الاثنين 25 ذو الحجة 1442 هـ
آخر تحديث منذ 29 دقيقة
×
تغيير اللغة
القائمة
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو Hausa
الاثنين 25 ذو الحجة 1442 هـ آخر تحديث منذ 29 دقيقة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأعضاء الكرام ! اكتمل اليوم نصاب استقبال الفتاوى.

وغدا إن شاء الله تعالى في تمام السادسة صباحا يتم استقبال الفتاوى الجديدة.

ويمكنكم البحث في قسم الفتوى عما تريد الجواب عنه أو الاتصال المباشر

على الشيخ أ.د خالد المصلح على هذا الرقم 00966505147004

من الساعة العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهرا 

بارك الله فيكم

إدارة موقع أ.د خالد المصلح

×

لقد تم إرسال السؤال بنجاح. يمكنك مراجعة البريد الوارد خلال 24 ساعة او البريد المزعج؛ رقم الفتوى

×

عفواً يمكنك فقط إرسال طلب فتوى واحد في اليوم.

مرئيات المصلح / برامج المصلح / الدين والحياة / الحلقة (228) خير الأصحاب

مشاركة هذه الفقرة

الحلقة (228) خير الأصحاب

تاريخ النشر : 21 شوال 1442 هـ - الموافق 02 يونيو 2021 م | المشاهدات : 185

المقدم:بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.

أيها الإخوة المستمعون الكرام! السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، نحييكم تحيةً طيبة مباركة، نحييكم بتحية الإسلام فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، من إذاعة "نداء الإسلام" من المملكة العربية السعودية يسرُّنا أيها الأحبة أن نكون معكم، وأن أكون معكم أنا في البرنامج الذي هو أحد برامج إذاعة "نداء الإسلام" من مكة المكرمة، والذي نسعد دائمًا باستضافة ضيفه الدائم الأستاذ الدكتور خالد المصلح أستاذ الفقه في جامعة القصيم، ذلك البرنامج هو برنامج "الدين والحياة".

 يسعدني أن أكون معكم أنا وزميلي الذي سيساندني في تنفيذ وإخراج هذه الحلقة لؤي الحلبي، أنا عبد الله سعد بن عزام، نرحب نحن جميعًا نحن وأنتم أيها الأحبة بضيف البرنامج الدائم سعادة الأستاذ الدكتور خالد المصلح، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته دكتور خالد.

الشيخ:وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياكم الله، وحيا الله الإخوة والأخوات، وأسأل الله أن يجعله لقاءًا نافعًا مباركًا.

المقدم: آمين، حياك الله شيخنا العزيز، وحياكم الله أنتم أيها الإخوة والأخوات أينما كنتم، وكما قلت لكم هذه الإذاعة هي منكم وإليكم وفي خدمتكم، وفي تنوُّع برامجها ما يفيدكم بإذن الله تعالى، نحرص دائمًا وأبدًا أن نقدِّم في هذه الإذاعة المباركة ما يفيدكم بإذن الله من خلال استضافة نُخبة من كبار العلماء والأساتذة والدكاترة الذين يُثْرون هذه الإذاعة ومنهم ضيفنا العزيز حفظه الله.

أيها الأحبة! جاء الإسلام بمنهج وشريعة تدعم الروحَ والجسد معًا، وهو بذلك يعطي الدنيا حقَّها والآخرة الباقية بلا شك يعطيها حقَّها، فلم ينظر الإسلامُ للحياة الدنيا على أنها دارٌ فانية، وبالتالي فلا نهضةَ ولا عمران ولا حياة، بل وصفها الإسلام بأنها مزرعةٌ للآخرة، فهي ميدان للتنافس والبذل والإعمار وقيام العدل، فيها يدعو الإسلام أيها الأحبة لِأنْ يكون الفقيرُ على وجه الأرض معدومًا من خلال أنظمته الاقتصادية التي يعزُّ نظيرها على سبيل المثال في هذه الأيام.

هذا البرنامج الذي هو "الدين والحياة" أيها الأحبة، نحن في هذا البرنامج نودُّ أن نوضِّح العلاقة التكامليَّة بين الدين والحياة التي جاء بها نبينا محمد –صلى الله عليه وسلم-.

شيخ خالد! حفظك الله طبعا في كل حلقة -بإذن الله تعالى- سنتحدث عن جانب من هذه الجوانب التي لها علاقة، وهي تربط الإسلام بالحياة، وتوضِّح علاقة الإنسان بدينه وحياته، وكيف أن هذه الحياة فيها نوع من التكامل والترابط حتى تكون الحياة حياةً سليمة مستقرِّةً.

سنتحدث في هذه الحلقة عن جانب مهمٍّ من هذه الجوانب ألا وهو الصحبة، شيخ خالد! حدِّثنا حفظك الله عن:

 أولًا: الأصحاب كيف نتعرف على مفهوم الصحبة في الدين؟ وكيف أولاها الدين أهميةً كبيرة؟ من هو الصاحب الذي يكون يستحقُّ أن يكون صاحبًا ويحرص الإنسان على اختياره؟

الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد.

فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أسأل الله تعالى أن يسدِّد القول، وأن يُصلِح العمل.

فيما يتعلق بالصاحب في مدخل الحديث عن الصاحب من هو الصاحب؟ ما المراد بالصاحب؟ الصاحب يُطلق في لسان العرب على الشيء الملازم للشخصِ والمرافِق له، وكثيرِ الخُلطة به، ولا فرق في ذلك بين أن يكون من جنسه كصُحبة الإنسان للإنسان سواء كان ذكرًا أو أنثى، أو صحبة الإنسان للحيوان، فيقال: هذا صاحبُ الدابة الفلانية، أو مُصاحبة المكان، أو ما إلى ذلك من أنواع الاقتران التي تكون بين الناس وبين الإنسان وغيره، فمن جنسه أولى.

إذًا الصحبة تدور على هذا المعنى، وهي الملازمة والمرافَقة والمعاشرة والمخالطة على اختلاف هذا الإطلاق، وثمة أسماء عديدة ترادِف هذا الاسم- وهو الصاحب- فيطلق على الصاحب الصديق، ويطلق عليه الخليل، وثمة فروقٌ أحيانًا بين هذه الألفاظ، لكن في الجملة تشترك في المعنى العام، وإن كانت هذه الألفاظ قد يتميَّز كلُّ لفظ منها بما يخصُّه، فالخليل هو أعلى درجات الصحبة، والصديق هو من اتصف بالصدق في مصاحبته، لكن الجميع يشترك في معنى الملازمة والمرافقة والمعاشرة.

هذا المعنى الإجمالي للصاحب.

المقدم:جميل طيب إذًا لا شك أنه من خلال ما ذكرت أن الصاحب مهمٌّ في حياة الإنسان، لابد أن يكون له صاحب، وخاصة حينما يكون الصاحب من بني جِلدته، أو من بني جنسه، يعني من الإنسان أن يكون له صاحب كيف يختار الإنسان صاحبَه؟ ما هو الهدي الذي جاء به القرآن الكريم والسنة النبوية في اختيار الأصحاب؟ نبدأ بالصاحب في القرآن الكريم.

الشيخ:الصاحب في القرآن الكريم ذكر الله تعالى هذا اللفظ في مواضع عديدة، وأضافه إلى أشياء متنوعة، فذكر الله تعالى الصحبة للإنسان لما يخالطه، فمثلا على سبيل المثال قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ [القلم: 48] ، وهو ذو النون -عليه السلام- يونس نبي الله، أضاف الصحبة إلى الحوت لما جرى من التقام الحوت له، والقصة الشهيرة المعروفة لهذا النبي الكريم.

وأضاف الله تعالى الصحبة أيضًا للمكان، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ [البقرة: 82] أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم، وأضافها إلى النار ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ [الأعراف: 36] ، وأضاف الله تعالى الصحبة أيضًا إلى الأوقات والأيام، كما قال تعالى: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ [النساء: 47] ، فأضاف الله تعالى الصحبة لزمانٍ ولمكانٍ ولمخالطٍ من غير الجنس.

أضاف الله تعالى في القرآن الصحبة إلى من يخالطه الإنسان من بني جنسه ويتأسَّى بهم، فقال تعالى في سورة الأنعام: ﴿حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ [الأنعام: 71] ، هذا من جنسه ﴿يَدْعونه إلى الهُدى﴾ وذكر أيضًا الصحبة في المخالطة، فقال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ [النساء: 36] ، فالصاحب بالجَنْب هو المخالِط المرافِق من غير مشاركة، لا في نَسَب، ولا في مكان، صحبة لا ترتبط بالنسب، ولا ترتبط بالجيرة، وتلك كلها أنواع من الصحبة، بل الصحبة تُذكَر على أخصِّ العلاقات بين البشر، فتُذكر على سبيل المثال في مصاحبة الإنسان لأهله، لزوجته، فتُسمَّى الزوجة صاحبةً، كما قال الله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ [الأنعام: 101] ، يعني زوجة﴿وخلقَ كلَّ شيء﴾. [الأنعام: 101]

فالصحبة في القرآن ذُكرت بهذا التنوع الذي ينتظم هو المعنى العامَّ والمشاركة والملازمة والمرافقة، والذي يعيننا من هذه المعاني المتنوعة في القرآن الكريم للصاحب هو ما ذكره الله تعالى من صُحبة الإنسان لما يجانسه ويشابهه من بني جنسه، سواء كانت صحبةً عارضة، أو صحبة دائمة، وهي قد ذُكرت في القرآن أيضًا بأسماء أخرى، فذكرت الخُلَّة التي تكون بين الناس، وهي أعلى درجة في الصحبة، قال الله تعالى: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف: 67] ، فالأخلاء هنا هم من كان بينهم خُلَّة، والخلة أعلى الدرجات المحبة والمصاحبة والموافقة، قال تعالى: ﴿بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف: 67] ، وأيضًا ذكر الله تعالى في القرآن الحكيم قصةَ الرجل الذي ذكر صحبةً له مع شخص كان يدعوه إلى السوء، كما قال تعالى في سورة الصافات: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ *قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ [الصافات: 50-52] كان لي قرين، يعني كان لي صاحب يدعوه إلى الشرِّ وعدمِ الإيمان بالله ﴿يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ *أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُون  * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ *فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ [الصافات: 52-55] أجارنا الله تعالى وإياكم منها.

فالمقصود أن الصحبة ذُكرت في القرآن ليست فقط باسم الصاحب بل بأسماءَ أخرى، ومن ذلك ما ذكره الله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا *يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا [الفرقان: 27-28] ، هذه في ذكر الصحبة الرديئة السيئة، فالله تعالى ذكر الإحسان للصاحب في القرآن، وذكر خطورةَ الصحبة الرديئة التي تقعد بالإنسان للشر، وذكر الصحبة الصالحة التي تدعو إلى الهدى، وتدل على البرِّ، فكل هذا مما جاء في القرآن، وهذا اللفظ تكرر في القرآن في مواضع عديدة مما يدل على أهمية العناية بالصحبة وانتقاء من يصاحبُه الإنسان.

المقدم:جميل! طبعا من خلال حديثك -حفظك الله- يعني تبيَّن لي أن الصحبة صحبتان، ربما صحبة مؤقَّتة وهي ما قد يكون بين الإنسان وبين من يلتقي به، ربما في سفر، أو في مثلا مجلس معين، فيجلس بجانبه، ويكون بينهما نوع من الحديث، ويصحُّ أن يطلق عليه صاحب، كذلك حينما يلتقي الإنسان بشخص مؤقَّت لأجل عمل أو ما إلى ذلك من ذلك، أنا اعتقد ربما توافقني دكتور خالد ما حدث بين موسى والخضر -عليهما السلام- حينما قال: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي [الكهف: 76] بمعنى أنهما اصطحبا لفترة وجيزة، اجتمعا من أجل هدف معين، ثم افترقا بعد ذلك، وكذلك قد تكون الصحبة دائمةً بالعكس أيضًا.

الشيخ:نعم، هو كذلك، فالصحبة مراتب، لكن المفهوم العام هو المشاركة والمخالطة، ولذلك تطلق الصحبة على أدنى مخالطة، لكن هي درجات ومراتب، ولهذا ذكرت أنه الله –عز وجل-ذكر القرين، والقرين صاحب ملاصِق؛ لأن القرين لا يكون إلا مخالطًا مخالطة تجعلها مستمرة دائمة مشارِكة في تفاصيل كثيرة ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف: 67] ، فمثل ما تفضَّلتَ الصحبة درجات ومراتب، ليست على درجة واحدة، لكنها مهما كانت مستوياتها تشترك في معنى المخالطة، وأيضًا يثبت أصل الحق الثابت في الصاحب وما يتعلق بالصحبة وأهميتها.

المقدم:ولها تأثيراتُها طبعا، تحدثنا عن الصحبة في القرآن الكريم حدثنا في الجانب الآخر في السنة النبوية كيف كانت الصحبة؟ ولعلنا نبدأ بالصحبة التي كانت بين نبينا الكريم محمد عليه الصلاة والسلام وبين صاحبه أبي بكر الصديق.

الشيخ: هذه ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم، يقول الله: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ [التوبة: 40] ، فالصحبة هنا ثبتت، لهذا تميَّز أبو بكر رضي الله تعالى عنه بين أصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم-كلّهم على كثرتهم، فقد فاقوا المائة ألف رجل وامرأة إلا أنه فاقهم -رضي الله تعالى عنهم- بأن الله أثبت له الصحبة في كتابه الحكيم، وهذا مما تميز به واختصَّ، وبين أيضًا خصوصيته ومنزلته ورفعته في هذا المعنى ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة: 40] .

في السنة النبوية آخى النبيُّ –صلى الله عليه وسلم-بين المهاجرين والأنصار، وجاءت صحبته لمن آمن به لما رآه، فالصحبة الثابتة لأصحاب النبي، والمعنى الثابت لأصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم-هو أن كل من لقي النبيَّ –صلى الله عليه وسلم-مؤمنًا به ومات على ذلك فقد حاز شرفَ الصحبة ولو كان للحظة، وهذا مما اختص به النبي –صلى الله عليه وسلم-، وهو أيضًا يبين أن مفهوم الصحبة ليس مقتصرًا على القرين الملازم الدائم الصلة، بل حتى على المصاحبة العارضة، فإن من الصحابة من لقي النبي –صلى الله عليه وسلم-مرة في حياته كالذين لَقَوه –صلى الله عليه وسلم-في حَجِّه، هؤلاء خالطوه في أيام معدودة ومحدودة في حجة الوداع.

وهناك من صاحبه صحبةً لازَمَه فيها ملازمة تامَّة كأبي بكر وعمر وعثمان وعليٍّ والعشرة المبشرين بالجنة، وكزوجاته، ومن له دوام الصلة بالنبي –صلى الله عليه وسلم-، والجميع يشترك في فضل الصحبة، وإن كانت الصحبة في فضلها متفاوتة فصحبة أبي بكر ليست كصحبة من لقيه مرة واحدة –صلى الله عليه وسلم-.

هذا ما يتعلق بالصحبة الثابتة لأصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم-.

أما ما جاء من الأحاديث في شأن الصحبة فقد جاء فيها جملة من الأحاديث الدالة على عناية الشريعة في الصحبة، فقد قال النبي –صلى الله عليه وعلى آله وسلم-كما في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري «إنَّما مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ، والْجَلِيسِ السَّوْءِ» وهذا نوع من الصحبة، وهو صحبة المجالسة، هي مخالطة ولا تلزم أن تكون المجالسةُ مستمرة، بل كما تقدم حتى لو كانت مجالسة في انتظار، في مصلحة من المصالح، أو في دائرة من الدوائر، ولو كانت عارضة يعني ولو كانت مؤقَّتةً «إنَّما مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ، والْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَحامِلِ المِسْكِ، ونافِخِ الكِيرِ».

وهذا يبين تمييز الشريعة وتمييز السنة بين الصحبة ما هو في القرآن ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا *يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا [الفرقان: 27-28] ، هذا في جليس السوء والثاني قال: ﴿حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى [الأنعام: 71] ، وصحبة مثل ما تفضلت صحبة موسي للخضر كانت صحبةَ تعلُّمٍ واستفادة وانتفاع، فكان هذا كلُّه دالًّا على تنوع الصحبة المذكورة في السنة، «فَحَامِلُ المِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ» أي يعطيك ريحًا طيبة مجانًا ، «وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً» ،  فلن تعدم منه خيرًا، «وَنَافِخُ الكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً». [صحيح البخاري:ح5534، ومسلم:2628/146]

أيضًا جاءت السنة في الندب إلى تخيُّر الأصحاب والاعتناء بالانتقاء، وألا يتورط في كل من لاقاه، وكل من خالطه، قال النبي –صلى الله عليه وسلم-كما في المسند من حديث أبي هريرة «المَرْءُ على دِينِ خلِيلِه» فالخلة أعلى درجات الصحبة، وهي التي يكون فيها من الودِّ والمحبة وصافي العلاقة، ودائم الصلة أكثر من غيرها «المَرْءُ على دِينِ خلِيلِه، فليَنظُرِ أحدكم مَن يُخالِلُ» [سنن الترمذي:ح2378، وحسنه] يعني ينظر أحدُكم من يخالِل، يتدبَّر ويتمهَّل في انتقاء من يُديم خلطتَه، وحتى نعرف أيضًا التمايز حتى في الصحبة الواحدة، ليست على درجة واحدة، من الطيبين من يكون دونَ غيرهن أو منهم من يكون بعضهم أعلى من بعض، وهذا يشير إليه قول النبي –صلى الله عليه وسلم-فيما رواه الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري قال: «لا تصحَبْ إلَّا مُؤمنًا» يعني لا تخالِط مخالطة دائمة اختيارية إلا مؤمنًا «ولا يأكُلْ طعامَك إلَّا تقيٌّ» [سنن الترمذي:ح2395، وحسنه]  المطاعمة والأكل هو نوع من الصحبة، لكن لماذا خص المطاعمة والمشاركة في الطعام بالتقي؟ والمقصود بــــ«لا يأكُلْ طعامَك إلَّا تقيٌّ»طعامُ الدعوة التي يُخصُّ بها الناس وليس طعام الإحسان، إنما طعام الإحسان يكون لكل أحد كما قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا [الإنسان: 8] ، والأسير ليس مسلمًا فضلًا عن أن يكون تقيًّا.

فالمقصود هنا  من قوله: «ولا يأكُلْ طعامَك إلَّا تقيٌّ»يعني الطعام الذي تدعو إليه وتَنتَقِي من يشاركك فيه «ولا يأكُلْ طعامَك إلَّا تقيٌّ»

أستاذ عبد الله! يعني أُلفت الحديث إلى التفريق بين المؤمن والتقيِّ، فالمؤمن هو كل مسلم، والتقيُّ هو من ترقى في خصال الإيمان إلى الدرجات العليا وهي درجة التقوى.

ما هي المناسبة بين المآكلة وبين المصاحبة؟ المآكلة يثبت بها من الودِّ والكرامة والصلة والمحبة ما ليس في المصاحبة، ولذلك قال في بيان أن الذين تقترب منهم، وتكون مخالطتُك لهم مخالطةً فيها خصوصية، وفيها دوام ومشاركة أكثر، أن يكون ذلك لتقيٍّ، هذا ما جاءت به السنة أو بعض ما جاءت به السنة فيما يتعلق بالصحبة.

ومن ذلك أيضًا بيان ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان مع أصحابه فقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيما جاء في السنن قال –صلى الله عليه وسلم-: «خيرُ الأصحابِ عند الله خيرُهم لصاحبِه» [سنن الترمذي:ح1944، وحسنه] وهذا يدل على أن الإنسان ينبغي له أن يتحرَّى في الصاحب أن يكون على أعلى ما يكون من الخيرية، وهو من يكون خيرًا لصاحبه.

هذا بعض ما جاء في السنة في شأن الصحبة.

المقدم: طبعا لا شك من خلال حديثك -حفظك الله- يعني تبين لنا أن الصحبة لابد منها للإنسان، لا يستطيع الإنسان شيخ خالد أن يعيش بمفرده في الحياة، لابد أن يكون له أصحاب سواء كان في منزله، أو في خارج منزله، وهؤلاء الأصحاب لهم من التأثير القوي جدًّا على الإنسان بحيث ربما يأخذونه إلى ذات اليمين أو ذات الشمال، لا سمح الله.

ولذلك كما ذكرت اهتم القرآن الكريم والسنة النبوية بهذا الأمر اهتمامًا كبيرًا، ونحن مررنا بذلك دكتور خالد، نحن، أنا وأنت وكل الإخوة المستمعين مررنا في الحياة بأصحاب لابد أن يكون لنان كل واحد كان له أصحاب، وعرفنا تأثيرهم ورأيناهمن وتأثَّرنا بهم، ربما منا من تأثَّر وكان تأثير أصحابه عليه حسنًا، ومنا من تأثر وكان لا سمح الله التأثير سيئًا بحسب المصاحِب.

إذًا الصحبة مهمة جدًّا للحياة، يا أيها الإخوة والأخوات المستمعين! يذكرني حديثُ الشيخ معنا ضيفنا العزيز بقول الشافعي –رحمه الله-حينما يقول:

           سلام على الدنيا إذا لم يكن بها                  صديق صدوق صادق الوعد منصفا.

إذًا الحياة لابد فيها من مصاحب يُعين الإنسانَ على التوجُّه السليم إلى الله –سبحانه وتعالى-،كيف شيخ خالد ينتقي الإنسان صحبةً؟ وما هي أهمية انتقاء الصحبة؟ كيف يستطيع الإنسان أن يختار أصحابه، لعلنا نتحدث في هذا بعد الفاصل.

مرحبا بكم مجددًا أيها الأحبة في استديوهاتنا في إذاعة "نداء الإسلام" من المملكة العربية السعودية، ونحن نتحدث في هذه الحلقة في برنامج "الدين والحياة" نتحدث عن الصاحب من هو الصاحب؟ تحدثنا من هو الصاحب، حدثنا ضيفنا العزيز عن الصاحب، وكيف ورد ذكره في القرآن الكريم والسنة النبوية كيف اهتم بها؟ هذان المصدران العظيمان من مصادر التشريع الإسلامي في ديننا المبارك ودينِنا الحنيف. شيخ خالد! نودُّ أن تحدثنا في هذه الفقرة عن أهمية انتقاء الأصحاب على الإنسان؟ كيف يختار الإنسان أصحابه؟ وكيف يستطيع الإنسان وهو صغير أن يختار أصحابه؟

شيخ خالد! نعم ربما يكون الإنسان وهو يميِّز وكبير في السن ربما يستطيع أن يختار أصحابه، ويعرف الخير من الشر، لكن لا شك أن الصحبة تكون من بداية العمر، من الصغر، فكيف يستطيع الإنسان أن يميز وهو صغير؟ وكيف يستطيع أن يختار أصحابه هل هو يختار بنفسه؟ أم هناك من يدلُّه كأسرته كأبويه ومعلميه وما إلى ذلك؟

الشيخ: هو أخي الكريم فيما يتعلق بانتقاء الأصحاب ما أشرت إليه قبل قليل من أن الله تعالى فطر الإنسان بجبلِّته إلى أن يكون مدنيًّا بطبعه.

ولهذا الإنسان مطبوع جِبلَّةً وخِلقةً على الافتقار إلى جنسه، إلى أن يكون له صاحب أنه يرغب في مصاحبة مَن هم على شاكلته ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ [الإسراء: 84] .

فالإنسان يميل إلى مخالطة أفراد نوعِه ومجالسةِ بني جنسه، وقد جاءت شريعة أحكم الحاكمين مُلبِّيةً لهذه الحاجة الفطرية التي يصلح بها معاش الناس ومعادُهم.

ولهذا الله تعالى خلق آدم فردًا، ثم لم يتركه على انفراده، بل خلق له من جِنسه ما يُؤنِسه، وهذه أول مصاحبة وقعت في الكون، وهي مصاحبة حواء -عليها السلام- لأبينا آدم -عليه السلام- قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء: 1] وهذه نوع من الصحبة ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً [النساء: 1] ، جاءت الشريعة ملاحِظةً لهذه الفطرة، أو هذه الجِبِلَّة أنه يبحث الإنسان عمن يخالطه ومن يعاشره ومن يعايشه، فلا يصلح معاش الناس إلا بذلك، بل لا يصلح حتى دينهم إلا بذلك.

ولهذا شرع الله تعالى صلاةَ الجماعة، وشرع الله تعالى العبادات التي يقوم بها اجتماع الناس كالحجِّ والعمرة وما أشبه ذلك، وأيضًا شرع حقوقًا للخلق من زكاة، ومن برٍّ للوالدين، وصلة الأرحام، وحقوق الجيران كل هذا لأن الإنسان لا يستغني عن أن يكون مخالطًا لغيره، وأجمع آية ذكرَت هذه الأنواعَ من المخالطات قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ [النساء: 36] ، كل هذا ذكر لأنواع من المخالطات التي تكون بين الإنسان وغيرِه.

وهذه الآية الكريمة هي قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ [النساء: 36] .

 أول ما بدأ بحقِّ الناس بحسن الصحبة وهما الوالدان، ثم ذكر ذوي القرابات ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾وهم الأرحام، ثم ذكر مَن يحتاج إلى رأفة ورحمة: اليتامى، ثم المساكين، ثم ﴿الجارِ ذِي القُرْبَى﴾، وهو الجار الذي اجتمع له حقَّان؛ حق الجيرة، وحق القرابة.

﴿والجار الجُنُب﴾ وهو الجار الذي لا صلة لك به، ثم قال: ﴿والصاحبِ بالجَنْبِ﴾ وهذا الذي لا يربط به لا نَسَب ولا جِيرة، إنما هو صاحب ولو نَأَت ديارُه وبَعُد مُقامُه، ﴿وابن السبيل﴾ وهذه الصحبة العارضة التي لا تثبُت ولا تدوم؛ لأن ابن السبيل لا يقَرُّ في مكان، هو منتقِّل من مكان إلى مكان، فابن السبيل هو ابن الطريق، يعني الذي تلقى في طريقك تلقاه في مناسبة عارضة ويمضي وتمضي.

قال: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء: 36] وهم من تحت يد الإنسان، ومثلهم من يخدمه، ويشتغل عنده وإن كانت ثمة فروقات بين ملك اليمين وغيره ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا [النساء: 36] ، فهذه الآية الكريمة ذكرت أنواعَ الصحبة التي تكون بين الإنسان وبين غيره.

وبيَّنت أن الشريعة راعت هذه الأنواعَ من الصحبة، حيث أمر الله تعالى بالإحسان قال: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى [النساء: 36] ، واليتامى يعني إحسانا، والمساكين إحسانًا، والجار ذي القربى إحسانًا، والجار الجنب إحسانًا، والصاحب بالجنب إحسانًا، فالوصية جاءت بالإحسان إلى هؤلاء كلهم، بمختلف درجات مصاحبتهم، وبمختلف درجات مخالطتهم.

إذًا الصحبة مما ركزه الله تعالى في فِطَر بني آدم، وأعطاها حقوقًا فيما يتعلق بما يترتب عليها من الأحكام.

العلماء والعقلاء والمُبْصِرون والعارفون والمجرِّبون أدركوا أثرَ الصاحب على صاحبه، حثُّوا على الانتقاء، وعلى صحبة الأخيار، وعلى الحَذَر من صحبة الأشرار، ولو كانت صحبةً عارضة.

يقول أبو ذرٍّ: "لَصاحِبٌ صالحٌ خير من الوحدة" يعني يكون عندك صاحب صالح في دينه ودنياه خير من أن تبقى منفردًا، لكن إذا لم تجد هذا الذي وُصِف بالصلاح.

قال: "والوِحدةُ خيرٌ من صاحبِ السوء" [أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه:ح34683، وروي مرفوعا، أخرجه البيهقي في الشعب4639، ولا يصح. ضعفه الألباني في الضعيفة:ح2422] ، ولذلك قال مالك بن دينار: "إنك أن تنقُل الحجارةَ مع الأبرار" يعني في صُحبتهم ولو كانت في أمور تشقُّ عليك "خير من أن تأكل الحلوى مع الأشرار" [روضة العقلاء:ص100]

                        فلا تصحب أخا الجهل                     وإياك وإياه

 هذا من كلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه

                       فلا تصحب أخا الجهل                 وإياك وإياه

                      فكم من جاهل أردى             حليما حين يلقاه!

                       يقاس المرء بالمرء إذا                 ما هو   ماشاه.

ولهذا ينبغي للإنسان أن ينتقي الأصحاب، وانتقاء الأصحاب مهمة  يحتاج فيها الإنسان إلى بصيرة، وإلى تجربة، وإلى أحيانًا إلى استشارة، ولذلك أنت تفضَّلت بالسؤال كيف يتحقق للإنسان اختيار الصاحب، وقد يكون صغيرًا ليس له من المعرفة والتجربة ما يمكِّنه أن يختار.

هنا لا بأس، يستعين بمن يعينه، وهنا يأتي دور الوالد والأخ الكبير والمعلم ومن له ولاية بأي نوع من أنواع الولايات على هذا، حتى الأخ والأخت والابن، يعني كل من له تأثير، هنا يأتي دوره في التوجيه إلى الصحبة الصالحة والنافعة، والتحذير من صاحب السوء الذي يردي صاحبه ويوقعه في المهالك.

إذًا ضرورة انتقاء الصحبة جاءت بها الآيات في القرآن الكريم، وجاء به الخبر في قول النبي –صلى الله عليه وسلم-.

في القرآن الكريم يقول الله تعالى لنبيه، وهو أكمل الخلق –صلى الله عليه وسلم-طاعة ًوعبادةً وهو المؤثِّر الذي يُتلقَّى عنه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: 21] ، مع هذا الله يأمره ويقول: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ [الكهف: 28] أي في مخالطة ومصاحبة الذين يدعون ربهم، يعبدون الله، يدعون هنا بمعنى العبادة ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف: 28] ، فذكر الله –عز وجل-نوعين من أنواع المخالطين:

 الذين يشتغلون بطاعة الله وتقواه والعمل بما يرضيه، ومَن يقابلهم ممن هم أهلُ غفلة، وأهل تفريط، وأهل اتباع هوى وشهوات، فبيَّن الفرق بين هذا وهذا، وأمر الرسولَ بمصاحبة من هم أهل التقوى، وليس فقط المصاحبة، بل الصبر على صحبته؛ لأن المخالِط لك، المصاحب قد لا يأتي بما تشتهي، وقد يأتي بما لا يروق لك، أو يكون شيئًا بمقتضى المصاحبة والجِبلَّة البشرية يعني قد يكون منه شيء ينفِّر.

المقدم: قد لا يتوافق معك في كل الأحوال.

الشيخ: هذا هو، قد لا يتوافق معك، قد يصدر منه ما تكره، لكن الإنسان عند تقويم من يصاحب لا ينظر إلى مفردات المَواطِن وإلى جزئيات الحوادث وما أشبه ذلك، بل ينظر إلى مجمَل ما يكون من الصاحب، وما يكون فيه من إيجابيات، فيرجِّح الجانب الإيجابي على ما يكون من قصور أو تقصير.

إذًا انتقاء الصحبة مهم، والنبي –صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أكد هذا المعنى في قوله –صلى الله عليه وسلم-:  «المَرْءُ على دِينِ خلِيلِه فليَنظُرِ أحدكم مَن يُخالِلُ» [سبق] هذا الحديث رواه الإمام الترمذي في السنن بإسناد لا بأس به من حديث أبي هريرة يقول: «المرء» يعني الشخص رجل أو امرأة، ذكور أو إناث «على دين خَلِيْلِه» يعني على طريقته وسبيله، وخلق الدين هنا يشمل ليس فقط العبادات، بل ما هو أوسع من ذلك، وكل ما يتصل بالإنسان من خلق ظاهر أو باطن، فالدين خُلُق ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: 4] قالوا: على دِين عظيم، فالدين يطلق على الخُلُق، على خُلُق خليله.

وصدق القائل

            إذا كنت في قوم فصاحب خيارَهَم        ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي.

المقدم: بارك الله فيك، الحقيقة يا شيخنا الموضوع في غاية الأهمية، ونحن في هذا الزمان وأنت تعرف أن وسائل التواصل الاجتماعي والمُغرِيات والمُلهِيات وما يشوب هذه الحياة من كَدَر وما إلى ذلك، ربما التأثير يكون أكبر وأكبر وأكبر حينما يُبتلى الإنسان -لا سمح الله- بصاحب وخاصة الشباب الذين هم في مرحلة المراهقة، ربما يكون انجرارُهم، وتَجتَرِفُهم الأهواء والشهوات مع أولئك الأصحاب أصحاب السوء لا سمح الله الذين يزيِّنون لهم الباطلَ من خلال ما يشاهدونه معهم من أمور ربما تؤدي بهم إلى الهلاك لا سمح الله.

فإذًا الصاحب، ونحن نودُّ أن تُذَكِّر أولياء الأمور في هذا الجانب أن يهتمُّوا بأبنائهم، وألا يغفلوا عنهم لحظة واحدة، فكم من أبناءٍ صاحَبوا أصحابَ سوء فأردَوهم وربما هلكوا، ووَصلوا إلى مرحلة من مراحل الضياع، ولا سمح الله أوصلَتْهم إلى ربما السجون بسبب أولئك الأصحاب الذين في البداية تساهلوا في عملية التعامل معهم.

أودُّ في هذا الجانب أن تركِّز على أولياء الأمور أن يهتموا بأبنائهم في هذه المرحلة التي تكون المُغرِيات فيها كبيرةً، ويكون الاختيار فيها ضعيفًا عند أولئك الشباب الذين ربما يقعون ضحايا لمثل هؤلاء الأصحاب الذين يتعاملون معهم.

الشيخ: لا شك أخي الكريم أن الخطاب لأولياء الأمور من الوالدين والإخوة والأخوات، ومن له تأثير على النشء والجيل مهمٌّ، إلا أن المسئولية في الحقيقة لا تقتصر على هذا، بل المسئولية بادئَ الأمر تقع على الإنسان نفسه في أن يتحرى الصحبة.

ولا شك أن المحيط من أب وأم وأخ وأخت وعم وعمة وخال وخالة وجار وصاحب، يعني جميع من له تأثير على الإنسان له دور في توجيه والتوعية بأهمية الصحبة، وأنت أَشَرْت إلى قضية مهمة، وهي أن الصحبة اليوم لا تقتصر على جانب مألوفٍ في عصر مضى، وهو موجود أيضًا، وهو الصحبة المباشرة، الآن الصحبة عبر وسائل التواصل بشتى صورها الاجتماعية، سواء كانت مسموعةً أو مرئية أو مقروءة، تأثيرها في الحقيقة على الناس اليوم أكبر بكثير من المصاحبة المباشرة، وإن كانت المصاحبة المباشرة تؤثِّر لكن وجه خطورة تأثير هذه الأنواع من الصحبة أنها تخالِط الإنسان مخالطة مستمرة، فالأجهزة الكثيرة والجوالات والآيبادات وأدوات التواصل الاجتماعي متوفَّرة، وتكون مع الناس في مجتمعاتهم، في بيوتهم، بل وفي فروشهم، وفي أخصِّ أماكنهم.

فلذلك لابد أن يكون هناك توعية لخطورة هذه الأوجه من المصاحبة التي قد يغفل عنها الآباء، أو الأمهات، أو الإنسان نفسه.

 قد يقول: ما أتأثر أنا، فتجده يدخل موقعًا يلوِّث فكرَه، أو موقعًا يلوِّث سلوكه وخُلقه، سواء كان بغلوّ إرهاب، أو كان بإلحاد وانحلال، كل الأوجه هذه موجودة، وهي خطيرة على الإنسان في كل مراحل عمره، ولكن كلما كان الإنسان ضعيفَ التجربة، كان قليل المعرفة، كان صغيرَ السن كان التأثير عليه أكبر.

فلذلك نحتاج إلى أن نوعِّي بكيف نختار الأصحاب؟

المقدم: إذًا هذا السؤال هو الآن سأطرحه عليك، من هو خير الأصحاب؟ من هو الذي نختاره؟ كيف نستطيع أن نختار الصاحب؟ ما هي المواصفات التي لابد أن تكون أو نريد أن نراها في الصاحب حتى يكون تأثيره تأثيرًا إيجابيًّا علينا؟

الشيخ: هناك أوصاف لخير الأصحاب، هناك أوصاف تتعلق بذاته، وأوصاف تتعلق بما يصدر عنه، أما ما يتعلق بذاته فخير الأصحاب هو صاحب العقل الراجح؛ فإن العقل والبصيرة هي رأس المال، ولذلك قال علي -رضي الله تعالى عنه- في الأبيات الشهيرة:

                 فلا تصحب أخا الجهل                    وإياك وإياه

أخو الجهل هو الذي ليس له عقل راجح، ولا معرفةَ يميِّز بها بين النافع والضار، وبين الخير والشرِّ، تجده في كل وادي يهيم، وتجد في تصرفاته من الضعف والغفلة والحُمق ما يوقعه في الردى، في أمر دينه أو في أمر دنياه.

ولهذا لابد أن يتلمَّس الإنسان في الصاحب من يكون ذا عقل، وذا رزانة، وذا رأي سديد ليحميَه من الخطر والشر، ويدلُّه على الخير والبر.

الأمر الثاني مما يتعلق بأوصاف الصاحب بأوصاف خير الأصحاب، صاحب الخلق الحسن، فما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، والله تعالى شهد فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: 4] فابحث لك عن صاحب الأخلاق الطيبة، والخلق الطيب ليس هو ابتسامة جافَّةً، إنما الخلق الطيب منظومة تتعلق ببذل الندا، وكفِّ الأذى، وجميل المعاشرة والحياء الذي يدعو إلى كلِّ برٍّ ولا يأتي إلا بخير.

يعني أحيانًا الناس أو الإنسان يحصر حسنَ الخلق في جانب، أو في زاوية من الزوايا، وهو مفهوم أوسع من هذا.

الصفة الثانية التي تكون في خير الأصحاب: أن يكون ذا صلاح وتقوى، قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «لا تصحَبْ إلَّا مؤمنًا ولا يأكُلْ طعامَك إلَّا تقيٌّ» [سبق] ، والله تعالى يقول: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف: 28] .

من خصال خير الأصحاب: أن يكون صادقًا في قوله، صادقًا في فعله، والله تعالى أمر بمصاحبة الصادقين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة: 119] لماذا؟ لأنه دين البرِّ، وهو طيب الأخلاقِ والأعمالِ وصالحُها، والبر يهدي إلى الجنة.

بخلاف الكذب الذي هو مفتاح الشرور، فالكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، يقول عمر -رضي الله تعالى عنه-:" عليك بإخوان الصدق فعِشْ في أكنافهم؛ فإنهم زَينٌ في الرخاء، وعُدَّةٌ في البلاء". [الإخوان لابن أبي الدنيا:ص116]

 أيضًا من خير الأصحاب هو من يسعى في إيصال كلِّ خير إليك، فإذا رآك على خطأ قوَّمَك، وإذا رآك على خير شجَّعك، وإذا رآك في حاجة أو عوز سانَدَك، وإذا رآك في غنًى أرشدك، وإذا رآك في جانب من جوانب الخير فَرِح لك وسعد وامتلأ سرورًا بما ساقه الله إليك من النعم.

هذا هو خير الأصحاب، وهو من كان ساعيًا إليك بكل إحسان ،كافيًا عنك كلَّ إساءة وشرِّ، وهم الذين قال فيهم النبي –صلى الله عليه وسلم-: «خيرُ الأصحابِ عند اللهِ خيرُهم لصاحبِه» [سبق] ، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ [التوبة: 71] اللهم اجعلنا منهم.

المقدم: إذًا بارك الله فيك شيخنا العزيز كما ذكرت الصحبة لها أهميتُها ودورها الكبير في حياة الإنسان، وتوجيهِه إلى ذات اليمين أو ذات الشمال لا سمح الله، لأن طبعا شيخنا العزيز العلاقات الاجتماعية كثيرة ومتعددة، وتعددُها سببه طبعا كثرةُ الاختلاط وكثرة احتياجات الناس الاجتماعية والاقتصادية وما إلى ذلك، فلو اختار الإنسان أو استطاع الإنسان أن يختار أصحابَه بعناية كانت أموره بإذن الله تعالى صالحةً في الدنيا والآخرة، وهذه هي العلاقة بين الدين والحياة.

إذ إن الصحبة الصالحة تُصلِح حالَ الإنسان في الدنيا، وتؤدي به إلى صلاح حاله في الآخرة.

 شيخنا العزيز! سعدنا بصحبتك أنت في هذه الحلقة، وصحبة الإخوة والأخوات من المستمعين والمستمعات، نسأل الله –سبحانه وتعالى- أن نكون من الأصحاب النافعين الصالحين الذين تدوم صحبتهم، وتؤثِّر في غيرهم تأثيرًا إيجابيًّا صالحًا.

نرجوا الله –سبحانه وتعالى- أن يجزيك خيرَ الجزاء على ما قدَّمت وتقدِّم، وأن يجعل ما تقدمه في ميزان حسناتك دائمًا وأبدًا، في هذه الإذاعة وفي غيرها من الوسائل الأخرى التي تشارك فيها، وأنا أعلم ذلك، ونرجوا الله –عز وجل- أن نلتقي بك بحلقة الأسبوع القادم وأنت بصحة وخير وعافية.

الشيخ: آمين، وأسأل الله تعالى أن يعيننا وإياكم على البر والتقوى، وأنا أقول: اترك في كل مَن تصاحبه وتلقاه أثرًا صالحًا، وأسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من المباركين، وأن يسددنا في القول والعمل، وأن يحفظ بلادنا من كل سوء وشر، وأن يوفِّق ولاةَ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين ووليَّ عهده إلى كل ما فيه الخير للعباد والبلاد، وأن يسددهم في القول والعمل، وأن يجعل لهم من لدنه سلطانًا نصيرًا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.555

مواد تم زيارتها

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف