الاثنين 25 ذو الحجة 1442 هـ
آخر تحديث منذ 5 دقيقة
×
تغيير اللغة
القائمة
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو Hausa
الاثنين 25 ذو الحجة 1442 هـ آخر تحديث منذ 5 دقيقة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأعضاء الكرام ! اكتمل اليوم نصاب استقبال الفتاوى.

وغدا إن شاء الله تعالى في تمام السادسة صباحا يتم استقبال الفتاوى الجديدة.

ويمكنكم البحث في قسم الفتوى عما تريد الجواب عنه أو الاتصال المباشر

على الشيخ أ.د خالد المصلح على هذا الرقم 00966505147004

من الساعة العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهرا 

بارك الله فيكم

إدارة موقع أ.د خالد المصلح

×

لقد تم إرسال السؤال بنجاح. يمكنك مراجعة البريد الوارد خلال 24 ساعة او البريد المزعج؛ رقم الفتوى

×

عفواً يمكنك فقط إرسال طلب فتوى واحد في اليوم.

مرئيات المصلح / برامج المصلح / الدين والحياة / الحلقة (227) حول "نعمة الصحة والفراغ"

مشاركة هذه الفقرة

الحلقة (227) حول "نعمة الصحة والفراغ"

تاريخ النشر : 11 شوال 1442 هـ - الموافق 23 مايو 2021 م | المشاهدات : 291

المقدم:بسم الله الرحمن الرحيم مستمعينا الكرام في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نحييكم تحية طيبة عبر أثير إذاعة "نداء الإسلام" في هذه الحلقة المتجددة لبرنامج "الدين والحياة"، والتي نستمر معكم فيها على مدى ساعة كاملة بمشيئة الله تعالى، في بداية هذه الحلقة مستمعينا الكرام تقبلوا تحيات الزملاء من الإخراج: سالم بالقاسم، ولؤي حلبي، وتقبلوا أجمل تحية مني محدثكم وائل حمدان الصبحي.

مستمعينا الكرام! باسمكم جميعًا أرحِّب بضيف حلقات برنامج "الدين والحياة" فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور خالد المصلح أستاذ الفقه بجامعة القصيم.

 فضيلة الشيخ! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا وسهلا.

الشيخ:وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلا وسهلًا بك ومرحبا بالإخوة والأخوات، نسأل الله أن يجعله لقاءًا مباركًا.

المقدم: اللهم آمين، حياكم الله فضيلة الشيخ، بمشيئة الله تعالى سيكون حديثنا في هذه الحلقة حول الفراغ ونعمة الفراغ.

 سنتحدث عن الفراغ، وأيضًا سياقات ذكر الفراغ في كتاب الله تعالى وفي سنة المصطفي عليه الصلاة والسلام.

 أيضًا سنتحدث عن كيف يكون الفراغ نعمة؟ وكيف يكون عكس ذلك، ومتى يكون أيضًا الفراغ خطرًا على الإنسان ويؤذيه في نفسه وفي دينه أيضًا.

فضيلة الشيخ ابتداء ونحن نتحدث عن نعمة الفراغ ما هو الفراغ؟ وما سياقات ذكره أيضًا في كتاب الله –عز وجل-وفي سنة المصطفي عليه الصلاة والسلام؟

الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد.

فالفراغ هو الخلوُّ، هكذا عرفه العلماء من جهة اللغة، فإذا فرغ الشيء خلا، والمقصود بالفراغ الذي جاء ذكرُه في سياق نعمة الله تعالى على كثير من الناس هو: الفراغ من الشواغل التي تشغل الإنسان عما يكون من أعمالٍ ومهامٍّ ومسئوليات سواء كانت دينية أو دنيوية.

فالفراغ حقيقته تدور على خلوِّ الإنسان من شاغل، فإذا خلا الإنسان من شاغل في دين أو دنيا فهو فارغ، وهذا أقوى أو هذا أقرب ما يعرَّف به الفراغ هو: الخلو من شاغل، من واجب أو مسئولية في دين أو في دنيا.

 وقد تقدم العلماء وأصحاب الاهتمام بذكر تعريفات الفراغ، جميعها حقيقة تدور على هذا المعنى باختصار وإيجاز، فعندما نقول: الإنسان فارغ، فمعناه أنه خال من شاغل، ويختلف هذا باختلاف ما يشتغل به الناس، فإذا فرغ من عمل دنيويٍّ يكون فارغًا من أعمال دنيوية، إذا فرغ من عبادة يكون فارغًا من عبادة وهلمَّ جرًّا.

والمقصود هو البُرهة والوقت من الزمن الذي يخلو فيه الإنسان من التزامات ومسئوليات وواجبات وأعمال وأشغال دينية أو دنيوية.

المقدم: جميل، فضيلة الشيخ! هل ورد الفراغ في كتاب الله –عز وجل-وفي سنة المصطفي عليه الصلاة والسلام بشيء من الذم، أم بشيء من المدح، أم ما هي السياقات التي ورد فيها ذكر الفراغ؟

الشيخ: الفراغ ذُكر في كلام الله –عز وجل-، في قول الله –عز وجل- لنبيه بعد أن عدَّد عليه نعمه -جل في علاه- قال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ [الشرح: 7] ، هذا الموضع من فقه الانشراح، ذكر الله تعالى فيه ما وجَّه إليه نبيه –صلى الله عليه وسلم-من الاشتغال بما ينفعه في حال فراغه، فقال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ [الشرح: 7-8] .

 فالفراغ مذكور في القرآن الكريم في هذا الموضع، وهو خلوُّ النبي –صلى الله عليه وعلى آله وسلم من شاغل يشغله.

 وقد اختلف العلماء -رحمهم الله- في دلالة الآية، ما الذي أراده الله تعالى في هذه الآية في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ [الشرح: 7] ، فقال بعض أهل العلم: إن الفراغ في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ [الشرح: 7] ، أي إذا فرغت من أعمال الدنيا التي لابد لك منها من طلب معاش، وعمارة الدنيا، وما أشبه ذلك من المسئوليات البشرية الطبيعية التي تقتضيها البشرية، وتقتضيها الطبيعة الإنسانية، وهذا أحد قولي العلماء في معنى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ [الشرح: 7] يعني: إذا فرغت من أمور دنياك التي لابد لك منها فانصب فيما يتعلق برضا ربك، فانصب/ فلا تبقى فارغًا، بل اعمر فراغك بما يكون خيرًا لك في دينك ودنياك،   ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرۡغَب [الشَّرح:8] أي واشتغل بما يقرِّبك إلى الله –عز وجل-، وارغب إليه –جل وعلا-بصالح العمل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة: 35] ، هذا المعنى الأول.

 وقيل في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ [الشرح: 7] ، أي: إذا فرغت من عبادة وطاعة فلا تبقى فارغًا، ولا تكتفي بتلك العبادة السابقة عن أن تشتغل بعبادة أخرى، نَصِل العبادة بالعبادة، والحسنة بالحسنة، والطاعة بأختها، فإنه لا فراغ في معاش الإنسان، إن لم يشغل نفسه بخير شغل نفسه بالباطل، فالنفس لا تخلو من عمل نافع صالح أو من ضدِّه، فلا محلَّ لخلوٍّ من خير أو شر، بل إما أن يكون خيرًا اشتغل به، وإما أن تشغله نفسه بما يكون شرًّا عليه.

فقوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ [الشرح: 7] أي من عبادة أو طاعة فانصب أي فأصل هذه العبادة بعبادة أخرى، ولا تكلّ ولا تملّ، فإنما خلقت لعبادة الله تعالى وحده، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56] ، وكما قال سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك: 2] ، وكما قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر: 99] ، وكما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 102] ، ويتحقق هذا الذي ذكر الله تعالى ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ إلا بدوام الطاعة والمواصلة فيما يرضي الله –عز وجل-، حتى يختم للإنسان بهذه الخاتمة التي أمر الله تعالى بها في قوله: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 102] .

هذا ما جاء في القرآن وجاء في السنة ذكر الفراغ فيما يتعلق بعمل الإنسان في موضعين؛ في قول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيما رواه البخاري من حديث عبد الله بن عباس: «نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من النَّاسِ»

 نعمتان، النعمة: هي المنفعة الفائدة والعطية والهبة والمنحة التي يتفضل الله تعالى بها على عباده، وهي نعمة لا سابق للإنسان في تحصيلها، بمعنى ليس له سبب في تحصيلها ابتداء، بل هي منحة ومنَّة يتفضل الله تعالى بها على عباده.

فقال –صلى الله عليه وسلم-: «نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من النَّاسِ» أي خاسر فيهما كثير من الناس من جهة عدم الانتفاع بهما فيما يعود عليهم بالنفع، فالغبن هو النقص والخسار وذهاب الشيء على غير ربح ونفع قال –صلى الله عليه وسلم-: «الصِّحَّةُ، والفراغُ». [صحيح البخاري:ح6412] .

الصحة في البدن، وفي العقل، وفي النفس فالمقصود بالصحة معناها العام الذي هو ضدُّ العطب والعيب والمرض، سواء كان حسيًّا أو معنويًّا، فالصحة سلامة البدن والنفس والعقل من الآفات التي تضره من الأمراض التي تعيقه عن بلوغ غايته ومقصوده، وتعيقه عن اشتغاله بما يكون سببًا لخير دينه ودنياه.

والفراغ هو ثاني ما ذكره –صلى الله عليه وسلم-من النعم التي يُغبن بها كثير من الناسـ وهو الخلو من الشواغل، وقدَّم النبي –صلى الله عليه وسلم-الصحة، لأن الصحة هي الأصل الذي يدرك به الإنسان ما يكون من خير دينه ودنياه، وذلك أن الإنسان إذا كان مريضًا فإنه لن يتمكن من خير كثير في دينه ودنياه فيفوته خير كثير في دينه ودنياه، وإن كان المؤمن الذي يعمل صالحًا ويجد في طاعة الله إذا مرض كتب الله تعالى له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا، لكن الصحة نعمة يجد بها الإنسان من خير الدنيا والآخرة ما لا يجده حال المرض حتى ولو نال الأجر الذي ذكره النبي –صلى الله عليه وسلم-في قوله: «إِذَا مَرِضَ العَبْدُ، أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا» [صحيح البخاري:ح2996] .

 الصحة إذا غابت لم يكن الفراغ مثمرًا؛ لأن الإنسان سينشغل بنفسه، فإذا مرض الإنسان ولو لم يكن عنده شغل يشغله فإنه سيشتغل بنفسه، وبما نزل به من آفة المرض التي أعاقته عن مصالح دينه ودنياه.

وبالتالي رأس هذه النعم التي يدرك بها الإنسان المنافع هو الصحة، فإذا انعطف على الصحة الخلوُّ من الشواغل التي تعمر وقته وتملؤه بالتزامات ومسئوليات وواجبات وأشغال فإنه لا يتمكن من الانتفاع بصحته، والانتفاع بما وهبه الله تعالى من القدرات لأجل أنه غير فارغ، لأجل أنه مشغول لأجل أنه لا يجد فرصة أو فسحة من الزمن يعمره بما يريد أن يعمره به من خير الدنيا والآخرة.

هذا السياق الثاني الذي جاء في النصوص فيما يتعلق بالفراغ، وما يتصل بنعمة الخلو من الشواغل.

ثمة حديث آخر جاء عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في شأن الفراغ، وهو ما ذكره –صلى الله عليه وسلم-في توجيهه لرجل وَعَظَه، فقال له -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «اغتَنِمْ خمسا قبل خمْسٍ»، هذا الخبر جاء في مواضع عديدة، فهو في مصنف ابن أبي شيبه، وصحيح ابن حبان، وذكر في عدد من المواضع أن النبي –صلى الله عليه وسلم-وعظ رجلًا، أي ذكَّره ونبَّهه إلى أمر من الأمور، قال –صلى الله عليه وسلم-لرجل وهو يعظه: «اغتَنِمْ خمسا قبل خمْسٍ»، اغتنم يعني بادر إلى ألا يفوتَك شيء من هذه الخمس، قبل أن يحلَّ بك خمسٌ من أضدادها، فقال:«اغتَنِمْ خمسا قبل خمْسٍ»، أي من الخصال والأحوال والعوارض والأطوار التي تمر على الإنسان« قبل خمْسٍ»، أي قبل أن تأتي خمس تقابل تلك الخمس، قال –صلى الله عليه وسلم-: «شبابَكَ قبل هَرمكَ»، وهذا طور من أطوار الإنسان، وهو مرحلة من مرحلة الشباب، فاغتنم شبابك قبل هرمك، ولماذا؟ لأن الشباب فيه من القوة والتمكُّن من إدراك مصالح الدين والدنيا ما ليس في حال الهرم، الشباب تكتمل فيه قوة البدن وصحته، وقوة النفس ونشاطها وهمتها، وأيضًا في الغالب صحتها التي تكون سببًا لإدراك مصالح كثيرة، بخلاف حال الهرم التي هي حال الضعف، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً [الروم: 54] ، فقال –صلى الله عليه وسلم-: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وفراغَك» [مصنف ابن أبي شيبة:ح34319، ومستدرك الحاكم:ح7846، وقال:صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. ووافقه الذهبي] أي حال شبابك من قوة وصحة وعافية وسائر النعم التي يتفضل الله تعالى على الإنسان حال الشباب قبل نزول الهرم به.

واغتنام نعمة الشباب مما يدرك به الإنسان خيرًا عظيمًا، فقد قال النبي –صلى الله عليه وسلم-في سياق ذكره للسبعة الذين يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله، قال –صلى الله عليه وسلم-: «وشابٌّ نشأ في طاعة الله» [صحيح البخاري:ح660، ومسلم:ح1031/91] هذا يبين عظيم ما يدركه الإنسان باغتنامه لزمن الشباب بصالح العمل؛ فإن الشاب إذا عمَّر وقته بما فيه خير معاشه وخير معاده وكان ناشئًا في طاعة الله ومرضاته كان ذلك من موجبات هذا الأجر العظيم وهذا العطاء الجزيل من الكريم المنان –جل وعلا-أن يظله الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

ولهذا قال: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ» ابتدأ بذكر الشباب لما فيه كمال العطاء الذي يوجب اغتنام هذه النعم فيما يقرب إلى الله –عز وجل-.

قال: «وصِحّتكَ قبل سقمكَ» أي صحة بدنك وعقلك ونفسك قبل سقمك، أي قبل حلول الأسقام وهي الأمراض والآفات التي تنزل بالناس، ثم قال –صلى الله عليه وسلم-: «وغِناكَ قبل فقركَ»، يعني قدرتك المالية المادية قبل أن يحل بك الفقر، وذلك أن الغنى يدرك به الإنسان من الخير والسؤال بالصالح ما لا يكون متيسرًا له في حال القلة وحال عدم الوفرة.

ولهذا جاء الصحابة إلى النبي –صلى الله عليه وسلم-فقالوا يا رسول الله: «ذَهبَ أهل الدُّثورِ بالأجورِ» [صحيح مسلم:ح1006/53، وهذا لفظه والحديث في صحيح الإمام البخاري كما سيأتي] ، الدثور يعني أصحاب الأموال وأصحاب القدرة المادية، فالدثور جمع دثر وهو المال الكثير، ذهب أهل الدثور بالدرجات العالية، عدَّدوا ما أوجب هذه المقالة، فقالوا: «ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم؛ يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم»، ثم قال في بيان ما تميَّزوا به «ولهم فضل من أموال يحجُّون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون». [صحيح البخاري:ح843، ومسلم:ح595/142]

فقدرة الإنسان المادية تجعل له من الأسباب وتفتح له من الأبواب ما يدرك به العمل الصالح، بخلاف ذاك الذي هو دون ذلك ممن لم يفتح له في هذا المال؛ لذلك وجه النبي –صلى الله عليه وسلم-إلى اغتنام الغنى قبل الفقر.

قال: «وفَراغَك قبل شُغلِك»، وهذا هو الشاهد فراغك أي: خلوَّك من الشواغل قبل شغلك، وهذا إشارة إلى أن الفراغ لا يدوم، فإن الإنسان قد يكون فارغًا في زمن لكن هذا الفراغ لن يدوم فسيعقبه شغل، وهذا مقتضى طبيعة الإنسان ومعاشِه أنه عاملٌ في شيء من الأشياء، إما في خير أو في شر، فلن يبقى فارغًا خاليًا من الشواغل مدة عمره، بل سيمر عليه من الشواغل ما يذهب الفراغ الذي قد يكون حَارَ في الاستفادة منه والانتفاع من لحظاته.

قال: «وحياتَك قبل موتك»، وهذا المعنى الجامع للحياة بكل ما فيها، فلما ذكر النبي –صلى الله عليه وسلم-تفصيلًا لأحوال الحياة من الشباب والصحة والغنى والفراغ فسَّر الحياة بمجملها قال: «وحياتَك» على أي حال كانت:هرمًا، سقمًا، غنًا، فقرًا، فراغًا، شغلًا، شبابًا، صحة، فاغتنم حياتك بكل ما تستطيع« قبل موتك»، أي قبل مفارقة الحياة، فإن الإنسان إذا فارق الحياة انتهى عمله.

هذه النصوص النبوية ذكرت الفراغ وبيَّنت في الفراغ أمرين:

 الأمر الأول: بينت أنه نعمة والنعمة تقتضي الشكر كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم: 7] ، وشكر النعمة ليس باللسان فقط بل يكون باللسان، ويكون بالقلب، ويكون بالعمل كما قال الشاعر:

                      أفادتكم النعماءُ مني ثلاثةً         يدي ولساني والضميرَ المحجبَّا

فيكون الشكر بالقلب إقرارًا بفضل الله ونسبة للنعمة إليه، ويكون باللسان لهجًا بالثناء عليه وذكره والتحدث بنعمه، ويكون بالجوارح استثمارًا لتلك النعمة فيما يُرضي المُثنِي لها المنعمَ بها –سبحانه وتعالى-، ولهذا نعمة الفراغ تُشكر بأن تحفظ، فلذلك ذكر النبي –صلى الله عليه وسلم-بعد إخباره بأنها نعمة وأن كثيرًا من الناس يخسر هذه النعمة ذكر –صلى الله عليه وسلم-بماذا يقابل الفراغ، كيف تشكر هذه النعمة، فقال: «وفراغك» فيما يغتنم «وفراغك قبل شُغلِك».

 وفي القرآن الكريم قال ربنا -جل في علاه-: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ [الشرح: 7-8] .

المقدم: جميل فضيلة الشيخ، سنذهب إلى فاصل بعده -بمشيئة الله تعالى- نستكمل حديثنا عن النقاط والمحاور الأخرى المرتبة في هذا الموضوع، سنذهب إلى فاصل قصير بعده نكمل الحديث -بمشيئة الله تعالى- مستمعينا الكرام ابقوا معنا.

حياكم الله مستمعينا الكرام في هذه الحلقة المباشرة لبرنامج "الدين والحياة"، نرحب بكم ونرحب بضيفنا الكريم فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور خالد المصلح أستاذ الفقه بجامعة القصيم، أهلا وسهلا فضيلة الشيخ مجددًا حياك الله.

الشيخ: حياكم الله، مرحبا بك وأهلا وسهلا بالإخوة والأخوات المستمعين والمستمعات.

المقدم:أهلا وسهلا فضيلة الشيخ، بقي لنا من المحاور تقريبًا ثلاثة محاور، تحدثنا عن كيف يكون الفراغ نعمة في سياقات حديثنا عما جاء في سنة المصطفي -عليه الصلاة والسلام- في شأن الفراغ، لكن نريد أن نتحدث عن متى يكون الإنسان مغبونًا في هذه النعمة ألا وهي نعمة الفراغ؟

الشيخ: يكون الإنسان مغبونًا في هذه النعمة عندما لا يعرف قدرَ نعمة الله تعالى عليه بما منَّ به عليه من الفراغ، فإن الفراغ يدرك به الإنسان من مصالح معاشه ومعاده ما يكون عائدًا عليه بالسعادة في الدنيا والفوز بالآخرة إذا استثمر فراغه، وأنا اضرب لذلك مثلًا.

الآن إذا نظر الإنسان إلى حال بعض الناس من عظيم شغلهم بأمر من الأمور من أمور ديناهم، على سبيل المثال اشتغال الإنسان بالكسب وهذا طبيعي، فإن الإنسان يطلب الكسب محتسبًا الأجر عند الله –عز وجل-في كفاية نفسه، لكن من جهة  النظر إلى نعمة الله عندما تكون تعمل لمدة مثلا ثمان ساعات أو ست ساعات وتتقاضى عن هذا العمل راتبًا يغنيك ويكفيك ويحقق لك الرفه والاكتفاء عن أن تطلب مزيدًا، هل هذا في مقام النعم ومنزلته في إنعام الله عليك كذاك الذي لا يفتر عن  العمل منذ أن يستيقظ إلى أن ينام وهو يكد ويركض في كسب رزقه ومعاشه؟ الجواب: لا، لا شك أن بينهما فرقًا، وعلى سبيل المثال من كان عمله فترة واحدة هل هو كما لو كان عمله في فترتين، يعني يعمل في فترتين صباحية ومسائية؟ الجواب: لا، لا شك أن الذي عمله فترة واحدة صباحية أو مسائية عنده من الفراغ ما ليس عند الذي له من العمل ما يشغله صباحًا ومساءًا أو في فترات متعددة، فلا شك أن الفراغ نعمة يستطيع بها الإنسان أن يدرك مصالحه في معاشه وفي ميعاده لينتفع من هذه النعمة، فحقُّ هذه النعمة حتى لا يكون الإنسان فيها مغبونًا أن يشكر الله تعالى عليها، والنعم تزيد بالشكر وتبارَك بالشكر ويؤجر الإنسان على هذه النعم عندما يشكرُها، فتتابع عليه الهِبات والعطايا، وهذا ليس فقط في نعمة الفراغ بل في كل نعمة ينعِم الله تعالى بها على العبد، إذا أقرَّ العبد بنعمة الله تعالى عليه وأضافها إليه وشكره وأقرَّ بها كان ذلك موجبًا لأن يفتح الله تعالى عليه من الأبواب ما يكون من أبواب الهبات والعطايا والعون والتوفيق والاستثمار ما يكون خيرًا له في معاشه وميعاده.

إذًا يكون الإنسان مغبونًا في نعمة الفراغ إذا لم يشكر الله تعالى على ذلك، يكون الإنسان مغبونًا في نعمة الفراغ عندما يكون الفراغ مصدرًا لشر وفساد، وضياع معاش وهلاك نفس؛ فإن الفراغ السائب الذي لا ينتفع منه الإنسان في أمر معاشه، وفي أمر دنياه، وفي أمر دينه يكون موجبًا لأنواع من الآفات والهلاك ما ينبغي أن يتوقَّه الإنسان، وقد قال الحكماء: من أمضى يومه في غير حقٍّ قضاه، أو فرض أدَّاه، أو مجدٍ أثَّلَه، أو حمد حصَّله، أو خيرٍ أسَّسه، أو علم اقتبسه، وجُماع هذه: في خير يشغله في أمر دينه أو دنياه، من أمضى يومه في غير ما يصلح به معاشه، وتصلح به دنياه، وفي غير ما يصلح به ميعاده وآخرته فقد عقَّ يومه وظلم نفسه.

وقد قال بعض الشعراء:

                 لقد أهاج الفراغ عليك شغلًا               وأسباب البلاء من الفراغ

 فمغبون في هذه النعمة من أضاعها، وجعل الفراغ مفتاحًا لأنواع من المفاسد والشرور، كما قال الشاعر:

                     إن الشباب والفراغ والجده          مفسدة للمرء أي مفسدة

فإن الفراغ الذي لا يعرف الإنسان كيف يستثمره، ولا يدري كيف يعمُر وقته بما يفيده في دينه وفي دنياه وفي نفسه وفي بدنه، فيجني على نفسه بأنواع من الجنايات، كما هو في مقولة سابقة فقد عقَّ يومه وظلم نفسه، ظلم نفسه بإهلاكها وإيرادها المهالك.

لهذا ينبغي أن نعرف أن الغبن في هذه النعمة، في عدم استثمارها، وفي عدم الانتفاع بها فيما يكون الإنسان خارجًا من دائرة الفراغ المدمِّر، آفات الفراغ في أحضان البطالة تولد آلاف الرذائل كما قيل، وتنشأ في ظلها الجرائم والمفاسد التي توقِع الإنسان في حياة بئيسة تعيسة وفي شقاء، ولهذا يعاني بعض الناس من أزمات نفسية بسبب فراغه وعدم الاستثمار، وأنا أضرب لذلك مثلا بمن يترك عمله إما باختيار بتقاعد مبكِّر أو بتقاعد في السن القانوني على سبيل المثال إذا لم يعمُر وقته بالمفيد تجد أن ذلك ينعكس على نفسه بأنواع الآفات المضرَّة التي تُعيقه عن حياة سويَّة، وقد تورِّطه في بلايا وأمور من صنوف المسالك الرديئة.

ولذلك ينبغي على الإنسان أن يعرف أن الغبن في هذه النعمة هو في أن تجعلها مفتاحًا لشرور كثيرة.

أيضًا من الغبن أن يمضي الوقت بلا نفع، فإن الله تعالى خلقنا في هذه الدنيا لعمارة الدنيا بما يكون عونًا لنا على فوز الآخرة، ولذلك ذكر الله في محكم كتابه في تفسير نبي من الأنبياء لقومه بما جعله الله تعالى من وظائف الإنسان من عمارة الدنيا، فهذا نبي الله صالح يقول لقومه مذكرًا: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا [هود: 61] ، أي شرع لكم عمارتها وندبكم إلى أن تمشوا في مناكبها، وأن تعمروها بما يعود عليكم بنفع دينكم ودنياكم.

ولهذا عقب الاستعمار بقوله: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ [هود: 61] ، ولذلك ينبغي للإنسان أن يدرك أن شغل نفسه بالنافع في أمر دينه أو في أمر دنياه هو مما تطيب به نفسه، ومما يشكر به نعمة الفراغ التي يغبن فيها كثير من الناس.

المقدم: هل هو واجب عليه شرعا فضيلة الشيخ؟

الشيخ: بالتأكيد أنه يجب عليه أن يعمر وقته بما يفيده؛ لأن الله تعالى أمر نبيه أمرًا، قال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ [الشرح: 7] ما قال: فَالْهُ، أو فاسترح، أو فاقعد، بل قال: ﴿فَانصَبْ [الشرح: 7] ، ومعنى ﴿فَانصَبْ﴾ ابذل غاية جهدك ومنتهى قدرتك في إشغال نفسك بما ينفعها فانصب في صلاح أمر دينك، وفي صلاح أمر دنياك، ثم ذكر أعظم ما ينصب فيه الإنسان ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ [الشرح: 8] ، وفي الأول قال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ [الشرح: 7] ، ثم بعد ذلك توجه إلى أعظم ما يعمر به الوقت من الأعمال، وهو الاشتغال بطاعة الله –عز وجل-حيث قال: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ [الشرح: 8] اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

فمن المهم أن يدرك الإنسان أن الغَبن في النعم وفي نعمة الفراغ يكون بعدم شكرها، يكون باستثمار الفراغ فيما يضر بالإنسان، يكون في تفويت الفراغ من غير نفع، يعني من كان فارغًا لكن لم يقع في معصية ضيع على نفسه فرصة، وأنا أضرب لذلك مثلا: يعني كثيرًا ما نكون نحن في أوقات نفرغ فيها من أي شغل بمقتضى طبيعة حياتنا، ينتظر الإنسان عند عيادة طبيب، ينتظر الإنسان في صالة مطار، ينتظر الإنسان عند إشارة مرور، ينتظر الإنسان في مراجعة عند مكتب من مكاتب المصالح والخدمات، ينتظر ضيفًا يأتي إليه، وقت يعني لو حسبه الإنسان لوجده متسِعًا في ظروف عديدة ومناسبات متعددة، هذا الوقت هو فراغ لماذا لا يشغله؟ كثير من الناس فيه مغبون من جهة أن هذا الوقت يمضي في ضياع، يمضي في عدم انتفاع، يمضي فيما لا يفيد في دينه وفي دنياه.

وهذا أيضًا يكون حتى فيما يتصل  بشغل النفس بسفاسف الأمور، وما لا يعود على الإنسان ببناء نفسه، فإن هذا أيضًا من الغبن الذي يقع فيه كثير من الناس، هذا الذي ينتظر في مواطن الانتظار في مطار، في طريق، في إشارة، في معاملة لو عمر وقته بــ" سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ما الذي سينجينه؟ سيجني حسنات لا يخطر له على بال، وسيفتح الله تعالى له من أبواب العون في معاشه ما لا يخطر على بال.

فهذا الذكر ليس فقط ثوابه ونفعه أخرويًّا، بل ثوابه ونفعه معجَّل﴿أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ [الرعد:28] ،فأنت في سيارتك، وأنت في انتظارك لمعاملتك، وأنت في شراء، في موطن من  مواطن الانتظار عند طبيب، أو في مراجعة، أو في غير ذلك ردِّد "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر" أو في مطالعة شيء ينفعك في بناء نفسك، بقراءة مفيدة، بمطالعة نافعة، بسماع يعود عليك بالنفع، وستجد أنك تنجِر خيرًا كثيرًا، وتدرك سبقًا كبيرًا في مواطن كثيرة فتسلم من الغبن.

الغبن في نعمة الفراغ أكرِّر يكن بعدم شكر هذه النعمة، وعدم إدراك إنعام الله تعالى عليك بهذا، ولك أن تنظر فيمن هم أكثر منك شغلًا ممن لا يجدون فرصة لأكل، أو لقضاء مصالح ضرورية، فتجده يغيب عن أولاده مددًا طويلة، وأوقاتًا كثيرة في حين أنت عندك الفرصة ما تستطيع أن تبقى مع ولدك، وتقضي مصالح عديدة، ويبقى معك وقت؛ فاحرص على شكر هذه النعمة، هذه نعمة من الله –عز وجل-مَنَحَك إياها.

أيضًا مما يغبن فيه الإنسان بهذه النعمة أن يستهلك وقته فيما يضره في دينه أو في دنياه، وهذا سواء كان على وجه الانفراد في خلوته وانفراده أو بمشاركة غيره، فإذا عمر وقته بما يفسد دينه أو يفسد دنياه فإنه غبن بهذا الفراغ.

ومن الغبن كذلك ألا ينتفع بالفراغ، وهذا واقع في كثير من الناس في مناسبات عديدة، ولهذا تجد بعضهم يقول: أضيع الوقت، يعني أقطع الوقت، الوقت رأس مال الإنسان في حياته، وقتك هو حياتك فإذا أضعت وقتك فقد أضعت حياتك، لهذا ينبغي للإنسان أن يبعد عن هذه التعبيرات السلبية، وأن يجتهد في عمارة وقته بما يفيده.

إذا عمر الإنسان وقته بما يفيده في أمر دينه أو دنياه انعكس ذلك على حاضره وعلى مستقبله صلاحًا وإشراقًا وسعادة، فإن الإنسان الفارغ إذا لم يستثمر فراغه كان شقاء، وإن استثمره في نافع مفيد كان ذلك من مفاتيح أبواب السعادة لنا، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من السعداء، وأن يعمر أوقاتنا بما ينفعنا في ديننا ودنيانا.

المقدم: فضيلة الشيخ بقيت مسألة أخيرةن بودِّي أن تعلق عليها وهي: أن بعض الناس قد يشغل وقته بشيء مباح، قد لا يكون فيه مثلا ذكر أو طاعة لله –عز وجل-، وإنما يكون شيء من المباحات، وتجد بعض الناس يشنِّع على هؤلاء مثلا، ويعتبر أن هذا من تضييع الوقت ومن إهدار وقت المسلم الذي ينبغي أن يستفيد منه في طاعة الله، وهو لم يفوت واجبًا مثلا على سبيل المثال.

الشيخ: طرائق الناس في  استثمار الوقت والانتفاع به كثيرة ومتعددة، فمنهم من يعمر وقته بطاعة الله، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ [الشرح: 8] ، ومنهم من يعمر وقته بما يفيد ولو لم يكن ذلك طاعةً في ذاته، بمعنى أنه إنسان فارغ واشتغل بأعمال رياضية على سبيل المثال مشي، أو ركوب، أو سباحة أو غير ذلك من الأعمال التي تعود على بدنه بالصحة والعافية هذا من المباحات، وهو إن نوى به خيرًا أُجر على نيته، وإن لم ينو به خيرًا فقد شغل نفسه بمفيد يحجزه عن السوء والشر.

ولهذا نفسك إن لم تشغلها بخير ونافع، وقتك إن لم تعمره بصالح ومفيد ونافع في أمر دين أو دنيا ثق تمامًا أنك ستُشغَل بما يقابله، فنفسك ستشغلك بالباطل، نفسك ستشغلك بالشر، نفسك ستوقعك في المفاسد والمهالك، وقد قيل: "إن الصَّبْوة من الفراغ" الصبوة يعني الخروج عن الاستقامة والميل عن الطريق السليم، فإذا أشغل الإنسان نفسه بمباح يشجَّع ويوجَّه، يشجع يقال: جيد أن تشغل نفسك بما ينفعك، ولو لم يكن يعني طاعة، لا يلزم أن يكون طاعة، هي هبات وعطايا ومنن من الله –عز وجل-والناس ليسوا على درجة واحدة، هي فتوحات، لكن كونه يشتغل بما يحجز به نفسَه عن السوء والشر هذا في حدِّ ذاته مكسب وهو سالم من الغبن، وإن كان لم يبلغ في الربح كربح ذاك الذي عمر وقته بطاعة الله –عز وجل-ومرضاته، نسأل الله أن يستعملنا وإياكم في طاعته، وأن يعيننا وإياكم على شكره وذكره وحسن عبادته.

المقدم: اللهم آمين، شكر الله لك فضيلة الشيخ وكتب الله أجرك، شكرًا جزيلًا على ما أفدت به وأجدت في هذه الحلقة، شكرًا جزيلًا فضيلة الشيخ.

الشيخ: وأنا أشكركم، وأسأل الله تعالى لي ولكم التوفيق والسداد، وأن يجعلنا وإياكم ممن يغتنم شبابَه قبل هرمه، وصحته قبل مرضه، وغناه قبل فقره، وفراغه قبل شغله، وحياته قبل موته، وأسأله –جل وعلا-أن يعمر بلادنا بالخيرات، وأن يدفع عنا كل سوء وشر، وأن يوفق ولاة أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين وولي عهده، وأن ينصر جنودنا المرابطين، وأن يدفع عنا وعن المسلمين كلَّ شر وفتنة وصلى الله وسلم على سيد البشر نبينا محمد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

مواد تم زيارتها

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف