الاثنين 21 صفر 1443 هـ
آخر تحديث منذ 1 ساعة 35 دقيقة
×
تغيير اللغة
القائمة
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو Hausa
الاثنين 21 صفر 1443 هـ آخر تحديث منذ 1 ساعة 35 دقيقة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأعضاء الكرام ! اكتمل اليوم نصاب استقبال الفتاوى.

وغدا إن شاء الله تعالى في تمام السادسة صباحا يتم استقبال الفتاوى الجديدة.

ويمكنكم البحث في قسم الفتوى عما تريد الجواب عنه أو الاتصال المباشر

على الشيخ أ.د خالد المصلح على هذا الرقم 00966505147004

من الساعة العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهرا 

بارك الله فيكم

إدارة موقع أ.د خالد المصلح

×

لقد تم إرسال السؤال بنجاح. يمكنك مراجعة البريد الوارد خلال 24 ساعة او البريد المزعج؛ رقم الفتوى

×

عفواً يمكنك فقط إرسال طلب فتوى واحد في اليوم.

مرئيات المصلح / برامج المصلح / الدين والحياة / الحلقة (214) "الفجور في الخصومة"

مشاركة هذه الفقرة

الحلقة (214) "الفجور في الخصومة"

تاريخ النشر : 3 جمادى آخر 1442 هـ - الموافق 17 يناير 2021 م | المشاهدات : 451

 

المقدم:بسم الله الرحمن الرحيم مستمعينا الكرام في كل مكان، تحية طيبة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نحييكم في بداية هذه الحلقة لبرنامج "الدين والحياة" عبر أثير إذاعة "نداء الإسلام" من مكة المكرمة.

 في هذه الحلقة نستمر معكم فيها على مدى ساعة كاملة بمشيئة الله تعالى، في بداية هذه الحلقة تقبلوا تحياتي محدثكم وائل حمدان الصبحي، ومن الإخراج ماهر ناضرة، ومن استديو الهواء لؤي حلبي.

باسمكم جميعًا مستمعينا الكرام نرحب بضيف حلقات برنامج "الدين والحياة" فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور خالد المصلح أستاذ الفقه بجامعة القصيم.

 فضيلة الشيخ! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياك الله في بداية هذه الحلقة.

الشيخ:وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، مرحبا بك أخي وائل، وأهلا وسهلا بالجميع.

المقدم: أهلا وسهلًا فضيلة الشيخ، حلقات برنامج "الدين والحياة" تناقش موضوعات تهم المسلم في أمور دينه ودنياه، ونسلط الضوء عليه من كتاب الله –عز وجل-سواء بالندب إليها أو من التحذير منها.

في هذه الحلقة نتحدث عن الفجور في الخصومة، سنتحدث عن معنى هذا الأمر، وأيضًا سياقات ذكره في كتاب الله تعالى وفي سنة المصطفي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، الأدلة التي جاءت بالتحذير من هذا الأمر وما إلى ذلك من النقاط التي سنتحدث عنها بحول الله –تبارك وتعالى-.

ابتداء فضيلة الشيخ ما معنى الفجور في الخصومة؟

الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد.

فأرحب بك أخي وائل وبالإخوة والأخوات المستمعين والمستمعات، وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا اللقاء لقاء نافعًا مباركًا.

فيما يتصل بالموضوع الذي نتحدث عنه وهو الفجور في الخصومة، الفجور في الخصومة مسلك يتورَّط فيه بعض الناس فيخرجهم عن الهدى والحق والصراط المستقيم إلى ألوان من الاعتداء والظلم والتزوير وسيء الأخلاق.

الفجور في الخصومة ميل عن الحق واحتيال في رده، هذا مختصر ما يمكن أن يعرف به هذه الخصلة الذميمة التي جاء التحذير منها في كتاب الله –عز وجل-وفي سنة رسوله.

الفجور في الخصومة خروج عن الحق، واحتيال في ردِّه بكل سبيل وبكل طريق يتمكن منه الإنسان، فيقلب الحق باطلًا، ويقلب الباطل حقًّا، ويسلك في ذلك كلَّ مسلك يتمكن منه، سواء كان ذلك بكذب باحتيال، بتزوير، بتضليل، وبالتالي يكون الإنسان مُخفيًا لما يجب إظهاره من حق ومغيِّرا لما تورط فيه من باطل، وسواء كان ذلك في أمر ديني أو في أمر دنيوي على حد سواء.

إذًا هذا هو الفجور في الخصومة هو الاحتيال في رد الحق وإبطاله، والخروج عنه إلى الباطل بكل سبيل وكل طريق يمكن للإنسان، سواء كان ذلك في أمر دين أو في أمر دنيا، في حق شخص أو في حق أشخاص، لا فرق في ذلك فكله من الفجور في الخصومة، وهو في الأصل مأخوذ من كلمة فجر، وهي كلمة تدل على الشَّق، وفتح باب المعصية، والاتساع فيها.

ولذلك إذا قيل: "فجور" فهو كما قال الراغب الأصفهاني: "شق ستر الديانة"، هكذا عرفها، وبمنظوره يقول: "فجر الإنسان يفجر فجورًا انبعث في المعاصي" [المفردات:ص626] ، وهذا يوحي بالمعنى المراد في قوله: الفجور في الخصومة هو التورط في المعصية فيما يقع بين الناس من خلاف، وما  بينهم من نزاعات وخصومات، سواء كان ذلك فيما يتعلق بأمور الدنيا من دماء وأموال وأعراض، أو كان ذلك بما يتعلق بأمور الدين، فإنه قد يقع الإنسان في خصومة دينية مع غيره فيفجر في الخصومة، وذلك مندرج فيما جاءت به النصوص من التحذير.

فإذا خاصم فجر، وخرج عن الحق عمدًا حتى يصير الحق باطلًا، والباطل حقًّا بكذب وبهتان، فقد فتح على نفسه بابًا من الشرور لا نهاية له، كما قال النبي –صلى الله عليه وسلمإياكم والكذبَ؛ فإن الكذبَ يهدي إلى الفجورِ، والفجورُ يهدي إلى النارِ» [صحيح البخاري:ح6094] ، فنسأل الله تعالى أن يحفظنا وإياكم من كل سوء، وأن يرزقنا العدل وكلمة القصد في الغضب والرضا، وفي الفقر والغنى.

المقدم: فضيلة الشيخ! بودي أن نسلط الضوء أيضا على الأدلة التي جاءت بالتحذير من مثل هذا الأمر من كتاب الله –تبارك وتعالى-والإشارات التي جاءت في كتاب الله –عز وجل-، وأيضًا التحذير من خلال سنة المصطفي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

الشيخ:النصوص في الكتاب والسنة جاءت من حيث الأصل لتهذيب الإنسان وتقويمه، وإصلاح أخلاقه، وتطييب معاشه، والخروج به من كل شر، والدخول به في كل برٍّ وهدى وصلاح؛ ولذلك كانت هذه الشريعة موسومةً بهذا الوسم الذي جاء به القرآن بوصف ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [البقرة: 257] ، وهكذا رسول الله –صلى الله عليه وسلم-جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور؛ ظلمات في النفس، ظلمات في السلوك، ظلمات في المعاملة، ظلمات في كل شأن من شئون الدنيا والدين إلى النور الذي يصلح به حال الإنسان في دينه ودنياه.

قال النبي –صلى الله عليه وسلم-كما جاء في الحديث الصحيح من حديث أبي هريرة عند الإمام أحمد قال –صلى الله عليه وسلم-:«إنما بُعثتُ لأتمم صالحَ الأخلاقِ» [مسند أحمد:ح8952، وقال الحاكم(ح4221):هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. ووافقه الذهبي] ، فالشريعة جاءت بالندب والدعوة إلى كل خصلة فاضلة، والنهي عن كل رذيلة وكل خصلة قبيحة.

فمن جملة ما جاءت الشريعة التحذير منه، والنهي عنه، وبيان خطورته على حياة الناس ومعاشهم ما يتعلق بما يكون بين الناس من خصومات؛ فإن الخصومة تحمل الإنسان على الاعتداء، وتحمله على الظلم، وتوقعه في البغي؛ ولهذا كان التأكيد على شأن الخصومة ووجوب العدل فيها مما توافرت عليه النصوص، وهو من خصال أهل الإيمان فإن الله تعالى نهى أهل الإيمان عن الاعتداء والظلم، فقال تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة: 8] .

فشنآن القوم يعني ما يكون من خصومات وعدوات تكون بين الناس بأسباب دينية، أو أسباب دنيوية، قد يختصم الناس مع توافقهم في الدين، قد يختصم الناس مع اتفاقهم في الاعتقاد، يختصمون في أمور أموال، وما إلى ذلك، لذلك الله تعالى يقول: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ [المائدة: 8] فأمر الله تعالى بأن يكون الإنسان قوَّامًا على صيغة فعَّال، يعني دائم القيام، مستمر متواصل مجتهد في أن يكون على أكمل ما يكون من العدل، ثم نهاه أن ينحرف عن هذا لأي سبب من الأسباب، ومن ذلك ما يكون من العداوات، قال: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ [المائدة: 8] ، بغضكم وعداوتكم وكرهكم لقوم على ألا تعدلوا، فلا يسوغ للإنسان أن يظلم ويعتدي ويبغي على غيره لكونه عدوًّا له.

بل الواجب عليه أن يستعمل العدل، لذلك قال: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة: 8] ، لتحقيق التقوى التي أوصى الله تعالى بها الأولين والآخرين، وهي السبيل الذي يدرك به الإنسان طمأنينة النفس وسلامة الدين والدنيا؛ ولهذا ينبغي للإنسان أن يكون قوامًا بالقسط في خصوماته، وفي كل شأنه، وأن يبعد عن الظلم.

الخصومات تظهر معادن الناس، الخصومات يتبين بها حقائق النفوس؛ لأنه في حال السعة، وفي حال الرضا، وفي حال الأمن، وفي حال عدم الخصومة يكون الناس على نوع من الهدوء الذي يستفصلون به الأمور ويوافقون فيه مقتضى العدل في الغالب، لكن عندما تنشأ الخصومة بين الناس ويقع الخلاف عند ذلك توجد مسوِّغات للناس الفجور والخروج عن البر والوقوع في الجور ما يكون سببًا لتورطهم في هذه الخصلة الذميمة وهي خصلة الخصومة بالباطل.

بالنظر إلى ما جاءت به النصوص في القرآن والسنة في شأن ما يتعلق بالخصومات التي تكون بين الناس تجد أن النصوص متوافرة في التحذير من البغي والخصومة بالباطل، فالله تعالى في الجملة يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا [الأحزاب: 70] ، والقول السديد هو القول القائم بالحق البعيد عن الاعتداء والظلم، فاللسان إذا حفظ حفظ كل ما يكون من جوارحه، ولذلك حفظ اللسان وسداد القول مفتاح الخير، كما قال تعالى: ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا *يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [الأحزاب: 70- 71] هذا هو النتاج الذي يدركه الإنسان باستعماله القول السديد فيما يكون من قوله، يصلح الله تعالى عمله، ويغفر الله تعالى ذنبه.

والله تعالى مكن الإنسان من الخصومة، وأعطاه القدرة على المخاصمة، وأمره بألا يخاصم بباطل، قال تعالى: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [النحل: 4] ، لكن مع هذا بين خطورة الخصومة بالباطل، وقال: ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا [النساء: 105] ، أن يخاصم بالباطل لنفسه أو لغيره، والفجور في الخصومة هو من الخصومة المذمومة التي تدخل في قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا [النساء: 105] ، فالخصومة قد تكون حسنة وقد تكون قبيحة، تكون حسنة إذا كانت لإحقاق الحق، ونصرة المظلوم، ونصرة صاحب الحق وبيانه، وتكون قبيحة إذا كانت في باطل وزور وشر وفساد واعتداء وظلم وبغي؛ فإنها توقع الإنسان فيما يكون من سيء الأخلاق ورديئها.

الله تعالى مما ذم به المشركين خصومتهم بالباطل، فلذلك ينبغي لأهل الإيمان أن يتجنبوا هذه الخصلة، فالفجور في الخصومة نوع من الخصومة بالباطل، والله تعالى يقول: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ [الكهف: 56] ، وهذه هي حقيقة الفجور في الخصومة، الفجور في الخصومة كما ذكرت قبل قليل هو ميل عن الحق واحتيال على رده، وكذلك كان المشركون في مقابلتهم لما جاء به النبيون من الهدى ودين الحق كانوا يحتالون ليبطلوا دعوة الرسل، ويصدوا الناس عنهم ويخرج عما جاءوا به من الهدى ودين الحق، والله تعالى يقول: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ [الكهف: 56] ، إنما ذكر ذلك لأجل أن يحذر المؤمن هذا المسلك، وقد ذم الله تعالى المشركين في قوله: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف: 58] أي يلتمسون الخصومة بالباطل ويفجرون فيها ليردوا ما جاءت به الرسل من الهدى ودين الحق.

والله تعالى ذم صاحب اللسان الخصم الشديد الخصومة في تقرير الباطل والدعوة إليه، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ [البقرة: 204] ، قول حسن جميل جذاب، له بريق ساحر في كلماته وبيانه، لكنه ليس لإحقاق الحق ولا لدفع الباطل، بل هو للانتصار لنفسه في زور وباطل وخروج عن الصراط المستقيم.

والله تعالى بعد أن ذكر جمال المنطق، ذكر قبح المسلك، فقال: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ [البقرة: 204] ، يعني أشد الخصام، خصومة بالباطل، وأقواهم صدًّا عن الحق وبعدًا عنه، قال: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [البقرة: 205- 206] .

ولهذا ينبغي أن يحذر المؤمن في كل معاملاته وفي كل ما يأتيه وما  بينه وبين غيره من خصومات أن يتورط في الفجور في الخصومة؛ لأن ذلك سيجعله ممن توعده الله تعالى في قوله: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [البقرة: 206] .

لكونه فجر في الخصومة وخرج عن الصراط المستقيم، وخروجه عن الصراط المستقيم، فجوره في الخصومة يصدق عليه أنه يسعى في الأرض فسادًا ويخرب ويعتدي على الناس في أموالهم وأعراضهم، كما قال تعالى: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة: 205] .

الفجور في الخصومة من خصال أهل النفاق، ولذلك حذر النبي –صلى الله عليه وسلم-من هذه الخصلة بالنص وعدَّها من خصال النفاق الظاهرة قال –صلى الله عليه وسلم-:«أربعٌ من كنَّ فيه كان منافقًا، ومن كانت خصلة منهن فيه كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها»هذه الخصال أربع قال فيها –صلى الله عليه وسلم-:«إذا حدث كذب»إذا تكلم بشيء لم يتحرَّ الصدق، بل تحرى الكذب، ولم يبال أن يصدق أو يكذبـ بل هو إلى الكذب ميال وهو مسلكه.

حدث هنا لا يلزم أن يكون في حديث معين، بل يشمل كل حديث يتحدث به سواء في خاصة نفسه، أو فيما يتعلق بغيره، أو فيما يتعلق بالشأن العام، أو الشأن الخاص، إذا حدث كذب، لا يبالي فيخبر بخلاف الواقع ويعلم أنه على غير هدى وعلى غير حق فيما يتكلم به.

«وإذا وعد أخلف»فلا يحفظ عهدًا ولا وعدًا، «وإذا خاصم فجر»، وهنا الشاهد إذا خاصم يعني: إذا وقعت بينه وبين غيره خصومة فجر، ومعنى فجر يعني فتح على نفسه باب المعاصي وباب الاعتداء والظلم بالكذب والزور والبهتان، وأكل المال بالباطل من سيء الأخلاق ورديء الأعمال التي توقعه في الفجور، فإذا خاصم فجر، «وإذا عاهد غدر» [صحيح البخاري:ح34، ومسلم:ح58/106] فلا يؤمن على مال، ولا على نفس، ولا على أهل، بل هو في فجور وغدر وخيانة وفي كلا الحالين ينبغي للإنسان ألا يخاصم إلا بحق؛ لأن الأصل حرمة الدماء والأعراض والأموال، وألا يدخل الإنسان في شيء من المطالبات والمخاصمات ويفجر في ذلك، إلا أن يكون على حق، وينبغي ألا يفجر حتى لو كان على حق، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة: 8] .

فالفجور في الخصومة حتى لو كان الإنسان صاحبَ حق مما يجب تركه، ويدخل به الوعيد من شأن الخصومة بالباطل.

المقدم: فضيلة الشيخ اسمح لي أن نذهب إلى فاصل بعده -بمشيئة الله تعالى- نستكمل حديثنا حول هذه الخصلة الذميمة التي جاء التحذير منها في كتاب الله –جل وعلا-، وفي سنة المصطفي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم في أكثر من حديث عن النبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، اسمح لي أن نذهب إلى فاصل بعده- بمشيئة الله تعالى- نستكمل حديثنا فضيلة الشيخ ونذكر بعض صور الفجور في الخصومة التي قد تكون في وقتنا الحالي، وما يمارسه الناس من فجور في خصومتهم في أوقاتهم الحالية، بعد ذلك سنتحدث عن الآثار السلبية الناتجة والثمرات السلبية الناتجة عن هذا الأمر وهذه الخصلة الذميمة التي حذر منها نبينا الأكرم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، سنذهب إلى فاصل بعده نكمل الحديث مستمعينا الكرام، ابقوا معنا.

حياكم الله مستمعينا الكرام نرحب بكم ونرحب بمن انضم إلينا الآن في هذه الحلقة المباشرة لبرنامج "الدين والحياة" عبر أثير إذاعة "نداء الإسلام" من مكة المكرمة، نرحب بضيفنا الكريم مجددًا فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور خالد المصلح أستاذ الفقه بجامعة القصيم، حياك الله فضيلة الشيخ يا مرحبا.

الشيخ: حياكم الله مرحبا بك وبالإخوة والأخوات، أرحب بالجميع وفقنا الله وإياكم إلى كل خير.

المقدم:نستكمل حديثنا فضيلة الشيخ حول الفجور في الخصومة ذكرتم في الجزء الأول مجموعة من الأدلة التي تحذر من هذا الأمر من كتاب الله –جل وعلا-ومن سنة المصطفي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وأيضًا بيان خطر مثل هذا الأمر على حياة المسلم وعلى المجتمع من حوله.

فضيلة الشيخ! ما هي الصور الحالية التي قد ينتهجها بعض الناس، ويمكن أن نطلق عليها فجور في الخصومة؟

الشيخ: الفجور في الخصومة لا يأتي بصورة معينة، هو في كل خصومة تنشأ بين الناس، الخصومة هي نوع من الاختلاف بين طرفين، والخلاف الذي يقع بين الناس أمر طبيعي يعني الناس كما قال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ [هود: 118] ، فالخلاف مما جرى به حال الناس، ولكن الشريعة لم تأت لإلغاء الخلاف؛ لأن أسبابه كثيرة، إنما وجهت إلى تضييق دائرته، وإلى أن يكون الإنسان في اختلافه مع غيره على نحو من التقوى والإيمان يردعه عن أن يوغر الصدور، وأن يأكل الأموال بغير حق، وأن يعتدي على الدماء أو على الأعراض، وأن يفضي إلى وقوع المحن وإيقاظ الفتن وإيقاع الشرور بين الناس.

ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [الشورى: 10] ، فالله تعالى أمر بالرجوع إلى شرعه عند الاختلاف، وهذا يدل على أن الاختلاف لا يقع بين أهل الإيمان وبين أهل الإسلام، لكن يجب على المؤمن أن يحفظ نفسه من أن يقع في فجور في الخصومة.

وأما أسباب الخصومات وأنواعها وصورها فلا حد لها، فالخصومات تقع في الدماء، الخصومات تقع في الأموال، الخصومات تقع في الأعراض، أحيانا خصومات تقع في التفاهات وفيما لا عاقبة له، إنما من تصلب للرأي، وغلبة، ومحبة ظهور على الآخرين، وأحيانًا قد تطغى شهوة الرياء، التقدم على الغير، ومن تكون له الكلمة في المكان الذي فيه المجلس أو لقاء مجمع، بحيث لا يقبل أن ينازع في السيادة والتقدم في هذا المجلس، ستجده يخاصم بالباطل لأجل أن لا ينتزع منه ما يظنه أنه له من رفعة وعزة بين الناس.

المقدم: في بعض الأحيان فضيلة الشيخ في أتفه الأموال وأردئها يعني.

الشيخ: نعم؛ ولذلك لما سئل النبي –صلى الله عليه وسلم-عما يكون من الفجور في الخصومة الداعية إلى أكل المال بالباطل سأله الصحابة رضي الله عنهم عن قليل المال أتقع فيه تلك العقوبة التي توعد بها النبي –صلى الله عليه وسلم-مَن تورَّط بها، فأخبر –صلى الله عليه وسلم-أنها شاملة للدقيق والجليل، والصغير والكبير من الأموال، ولو كان شيئًا يسيرًا.

فممن جاء في الوعيد على أن يحلف الإنسان زورًا وبهتانًا في شيء من المال ليأخذه بغير حق أخبر النبي –صلى الله عليه وسلم-أن هذه العقوبة تطال من اقتطع حقَّ امرئ مسلم ولو كان شيئًا يسيرًا، ففي الصحيح من حديث أبي أمامه قال –صلى الله عليه وسلممَنِ اقتطعَ حقَّ امْرِئٍ مُسلِمٍ بيمينِه، فقدْ أوجَبَ اللهُ لهُ النارَ، وحرَّمَ عليه الجنةَ، وإنْ كان قضِيبًا من أرَاكٍ» [صحيح مسلم:ح137/218] ، ثم قال رجل للنبي –صلى الله عليه وسلم-:" يا رسول الله وإن كان شيئًا يسيرًا؟قال:«وإن كان قضيبًا من أراك»يعني وإن كان سواك عود مسواك جرت فيها خصومة فأخذه أحد بالباطل أو فجر فيه بالخصومة لينتزعه، فإنه مهدد بهذا الوعيد العظيم الذي قال فيه –صلى الله عليه وسلم-فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة.

إذا رأيت أحوال الناس في خصوماتهم سواء كانت الخصومات التي قد تصل إلى الجهات العدلية، أو القضاء الخصومات التي تكون دون ذلك فيما بينهم، سواء كانت أسرية اجتماعية أحيانا الخصومات تقع بين الرجل وامرأته، تقع بين الرجل وأولاده، تقع بين المرأة وأخواتها، يقع بين المرء وأخيه، يقع بين الجيران، تقع بين الأقارب وذوي الأرحام.

خصومات كثيرة أحيانًا تصل إلى الجهات العدلية، فتدخل دائرة الادعاء وما يكون من إجراءات تقاضي، وأحيانًا تكون خصومات لا تصل ويبقى أثرها وشرورها بين الناس دون أن يفصل فيها أو يقضى، في كل الأحوال هذا أو ذاك وفي كل أنواع ما يكون بين الخصومات ومهما كان أطراف هذه الخصومة أزواج، قرابات، أهل، جيران، أصحاب أعمال وعمال، بكل ما يكون من أوجه هذه الخصومات يجب على كل من خاصم أن يحذر أن يكون قد وقع في نوع من الفجور في خصومته، هنا يظن الناس أن الفجور في الخصومة هو طول اللسان ورفع الصوت، لا، لا يلزم أن يكون هناك صوت مرتفع، أو أن يكون هناك سب وشتم، قد تكون فجور في الخصومة هي انتزاع الحق ولو كان بلفظ جميل، هي أخذ انتزاع الحق يعني أخذه من صاحبه.

الاحتيال على رد الحق وتزويره ولو كان بألفاظ جميلة، هذا رسول الله –صلى الله عليه وسلم-يحذر من هذا المسلك في الخصومات كما في الصحيحين من حديث أم سلمة فيقول –صلى الله عليه وسلمإنَّما أنا بشَرٌ» ومقتضى البشرية أن يحكم بما يسمع، وبما بلغه من الحجة والبرهان، «وإنكم تختصمون إليَّ»يأتون يطلبون منه –صلى الله عليه وسلم-فصل الخصومات والقضاء فيما يكون بينهم من نزاعات، ثم يقول –صلى الله عليه وسلم-:«ولعلَّ بعضَكم أنْ يكونَ ألحنَ بحُجَّتِه مِن بعضٍ» ألحن يعني أقوى فصاحة وأكثر بيانًا، وأبلغ في فصاحة اللسان حتى يظهر أنه صاحب حق وهو ليس كذلك، وهذا من الفجور في الخصومة التي هي من خصال المنافقين والتي حذر منها سيد المرسلين.

يقول –صلى الله عليه وسلم-:«ولعلَّ بعضَكم أنْ يكونَ ألحنَ بحُجَّتِه مِن بعضٍ»، يعني أنا بشر فقضائي سيكون بناء ووفقًا لما وصلني من حُجَّات وبيِّنات وأدلة يقيمها كل طرف من أطراف الخصومة، ثم يقول –صلى الله عليه وسلم--«فمَن قضَيْتُ له مِن حقِّ أخيه شيئًا» يعني إذا حكمت له بشيء من حق أخيه، يعني لفصاحته وما أظهره من حجج انتزع ما لا يستحق، وهو في ذلك كاذب، وقد قال النبي –صلى الله عليه وسلم-:«إن من البيان لسحرًا» [صحيح البخاري:ح5146] ، والسحر يقلب الحق باطلًا، ويقلب الباطل حقًّا.

فقد يؤتى الإنسان فصاحة في مجلس القضاء، أو في مقام المحاكمات والمخاصمات، يدلي بحجج ويأتي بما يضلل القاضي ويطمس الحق ويقلب الحقائق، فيظهر مظلومًا وهو ظالم، ويظهر مستحقًّا وهو كاذب، فقال النبي –صلى الله عليه وسلم-إذا حصل هذا وقضى القاضي لشخص بناء على بيِّناته وحججه التي أظهرها وهو فيها كاذب، وفيها مزور، وفيها غاش، وفيها ظالم.

فمن قضي له شيء من حق أخيه فلا يأخذه، النبي –صلى الله عليه وسلم-يقول: -«فمَن قضَيْتُ له مِن حقِّ أخيه شيئًا فإنَّما أقطَعُ له قطعةً مِن النَّارِ» [صحيح البخاري:ح2680] ، وهذا بيان العواقب التي يؤول إليها الفجور في الخصومة والكذب والتزوير في مقام المخاصمات والمحاكمات، هذا في شأن الخصومة التي تكون في مقام الحكم وإذا وصلت إلى الجهات العدلية وإلى دار القضاء.

لكن حتى لو لم تصل، وإذا خاصم الإنسان في شيء وأخذه، أو أظهر نفسه منتصرًا وهو كاذب، فإنه لا يبوء إلا بالخسار، ولا يعود إلا بالخيبة حتى لو ظهر منتصرًا، وحتى لو غلب صاحبه في مجلسه فإنه لا يبوء إلا بالخسار، وقد قال النبي –صلى الله عليه وسلممن حلفَ على يمينٍ هو فيها فاجرٌ» هذا فجور في الخصومة، يعني كاذب، ظالم، معتدي، «لقي الله وهو عليه غضبان» [صحيح البخاري:ح2356] أعوذ بالله من الخسران.

يتقلب الإنسان في غضب الله –عز وجل-، وإن كان قد ظهر عند الناس أنه منتصر وأنه مظلوم، فالعبرة بالحقائق وما يعلمه الإنسان من حاله عند ربه –جل وعلا-، فإنه ينبغي له أن يتقي الله –عز وجل-، ويجتنب كل فجور في الخصومة فإن شؤمه عظيم.

أحيانًا يا أخي الكريم في مجالسنا تحصل نقاشات بيننا في أمر دين أو أمر دنيا، في أمور عامة أو في أمور خاصة، في قضايا عائلية أو في قضايا اجتماعية، فتجد أنه يكون هناك خلاف بين طرفين في هذا اللقاء أو في هذا المجلس، يجب على المؤمن أن يتجنب الفجور في الخصومة.

أحيانًا تكون مثلا فيما يتصل بأمور مقصودها في الأصل التسلية والترفيه، وإدخال السرور على الناس تنقلب إلى مشاحنات، وإلى عمى في التصرفات، وإلى اعتداء وظلم من أمثلة هذا الظاهرة والتي قد تفشو في بعض المجتمعات وفي بعض الأحيان ما يتعلق بالتعصب الرياضي.

التعصب الرياضي هو نوع من المواطن التي يقع فيها فجور في الخصومة في كثير من الأحيان، وكذلك فيما يتعلق أحيانا بالانتصار للآراء، قد يطرح الإنسان وجهة نظر معينة ويتعصب لها إلى حد أن يلغي الآخرين، ويقع في أعراضهم أو ينال منهم بصورة أو بأخرى، فتكون سببًا لتورطه في الفجور في الخصومة.

خلاصة القول: الفجور في الخصومة لا يتحدد في نوع من أنواع الخصومة، بل هو مما يتطرق ويدخل في كل الخصومات الصغيرة والكبيرة، أحيانًا بين الرجل وامرأته قد تفجر المرأة في خصومتها فتبغي على الرجل، وقد يكون العكس يفجر الرجل في خصومته يبغى على المرأة.

ولذلك يجب على المؤمن أن يحذر هذه الخصلة في كل ما يقع بينه وبين غيره من خلاف في الخصومة.

المقدم: عفوا فضيلة الشيخ إضافة أخيرة قبل أن نذهب إلى فاصل، الضابط في هذه المسألة إذا تحول الإنسان في المجادلة من المجادلة من منطقة الحق إلى الانتصار لرأيه ونفسه وما يقوله هنا يتحول الأمر إلى فجور في الخصومة مع الطرف الآخر.

الشيخ: في الغالب أنه يقود الإنسان إلى الفجور، يعني حتى لو ترى عفوا لو لم يتكلم بشيء، أحيانًا لما يكون في قلبك أنك تريد أن تنصر نفسك بكل صورة ولو كنت على باطل هذا فجور في الخصومة، فالفجور في الخصومة لا يلزم أن يكون هناك عمل أو قول، بل القصد إلى نصر الباطل مع علمك به هو نوع من الفجور في الخصومة.

المقدم: جميل، فضيلة الشيخ !اسمح لي أن نذهب إلى فاصل قصير بعده -بمشيئة الله تعالى- نستكمل حديثنا وجزأنا الأخير من هذه الحلقة، سنتحدث عن بعض الآثار السلبية التي قد ينتجها هذا الأمر ألا وهو الفجور في الخصومة بين الناس، ويفسد عليهم حالهم، ويفسد عليهم معاشهم أيضًا.

 سنذهب إلى فاصل بعده نكمل الحديث مستمعينا الكرام، ابقوا معنا.

حياكم الله مستمعينا الكرام في الجزء الأخير من هذه الحلقة من برنامج "الدين والحياة"، نجدد الترحيب بضيفنا الكريم فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور خالد المصلح أستاذ الفقه بجامعة القصيم، حياك الله فضيلة الشيخ.

الشيخ: حياكم الله، مرحبا بك وأهلا وسهلا بالإخوة والأخوات.

المقدم:أهلا وسهلا فضيلة الشيخ، الجزء الأخير من هذه الحلقة، ولم يتبق لنا الكثير، نريد أن نتحدث عن الآثار السلبية الناتجة عن مثل هذا الأمر، وما يحدثه أيضًا في العلاقات بين الناس.

الشيخ: أخي الكريم الفجور في الخصومة شؤمه أول ما يكون في القلب بالظلمة التي تعتري القلب بسبب هذا الفجور الذي يخرج الإنسان عن الهدى، فالفجور في الخصومة يحمل الإنسان على الكذب، الفجور في الخصومة يحمل الإنسان على الظلم، الفجور في الخصومة يحمل الإنسان على الاعتداء، الفجور في الخصومة يحمل الإنسان على البغي، الفجور في الخصومة يوقع الإنسان في أكل المال بالباطل، الفجور في الخصومة يقطع الصلات الحسنة بين الناس، الفجور في الخصومة سبب للتورط في سيء الأخلاق بشتى صورها وأنواعها، الفجور في الخصومة يلقي للإنسان البغضاء في قلوب الخلق؛ فإن الألد الخصم أبغض الناس إلى الله –عز وجل-، وإذا أبغض الله تعالى العبد ألقى في قلوب الناس بغضه والنفرة منه، ولو لم يتعامل معه ولو لم يجر بينهم وبينه خصومة.

كل هذه السيئات هي من ثمار هذا العمل القبيح، ثم هو من النفاق الذي يفسد القلب، وإذا فسد القلب فسد العمل، وقد قال النبي –صلى الله عليه وسلمألَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً: إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألَا وهي القَلْبُ» [صحيح البخاري:ح52] ، فالفجور في الخصومة بذرة نفاق في قلب الإنسان قد تتضخم حتى تقوده إلى الكذب إذا حدث، والغدر إذا عاهد، والخيانة إذا اؤتمن، فيكون منافقًا خالصًا كما قال النبي –صلى الله عليه وسلم-:«أَرْبَعٌ مَن كُنَّ فيه كانَ مُنَافِقًا - أَوْ كَانَتْ فيه خَصْلَةٌ مِن أَرْبَعَةٍ كَانَتْ فيه خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ - حتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وإذَا خَاصَمَ فَجَرَ». [سبق]

فهذه السيئات العاجلة التي يدركها بسبب الفجور في الخصومة كافية في أن تبعد الإنسان عنها، هذه كلها من شؤم الخصومة بالباطل، فيما يتعلق بذاته في قلبه ظلمة، وفي أعماله سوءًا ومعصية، وفي علاقاته قبحًا وسوءًا وفجورًا، وقد قال النبي –صلى الله عليه وسلمإنَّ مِن شرِّ النَّاسِ مَن ترَكَهُ النَّاسُ اتِّقاءَ فُحشِه» [صحيح البخاري:ح6054] ، يعني يحذره الناس، لا لأنه صاحب حق وصاحب قوة بالهدى، إنما لأنه يخشون من ضرره ويخشون من تسلطه وظلمه وبغيه.

وبعض الناس تشهدهم يعني ينفر الناس من مجالستهم، ويتوقى الناس التعامل معه مما يعرفوه من فجوره، وسلاطة لسانه، وبغيه على الخلق في أموالهم وأعراضهم وأنفسهم، فلذلك ينبغي للإنسان أن يكون طيبًا، أن يكون حسن الخلق، أن يكون بعيدًا عن الظلم والاعتداء، أن يتحرى في خصومته ألا يظلم، ومن تحرى ألا يظلم وفَّقه الله تعالى إلى الحق والهدى.

والانتصار الحقيقي ليس في أن تأخذ ما ليس لك، ولا في أن تتغلب على غيرك بالباطل، الانتصار الحقيقي هو أن تنتصر على نفسك بكبحها وحجمها ومنعها من كل رديء في قول أو عمل، في ظاهر أو باطن، هذا الانتصار الحقيقي وهو الذي تفوز به في الدنيا بطيب الذكر والسلامة من الشرور، وفي الآخرة بالفوز، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، نسأل الله الفضل العظيم وصلاح الخلق في القول والعمل، وأن يهدينا لأحسن الأقوال والأعمال والأخلاق، وأن يعيذنا من منكرات الأهواء والأدواء.

المقدم:شكر الله لكم فضيلة الشيخ، شكرًا جزيلًا وأثابكم الله، أسأل الله أن يجعل ما قلتم في موازين حسناتكم، شكرا جزيلا فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور خالد المصلح أستاذ الفقه بجامعة القصيم شكرًا جزيلا.

الشيخ:أشكرك، وأسأل الله تعالى التوفيق للجميع، وأن يديم علينا الأمن والإيمان، وأن يوفق ولاة أمرنا خادم الحرمين الشريفين وولي عهده إلى ما يحب ويرضى، وأن يسددنا في القول والعمل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.555

 

مواد تم زيارتها

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف