×
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأعضاء الكرام ! اكتمل اليوم نصاب استقبال الفتاوى.

وغدا إن شاء الله تعالى في تمام السادسة صباحا يتم استقبال الفتاوى الجديدة.

ويمكنكم البحث في قسم الفتوى عما تريد الجواب عنه أو الاتصال المباشر

على الشيخ أ.د خالد المصلح على هذا الرقم 00966505147004

من الساعة العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهرا 

بارك الله فيكم

إدارة موقع أ.د خالد المصلح

مشاركة هذه الفقرة WhatsApp Messenger LinkedIn Facebook Twitter Pinterest AddThis

الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد:

فقد نقل النووي رحمه الله في باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل:عن أبي موسىالأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن من إجلال الله تعالى : إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه، والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط» +++رواه أبو داود، قال النووي: حديث حسن.---

هذا الحديث الشريف فيه إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن خصال تترجم وتبرهن على ما يقوم في قلب العبد من إجلال الله تعالى وذلك أن ما يقوم في القلب من المعاني تترجمه الأقوال والأعمال، كما قال الله تعالى في محكم كتابه: ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب+++[الحج:32]---، وكما قال الله تعالى:﴿إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى+++[الحجرات:3]---.

 فجعل الله تعالى في هاتين الآيتين ما يكون من عمل الإنسان معبرا وكاشفا لما في قلبه من تقوى الله تعالى وإجلاله وتعظيمه، وهذا ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث حيث قال: «إن من إجلال الله تعالى: إكرام ذي الشيبة المسلم» أي مما يبين إجلال الله وهو تعظيمه وتوقيره وخشيته والقيام بما يستحقه من القدر الذي يطيقه الإنسان أن يمتثل هذه الخصال التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم.

 وهي ثلاث خصال ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم الأول إكرام ذي الشيبة المسلم  إكرام إحسان وكريم عمل وجميل وصف في القول والعمل يصدر عن الإنسان، فإن الإكرام مأخوذ من الكرم، والكرم هو كثرة الخير وخصاله وصفاته، والكرم يكون في القول بطيبه ويكون في العمل بالإحسان فيها ويكون بالبذل والعطاء في ما يعطى من المال والجاه وسائر ما يكون من أوجه الإحسان.

فقوله صلى الله عليه وسلم «إكرام ذي الشيبة المسلم» يشمل كل أوجه الإحسان القولية والعملية المالية وغير المالية الحسية والمعنوية، وقوله: «ذي الشيبة» أي صاحب الشيبةوهو من ظهر عليه الشيب، والمقصود بالشيبة هنا من تقدم به السن وإلا فإن الشيب قد يبدو على الصغير باكرا لأمر يتعلق بخلقته، فإن الشيب قد يكون وراثيا في صغار السن، إنما المقصود به في قوله صلى الله عليه وسلم : «إكرام ذي الشيبة المسلم»أي من تقدم به العمر وهو موصوف بالإسلام ولذا قال: المسلم أي شاب في الإسلام وكبرت سنه في الإسلام.

وذلك من علامات الخيرية في الناس، فإنه قد جاء في السنن أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سئل من خير الناس أو من أفضل الناس قال: «من طال عمره وحسن عمله»+++سنن الترمذي (2329), وسنن الدارمي (2784)ومسند الإمام أحمد (17680)--- فطول العمر في الإسلام مما يوجب الإكرام، ولذلك قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا الحديث: «إن من إجلال الله تعالى» يعني مما يبين ويظهر إجلال الله تعالى في قلب المؤمن ويتبين به في عمله إكرام ذي الشيبة المسلم.

وتقدم أن الإكرام يكون بكل أوجه الإحسان القولية والعملية، الظاهرة والباطنة، الحسية والمعنوية، ويشمل هذا إكرام ذي الشيبة ممن له قرابة، وممن ليس له قرابة، وممن تعرف وممن لا تعرف، وذلك أن الشيبة تقتضي الرحمة وتقتضي الرأفة وتقتضي اللين في المعاملة، فإن الشيبة حال من الضعف وذهاب القوى ما يكون موجبا لأوجه الإكرام ندب التي إليها صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

وفي الجملة إكرام الناس من محاسن الأخلاق التي ندب إليها الشارع وحث عليها في القول والعمل، ولكن خص هذا بالذكر لما له من المنزلة من جهتين: تقدم السن، والجهة الثانية في الإسلام أي في طاعة الله تعالى والقيام بحقه.

 والخصلة الثانية التي ذكرها صلى الله عليه وسلم «وحامل القرآن» يعني وإكرام حامل القرآن، وحامل القرآن هو الذي حوى صدره كتاب الله عز وجل، وهذا يصدق على من حمل القرآن كله وهذا أعلى الدرجات، ويصدق أيضا على من كان القرآن في صدره كثيرا ولو لم يحمله على وجه الكمال، فإن له من الحق في الإكرام على قدر ما معه من القرآن.

فقوله: «وحامل القرآن» أي حافظه الذي حواه صدره، وهذه منزلة رفيعة عالية لحامل القرآن لكن النبي صلى الله عليه وسلم قيد ذلك بوصفين «غير الغالي فيه» وهو من غلا في شيء من شأن القرآن إما في تلاوته بالتعمق وإما في معانيه بالخروج عن حدوده وغير ذلك من أوجه الغلو في القرآن الكريم.

«والجافي عنه»  هذا المقابل للغالي عنه أي المهمل له الذي لا يقيم حروفه تلاوة ولا يقيم أحكامه عملا، فإذن ذلك يوجب سقوط ما يستحقه من الإكرام بسبب الإكرام؛ لأن القرآن في صدره لكن ليس في جوارحه وقوله عمل به، فيكون قد عرى من القرآن عملا فلا يستحق إكراما بخلاف الحامل له في صدره، المترجم له في عمله، فإنه يستحق من الإكرام ما ينبغي أن يحفظ له إكراما لكلام الله عز وجل، وهذا من تعظيم الله عز وجل.

انظر الأول تعظيم له من جهة طول زمانه في عبادة الله، وهذا إكرام له لأجل ما معه من كلام الله عز وجل، وأما الثالث فقال: «وإكرام ذي السلطان المقسط» إكرام ذي السلطان أي صاحب السلطة، وهنا يشمل كل من له سلطة سواء كانت سلطة عليا أو من دونه ممن له ولاية وسلطة، فكل هؤلاء لهم حق في الإكرام، وقيد ذلك صلى الله عليه وسلم بقوله: «المقسط» يعني العدل، ولا ريب أن السلطان المقسط له منزلة رفيعة عند رب العالمين يكفي في ذلك أنه من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

 فإن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله الإمام العادل وهو المقسط، فله من الإكرام ما يستحقه؛ لكونه قد جمع سلطة وهي في الغالب قد تحمل الإنسان على الاعتداء والتجاوز والاغترار بها، لكن إذا حبس نفسه عن الاعتداء والتجاوز باستعمال العدل كان ذلك دليلا على علو منزلته ورفيع مكانته، إذ أنه لا يمتنع عن الجور والاعتداء والظلم في مثل هذه الحال إلا من قام بين يديه مقام الله عز وجل وشرعه، فعبد الله كأنه يراه أو كأن الله تعالى يراه، بلغ به درجة من الإحسان تحمله على استعمال العدل.

هذا الحديث فيه جملة من الفوائد:

فيه:وجوب تعظيم الله عز وجل وأن تعظيم الله تعالى مما يصلح به عمل الإنسان ومعاملته للخلق، وهذه قاعدة مطردة أن كل من صلح ما بينه وبين الله فلا بد أن ينعكس هذا الصلاح فيما يتعلق بعلاقته بالناس، فإنه من أصلح ما بينه وبين الله، أصلح الله ما بينه وبين الناس.

وفيه من الفوائد:بيان أن ما في القلوب من الأعمال تترجمه الأعمال، فإن ما في القلوب من المعاني والأعمال القلبية يترجم قولا وعملا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر علامة على ما في القلب من التعظيم وهي الأعمال القلبية الجليلة العظيمة الرفيعة بين علامة ذلك بما يكون من عمل الإنسان ومعاملته وقوله، فجعل الإكرام لهؤلاء الثلاثة من دلائل تعظيم الله تعالى وإجلاله.

وفيه من الفوائد: منزلة ذي الشيبة المسلم حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل إكرامه من إجلال الله عز وجل ومنزلة حامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه ومنزلة السلطان المقسط، فكل هذه مما ترتفع بها المنزلة وتوجب منزلة عند رب العالمين، فينبغي للإنسان أن يحفظ منازل هؤلاء.

 وليفرح من طال عمره في طاعة الله، فإن ذلك من موجبات علو قدمه عند رب العالمين ولهذا لما ذكر صحابي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين آخر، فقتل أحدهما قبل الآخر ثم مات الصحابي الآخر, فقال الصحابة رضي الله تعالى عنهم : رحمه الله وغفر له وألحقه بصاحبه، قال: «ما قلتم؟»فقالوا ما قالوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «فأين صلاته بعد صلاته، وعمله بعد عمله، إن ما بينهما كما بين السماء والأرض»+++سنن أبي داود (2524) وسنن النسائي (1985)--- أي في الفضل حيث طال عمره فكثر عمله، فعلت منزلته، مع أن ذلك شهيد قتل في سبيل الله.

وهذا مصادق قول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل أي الناس خير؟ قال: «من طال عمره وحسن عمله»، فهذه منزلة ينبغي أن يفرح بها الإنسان إذا من الله تعالى بها عليه.

فيه من الفوائد أيضا:منزلة حامل القرآن، حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل إكرامه من إكرام الله تعالى وإجلاله، ومن ذلك إكرام أهل الذكر الذين هم يترجمون القرآن ويبينون معانيه وهم العلماء، فإن إكرامهم من إكرام الله عز وجل.

وفيه: إكرام أصحاب الولايات الذين استعملوا في ولايتهم العدل والقصد فإن ذلك من إكرام الله تعالى لعلو منزلتهم ورفيع مكانتهم وعظيم مقامهم عند رب العالمين.

هذا بعض ما في هذا الحديث وخلاصته فيما يتعلق بالفوائد هو أن إنزال الناس منازلهم التي تليق بهم في الديانة والصلاح والاستقامة مما يتقرب به إلى الله تعالى ومما يترجم به عما في القلب من إجلال الله تعالى.

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما يا عليم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

تاريخ النشر:25 صفر 1443 هـ - الموافق 03 اكتوبر 2021 م | المشاهدات:1143

الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد:

فقد نقل النووي رحمه الله في باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل:عن أَبي موسىالأشعريـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: «إنَّ مِنْ إجْلالِ اللهِ ـ تَعَالَى ـ: إكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ المُسْلِمِ، وَحَامِلِ القُرآنِ غَيْرِ الغَالِي فِيهِ، وَالجَافِي عَنْهُ، وَإكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ المُقْسِط» رواه أَبُو داود، قال النووي: حديثٌ حسن.

هذا الحديث الشريف فيه إخبار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن خصالٍ تترجم وتبرهن على ما يقوم في قلب العبد من إجلال الله ـ تعالى ـ وذلك أن ما يقوم في القلب من المعاني تترجمه الأقوال والأعمال، كما قال الله ـ تعالى ـ في محكم كتابه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ[الحج:32]، وكما قال الله تعالى:﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى[الحجرات:3].

 فجعل الله ـ تعالى ـ في هاتين الآيتين ما يكون من عمل الإنسان معبرًا وكاشفًا لما في قلبه من تقوى الله ـ تعالى ـ وإجلاله وتعظيمه، وهذا ما ذكره النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا الحديث حيث قال: «إنَّ مِنْ إجْلالِ اللهِ تَعَالَى: إكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ المُسْلِمِ» أي مما يبين إجلال الله وهو تعظيمه وتوقيره وخشيته والقيام بما يستحقه من القدر الذي يطيقه الإنسان أن يمتثل هذه الخصال التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم.

 وهي ثلاث خصال ذكرها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الأول إكرام ذي الشيبة المسلم  إكرام إحسان وكريم عملٍ وجميل وصفٍ في القول والعمل يصدر عن الإنسان، فإن الإكرام مأخوذٌ من الكرم، والكرم هو كثرة الخير وخصاله وصفاته، والكرم يكون في القول بطيبه ويكون في العمل بالإحسان فيها ويكون بالبذل والعطاء في ما يُعطى من المال والجاه وسائر ما يكون من أوجه الإحسان.

فقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ «إكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ المُسْلِمِ» يشمل كل أوجه الإحسان القولية والعملية المالية وغير المالية الحسية والمعنوية، وقوله: «ذِي الشَّيْبَةِ» أي صاحب الشيبةوهو من ظهر عليه الشيب، والمقصود بالشيبة هنا من تقدم به السن وإلا فإن الشيب قد يبدو على الصغير باكرًا لأمرٍ يتعلق بخلقته، فإن الشيب قد يكون وراثيًا في صغار السن، إنما المقصود به في قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «إكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ المُسْلِمِ»أي من تقدم به العمر وهو موصوفٌ بالإسلام ولذا قال: المسلم أي شاب في الإسلام وكبرت سنه في الإسلام.

وذلك من علامات الخيرية في الناس، فإنه قد جاء في السنن أن النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ سُئل من خير الناس أو من أفضل الناس قال: «من طال عمره وحسن عمله»سنن الترمذي (2329), وسنن الدارمي (2784)ومسند الإمام أحمد (17680) فطول العمر في الإسلام مما يوجب الإكرام، ولذلك قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا الحديث: «إنَّ مِنْ إجْلالِ اللهِ تَعَالَى» يعني مما يبين ويظهر إجلال الله تعالى في قلب المؤمن ويتبين به في عمله إكرام ذي الشيبة المسلم.

وتقدم أن الإكرام يكون بكل أوجه الإحسان القولية والعملية، الظاهرة والباطنة، الحسية والمعنوية، ويشمل هذا إكرام ذي الشيبة ممن له قرابة، وممن ليس له قرابة، وممن تعرف وممن لا تعرف، وذلك أن الشيبة تقتضي الرحمة وتقتضي الرأفة وتقتضي اللين في المعاملة، فإن الشيبة حالٌ من الضعف وذهاب القوى ما يكون موجبًا لأوجه الإكرام ندب التي إليها صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

وفي الجملة إكرام الناس من محاسن الأخلاق التي ندب إليها الشارع وحثَّ عليها في القول والعمل، ولكن خصَّ هذا بالذكر لما له من المنزلة من جهتين: تقدم السن، والجهة الثانية في الإسلام أي في طاعة الله تعالى والقيام بحقه.

 والخصلة الثانية التي ذكرها ـ صلى الله عليه وسلم ـ «وَحَامِلِ القُرآنِ» يعني وإكرام حامل القرآن، وحامل القرآن هو الذي حوى صدره كتاب الله عز وجل، وهذا يصدق على من حمل القرآن كله وهذا أعلى الدرجات، ويصدق أيضًا على من كان القرآن في صدره كثيرًا ولو لم يحمله على وجه الكمال، فإن له من الحق في الإكرام على قدر ما معه من القرآن.

فقوله: «وَحَامِلِ القُرآنِ» أي حافظه الذي حواه صدره، وهذه منزلة رفيعة عالية لحامل القرآن لكن النبي صلى الله عليه وسلم قيد ذلك بوصفين «غَيْرِ الغَالِي فِيهِ» وهو من غلا في شيءٍ من شأن القرآن إما في تلاوته بالتعمق وإما في معانيه بالخروج عن حدوده وغير ذلك من أوجه الغلو في القرآن الكريم.

«وَالجَافِي عَنْهُ»  هذا المقابل للغالي عنه أي المهمل له الذي لا يقيم حروفه تلاوةً ولا يقيم أحكامه عملًا، فإذن ذلك يوجب سقوط ما يستحقه من الإكرام بسبب الإكرام؛ لأن القرآن في صدره لكن ليس في جوارحه وقوله عملٌ به، فيكون قد عرى من القرآن عملًا فلا يستحق إكرامًا بخلاف الحامل له في صدره، المترجم له في عمله، فإنه يستحق من الإكرام ما ينبغي أن يحفظ له إكرامًا لكلام الله عز وجل، وهذا من تعظيم الله عز وجل.

انظر الأول تعظيمٌ له من جهة طول زمانه في عبادة الله، وهذا إكرامٌ له لأجل ما معه من كلام الله عز وجل، وأما الثالث فقال: «وَإكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ المُقْسِط» إكرام ذي السلطان أي صاحب السلطة، وهنا يشمل كل من له سلطة سواء كانت سلطة عليا أو من دونه ممن له ولاية وسلطة، فكل هؤلاء لهم حقٌ في الإكرام، وقيد ذلك صلى الله عليه وسلم بقوله: «المُقْسِط» يعني العدل، ولا ريب أن السلطان المقسط له منزلة رفيعة عند رب العالمين يكفي في ذلك أنه من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

 فإن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله الإمام العادل وهو المقسط، فله من الإكرام ما يستحقه؛ لكونه قد جمع سلطةً وهي في الغالب قد تحمل الإنسان على الاعتداء والتجاوز والاغترار بها، لكن إذا حبس نفسه عن الاعتداء والتجاوز باستعمال العدل كان ذلك دليلًا على علو منزلته ورفيع مكانته، إذ أنه لا يمتنع عن الجور والاعتداء والظلم في مثل هذه الحال إلا من قام بين يديه مقام الله عز وجل وشرعه، فعبد الله كأنه يراه أو كأن الله تعالى يراه، بلغ به درجة من الإحسان تحمله على استعمال العدل.

هذا الحديث فيه جملة من الفوائد:

فيه:وجوب تعظيم الله عز وجل وأن تعظيم الله ـ تعالى ـ مما يصلح به عمل الإنسان ومعاملته للخلق، وهذه قاعدة مطردة أن كل من صلح ما بينه وبين الله فلا بدَّ أن ينعكس هذا الصلاح فيما يتعلق بعلاقته بالناس، فإنه من أصلح ما بينه وبين الله، أصلح الله ما بينه وبين الناس.

وفيه من الفوائد:بيان أن ما في القلوب من الأعمال تترجمه الأعمال، فإن ما في القلوب من المعاني والأعمال القلبية يترجم قولًا وعملًا، فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذكر علامة على ما في القلب من التعظيم وهي الأعمال القلبية الجليلة العظيمة الرفيعة بين علامة ذلك بما يكون من عمل الإنسان ومعاملته وقوله، فجعل الإكرام لهؤلاء الثلاثة من دلائل تعظيم الله تعالى وإجلاله.

وفيه من الفوائد: منزلة ذي الشيبة المسلم حيث إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جعل إكرامه من إجلال الله ـ عز وجل ـ ومنزلة حامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه ومنزلة السلطان المقسط، فكل هذه مما ترتفع بها المنزلة وتوجب منزلة عند رب العالمين، فينبغي للإنسان أن يحفظ منازل هؤلاء.

 وليفرح من طال عمره في طاعة الله، فإن ذلك من موجبات علو قدمه عند رب العالمين ولهذا لما ذُكِر صحابيٌ آخى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بينه وبين آخر، فقتل أحدهما قبل الآخر ثم مات الصحابي الآخر, فقال الصحابة ـ رضي الله تعالى عنهم ـ: رحمه الله وغفر له وألحقه بصاحبه، قال: «ما قلتم؟»فقالوا ما قالوا، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «فأين صلاته بعد صلاته، وعمله بعد عمله، إن ما بينهما كما بين السماء والأرض»سنن أبي داود (2524) وسنن النسائي (1985) أي في الفضل حيث طال عمره فكثر عمله، فعلت منزلته، مع أن ذلك شهيد قُتِل في سبيل الله.

وهذا مصادق قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما سُئِل أي الناس خير؟ قال: «من طال عمره وحسن عمله»، فهذه منزلة ينبغي أن يفرح بها الإنسان إذا منَّ الله ـ تعالى ـ بها عليه.

فيه من الفوائد أيضًا:منزلة حامل القرآن، حيث إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جعل إكرامه من إكرام الله ـ تعالى ـ وإجلاله، ومن ذلك إكرام أهل الذكر الذين هم يترجمون القرآن ويبينون معانيه وهم العلماء، فإن إكرامهم من إكرام الله عز وجل.

وفيه: إكرام أصحاب الولايات الذين استعملوا في ولايتهم العدل والقصد فإن ذلك من إكرام الله تعالى لعلو منزلتهم ورفيع مكانتهم وعظيم مقامهم عند رب العالمين.

هذا بعض ما في هذا الحديث وخلاصته فيما يتعلق بالفوائد هو أن إنزال الناس منازلهم التي تليق بهم في الديانة والصلاح والاستقامة مما يُتقرب به إلى الله ـ تعالى ـ ومما يترجم به عما في القلب من إجلال الله تعالى.

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا يا عليم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

الاكثر مشاهدة

5. كيف تعرف نتيجة الاستخارة؟ ( عدد المشاهدات64502 )
12. قراءة سورة البقرة لجلب المنافع ( عدد المشاهدات55251 )
13. أعمال يمحو الله بها الذنوب ( عدد المشاهدات53595 )

مواد مقترحة

371. Jealousy
6504.