، وإسماعيل قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: 127] ، فهذه الدعوة جاءت في القرآن الكريم في لسان نَبيَّين كريمَين من أنبياء الله –عز وجل- إبراهيم أبي الأنبياء الثاني، وإسماعيل -عليهما السلام-، وكان ذلك في عمل جليل، حيث كانا يقومان بعمارة البيت وبنائه على نحو ما أمرهم الله تعالى به ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: 127] روى ابن أبي حاتم عن وهيب بن الورد أنه قرأ هذه الآية الكريمة وهي قوله –جل وعلا-: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: 127] ، ثم بكى وهو يقول: "يا خليل الرحمن ترفع قوائمَ بيت الرحمن وأنت مُشفِق ألا يُتقبَّل منك؟". [أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره:1/233]

 فهذا يشير إلى أن القبول الذي سأله إبراهيم -عليه السلام- بقوله: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا [البقرة: 127] أنه دعا وابنه إسماعيل، أنها دعوة صادقة يفتقران فيها إلى أن يقبل الله تعالى منهما العمل، وهو ما كُلِّف به من بناء البيت؛ وذلك أنه لا قيمة لعمل إذا لم يقع موقعَ القبول من الله –جل وعلا-، فإنه مهما كان العمل عظيمًا أو كبيرًا أو كثيرًا أو نحو ذلك من موجبات تفخيم الأعمال وتعظيمها وكِبَرِها عند أصحابها إذا لم يُتقبَّل من العبد كانت هباء منثورًا.

وقد أخبر الله تعالى عن فناء الأعمال وذهابها في بعض الأحوال، في قوله تعالى:﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان: 23] أي: غيرَ مقبول، ولا أثر له، ولا نفع فيه، ولا ينتفع منه العبد.

فالقبول هو كما أنه دعوة يدعو بها الإنسان الله –عز وجل- وكما أنه يقال تهنئةً إلا أنه مهم، وقد روي عن عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- أنه جاءه سائل فأمر ابنه أن يعطيَه دينارًا، فالسائل الفقير سأل ابنَ عمر فأمر ابنًا له أن يعطي هذا الفقير شيئًا من المال، فقال له ابنه: تقبَّل الله منك يا أبتاه، فقال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: «لو علمتُ أن الله تقبَّل مني سجدةً واحدة أو صدقةَ درهم لم يكن غائبٌ أحبَّ إلي من الموت»، ثم قال- رضي الله تعالى عنه- في التنبيه إلى شرط قبول العمل من الله –عز وجل-: «تدري ممن يتقبل الله؟ {إنما يَتقبَّلُ اللهُ من المتقين} [المائدة:27]   ». [أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق:31/146]

وبهذا يتبين عظيم قدر هذه الكلمة وكبير منزلتها، الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- كانوا في العيد إذا فرغوا من الصلاة، وهي ما يُختم به عمل الصالحين لما كان من صيام وقيام وصالح عمل في شهر رمضان، كانوا إذا فرغوا من الصلاة ولقي بعضهم بعضا سأل أحدهم لأخيه هذه المسألة: "تقبل الله منا ومنك"، فينبغي للمؤمن أن يعرف قدرَ هذه الكلمة وعظيمَ مكانتها حتى يتمكن من الإتيان بمضمونها والاستشعار لمعناها، فنسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المقبولين، وأن ويتقبل منا ومنكم صالح الأعمال.

المقدم:- اللهم آمين، فضيلة الشيخ بالحديث عن تقبل الله –عز وجل- من الأعمال هل المطلوب من المسلم أن يدعو الله –عز وجل- في ختام أعماله أن يتقبل الله –عز وجل- منه هذه الأعمال الصالحة أم لا؟

الشيخ:-بالتأكيد يعني سؤال الله-عز وجل-  القبول هو من المهمات التي يعتني بها المؤمن في إقامته لما يحبه ربه ويرضاه، وهذا إبراهيم -عليه السلام- وابنه لم يقولا هذه الكلمة بعد فراغ العمل، بل ظاهر هذا أنها كانت كلمة مقارنة لعملها ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا [البقرة: 127] فكانت هذه الكلمة، كان هم القبول شاغلًا إبراهيم -عليه السلام- وابنه في أثناء قيامهما بما أمر الله تعالى من عمل، وبالتالي لاشك أنه يُكره الإنسان ويهمه أن يكون عمله مقبولًا فيدعو الله تعالى بذلك في أثناء العمل وبعد العمل ويلحُّ على ربه -جل في علاه- ألا يجعله من الخائبين المردودين؛ لأن العمل قد يرد، ورده له أسباب كثيرة، كما أن قبوله له أسباب عديدة، وسنتطرق -إن شاء الله تعالى- لشيء من الأسباب التي توجب قبول العمل.

فكل إنسان يهتم لقبول العمل، لاشك أن هذا من دلائل سلامة إيمانه وصحة يقينه، ويحمله أيضًا على الجد والاجتهاد في أن يكون عمله صوابًا، أن يكون عمله مستوفيًا ما يكون من أسباب قبول العمل، أما أن يعمل الإنسان عملًا ولا يبالي أوقع ما وقع القبول أو لا؟ فليس برشيد.

ولهذا نقول: ينبغي أن نتذكر عندما يقول بعضنا لبعض هذه الكلمة في التهنئة أن معناها عظيم، كلمة يهنئ، تقبل الله كلمة يهنئ بها المسلمون بعضهم بعضا في يوم عيدهم بعد عملٍ في طاعة الله ونصب، كما كان أصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم- يقولها بعضهم لبعض إذا التقوا يوم العيد بعد طاعة وإحسان، ليست كلمة تهنئة فقط، إنما هي أوفى دعاء بعد الكَدِّ والجُهد والنصب والعمل، في صدق رغبة أن يكون العبد مقبولًا عند ربه -جل في علاه-.

فلاشك الإنسان يدعو الله –عز وجل- ويهمه أن يُتقبَّل عمله، ولذلك جعل الله تعالى من خصال أهل الإيمان ومن أوصاف أهل الإحسان الوجلَ والخوفَ ألا يكون العمل مقبولًا، فحال عباد الله المخلصين الجمع بين أمرين: عمل دائم في خصال الطاعة، ومراتب الإحسان، واجتهاد في صالح الأعمال، هذه خصلة وأيضًا يعطفون على هذا العمل الدائم والاجتهاد في العمل الصالح الإشفاق التام من عدم قبول الملك الديان، وبالتالي أكيد أنهم يلجؤون ويجأرون إلى الله –عز وجل- بألسنتهم وحالهم أن يقبلهم ربهم -جل في علاه-.

وقد قال الله تعالى في وصف أوليائه وعباده الصالحين في سورة المؤمنون: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون: 60] فهؤلاء يعطون ما أعطوا من الصدقات ويعطون ما أعطَوا من النفقات، ويعطون من أعطوا من سائر القربات في صلاة وصيام وقيام وإحسان وغير ذلك يشتغلون بها اشتغالًا جادًّا دائمًا صادقًا، ومع هذا لا يركنون إليها، إنما يركنون إلى فضل الله ورحمته، وإلى جوده وكرمه، وإلى تفضله سبحانه بالقبول ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون: 60] .

قال جماعة من المفسرين: أي قلوبهم خائفة ألا يُتقبَّل منهم، فهم يخافون ألا يقبل الله تعالى عملهم وأن يردَّه عليهم غيرَ مقبول، وفي أذهانهم ما ذكره الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان: 23] فهؤلاء يخبر الله تعالى عنهم ويبين مآلهم أنهم عملوا أعمالًا، ولكنها لم تكن محلَّ القبول، بل كانت محل إحباط العمل وذهابه، ومعنى ذلك أن الله لم يقبل منهم عمله لو قبل الله تعالى منهم عملهم لزكَّاه ونمَّاه وطيبه وعظم أجره.

ولذلك ذكر النبي –صلى الله عليه وسلم- في الصدقة مثالًا لقبول الله –جل وعلا- عملَ الإنسان، وأثر القبول على العمل جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «من تصدَّق بعِدل تَمرةٍ من كسب طيِّب - ولا يقبل الله إلا الطيب - فإن الله يتقبَّلُها بيمينه».

إذًا جعل طِيبَ الكسب سببًا للقبول، لكن انظر ما أثر القبول؟ قال: «ثم يربِّيها لصاحبها» أي ينميها ويزكيها «كما يُربِّي أحدُكم فَلُوَّه» [أخرجه البخاري في صحيحه:1410، ومسلم في صحيحه:1014/63] يعني كما يربي صاحبُ الخيل الفطيم من الخيول، وفي رواية «كما يربِّي أحدكم مُهرَه» [أخرج هذا اللفظ الترمذي في سننه:ح622] ، وهو ولد الفرس حتى تكون مثل الجبل، أي تعظم وتكبر وتزيد وتزكو.

ولهذا قال –جل وعلا-: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ [الحديد: 11] ولذلك القبول ليس فقط موجبًا لعطاء الله –عز وجل-، بل لمضاعفة الثواب والأجر والمجازاة على العمل، وأما عدم القبول فهو ذهاب العمل وإبطاله وعدم انتفاع العبد به يوم القيامة ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة: 276] ، ذكر الله الرد وعدم القبول، والإحباط ، المحق وما يقابله من التنمية والتزكية والتعظيم والزيادة ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة: 276] ، من المهم أن نستشعر هذا المعنى، أن قبول الله لأعمالنا موجب للمجازاة عليها، أن قبول الله تعالى لأعمالنا سبب من أسباب مباركة الله تعالى في هذه الأعمال في أجورها وثوابها، وما يجريه الإنسان في جميل آثارها هذا مثال «من تصدق بعِدل تمرة من كسب طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربِّيها لصاحبها كما يربي أحدُكم فَلوَّه حتى تكون مثل الجبل».

المقدم:- الله يعطيك العافية فضيلة الشيخ اسمح لي أن نذهب إلى فاصل بعده- بمشيئة الله تعالى- سنتحدث عن أسباب قبول العمل، وأيضًا سنتحدث في الجزء الأخير عن حال المسلم بعد شهر رمضان المبارك كيف يكون حاله من الاستمرار على العبادة والطاعة وعلى ما كان عليه في شهر رمضان المبارك؟ اسمح لي أن نذهب إلى فاصل بعده- بمشيئة الله تعالى- نستكمل حلقتنا.

حياكم الله مستمعينا الكرام في هذه الحلقة المباشرة من برنامج "الدين والحياة" عبر أثير إذاعة "نداء الإسلام" من مكة المكرمة، نتكلم حول "تقبَّل الله".

 ضيفينا الكريم فضيلة الشيخ الدكتور الأستاذ خالد المصلح أستاذ الفقه بجامعة القصيم، أهلًا وسهلًا فضيلة الشيخ مجدَّدًا، حياك الله.

الشيخ:- حياك الله مرحبا بك، وحيا الله الإخوة والأخوات، وتقبل الله منا ومنهم، من لم يدركْنا نقول له: تقبل الله منا ومنك، ومن أدركنا فنحن نقول له تقبل الله منا ومنك، نسأل الله لي ولكم القبول.

المقدم:- اللهم آمين، فضيلة الشيخ كنا نتحدث عن تقبل العمل، وكيف يكون الدعاء في ختام العمل بتقبُّل الله –عز وجل- لأعمالنا الصالحة، أريد أن أسالك عن أسباب القبول، ما هي الأسباب المعينة على قبول الأعمال الصالحة من الله –عز وجل-؟

الشيخ:- مثل ما تكلمنا فيما يتعلق بأهمية قبول العمل، وضرورة العناية به، نقول: إن قبول العمل يهتم به المؤمن لأنه ثمرة الأعمال لا تذاق إلا بالقبول، كل ما رتَّبه الله تعالى من الأعمال والأجور والثواب في الدنيا والآخرة إنما هو ثمرة قبول الله –عز وجل- له، فما قَبِله الله تعالى آتى ثمارَه، ونتج عنه غرضه ومقصوده، وما لم يقبله الله –عز وجل- كان ذلك مردودًا على صاحبه.

لهذا من المهم أن نعتني بأسباب القبول لأجل أن نفوز بقبول الله –عز وجل- لنا فنكون من الفائزين، ونكون من الناجحين، ونكون من أولياء الله نحقِّق لفوز الدنيا والآخرة.

عندما نبحث عن أسباب القبول، أسباب القبول عديدة، وقد جاء الإشارة إلى هذه الأسباب في كتاب الله –عز وجل-، المعنى الإجمالي للقبول الذي لابد أن يكون متوفرًا في كل عمل حتى يكون مقبولًا التقوى يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة: 27] .

يخبر الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن سبب القبول، وهي خصلة عظيمة، هي وصية الله تعالى للأولين والآخرين، وهي التقوى، وهذه الآية أو هذا الجزء من الآية جاء في قصة ابني آدم التي أخبر الله تعالى بها في سورة المائدة ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ [المائدة: 27] ، أخبر الله تعالى في هذه الآية عن عمل قام به رجلان؛ أحدهما كان في موضع القبول من الكريم المنَّان، والثاني لم يفز بقبول الله –عز وجل- فكان أن اغتاظ من رد عمله بسبب قصوره وتقصيره فقال لأخيه: لأقتلنك، هدَّده بالقتل لأنه لم يُقبل عمله، قال أخوه: وهذا في أول البشرية :﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة: 27] .

فأجاب هذا الأخ الموفَّق إلى السبب الذي جعل عمله مقبولًا، وعملَ أخيه مردودًا، وهو التقوى، التقوى هي الموجبة للقبول، فقد يقبل الله تعالى من المتقين في حين أن غيرَهم عملُهم مردود عليهم؛ لأنهم لم يحققوا القبول، فالشرط الأساس في كل عمل أن يتحلَّى صاحبه بالتقوى.

هذا المعنى العام كيف يمكن أن يحققه الإنسان في أعماله حتى يكون مقبولًا؟ يأمل أن يقبل الله تعالى صيامه، كيف يكون صيامه من المتقين؟

في كل عمل تقوم به إذا أردت أن يقبله الله، فكن فيه تقيًّا، كن فيه متقيًا، كيف تتحقق التقوى؟ تتحقق التقوى بأمرين:

 الأمر الأول:- أن يفعل الإنسان في العمل ما أمره الله تعالى به، يعني في كل عمل افعل ما طلبه الله تعالى منك في ذلك العمل على وجه الخصوص، فمثلًا في الصلاة إذا أردت أن تكون في صلاتك متقيًا فلابد أن تقيمها على الوجه الذي شرعه الله تعالى، في شروطها وأركانها ووجباتها، وتجتهد فيما يفتح الله تعالى عليك من سُننها وآدابها، وهذا لا يقتصر فقط على ما يكون من ظاهر العمل، إنما يكون في الظاهر والباطن، فيستوفي شروطَ القبول الظاهرة وشروط القبول الباطنة، ثمة شروط ظاهرة وشروط باطنة، ولا يتحقق العبد ما يؤمل إلا باستيفاء شروط العمل الظاهرة والباطنة.

أيضًا تتحقَّق التقوى في العمل صيام، أو صلاة، أو صدقة، أو بر والدين، أو أداء أمانة، أو ما أشبه ذلك من الأعمال الصالحة، يتحقق أيضًا باجتناب ما نهى الله تعالى عنه ورسولُه في العمل؛ لأن وقاية العمل مما نهى الله تعالى عنه بعد استيفاء وتوفير شروطِ القبول التي هي امتثال ما أمر الله تعالى به أن يتجنَّب ما نهى الله عنه في كل عمل.

ففي صلاتك لن تكون متقيًا إذا كنت فعلت في صلاتك ما نهى الله تعالى عنه، ولهذا إذا فعل الإنسان في صلاته ما حرمه الله تعالى عليه فإنه لا يكون مقبولًا، وبالتالي من المهم للمؤمن أن يحرص غاية الحرص على أن يحقِّق في كل عمل ما يؤمل من الله –عز وجل- من هذين الأمرين.

الأمر الأول:- أن يسعي أن يكون عمله في غاية ما يمكنه من امتثال ما أمر الله تعالى به.

الأمر الثاني:- أن يجنِّب عمله كلَّ ما نهى الله تعالى عنه.

هذا البيان الإجمالي لشرط قبول العمل وهو التقوى، وأيضًا مما ينبغي أن يلاحظه الإنسان أن من أسباب قبول العمل الاهتمام بالقبول، وأن العبد ليس همُّه فقط أن يأتي بالعمل على أي وجه، إنما أن يكون ذلك على وجه القبول لعمله، يقول الله –جل وعلا-: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة: 27] ، فيهتم الإنسان بسبب القبول في ثنايا العمل وقبل العمل وبعد العمل.

فقبول العمل همٌّ يعمُر قلب العامل الصادق قبل العمل، فيحمِله على استيفاء الشروط من أول دخوله في العمل، وأيضًا هو همٌّ يعمر قلب العامل الصادق في أثناء العمل، وكذلك بعد الفراغ منه، فلا يأمن أن يكون عمله غيرَ مقبول، أو أن يطرأ عليه ما يذهب قبولَه، ولهذا إبراهيم -عليه السلام- وإسماعيل دعوا بهذه الدعوة المباركة في أثناء عملهما فيما يظهر من سياق الآية ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: 127] .

ولذلك من المهم أن يستشعر المؤمن أهمية أن يقبل الله تعالى عمله في أول عمله، وفي ثنايا عمله، وعند الفراغ منه، وكلما كان العبد أعظمَ افتقارًا لربه، وأعظم انطراحًا بين يديه أن يقبل عمله فاز بعطاء الرب -جل في علاه-، فالعبد إذا أظهر الافتقار إلى الله –عز وجل- في القبول، وعظيمَ حاجته وفاقته إلى ذلك كان ذلك من أسباب قبول عمله، ومن أسباب فوزه برضا الله تعالى عن العمل.

وقد جاء فيما روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: « لن يدخل أحدًا عمله الجنة» [أخرجه البخاري في صحيحه:ح5673، ومسلم في صحيحه:ح2816/75] ، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا»، فهو لن يدخل أحدًا عمله الجنة، يعني أن العمل لا يستقلّ ولا يكفي في أن يكون سببًا لدخول الجنة في مجرد العمل فقط.

فالعمل مهما كان عظيمًا، فإنه يقصر عن أن تكون مكافئته وثوابه دخول الجنة، وذلك أن الجنة عالية غالية عظيمة، فيها من الجزاء والأجر ما يفوق عمل العاملين، وليس أن العمل يضيِّعه الله تعالى ولا يأجر عليه، لكن أنت يمكن أن تقول لشخص: افعل هذا العمل مثلا لو كان عمارة، مكان، عقار مثلا وأعطيك أجرًا، وتعطيه أجرًا يفوق ما يأخذه المقاولون عادة في العمل، فإذا كان الذي يأخذه المقاولون مائة ألف على سبيل المثال، وأعطيته على عمله مليارًا، هذا العمل موجب لهذا العطاء؟ يعني هل المليار الذي دُفع لهذا المقاول مقابل عمله؟

الجواب: عمله لا يستحق هذا الجزاء، هذا معنى قوله –صلى الله عليه وسلم- «لن يدخل أحدًا عملُه الجنة» ليس إهدارًا لقيمة العمل، ولكن بيان أن العمل، عمل الإنسان مهما كان متقنًا فإن جزاء الله أعظم من عمله، فهو يحتاج إلى أمر زائد على العمل حتى يفوز بهذا الجزاء على معنى الحديث، ولهذا قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: «ولا أنا»، ومن أعظم من النبي –صلى الله عليه وسلم- عملا؟ ليس هناك أعظم من النبي –صلى الله عليه وسلم- عملًا، فعمله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أكمل العمل، فهو أعبد الخلق لربه، وأقومهم لحق الله –عز وجل-.

ومع هذا قال: «ولا أنا»، أي لن يدخلني عملي الجنة، مع كثرته وإتقانه، إلا أنه لا يكفي لإدخال الجنة؛ لأن الجنة جزاء عظيم كبير وجليل يقصر عنه عمل الإنسان، فقال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة» ثم قال: «فسدِّدوا وقاربوا»، فقوله: «سددوا وقاربوا» تنبيه إلى أنه لابد من عمل للفوز بالجنة، فلا تعطى الجنة مَن لا عمل له، بل لابد من عمل، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف: 72] ، فلابد من العمل، لكن يملأ الإنسانُ قلبَه بأنه مهما كان عمله مُتقَنًا فإنه لن يكون في موضع القبول والجزاء، إن لم يتفضل الله تعالى بفضله ورحمته.

ولذلك يؤكد هذا الحديث المعنى العظيم الذي ينبغي أن يسكن القلوب، وهو الإلحاح على الله بالقبول إذا كان العمل مهما كان متقنًا لن يكون كافيًا في تحصيل الجزاء إلا بفضل الله ورحمته بأن يكون العبد في غاية الافتقار إلى فضل الله ورحمته، ولهذا من أسباب القبول كمال الافتقار إلى الله تعالى، وتمام الإقرار بمنِّه وإحسانه فهو المتفضل بالعمل الذي دل عليه، والمتفضل بالعمل الذي وفَّق العبد إلى القيام به، والمتفضل على العبد بقبول عمله ومجازاته عليه.

ففضل ورحمته سابقة للعمل ولاحقة، فليست مقصورة على القبول في النهاية فقط، بل فضل الله علينا هو الذي علَّمنا كيف نصل إليه، أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأقام الحجة على العباد ببيان الطريق الموصل إليه، بيانًا واضحًا جليًّا، ثم هو الذي يتفضل على العبد بتوفيقه إلى العمل الصالح، فيحبب إليه الإيمان ويزينه في قلبه، ثم هو الذي يعينه على إكماله وإتمامه على الوجه الذي يرضى به عنه، ثم هو الذي يتفضل بقبوله والمجازاة عليه.

ولهذا العبد مهما كان في الطاعة والإحسان، ينبغي ألا يغتر، بل أن يستشعر عظيم فقرِه لربه –جل وعلا- وإذا ملأ العبد افتقارًا إلى ربه فتح الله تعالى له أبواب الخيرات والصالحات في الدنيا والآخرة، وأعظم له الأجر، وجعله من المقبولين.

قال بعض أهل العلم: لو أن العبد سجد لله منذ أن وضعته أمه إلى أن آواه لحدُه يعني إلى أن مات لم يف الله حقَّه، حق الله عظيم، وقد قال القائل: "ذنوبي وإن فكرت فيها كثيرة"، الذنوب اسم جامع لكل مخالفة وخطأ، خروج عن الصراط المستقيم سواء بترك واجب أو فعل محرم.

                  ذنوبي وإن فَكَّرت فيها كثيرة****** ورحمة ربي من ذنوبي أوسع

                 وماطمعي في صالح قد عملته****** ولكنني في رحمة الله أطمع.

فلا يتَّكِل الإنسان على عمله ولا يغتر به، إنما يسأل الله تعالى أن يجعله من المقبولين.

 من أسباب قبول العمل أن يسعى العبد إلى الإخلاص في عمله، فكلما كان العمل مُخلَصًا لله خالصًا باركه الله وعظمه، وكيف يكون العمل خالص؟

ألا يبتغي بعمله إلا الله –جل وعلا- ولهذا قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [أخرجه البخاري في صحيحه:ح38] و «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [أخرجه البخاري في صحيحه:ح37] ، فلابد من الإخلاص في العمل كله حتى يكون مقبولًا.

 وأيضًا من الشروط التي يحصل بها قبول الأعمال أن يكون على وِفق هذا سيد الأنام -صلوات الله وسلامه عليه-، فما كان على وفق هديه كان مقبولًا، وما خرج عن هديه كان مردودًا.

المقدم:- فضيلة الشيخ لم يتبق أمامنا وقت طويل لانتهاء وقت الحلقة، بودي أن نختم الحديث فضيلة الشيخ عن الاستمرار في العبادة والطاعة، تحدثنا عن القبول في الحلقة كاملة، لكن في الجزء الأخير هذا، في الدقائق الثلاث القادمة بودي أن نتحدث على استمرار المسلم على العمل الصالح والمداومة على الطاعة والعبادة.

الشيخ:- إذا قبل الله تعالى العبد فتح له أبواب التوفيق والتسديد، ولذلك قال بعض أهل العلم: من دلائل قبول العمل أن يوفَّق الإنسان إلى العمل الصالح بعده، فجعلوا من دلائل القبول التوفيق للحسنات، وهذا يمكن أن يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى [مريم: 76] ، هم مهتدون ويزيدهم هدى ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا [المدثر: 31] ، فالهدى والإيمان يوجب زيادةً في الإيمان والهدى، وذلك بفعل ما أمر الله تعالى به.

ولهذا يا إخواني ويا أخواتي من المهم، وقد فتح الله على كثير منا -ولله الحمد- في هذا الموسم المبارك من الصالحات ما فتح، ينبغي أن نحرص على العمل الصالح أن نُديم العمل الصالح، فإن إدامة العمل الصالح من موجبات قبول الله –عز وجل- للعبد، لذلك احرص أيها الأخ الكريم وأيتها الأخت الكريمة على إدامة العمل الصالح، فالعمل الصالح ليس في موسم وينقضي، هو يزيد في مواسم ويجتهد الناس في أنواع القربات والصالحات وفي مواطن، لكن عبادة الله هي وظيفة الحياة ليست مقصورة على زمان ولا على مكان ولا على حال، بل نحن عبيد لله –عز وجل- في كل الأحوال، وفي كل الأزمنة، وفي كل الأوقات فنَجِدّ ونجتهد في صالح العمل، ونبتدئ أولًا بما فرض الله علينا.

فنفَتِّش في أنفسنا عن حقوق الله الواجبة، والفرائض من الصلاة والزكاة والصوم والحج وبرِّ الوالدين وصلة الأرحام، وغير ذلك من الأعمال التي هي محلُّ رضا الرحمن -جل في علاه- مما فرضه الله علينا، فإنه أحب ما تقرَّب به العبد إلى ربه –جل وعلا- هو ما افترضه عليه.

ثم بعد ذلك يتزوَّد بالصالحات من التطوعات والحسنات قُربة ورغبةً فيما عند الله –عز وجل-، كما قال الله –عز وجل-: «وَمَا يَزالُ عَبْدِي يتقرَّبُ إِلى بالنَّوافِل حَتَّى أُحِبَّه» [أخرجه البخاري في صحيحه:ح6502] فيكون عمل المؤمن جِدًّا في طاعة الله، في أزمنة الجد والاجتهاد والمسابقة إليه، واشتغال بالصالح في غير ذلك من الزمان، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ*وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ [الشرح: 7- 8] في كل وقت، وجِدَّ في طلب مرضاته -جل في علاه-.

وقوله: إذا فرغت يعني إذا فرغت من عمل صالح، هكذا قال بعض أهل العلم في التفسير، فاجتهد في عمل صالح آخر فإذا فرغت فانصب أي في عمل آخر صالح؛ لأن هذا هو مهمة الحياة، قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2] هو موضوع الحياة العمل، والإتقان في هذا العمل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56] فينبغي للمؤمن والمؤمنة بعد هذا العمل الصالح الذي يسَّره الله تعالى له قليل أو كثير في رمضان أن يديم العمل الصالح بالمحافظة على الصلوات والواجبات والفرائض، وبعد ذلك يجتهد في المسنونات والتطوعات، ويسأل الله –جل وعلا- القبول فإنه هو باب السعادة.

لذلك قال عبد الله بن عمر :"لو علمت أن الله قبل مني سجدة ما كان غائبٌ أحبَّ إلي من الموت" [تقدم] ، آخر ما أقوله فيما يتعلق بهذا الموضوع: هل هناك جزم من الإنسان بأن عمله مقبول؟

الجواب: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون: 60] ، فهم خائفون من عدم القبول، ليس ثمة جزم، ما يستطيع الإنسان أن يجزم بأن عملًا من أعماله قد قُبل، لكننا نطمع في فضل الله ورحمته وبره وإحسانه وجوده وكريم عطائه أن يجعلنا من المقبولين، لكن الجزم؟ لا سبيل إلى الجزم بأن عملًا من الأعمال مقبول.

وأيضًا ما يقال من دلائل قبول العمل هي مؤشِّرات، ثم إن العمل قد يقبل ثم بعد ذلك يطرأ عليه ما يكون سببًا لحبوطه، من عُجبٍ في العمل أو تسميع، لذلك ينبغي أن يحافظ الإنسان على العمل الصالح بأن لا يبطلَه، فإن من الناس من يبطل عمله، فكما أن الرياء يبطل العمل المقارِن فكذلك ثمة ما يبطل العمل الصالح بعد حصوله، كما قال تعالى في وصف المتصدقين: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى [البقرة: 263] ، فإذا تصدق الإنسان ثم أتبعها أذى كان ذلك من أسباب حبوط عمله، وذهاب أجره، وتبدد سعيه.

المقدم:-فضيلة الشيخ عفوا على المقاطعة عندنا موجز، انتهى وقت برنامجنا، عفوا جدا على المقاطعة أشكرك كثيرًا.

الشيخ:-بارك الله فيكم، أسال الله لي ولكم القبول، وأعادنا الله وإياكم ميعاد الخير، ونلقاكم -إن شاء الله- في حلقة قادمة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المقدم:-وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، شكرًا جزيلًا فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور خالد المصلح أستاذ الفقه بجامعة القصيم.555

مواد تم زيارتها

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف