الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد.
فقد نقل النووي ـ رحمه الله ـ في باب ما يقال عند رؤية الهلال في كتاب رياض الصالحين:
عن طلحة بن عبيدِ اللهِ ـ رضي الله عنه ـ أنَّ النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ كَانَ إِذَا رَأى الهلاَلَ، قَالَ: ((اللَّهُمَّ أهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالأمْنِ وَالإيمانِ، وَالسَّلاَمَةِ وَالإسْلاَمِ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ، هِلالُ رُشْدٍ وخَيْرٍ))رواه الترمذي، وقال: ((حديث حسن)).الترمذي (3451)
هذا الحديث الشريف فيه بيان ما كان عليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عند رؤية الهلال قال: "كان إذا رأى الهلال" والهلال هو ما يكون في أول أحوال القمر أول شهر، فإنه يولد هلالًا، ويسمى هلالًا في اليوم الأول أو في الليلة الأولى والثانية والثالثة، ثم بعد ذلك يكون قمرًا، فالهلال هو ما يرى في الليال الأول من الشهر في الليال الثلاث الأول من الشهر إذا رآه، فإنه يسن أن يقول هذا القول في قول جمهور العلماء، والوارد في ذلك هو هذا الذكر "اللهم أهله علينا بالأمن والأمان" أهله أي اجعله داخلًا على الأمة، وعلى الداعي دخولًا مصاحبًا بالأمن والأمان، الأمن على النفس والأهل والمال والإيمان أي الثبات عليه والزيادة منه والسلامة والإسلام السلامة من الآفات والمكروهات، والإسلام العمل بشرائع ثباتًا وزيادة.
فقرن الأمن بالإيمان؛ لأنه لا أمن إلا بإيمان، وقرن السلامة بالإسلام؛ لأنه لا سلامة إلا بالإسلام.
فدعا ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام عند رؤية الهلال ثم قال: "ربي وربك الله" هذا خطاب للهلال "ربي وربك الله" أي خالقي ورازقي ومالكي ومدبري، وكذلك خالقك ورازقك ومالكك ومدبرك الله، فالجميع عبد لله، وهذا فيه لفت الانتباه إلى أن دخول الأهلة وحركتها لا تأثير له في إيجاد أو خلق أو رزق أو تدبير، بل ذلك كله صنع الله –عز وجل-الذي أتقن كل شيء، فهو رب كل شيء تبارك الله رب العالمين.
وفي ختم ذلك الفال؛ حيث قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "هلال رشد وخير" أي اللهم اجعله هلال رشد، والرشد ضد السفه وهو في الدين والدنيا، في الدين بالعمل بما ينجو به الإنسان من توحيد الله –عز وجل- والعمل بشرعه وفي الدنيا بالاشتغال بما فيه صلاحها وحفظها من الفساد والبوار، وخير أي اجعله هلال خير والخير يشمل خير الدنيا والآخرة، حسنة الدنيا وحسنة الآخرة، فهذا الدعاء من أجمع ما يجمع الصالح للإنسان في معاشه وميعاده، وقد ضعف بعض أهل العلم هذا الحديث والأحاديث الواردة في رؤية الأهلة، وصححها جمع من أهل العلم، وغالب أهل العلم على استحباب قول هذه الكلمات عند رؤية الهلال، فإن الأحاديث الواردة في ذلك تقبل التحسين، فيسن ويستحب أن يقول من رأى الهلال هذه الكلمات عند رؤيته الهلال أول ليلة، وكذلك ثاني ليلة، وكذلك في الليلة الثالثة ما بعد ذلك لا يكون هلالًا إنما يكون قمرًا، فلا يقال هذا الذكر، إنما يقال عند رؤية الهلال.
وفيه من الفوائد الاعتبار والاتعاظ بآيات الله ـ تعالى ـ الخلقية، كما قال ـ تعالى ـ في شأن الآيات ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾[فصلت: 53] فهذا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا رأى الهلال ذكر الله ـ عز وجل ـ لأنه خالقه ومدبره وهذا صنعه، فكان في ذلك من زيادة الإيمان والاشتغال بصالح الأعمال ما يفيد المؤمن إذا اعتبر واتعظ وانتفع من هذه الآيات بخلاف الغافل المعرض الذي لا يعتبر ولا يقف عند آيات الله، فإنه مطموس البصيرة، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾[يوسف: 105] فينبغي للمؤمن أن يكون على هذه الحال من الفطنة والاعتبار والادكار، ورؤية كريم صنع الله ـ عز وجل ـ وجليل قدره في كل خلقه ـ سبحانه وبحمده ـ فإن ذلك يحمل على صلاح القلب واستقامة العمل، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك وخذ بنواصينا إلى ما تحب وترضى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.