الاربعاء 24 ذو الحجة 1441 هـ
آخر تحديث منذ 8 ساعة 27 دقيقة
×
تغيير اللغة
القائمة
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو Hausa
الاربعاء 24 ذو الحجة 1441 هـ آخر تحديث منذ 8 ساعة 27 دقيقة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأعضاء الكرام ! اكتمل اليوم نصاب استقبال الفتاوى.

وغدا إن شاء الله تعالى في تمام السادسة صباحا يتم استقبال الفتاوى الجديدة.

ويمكنكم البحث في قسم الفتوى عما تريد الجواب عنه أو الاتصال المباشر

على الشيخ أ.د خالد المصلح على هذا الرقم 00966505147004

من الساعة العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهرا 

بارك الله فيكم

إدارة موقع أ.د خالد المصلح

×

لقد تم إرسال السؤال بنجاح. يمكنك مراجعة البريد الوارد خلال 24 ساعة او البريد المزعج؛ رقم الفتوى

×

عفواً يمكنك فقط إرسال طلب فتوى واحد في اليوم.

مرئيات المصلح / برامج المصلح / الدين والحياة / الحلقة (193)"مغفرة الذنوب أسبابها وموانعها"

مشاركة هذه الفقرة

الحلقة (193)"مغفرة الذنوب أسبابها وموانعها"

تاريخ النشر : 14 ذو القعدة 1441 هـ - الموافق 05 يوليو 2020 م | المشاهدات : 73

المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم مستمعينا الكرام في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نحييكم تحية طيبة في بداية هذه الحلقة لبرنامج" الدين والحياة"، والتي نستمر معكم فيها على مدى ساعة كاملة بمشيئة الله تعالى، في بداية هذه الحلقة مستمعينا الكرام تقبلوا تحياتي محدثكم وائل حمدان الصبحي، ومن الإخراج  الزملاء مصطفي مستنطق ومصطفي الصحفي.
مستمعينا الكرام ضيف حلقات برنامج "الدين والحياة" هو فضيلة الأستاذ الدكتور الشيخ خالد المصلح الأستاذ في جامعة القصيم.
 فضيلة الشيخ! السلام عليكم وأهلا وسهلًا بك معنا في بداية هذه الحلقة.
الشيخ:- عليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
المقدم:- أهلا وسهلا، حياك الله فضيلة الشيخ.
الشيخ:- يا مرحبا بك.
المقدم:- حياكم الله مستمعينا الكرام، بمشيئة الله تعالى سيكون حديثنا في هذه الحلقة من برنامج "الدين والحياة" والتي نناقش موضوعات تهمُّ المسلم في أمور دينه ودنياه في حلقات برنامج "الدين والحياة" نحاول أن نتحدث عن موضوعات نسلط الضوء من خلالها على مجموعة من الموضوعات التي يحتاج إليها المسلم في دينه ودنياه، ونأخذ رأي الشارع الحكيم فيها.
في هذه الحلقة سنتحدث عن موضوع مهم يحتاجه المسلم في حياته في دنياه ألا وهو "مغفرة الذنوب" سنتحدث تحت عنوان "مغفرة الذنوب أسبابها وموانعها".
 ابتداء فضيلة الشيخ ونحن نتحدث عن هذا الموضوع بودي أن نتحدث ابتداء عن الخطأ، وأن الإنسان مجبول على الخطأ؛ لذلك احتاج إلى التوبة والأوبة، وبالتالي احتاج إلى المغفرة من الله –تبارك وتعالى- من حديث النبي -عليه الصلاة والسلام-: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ». [أخرجه الترمذي في سننه:ح2499، والحاكم في مستدركه:ح7617، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. وقال الصنعاني(سبل السلام:2/653): سنده قوي. وحسنه الألباني في صحيح الجامع:4515]
ابتداء نريد أن نتحدث عن هذا الموضوع فضيلة الشيخ.
الشيخ:- مرحبا بك أخي وائل، وحيا الله الإخوة والأخوات المستمعين والمستمعات وأسأل الله تعالى لي ولهم التوفيق والسداد، وأن يجعلنا وإياكم من المبارَكين.
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد..
فموضوعنا في هذه الحلقة كما تفضَّلت أخي وائل موضوع عن المغفرة، وما أهم هذا الموضوع، وما أعظم أثره في حياة الناس وفي مسارهم، الله –جل وعلا- خلق ابن آدم وجَبَله على أمور، ومما جُبل عليه أنه كثير الخطأ، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيما جاء في الترمذي بإسناد جيد من حديث أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- قال –صلى الله عليه وسلم-: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ». [تقدم]
هذه الجملة في الحديث النبوي التي يخبر فيها النبي –صلى الله عليه وسلم- عن حقيقةٍ في خصال البشر أن الآدمي الذكر والأنثى، الصغير والكبير لا يخرج عن ذلك أحد من الناس خطَّاء، ومعنى خطاء أي يقع منه الخطأ لكن جاء بصيغة المبالغة للدلالة على كثرة الأخطاء وعلى عِظم الأخطاء، لأن خطاء صيغة مبالغة، ولم يقل: كل ابن آدم يخطئ، إنما قال: كل ابن آدم خطاء، أي أنه يخطئ كثيرًا ويخطئ أخطاء قد تكون هذه الأخطاء عظيمة.
فصيغة المبالغة أفادت هذين المعنيين، بعد ذلك دل النبي –صلى الله عليه وسلم- وأرشد إلى المخرج من هذه الخصلة التي جُبل عليها الإنسان وهي السلامة من الخطأ بالتوبة فقال: «وخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» أي خير من يخطئ هو من يكثر التوبة، وكما أن الإنسان خطاء، كثير الخطأ، عظيم الخطأ ينبغي أن يقابل ذلك بما يمحوه ويزيله وهو كثرة التوبة وكثرة الاستغفار، والله تعالى قد بشَّر عباده بأنه يقبل التوبة عن عباده وهو -جل في علاه- يعفو عن السيئات، وهو –سبحانه وبحمده- يبسُط يديه بالليل ليتوبَ مُسيء النهار، ويبسط يديه بالنهار ليتوبَ مسيءُ الليل [ حديث مسلم(2759/31) في هذا المعنى، من حديث أبي موسى رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا»] ، كل هذا لبيان عظيم حاجة الناس إلى التوبة؛ لأنه لم يحدَّها في وقت، ولم يجعلها في زمن، ولم يخصَّ بها أحدًا، بل هي مبسوطة لكل أحد، صغيرٍ وكبير، وذكرٍ وأنثي، ليل ونهار، في كل أحوالهم، وفي كل أحيانهم، ليدركوا من فضل الله –عز وجل- وبرِّه وإحسانه وعطائه وجزيل مَنِّه ما يكون سببًا لمحو سيئاتهم، وإذا مُحيَت عنهم سيئاتهم وغفرت خطاياهم سعدوا وانشرحت صدورهم وفرِحوا بالله –عز وجل-، والله يفرح بهم.
ولذلك قال:« الله أَفْرَح بتوبة عبدِهِ من أحدكم سَقَطَ على بَعيرِه، وقد أَضَلَّه في أرض فَلاةٍ» [أخرجه البخاري في صحيحه:ح6309 ] يعني يبين النبي –صلى الله عليه وسلم- عظيم فرح الله بتوبة العبد على هذا النحو التمثيلي التقريري الذي يصور المعنى الذي أراده النبي –صلى الله عليه وسلم- في بيان توبة العبد، وعظيم وَقْعِها عند الرب -جل في علاه-.
المراد والمقصود أيها الإخوة والأخوات الإنسان مجبول على الخطأ، وهذا لا يعني أن يستمر على الخطأ، لما نقول: الإنسان خطاء، هذا ليس دعوة إلى استمرار الخطأ ولا لتبرير الخطأ، إنما هو بيان لحقيقة وخصلة من خصال الإنسان التي ينبغي أن يسعى في معالجتها، ولذلك النبي –صلى الله عليه وسلم- لم يَقتصر على تقرير «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ» بل عقَّب ذلك مباشرة ببيان المخرج من شؤم هذه الخصلة وهو كثرة التوبة والاستغفار قال: «وخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ».
لذلك من المهم أن نسعى وأن نَجِدَّ وأن نجتهد في التوبة، وأن نعلم أننا مضطرون إليها، ولذلك الله تعالى جعل التوبة ملازِمة للإنسان كما أن الذنب ملازمًا له، «لو لم تُذنِبوا لذهب الله بكم ولأتى بقوم يذنبون ثم يستغفرون» [حديث النبي أخرجه مسلم في صحيحه:ح2749/11] وهذا يدل على أن الذنب في خصال الإنسان أصيل لكن مع هذا من رحمة الله تعالى أن جعل له طريق الأوبة والرجعة، وهذا آدم أبو البشر، أول من خلقه الله تعالى ابتلاه الله تعالى بمنة عظمى وهي أن أُدخل الجنة، ثم منعه -جل في علاه- ليختبره من أن يأكل من شجرة، أباح له كلَّ ما في الجنة إلا شجرة واحدة هو وحواء زوجه ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ* فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف: 19- 20] ، وحصل ما حصل من الخطأ، لكن هل كان هذا نهاية المطاف؟
الجواب: ﴿ثُمَّ ٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيۡهِ وَهَدَىٰ ﴾ [طه:122] ، فجعل ذلك مِنَّةً منه -جل في علاه- أن ألقى إليه ما يعيده إلى الرشد، ويخرجه من دائرة المعصية والخطأ ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 37] هذا من فضل الله وعظيم إحسانه وجزيل برِّه بعباده أن فسح لهم طريق التوبة، والعجيب أن الأوبة والتوبة والمغفرة التي هي ثمرة التوبة والرجوع إلى الله –عز وجل- لا تقتصر على زمان، فهي مفتوحة في كل الأوقات، ولذلك لا تنقطع التوبة حتى تبلغ الروح الحلقوم، يعني حتى يُغَرغِر الإنسان، وفيما يتعلق بالتوبة في خاصة كل إنسان يتوب الله تعالى عليه من ذنبه إذا تاب ما لم يصل إلى حد الغرغرة التي يكون فيها خلاص الموت، ويشهدِ الملائكة فيكون الغيبُ شهادةً.
إذا كان الغيب شهادة، يعني إذا عاين حقيقة ما أَخبَرَت به الرسل من نزول ملائكة الرحمة لأهل الإيمان نسأل الله أن نكون منهم، أو ملائكة العذاب لأهل المعصية والفسوق والفجور والكفر، فإنه عند ذلك لا مجال للتوبة؛ لأنه صار الغيب شهادةً وكذلك فيما يتعلق بآخر الزمان فإن التوبة وهي باب المغفرة لا تغلق ولا تنتهي إلا بطلوع الشمس من مغربها ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: 158] .
 طلوع الشمس من مغربها عند ذلك الإيمان أصبح شهادة وليس غيبا، والإيمان الذي يحصل به النجاح والنجاة والفوز إيمان الغيب لا إيمان الشهادة.
الخلاصة:- أن الإنسان في غاية الضرورة إلى مغفرة الله ورحمته وعفوه وتجاوزه، ولهذا كانت التوبة التي هي باب المغفرة على هذا النحو الذي ذكرتُ، نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا وإياكم من التوابين ممن يفوز بعفوه ومغفرته وصفحه وتجاوزه، وأن يوفقنا إلى الأخذ بالأسباب المُفضِيَة إلى المغفرة، وهذا ما سنتناوله -إن شاء الله تعالى- في الفقرة القادمة وهي بيان جملة من الأسباب التي جاءت في الكتاب والسنة لتحصيل مغفرة الله، أسأل الله أن يغفر لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.
المقدم:- فضيلة الشيخ ذكرتَ لي أن الضرورة هي أعلى من الحاجة، قلت لك: حاجة الإنسان كما قلت لها الضرورة هي أعلى من الحاجة؛ لذلك الإنسان مضطر لمغفرة الله –تبارك وتعالى- هل هو بحاجة لمغفرة الذنوب في حياته أيضًا وفي آخرته عندما يلقى الله –تبارك وتعالى-؟
الشيخ:- طبعا الحاجة إلى التوبة ليست مقصورة على ما بعد الموت، فالإنسان بحاجة إلى مغفرة الذنوب في معاشه؛ لأن كل ما يصيبه مما يكرهه هو حصاد سيئاته، قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم: 41] ، هذا بيان لتأثير المعصية على وجه العموم، وليس على وجه الأفراد والخصوص.
أما الخاصة فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30] ، فلا يؤاخذكم به، وقد أخبر الله تعالى في كتابه أنه لو آخذ الناس بذنوبهم ما أبقى على الأرض من أحد، وذلك لعظيم الذنوب التي يقترفها العباد والمعاصي التي يخرجون بها عن حدود الله –عز وجل-، وما تستقيم به أمورهم وتصلح به دنياهم وأخراهم.
فالمغفرة ليست مقصورة على الآخرة، يعني الحاجة إليها ليست مقصورة على الآخرة، بل حتى في الدنيا الناس يحتاجون إليها، فبها يسعدون، وبها ينعمون، وبها يتوقَّون ما يكرهون، وبها ينالون برَّ الله –عز وجل- وعفوَه وكل ما يؤمِّلونه من خير الدنيا والآخرة، ولذلك الإنسان إذا نزل به ما يكره فإنه إذا استغفر الله –عز وجل- وصدق في طلب المغفرة منه كان ذلك من موجبات درءِ ما يكرهه من المصائب ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30] .
ولهذا قال الله تعالى في قصة نبي الله يونس عندما حصل منه ما حصل من استعجال لاستجابة قومه، وما أخبر الله تعالى به في محكم كتابه قال -جل في علاه- في دعائه: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87] ، هذه هي التوبة وطلب المغفرة والعفو والإقرار بالخطأ والإساءة.
لهذا ينال الإنسان مغفرة الله ورحمته، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ* لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: 143- 144] ، فكانت مغفرة الله ليونس نجاةً له من أعظم الكُرُبات وأشدِّ الأهوال التي أحاطت به، وهو أنه كان في بطن حوت قد أظلمت عليه ظلمات بعضها فوق بعض، لكن رحمة الله أنقذته، وفضل الله شمله فغفر له ما كان من ذنب لمَّا كان من الموحِّدين المسبِّحين المُقرِّين بأخطائهم وذنوبهم، مستغفرين.
ولهذا ينبغي ألا يفتر الإنسان عن قول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، فإن النبي –صلى الله عليه وسلم- كان يُحسب له في المجلس الواحد أستغفر الله العظيم وأتوب إليه سبعين مرة في المجلس الواحد [أخرج الترمذي في سننه:ح3434من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قَالَ: كَانَ تُعَدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المَجْلِسِ الوَاحِدِ مِائَةُ مَرَّةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَقُومَ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الغَفُورُ» . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. وأخرج البخاري في صحيحه:6307من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً»] يعني لما يجلس الواحد مع أصحابه في سيارة، في مقهى، في بيت، في مكتب كان النبي –صلى الله عليه وسلم- تحسب له أقل ما يكون سبعين استغفار، وهذا مع أنه مع ناس ما هو منفرد.
ويقول –صلى الله عليه وسلم-: «والذي نفسي بيده إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة» [أخرجه مسلم في صحيحه:ح2702/41] يعني على وجه الإنفراد غير الذي يكون في مشهد أصحابه، فالإنسان محتاج إلى طلب العفو والمغفرة من الله، نسأل الله أن يعفو عني وعنكم، وبالتالي الإنسان مضطر إلى طلب المغفرة وإلى التعرض إلى مغفرة الله –عز وجل- سواء كان ذلك لإصلاح معاشه ودنياه ونيل ما يؤمِّل من خيرات الدنيا، أو كان ذلك لنيل ما يرجو ويؤمل من خيرات الآخرة.
المقدم:- فضيلة الشيخ ابتدأنا حديثنا بالحديث عن طبيعة الإنسان وجبلة الإنسان في الخطأ، وتحدثنا آنفًا عن ضرورة الإنسان للمغفرة من الله –تبارك وتعالى- وأثرها في سعادة الإنسان قبل ذلك، نريد أن نتحدث الآن فضيلة الشيخ عن أسباب المغفرة، كيف يتحصل الإنسان على المغفرة من الله –تبارك وتعالى-؟
الشيخ:- هو أخي الكريم فيما يتعلق أسباب المغفرة متنوعة وكثيرة، ومن رحمة الله تعالى أن نوَّع الأسباب التي تغفر بها الذنوب؛ لأن الذنوب كثيرة والإنسان بحاجة إلى أن يتخفَّف منها، الإنسان ذكر أو أنثي، صغير أو كبير في الدنيا مشروع حياته وعمله الذي جعله الله تعالى مطلوبًا منه يدور على أمرين:
الأمر الأول:- الاستكثار من الصالحات، السعي في أن يُكثر قدرَ إمكانه من صالح العمل سواء كان ذلك في الواجبات، وهذا هو الأساس والأول المطلوب الأول والفرائض.
ثم بعد ذلك المستحبات والمندوبات، وهي أيضًا مما يُتقرب به إلى الله –عز وجل- ويُستزاد به للرحلة إليه -جل في علاه-.
أما الأمر الثاني:- الأمر الأول هو التزود من الصالحات فرائض ومستحبات.
والثاني:- التخفف من السيئات، كيف ذلك؟
بأمرين؛ الأمر الأول:- بالاجتناب والتوقي للخطأ ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32] ، ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: 1] ، وهلمَّ جرًّا، النصوص التي تدعوا العباد إلى اجتناب المعاصي ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: 120] ، هذه هي الخطوة الأولى من التخفف في السيئات، أنه ما تتورط في شيء منها.
إذا تورطت، تستسلم؟ الجواب: لا، تسعى إلى التخفف وإلى كثرة الاستغفار الذي يمحو الذنوب، ويزيل ذلك الخطأ، ولهذا النبي –صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: «لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ» [أخرجه البخاري في صحيحه:ح5671، ومسلم في صحيحه:ح2680/10 ] يعني لا أحد يقول: يا ليت أموت، أو حتى لو لم يتكلم إنما يكون قلبه مليان بالرغبة بالموت لماذا؟ إما مُحسنًا فلعله يزداد هذا التزود من الصالحات، وإما مسيئًا فلعله يَستَقِلّ، وهذا يبين أن حياتنا لابد أن تكون دائرة على هذين المحورين، على هذين الأمرين حسنات نستكثر منها، وسيئات نتخفف منها.
وما أكثر ما نخطئ ونذنب ونَذِلّ ونعصى، والله تعالى يعفو ويغفر ويتجاوز ويصفح «يا عبادي ! إنَّكم تُخطِئون باللَّيلِ والنَّهارِ وأنا أغفِرُ الذُّنوبَ جميعًا ولا أُبالي فاستغفروني أغفِرْ لكم». [أخرجه مسلم في صحيحه:ح2577/55]
فأمر الله –عز وجل- في الحديث الإلهي أن يطلب الناس المغفرة من الله –عز وجل- وأن يتعرضوا لها، وبشَّر أنه يغفر الذنوب جميعًا، فليس ذنب من الذنوب يعلو على المغفرة إلا الكفر والشرك كما سيأتي في الموانع، وإلا فالله تعالى يغفر الذنوب جميعًا ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53] ، وقد قال الله تعالى حتى على سنة الرسل المتقدمين ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: 61] ، وفي الصحيح من حديث أبي هريرة «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من مائة مرة». [تقدم]
إذًا نحن نحتاج إلى أن نعرف ما هي الأسباب التي تُنال بها المغفرة حتى نفوز بها أسأل الله أن يبلغنا وإياكم فضله، أول ما تُحط به الخطايا وتُنال به مغفرة الله –عز وجل- هو سؤاله والإلحاح عليه -جل في علاه- بأن يغفر الذنب، وأن يتجاوز عن الخطأ، وأن يعاملك بالعفو والمغفرة، فهو أهل العفو والمغفرة -جل في علاه-، قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: 61] والنبي –صلى الله عليه وسلم- يقول في بيان امتثاله لأمر الله «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من مائة مرة»، هو لهذا ينبغي للإنسان أن يُلحَّ على الله في طلب العفو والمغفرة كلَّ حين، وفي كل حال وألا يتعاظم ذنبًا أن يغفره مهما عظم، لأنه يأتي الشيطان أحيانًا للإنسان ويقول: أنت الله ما غافر لك، أنت سويت وفعلت ويعدِّد عليه المعاصي، ليس لأجل أن يكفَّ عنها، لا، لأجل أن يستمر فيها، وهذه من مداخل الشيطان، فييأسه من رحمة الله –عز وجل-، ويقنِّطه من فضله وعطائه وبره لأجل أن يستمر على الخطأ، والله تعالى قد نص في كتابه في آية صريحة أنه لا يتعاظَم ذنبًا أن يغفره.
فالله تعالى لا يتعاظم ذنبًا أن يغفره مهما عظم وكثر، ولا يكبر عليه عيب أن يستره مهما جلَّ وكبُر، فهو –سبحانه وتعالى- يجزي على التوبة الأجر العظيم، قال الله تعالى في بيان صفات عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا* يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا* إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: 68- 70] .
هذا فضل كبير من الله تعالى وعطاء جزيل، فلذلك من المهم أن يبادر الإنسان إلى طلب العفو والمغفرة من الله -جل في علاه- هذا هو السبب الأول والطريق الأول الذي يدرك به الإنسان محوَ الخطايا وحطَّ الرزايا، وهذا لا يعجز عنه الإنسان، فليس من الناس من يعجز أن يقول: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم، أستغفر الله العظيم وأتوب إليه، فإنه –جل وعلا- من رحمته جعل المغفرةَ نصيبَ كل من صدق في طلبها، كما أنه من فضله بعد ذكر ما يتعلق بطلب المغفرة جعل أسبابًا وأعمالًا يمحو بها الخطايا ويحط بها السيئات والأوزار، ولو كانت في الكثرة والعِظَم مثل زبد البحر.
تخيل مثل زبد البحر يعني مثل ما الزبد الأبيض الذي يكون على الساحل بسبب ترامي الأمواج وتعاقبها، لو كان كثرت ذنوب ابن آدم حتى صارت زبد البحر كله، ثم فعل بعض هذه الأعمال التي جاء ذكرها في الكتاب والسنة كان ذلك من أسباب مغفرة الذنوب والخطايا.
 ومن أعظم ما يغفر الله تعالى به الخطايا بعد الاستغفار والتوبة: الصلاة، فالصلاة لها أثر كبير في محو الخطايا والرزايا وإزالة الذنوب والخطأ والسيئات، ولا فرق في ذلك بين الفرائض والنوافل، وإليك بعض ما جاءت به السنة في ذلك، فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال –صلى الله عليه وسلم-: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟ قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ».
يعني يقول: أخبروني، أرأيتم بمعنى أخبروني لو أن عند باب واحد منا نهر جاري يغتسل منه، ما هو فقط يتوضأ أو يغسل وجهه أو يديه بل يغتسل منه يعمُّ بدنه كله بهذا الماء الذي في النهر خمس مرات في اليوم، لو أن الإنسان تروش في اليوم خمس مرات هل يبقى من درنه والأوساخ التي يمكن أن تعلق في شيء؟ الجواب: لا، قالوا: لا يا رسول الله لا يبقى من درنه شيء قال: «قَالَ: فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا». [أخرجه البخاري في صحيحه:ح528، ومسلم:667/283]
هذا مثال ضربه النبي –صلى الله عليه وسلم- لبيان كيف تؤثر الصلوات الخمس في محو الخطايا، الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، وانظر تفريقَها في هذه الأوقات ليستوعب كل أحوال الإنسان وتغيراته: طلوع فجر، تحول الشمس من المشرق إلى المغرب، غروب الشمس، اشتداد ظلمة الليل، كل هذا لأجل أن يستوعب ما يكون من خطأ الإنسان، فالنبي –صلى الله عليه وسلم- جعل ذلك، مثَّل بهذا المثل ليبين عظيم مغفرة الخطايا، هذا في الفرائض.
طيب في النوافل؟ في الصحيحين من حديث عثمان أنه توضأ وأحسن الوضوء ثم قال: رأيت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- نحو وضوئي هذا يعني قريبًا من هذا الوضوء الذي كرر فيه ثلاث مرات في كل عضو، ثم قال: «مَن توضَّأ نحوَ وُضوئِي هذا، ثم قام فرَكَع رَكعتينِ لا يُحدِّثُ فيهما نفْسَه، غُفِرَ له ما تَقدَّم من ذنبِه». [أخرجه البخاري في صحيحه:ح159، ومسلم:ح226/3 ]
وهذا فضل الله وعطاؤه الجزيل، بركعتين لا تُحدِّث فيهما نفسك يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك، عطاء جزيل، وبرٌّ عظيم، وفضل كبير في مغفرة الذنوب.
وقد جاء في صحيح الإمام مسلم أيضًا: «منْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوضوءَ، خَرَجَت خَطَايَاهُ مِنْ جسَدِهِ حتَّى تَخْرُجَ مِنْ تحتِ أَظفارِهِ» [أخرجه مسلم في صحيحه:ح245/33] ، وفي حديث أبي هريرة قال –صلى الله عليه وسلم-: «أَلا أَدُلُّكُمْ عَلى مَا يمْحُو اللَّهُ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ قَالُوا: بَلى يَا رسولَ اللَّهِ. قَالَ: إِسْباغُ الْوُضُوءِ عَلى المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخطى إِلى المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بعْد الصَّلاةِ، فَذلِكُمُ الرِّباطُ، فَذلكُمُ الرِّباطُ». [ أخرجه مسلم في صحيحه:ح251/41]
الصلاة، كل ما يتعلق بها، الاستعداد والتهيؤ لها، وفعلها، وحضور القلب فيها، كل ذلك مما يحط الله تعالى بها الخطايا، بل حتى بعد ما يفرغ الإنسان من الصلاة وقلبه معلَّق بالمساجد، انتظار الصلاة بعد الصلاة مما يغفر الله تعالى به الخطايا ويرفع به الدرجات، والنبي –صلى الله عليه وسلم- يقول في بيان ما ينال به الإنسان مغفرة الله تعالى قال: «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ، فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». [أخرجه البخاري في صحيحه:ح780، ومسلم في صحيحه:410/72]
وأنت تصلي، كم صلاة تصلي فرائض؟ وتصلي نوافل وتقرأ الفاتحة في كل صلاة، فضل الله لن يحرمك أن يوافق في مرة من هذه المرات تأمينُك تأمينَ الملائكة فتنال بذلك مغفرة الله تعالى ومغفرته تستوعب كل ذنب، غُفر له ما تقدم من ذنبه، هذه الأحاديث كلها في الصحيحين، يعني ليست أحاديث ضعيفة الأسانيد، بل هي ثابتة وهي دالة على عظيم فضل الله تعالى على عباده، في هذه الصلاة التي بها تحطُّ الخطايا، وتكفَّر السيئات، وترفع الدرجات، وتنشرح الصدور، وتطمئن الأفئدة وينتهي الإنسان عن الفحشاء والمنكر وما فيها من ذكر الله أعظم ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45] ، فهو أكبر المنافع وأعظمها، لأن ذكره -جل في علاه- طيب القلوب وهناؤها، ذكره -جل في علاه- هو مفتاح الصالحات، وهو مفتاح عظيمِ الأجور والهبات من ربٍّ يعطي على القليل الكثير.
فينبغي لنا أن نتعرض لهذا الباب، وألا نحرم أنفسنا هذا السبيل من السبل التي ينال بها العبد عفوَ الله ومغفرته، هذا فيما يتعلق بصلة العبد بربه، من الأعمال، من أجَلِّ الأعمال التي تُغفر بها الخطايا: الصلاة، طبعا الحج يحط الله به تعالى الخطايا، الصيام،« مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [أخرجه البخاري في صحيحه:ح38 ] و «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [ أخرجه البخاري في صحيحه:ح37] ، «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». [ أخرجه البخاري في صحيحه:ح1901]
أعمال كثيرة من الصالحات فيما بين العبد وربه ينال بها مغفرته وعفوه وتجاوزه وصفحه، أيضًا إضافة لهذا ما يتعلق بمعاملة الخلق فإنه من عفا عن الناس عفا الله عنه، ومن عامل الناس بالحسنى أحسن الله إليه، ولهذا غفر الله تعالى لعبد كان قد أمر غلمانه وفتيانه إذا أتوا وهو صاحب مال ويدين الناس، فقال لهم:" إذا أتيتم إلى أحد فكان مُعسرًا فتجاوزا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا" أي يغفر لنا ما كان من خطأ وتقصير وذنب وإساءة فتوفاه الله تعالى -جل في علاه- فسئل عن عمل صالح كان يعمله فلم يذكر، فقال: كنت تداين الناس فإذا عجز أحد عن الوفاء عفوت عنه ونحن أحق بالعفو منك. [أخرجه مسلم في صحيحه:ح1561/30]
الله تعالى كريم منان يعامل العبد بنظير ما يعامل به الخلق، فمن عامل الخلق بالإحسان عامله الله بأضعاف ما يؤمِّل من الإحسان، عطاء الله جزيل وكبير ومدهش -جل في علاه- فيما يعطيه، يرزق مَن يشاء بغير حساب، بدون عدٍّ ولا تقدير، فلذلك ينبغي للإنسان أن يستحضر هذه المعاني وأن يتعرض لفضل الله وعفوه ومغفرته، والإحسان لا يقتصر فقط على الإنسان، بل حتى على الحيوان.
ولهذا غفر الله تعالى لرجل سقى كلبًا [أخرجه البخاري في صحيحه:ح2363، ومسلم:2244/153 ] أو حديث آخر امرأة سقت كلبًا [أخرجه البخاري في صحيحه:ح3467 قال النبي: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ، كَادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ، إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ»] أوشك أن يهلك من العطش، فشكر له فغفر له فدخل الجنة، وهذا يدل على أن المغفرة هي الطريق الذي يتخلص به الإنسان من السيئات ويصل به إلى رحمة الله وإلى فضله وإحسانه، وليست بعسيرة، مغفرة الله قريبة لمن تعرَّض لها، فهو -جل في علاه- عفوٌّ يحب العفو، فهو –سبحانه وتعالى- يغفر الذنوب جميعًا، وقابل التوبة، غافر الذنب -جل في علاه- لمن أخذ بالسبب الموصل إلى فضله وإحسانه، وهو الذي يغفر بلا سبب، فكيف إذا أخذ العبد بالأسباب وتعرض لمغفرة الله تعالى وعفوه ورحمته؟
 نسأل الله ألا يحرمنا وإياكم فضله، وأن يمن علينا بالإقبال عليه في نيل مغفرته وعفوه.
المقدم:- اللهم آمين، اسمح لي فضيلة الشيخ بإضافة بسيطة قبل أن ننتقل إلى فاصلنا الأول في هذه الحلقة، أيضًا مما يكفر ويغفر السيئات ما جاء في سنة النبي -عليه الصلاة والسلام- من الأدعية التي لها من الفضائل والأجور الشيء الكثير، ويبدو أن على رأسها ما جاء في صحيح البخاري عن فضل سيد الاستغفار، في حديث شداد بن أوس، في الدعاء المعروف:" اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت" قال النبي -عليه الصلاة والسلام-:« من قالها مؤمنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة» [أخرجه البخاري في صحيحه:ح6306 ] إلى آخر الحديث هذا أيضًا من الفضائل والهبات والعطايا من الله –تبارك وتعالى-، مجموعة أدعية بسيطة يغفر الله –تبارك وتعالى- بها السيئات والذنوب والخطايا.
الشيخ:- بالتأكيد، وهذا أشرنا إليه في جملة، في أول أسباب المغفرة، سؤال الله والإلحاح عليه في طلب المغفرة، وأيضًا أنت ذكرت سيد الاستغفار، لكن بعض الناس يقول: أنا ما أحفظ أو أعرف. ما تحتاج تحفظ ولا تعرف، إذا حفظت فذلك نور على نور وخير ما تدعو الله تعالى به وتسأله ما جاء عن النبي –صلى الله عليه وسلم- لكن حتى لو لم تعرف، ما تعرف تقول: اللهم اغفر لي ذنبي، النبي –صلى الله عليه وسلم- يقول كما في الصحيح من حديث أبي هريرة أنه قال:« أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ "، قَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى: لَا أَدْرِي أَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ: «اعْمَلْ مَا شِئْتَ» [أخرجه مسلم في صحيحه:ح29]
الله أكبر، وهذا ما جاء ببيانٍ فصيح، ولا بلسان عريض البيان، إنما جاء بكلمات يتقنها كلُّ أحد، المدار على ما في القلب، إذا صدق العبد في طلب ما عند الرب، وعبَّر عن ذلك بما فتح الله عليه من الأوراد، وخيرها ما جاء عن النبي –صلى الله عليه وسلم-.
لكن إذا ما حفظ فليسأل الله بكل لسان يطيقه ويحسنه، فالله -جل في علاه- يعلم مكنونات الضمائر وما تخفي الصدور، نسأل الله أن يتقبلنا في عباده الصالحين.
المقدم:- اسمح لي فضيلة الشيخ أن نذهب إلى فاصل بعده نكمل الحديث بمشيئة الله تعالى، حديثنا الذي بدأناه عن أسباب المغفرة وسننتقل بحديثنا -بمشيئة الله تعالى- بعد هذا الفاصل لموانع المغفرة، ما هي الأعمال التي تمنع المغفرة عن العبد؟ سنذهب إلى فاصل قصير بعده نكمل الحديث.
حياكم الله مستمعينا الكرام في هذه الحلقة لبرنامج "الدين والحياة" ضيفنا الكريم فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور خالد المصلح أستاذ الفقه بجامعة القصيم، أهلا وسهلا فضيلة الشيخ مجددًا، حياك الله.
الشيخ:- حياكم الله، مرحبًا بكم، الله يحييك.
المقدم:- فضيلة الشيخ قبل أن ننتقل إلى النقطة الأخيرة التي سنتحدث عنها عن موانع المغفرة، إذا كان هناك من إضافة للأعمال التي يغفر الله –تبارك وتعالى- بها الذنوب؟
الشيخ:- الأعمال التي تُنال بها المغفرة، فأعظم ذلك التوبة والاستغفار، وسؤال الله العفو، الدعاء بكل لسان يمكن للإنسان سواء ما جاء عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أو ما فتح الله تعالى عليه من الأدعية التي يسأل فيها عفوَ الله ومغفرته، ثم بعد ذلك الأعمال المتنوعة من صلاة مفروضة أو متنفَّل بها، الصوم يحط الله تعالى به الخطايا، الحج، الزكاة، الصدقة من أسباب عفو الله ومغفرته، إحسان المعاملة للخلق بالعفو عنهم والصفح والتجاوز، كل ذلك مما يمحو الله تعالى به الخطايا ويرفع به الدرجات.
أما الموانع ففي رأس الموانع ما ذكره الله في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 48] ، ومعنى هذا أن الله تعالى لا يغفر الشرك، وما هو الشرك؟
الشرك: هو تسوية غير الله بالله، سواء كان ذلك في أسماء الله وصفاته، أو في ربوبيته بأن يثبت خالقًا غيرَ الله، أو في إلهيته فيما يجب له من العبادة، فالشرك بكل صوره وهو أن تجعل لله مثيلًا، أن تجعل لله من يساويه فيما يجب له من التوحيد والعبادة، والتقرب والكمالات، هذا مما لا يغفره الله تعالى، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 48] ، وقال: ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: 72] ، وقد جاء في المسند من حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «الدَّوَاوِينُ عِنْدَ الله -عز وجل- ثَلَاثَةٌ: دِيوَانٌ لَا يَعْبَأُ اللهُ بِهِ شَيْئًا، وَدِيوَانٌ لَا يَتْرُكُ الله مِنْهُ شَيْئًا، وَدِيوَانٌ لَا يَغْفِرُهُ اللهُ، فَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَغْفِرُهُ اللهُ فَالشِّرْكُ بِالله قَالَ اللهُ -عز وجل-:﴿ إِنَّه مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: 72] وَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَعْبَأُ اللهُ بِهِ شَيْئًا فَظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ مِنْ صَوْمِ يَوْمٍ تَرَكَهُ، أَوْ صَلَاةٍ تَرَكَهَا، فَإِنَّ اللهَ -عز وجل- يَغْفِرُ ذَلِكَ وَيَتَجَاوَزُ إِنْ شَاءَ، وَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَتْرُكُ اللهُ مِنْهُ شَيْئًا فَظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا؛ الْقِصَاصُ لَا مَحَالَةَ»» أخرجه الإمام أحمد، وصححه الحاكم. [أخرجه أحمد في مسنده:ح26031، والحاكم في مستدركه:ح8717، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ]
فهذا يبين لنا أن الكفر والشرك بالله –عز وجل- هو مما لا يغفره الله -جل في علاه- لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 48] ، وكذلك لو وقع الإنسان في كفر في غير الشرك، الكفر قد يكون شركا بالله بتسوية الله بغيره، تسوية غير الله بالله، وقد يكون كفر بغير الشرك بجحد ما يجب الإيمان به من أصول الإيمان وأركانه، أو النفاق فالله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا* إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: 167- 168] .
فأخبر الله تعالى عن حكمه في الكافرين بآياته وكتابه ورسله والظالمين لأنفسهم بذلك، بالصد عن سبيل الله وارتكاب المآثم وانتهاك محارمه؛ بأنه لا يغفر لهم ولا ليهديهم طريقًا أي سبيلًا إلا جهنم أعاذنا الله تعالى وإياكم منها.
أيضًا من الأسباب التي تمنع من المغفرة: النفاق، أجارنا الله تعالى وإياكم منه، النفاق نوعان: يا إخواني ويا أخواتي؛ نفاق اعتقادي أي نفاق إيماني وهو أن يبطن الكفر ويظهر الإيمان، يكفر بالله في قلبه ويتظاهر بالإيمان إما لإدراك مصلحة أو غير ذلك يستمر على هذا، إذا استمر على هذا فإنه لن يغفر الله تعالى له، ولذلك قال الله تعالى لرسوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، ومن أعظم من النبي –صلى الله عليه وسلم- إجابة من الناس؟ ليس أحد أعظم وأرجى إجابة من رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، ومع ذلك يقول الله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 80] ، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ* سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المنافقون: 5- 6] .
فالله تعالى يخبر نبيَّه بأن هؤلاء المنافقين، وهم من أضمر الكفر في قلبه ومعاداةَ الله ورسوله ليسوا أهلًا للمغفرة، ولذلك لو استغفر لهم سبعين مرة فإنه لن يغفر الله لهم، لا لنزول مقام الداعي لكن لأن المدعو له بقلبه من السوء والشر ما يمنع حلولَ المغفرة له، وأيضًا من أسباب منع المغفرة الشحناء أعاذنا الله وإياكم من الشحناء أن يكون في قلبك على غيرك ما يمنع مغفرة ذنبك.
ولذلك قال النبي –صلى الله عليه وسلم- هذا الحديث أنصتوا إليه أيها الإخوة والأخوات مهمٌّ أن نسمع لهذا الحديث حتى ما نمنع أنفسنا من الخير في الصحيح من حديث أبي هريرة يقول النبي –صلى الله عليه وسلم-: «تُفتَحُ أبوابُ الجنَّةِ يومَ الاثنينِ والخميسِ، فيغفرُ اللهُ عزَّ وجلَّ لِكلِّ عبدٍ لا يُشرِكُ باللهِ شيئًا، إلَّا رجلًا كانَ بينَه وبينَ أخيهِ شحناء، فيقول: أنظروا هذينِ حتَّى يصطلحا، أنظِروا هذينِ حتَّى يصطلِحا، أنظِروا هذينِ حتَّى يصطلِحا». [أخرجه مسلم في صحيحه:ح2565/35]
يعني لا تغفروا لهم، يغفر لكل أحد إلا هذين، هذا منع للمغفرة مؤقتٌ بفعل الإنسان، فمادام أنه ملأ قلبه شحناء وغلًّا على غيره، أو عداوة وبغضًا فإنه يمنع من المغفرة إلى أن يُزيل ما في قلبه من هذا، وقد جاء في ذلك عدد من الأحاديث التي تبين خطورة أن يملأ الإنسان قلبه عداوة وبغضاء لغيره من المؤمنين، هو طبعا قد تكون هناك إشكالات، خصومات، لكن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يَحِلُّ لمسْلمٍ أنْ يَهْجُرَ مسلِماً فوْقَ ثلاثِ لَيالٍ» [أخرجه البخاري في صحيحه:ح6065 ] فينبغي أن تطهر القلوب، وأن تزال هذه العداوات والبغضاء، وأن يسعى الإنسان إلى أن يكون قلبه سليمًا فمن عفا عن الناس عفا الله عنه.
من أسباب منع المغفرة أكل الحرام، فإنه من أكل حرامًا كان ذلك حائلًا بينه وبين مغفرة الله –عز وجل- ولهذا ذكر النبي –صلى الله عليه وسلم-: «ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ! يَا رَبِّ!».
بلسانه متضرع لربه، لكن ما المانع من أن يجاب هذا الذي هذه حاله في الفقر والاضطرار إلى الله؟ قال: «وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لَهُ؟» [أخرجه مسلم في صحيحه:ح1015/65] هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يُقبل العمل ولا يزكو إلا بأكل الحلال وأن أكل الحرام من أسباب حرمان الإنسان عفو الله ومغفرته وبره وإحسانه.
 من الأسباب المانعة لمغفرة الله –عز وجل- المجاهرة بالمعصية، وهذا خطأ يقع فيه بعض الناس ويكون ذلك من موانع مغفرة الله له.
جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «كُلُّ أَمَّتِى مُعَافى» جميع الأمة ينال عفو الله ومغفرته، أي عرضة لِأَن ينالهم من عفو الله ومغفرته ما يمحو الله به خطاياه «إِلاَّ الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمَجَاهرة» بيَّن مثالَ المجاهرة، مثل الذي يعمل معصية أمام الناس ولا يبالي، هذه صورة، لأن النبي ذكر صورة أخرى، وهي الغالب في المجاهرة «وَإِنَّ مِنَ الْمَجَاهرة أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلاً، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ» يعمل عمل معصية في حال خلوة، في حال خفاء، ما يشهده فيه أحد لكن يصبح وقد ستره الله «فَيَقُولَ يَا فُلاَنُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ» [أخرجه البخاري في صحيحه:ح6069، ومسلم في صحيحه:ح2990/52] وهذا من أسباب الحيلولة بينه وبين ما يؤمل من عفو الله ومغفرته، فالجهر بالمعصية فيه من العظائم ما يمنع مغفرة الله للعاصي في تلك المعصية التي عصى الله تعالى فيها، نسأل الله تعالى أن يعيذنا من أسباب المنع التي تمنع مغفرة الله ورحمته، وأن يجعلنا وإياكم من السبَّاقين إلى أسباب العفو والمغفرة، ومن الفائزين بعفوه ومغفرته، وأن يجعل حظنا ونصيبنا من عفوه ومغفرته أعظم حظٍ ونصيب عاجلًا وآجلًا من فضله ومَنِّه ورحمته وكرمه.
المقدم:- اللهم آمين، نسأل الله –تبارك وتعالى- أن يغفر لنا ذنوبنا، وأن يستر لنا عيوبنا.
 شكرا جزيلا فضيلة الشيخ، شكر الله لك، وكتب أجرك، الشيخ الأستاذ الدكتور/ خالد المصلح، أستاذ الفقه بجامعة القصيم، شكرًا جزيلًا فضيلة الشيخ على ما أجدت به وأفدت في هذه الحلقة.
الشيخ:- وأنا أشكركم وأسأل الله لي ولكم القبول والسداد والعفو والمغفرة، وأن يوفقنا إلى كل خير، وأن يدفع عنا كل سوء وشرٍّ، وأن يوفق ولاة أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين ووليَّ عهده إلى ما يحب ويرضى، وأن يعم بلادنا والمسلمين والبشرية بكل خير وبر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المقدم:- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

مواد تم زيارتها

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف