الاثنين 21 صفر 1443 هـ
آخر تحديث منذ 3 دقيقة
×
تغيير اللغة
القائمة
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو Hausa
الاثنين 21 صفر 1443 هـ آخر تحديث منذ 3 دقيقة

نموذج طلب الفتوى

لم تنقل الارقام بشكل صحيح
×

لقد تم إرسال السؤال بنجاح. يمكنك مراجعة البريد الوارد خلال 24 ساعة او البريد المزعج؛ رقم الفتوى

×

عفواً يمكنك فقط إرسال طلب فتوى واحد في اليوم.

مرئيات المصلح / برامج المصلح / الدين والحياة / الحلقة (233) (وتواصوا بالمرحمة )

مشاركة هذه الفقرة

الحلقة (233) (وتواصوا بالمرحمة )

تاريخ النشر : 24 ذو القعدة 1442 هـ - الموافق 04 يوليو 2021 م | المشاهدات : 164

 

المقدم:بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات! نحييكم تحية طيبة تحية من عند الله مباركة طيبة، نحييكم بتحية الإسلام فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ومرحبا بكم إلى هذه الحلقة المتجددة من برنامجكم الأسبوعي "الدين والحياة"، والذي يسعدنا ويشرفنا دائمًا وأبدًا أن يكون معنا ضيفًا دائمًا لهذا البرنامج سعادة الأستاذ الدكتور خالد المصلح أستاذ الفقه في جامعة القصيم.

دكتور خالد! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياك الله.

الشيخ:وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله أخي عبد الله، مرحبا بك وبالإخوة والأخوات المستمعين والمستمعات، حياكم الله.

المقدم: أهلا ومرحبا بك دكتور خالد وبكم أنتم أيها الإخوة والأخوات أينما كنتم، على بركة الله تعالى ندخل إلى موضوع حلقتنا هذه، والتي خصصناها لجانب مهم يتعلق بحياة الإنسان في هذه الحياة، وخاصة حياة الإنسان المسلم، فالإسلام أيها الإخوة والأخوات ارتبطت دعوته منذ بزوغ فجره بالدعوة إلى التحلي بمكارم الأخلاق، ونهي النفس عن الأخلاق الذميمة والقبيح من الأفعال والتصرفات.

دعوة الإسلام إلى التحلي بمكارم الأخلاق لا تعني أن الأخلاق لم تكن موجودة قبل الإسلام، ولكنه جاء ليعزز ما كان صالحًا وحميدًا.

جاءت هذه الرسالة السامية رسالة الإسلام أيها الإخوة حاملة معها كثيرًا من الصفات الجميلة التي تفيد الإنسان في شتى الأمور، وكذلك نبي هذه الأمة ونبي هذا الدين العظيم محمد –صلى الله عليه وسلم-، فمبعثه كان رحمة للعالمين، للناس، يقول الله –سبحانه وتعالى-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء: 107] .

 نحن في هذه الحلقة سنتحدث مع ضيفنا العزيز أيها الإخوة عن جانب من هذا الخلق العظيم الذي دعا إليه الإسلام، وهو خلق الرحمة، فهي من أجمل الصفات التي ينبغي أن يتمتع بها المسلم، ويكون واسع الصدر، رفيقًا بالناس، حسن التعامل مع الجميع.

دكتور خالد! حدثنا كمدخل لهذه الحلقة حفظك الله عن مفهوم الرحمة ومنزلتها في الأخلاق.

الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد.

فالسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، تحية طيبة لك أخي عبد الله ولجميع المستمعين والمستمعات.

الرحمة كلمة رقيقة اللفظ، موجزة الحروف، وهي في معناها اللغوي تدل على الرقَّة والعطف والرأفة؛ ولذلك هذه الكلمة تأنس بها النفوس، وتطمئن لها القلوب، وتجد عند سماعها من اللين والطمأنينة ما يجعل الصدر ينشرح، وهي في الحقيقة من حيث معناها في استعمالاتها اللغوية والشرعية تدور على معنى إيصال الإحسان، فالرحمة هي السعي في إيصال الإحسان إلى كل أحد حسب القدرة والطاقة.

ولهذا قيل في تعريف الرحمة: رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم.

 وبالنظر إلى حقيقة الرحمة هي في الحقيقة شاملة لكل أوجه وصور الإحسان التي يستطيع الإنسان إيصالها إلى غيره، سواء كان ذلك بقلبه، أو كان ذلك بقوله، أو كان ذلك بعمله.

فالرحمة من حيث مفهومها شاملة لكل هذه الأوجه على اختلافها وتنوعها، ومما ينبغي أن يُعلم وأن يُدرك وأن يُفهم أن الرحمة ليست لينًا في كل الأحوال، وليست عطاء في كل الصور، بل قد تكون منعًا؛ ولهذا الرحمة تقتضي إيصال المنفعة والمصلحة إلى من ترحمه وإن كَرِهَتْه نفسُه، فأنت عندما تعطي المريض علاجًا يكرهه، أو تجري له إجراء طبيًّا يؤلمه ليصحَّ ويسلم أنت ترحمه، ولكن هذه الرحمة ليست شيئًا محببًا إلى نفسه، إنما يقتحمها اقتحامًا، ويتجرعها على مرارتها لما يرجو من جميل عاقبتها، وحسن مآلها ونهايتها.

ولهذا ينبغي أن تُفهم الرحمة بمفهومها الواسع الذي لا يقتصر على جانب من جوانب الإحسان، الذي تأنسه النفوس وتطمئن إليه وتحبه وترغبه، وتسعى إلى تحصيله وتلتذُّ به، بل قد يكون ذلك فيما يكرهه الإنسان، فالأب يرحم ولده بتأديبه وتعليمه وإن شقَّ عليه في بعض ما يكون من تعليم وتأديب، الأم ترحم رضيعها فتمنعه الرضاع لأجل أن يشبَّ ويطعم، فتفطمه من الحليب الذي يحبه ويبكي لفقده لأجل أنها ترحمه.

فالرحمة هي إيصال الإحسان ظاهرًا وباطنًا، الإحسان في الحال والإحسان في المآل حتى نتصور هذا المفهوم الواسع الذي يشمل كلَّ ما يكون من أوجه إيصال الخير والمنفعة والمصلحة للغير، ووقاية الشر والفساد والضرر للغير، فإن ذلك جميعه يندرج ضمن هذه الخصلة الكريمة الجميلة المحببة للنفوس بلفظها ومعانها وهي الرحمة.

أما منزلتها في الأخلاق، فإن الرحمة في الحقيقة منبع لكل فضيلة، ومصدر لكل شيمة وخصلة جميلة، فما من خصلة من خصال البر ولا خلق فاضل من صالح الأخلاق، إلا وله ارتباط بالرحمة، يصدر الكرم عن الرحمةـ يصدر الصبر عن الرحمةـ يصدر الإحسان عن الرحمة، يصدر العفو عن الناس عن الرحمة، يصدر كل معنى جميل.

فالتبسم رحمة والصدقة رحمة وإكرام الضيف رحمة، إكرام الجار رحمة، بر الوالدين رحمة، صلة الأرحام رحمة، كل فضيلة وكل خصلة جميلة تدور في خلدك إذا تأملت وجدتها وطيدة الصلة بالرحمة، وطيدة الصلة بهذه الخصلة الجميلة؛ لأن الرحمة هي إيصال كل إحسان، والإحسان معنى عام يشمل جميل الأخلاق، وفاضل الشيم، وكريم الخصال، فنسأل الله أن يرزقنا رحمة تبلغنا رحمته، وتجملنا بطيب الخصال وكريم الأخلاق في السر والعلن.

المقدم: بارك الله فيك، الحقيقة يعني وفَّيت وكفيت فيما يتعلق دكتور خالد بمفهوم الرحمة ومنزلتها بالأخلاق، واتضح لنا من خلال حديثك أن لها قيمة كبيرة جدًّا في الحياة على مستوى الفرد وعلى مستوى الجماعة.

إذا كان الأمر كذلك فمعنى ذلك أن القرآن الكريم يهتم بهذه الرحمة، حدثنا عن خلق الرحمة في القرآن الكريم.

الشيخ: الرحمة في القرآن الكريم لفظ عجيب، فما من سورة من كتاب الله –عز وجل-إلا ومفتاحها بسم الله الرحمن الرحيم، عدا سورة براءة، فالله –عز وجل-جعل هذه البسملة وهي آية مما تفتتح بها السور، هي آية في القرآن في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [النمل: 30] ، وهي تفصل بين آيات الكتاب الحكيم، وهي آية ذكرها الله تعالى في صفات عديدة، الرحمن الرحيم صفة من صفات الله –عز وجل-ذكرها في مواضع عديدة مما أخبر به عن نفسه –سبحانه وبحمده-.

الرحمة صفة الله –عز وجل-، ومن عظيم شأن هذه الصفة أن الله تعالى جعل لها اسمين من أسمائه الكرام، ومن أسمائه الحسنى، فالرحمن الرحيم كلاهما اسم مشتق من الرحمة، وبالتالي تعرف عظيم قدر هذه الصفة وهذا المعنى في صفات الرب جل في علاه –سبحانه وبحمده-.

وأما ما يتعلق بذكرها في القرآن فقد وصف الله تعالى بها نفسه –سبحانه وبحمده-في مواضع عديدة من كتابه، وفي سورة الفاتحة التي هي أعظم سور القرآن، يقول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *

الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة: 2-3] ، فذكر ألوهيته، ثم ذكر ربوبيته، ثم ذكر عظيم رحمته باسمين من أسمائه الرحمن الرحيم.

وقد جعل الله تعالى ما فعله بعباده من إرسال الرسل وبعث خاتمهم صلوات الله وسلامه عليه رحمة بالخلق، قال الله تعالى في محكم كتابه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء: 107] ، فهذه الآية وصف الله تعالى فيها رسوله –صلى الله عليه وسلم-بهذا الوصف العظيم وهو أنه رحمة للعالمين، وكل من بعثه الله من الرسل ومن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم جميعهم بلا استثناء كانوا رحمة لأقوامهم، والذي اختص به محمد بن عبد الله خاتم المرسلين وسيد الخلق أجمعين صلوات الله وسلامه عليه أن جعله الله تعالى رحمة للعالمين للإنس والجن وسائر خلق الله –عز وجل-، فإن العالمين جامع عالَم، وهو كل ما سوى الله –عز وجل-، فبعثه الله تعالى رحمة للإنس والجن، ورحم الله تعالى به حتى الحيوان رحمته الله –عز وجل-بهذا النبي –صلى الله عليه وسلم-شملت كما سيأتي الإشارة إليه كل من يتصف بأنه عالَم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء: 107] ، وأسعد الناس بهذه الرحمة التي اتصف بها النبي –صلى الله عليه وسلم-هم من اتبعوه وآمنوا به، قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران: 159] ، وقال تعالى في امتنانه على أهل الإيمان والإسلام: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة: 128] .

فهو –صلى الله عليه وسلم-رحمة للخلق أجمعين، كما قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء: 107] ، وأسعد الناس بالرحمة التي اتصف بها -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هم من آمنوا به واتبعوه صلوات الله وسلامه عليه.

 والله تعالى بشَّر بعظيم رحمته لعباده وعظيم إحسانه لهم جل في علاه، ولذلك كانت هذه الرحمة كانت الرحمة في كلام الله –عز وجل-عظيمة من جهة اتصاف الله بها، من جهة وصف النبي بها، من جهة وصف الرسالة التي جاء بها –صلى الله عليه وسلم-ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، من جهة ما تضمنته من الأحكام والشرائع، وما تضمنته من الهدايات التي تخرج الناس من كل ضيق، ومن كل ضنك، ومن كل شقاء إلى كل سعة وهداية ورحمة وبر.

قال الله تعالى لرسوله: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام: 147] ، فنسأل الله أن يجعلنا من أهل رحمته -جل في علاه-، وأن يوفقنا إلى أخذ أسباب ذلك، فإن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: 56] ، هذا بعض ما يتعلق بهذه الخصلة، وهذه الصفة الكريمة في كلام الله –عز وجل-سبحانه وبحمده-.

المقدم:من أكثر مظاهر الرحمة جلاءً في القرآن الكريم ما ذكرتَه -حفظك الله-، ثم هناك يعني رحمة جعلها الله –سبحانه وتعالى-على وجه الخصوص بين الأزواج حينما يقول الله –سبحانه وتعالى-:﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم: 21] ، فالرحمة هي أساس في بناء العلاقة الزوجية التي هي نواة الأسرة حينما تبدأ بين زوجين؛ لأن منها تنطلق هذه الأسرة وتتكاثر وتكون متراحمة، وأيضًا متماسكة، وتنشأ نشأة صالحة.

الشيخ: بالتأكيد؛ ولذلك الرحمة هي الخصلة الجامعة التي تصلح بها أحوال البشر، لا يمكن أن تصلح أحوال الناس وتستقيم إلا بتفعيل هذه الخصلة، فكل مجتمع، كل علاقة، كل صلة تغيب فيها الرحمة فإنها تضطرب.

ولهذا يقول بعض الأدباء: لو تراحم الناس لما كان بينهم جائع، ولا مغلوب، ولا مهضوم ولأقفرت الجفون من المدامع، ولاطمأنت الجنوب في المضاجع، ولَمَحَت الرحمةُ الشقاء من المجتمع كما يمحو لسان الصبح مدادَ الظلام.

فالرحمة إذا قامت بين الناس زال عنهم كلُّ أسى، كلُّ شقاء، كل ضيق، كل كَدَر، والرحمة إذا تأمَّلْتها وجدت أنها في القرآن الكريم ليست محصورة في علاقة خاصة، بل هي في كل ما يكون من صِلات الناس.

النبي رحيم بمن آمن به وبسائر الناس، الله –عز وجل-ذكر في الرحمة بين أهل الإيمان قال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: 29] ، فيما يتعلق بالصلة بين الأزواج تفضلت بذكر الآية ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم: 21] ، ثم إن الله تعالى أمر أهل الإيمان أن يتواصوا بالصبر والمرحمة، فقال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ [البلد: 17-18] ، والتواصي بالمرحمة فضيلة عظيمة فهي منزلة رفيعة يكون الإنسان فيها متعاونًا مع غيره على تفعيل هذه الخصلة في كل معاملاته وفي كل شئونه.

ولهذا لا يغيب عن نظر مؤمن يقرأ كتاب الله ويؤمن بما فيه أن الرحمة من أعظم الخصال التي ندب الله تعالى إليها أهل الإيمان ويتضح هذا بالتأمل فيما جاءت به السنة الشريفة من أوجه الندب والدعوة إلى الرحمة، وتفعيلها والعمل بها، وسنأتي عليه -إن شاء الله تعالى- في ثنايا حديثنا.

المقدم: بارك الله فيك، نعم تحدثت عن جانب كبير من جوانب الرحمة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، ولا زال هناك جوانب أخرى الآن نستطيع أن نأتي عليها جميعًا فيما يتعلق بما ورد في القرآن الكريم من إشارة إلى خلق الرحمة هذه، لكن نود  -حتى لا يذهب منا وقتنا- نود أن نستعرض خلق الرحمة في سنة النبي –صلى الله عليه وسلم-.

الشيخ: السنة المطهرة جاءت بالتأكيد على هذه الخصلة

 أولًا: النبي –صلى الله عليه وسلم-وصفه الله تعالى بأنه رحمة، فلا غرابة أن تكون الرحمة في كل أقواله وأفعاله ومعاملاته وتوجهاته للقريب والبعيد، الصديق والعدو، الموافق والمخالف، بل الإنس والجن والحيوان، فالرحمة ظاهرة في خصاله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

وذكرها في كلامه -صلوات الله وسلامه عليه- في أظهر ما يكون فإنه –صلى الله عليه وعلى آله وسلم-كان بالمؤمنين رؤوفًا رحيمًا –صلى الله عليه وسلم-وقد أشاد بهذه الخصلة في بعض أصحابه –صلى الله عليه وسلم-، فعندما ذكر أبا بكر رضي الله تعالى عنه وهو من هو في المنزلة والرفعة عند النبي –صلى الله عليه وسلم-وفي هذه الأمة يقول –صلى الله عليه وسلم-: «أَرْحَمُ أمَّتي بأُمَّتي أبو بكرٍ» [أخرجه الترمذي في سننه:ح3790، وصححه الألباني في صحيح الجامع:ح895] ،وهذا إشادة به، وبيان لعظيم منزلة هذه الخصلة التي اختص بها رضي الله تعالى عنه.

والنبي –صلى الله عليه وسلم-يبرز الرحمة من جهة أنها خصلة توجب عطاء الله –عز وجل-، توجب إحسان الله تعالى إلى عباده، فإن النبي –صلى الله عليه وسلم-كما في صحيح الإمام مسلم من حديث عياض رضي الله تعالى عنه قال –صلى الله عليه وسلم-ذات يوم في خطبته «إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ أمَرَني أنْ أُعلِّمَكم ما جَهِلتُم ممَّا عَلَّمَني يومي هذا»ثم قال –صلى الله عليه وسلم-: «أهلُ الجنَّةِ ثلاثةٌ: ذو سلطانٍ مُقسِطٌ موفَّقٌ، ورجُلٌ رحيمٌ رقيقُ القلبِ بكلِّ ذي قُربى ومُسلِمٍ»ذو سلطان أي: صاحب سلطة، مقسط: عادل متصدق: أي محسن موفق أي: فيما يكون من أقواله وأعماله.

وكل هذه الخصال إذا تأملتها لا تكون إلا ممن اتصف بالرحمة، قال بعد ذلك الثاني من الذين وصفهم النبي –صلى الله عليه وسلم-بأنهم من أهل الجنة «ورجُلٌ رحيمٌ رقيقُ القلبِ بكلِّ ذي قُربى ومُسلِمٍ»، فجعل الرحمة من القلب ورحمة الأقارب بكل أنواعهم ومراتبهم وصلتهم، وبكل المؤمنين مما يوجب أن يكون صاحبه من أهل الجنة «ورجُلٌ رحيمٌ رقيقُ القلبِ بكلِّ ذي قُربى ومُسلِمٍ» فالرجل المقصود شخص ذكر أو أنثى ثم قال –صلى الله عليه وسلم-في الخصلة الثالثة «وعفيفٌ متعفِّفٌ ذو عيالٍ» [صحيح مسلم:ح2865/63] ، ذو عيال أي صاحب عيال أي صاحب من يقوم عليهم ويكدُّ لكفايتهم، عفيف متعفِّف، وعفيف في نفسه عن كل رذيلة وعن كل محرَّم، متعفف أي يكفُّ نفسه عن النظر إلى ما في أيدي الناس، ويسعى في إغناء نفسه دون تطلع إلى ما منَّ الله تعالى به على غيره، ذو عيال أي مع كونه صاحبَ حاجة، لكنه رَحِم نفسه بحجبِها عن التطلع إلى الناس، ورحم عياله بالسعي في كفايتهم من غير هذا الطريق.

هذا يبين أن الرحمة خصلة هي من أبرز سمات أهل الجنة، جعلنا الله تعالى وإياكم منهم، ومما جاء في السنة مما يبين عظيم منزلة هذه الصفة الكريمة قال –صلى الله عليه وسلم-: «الراحمون يرحمُهم الرحمنُ، ارحموا من في الأرضِ يرحمُكم من في السماءِ» [سنن الترمذي:ح1924، وقال:هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ] (مَن) هنا من ألفاظ العموم.

المقدم: تشمل كافةَ المخلوقات.

الشيخ: والجنَّ والحيوانَ، وكلَّ من هو أهلٌ للرحمة بلا استثناء، وسيتبين هذا من معاملة النبي –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وخصاله.

النبي –صلى الله عليه وسلم-يبين منزلة الرحمة في إدراك الفضائل والخيرات من ربٍّ كريم وسعت رحمته كلَّ شيء، يقول النبي –صلى الله عليه وسلم-في حديث جرير بن عبد الله في الصحيح: «لا يرحمُ اللهُ منلا يرحمُ النَّاسَ» [صحيح البخاري:ح7376] ، وأنت إذا قرأت قوله تعالى: ﴿فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ [الأنعام: 147] ، هذه الرحمة الواسعة تُحجب عمن خلا قلبُه من رحمة الناس، حيث إن النبي –صلى الله عليه وسلم-يقول: «لا يرحمُ اللهُ منلا يرحمُ النَّاسَ»، وقال النبي –صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ذكر في خصال الرحمة التي ترجمها عملًا ما كان من رحمته –صلى الله عليه وسلم-للصغار، ترجم ذلك برحمته وإقباله عليهم، وتقبيله لهم صلوات الله وسلامه عليه، كل ذلك من ترجمة هذه الخصلة الكريمة.

وعابَ من غابَتْ عنه الرحمة، وتلاشت في صفاته هذه الخصلة، ففي حديث في الصحيح أن النبي –صلى الله عليه وعلى آله وسلم-قبَّل بعضَ الصغار، فقال له رجل من الأعراب تقبلون الصبيان؟ يعني يستغرب ثم قال: "فما نقبلهم" يعني نحن ليس من عملنا تقبيل الصبيان والتقبيل فيه من الرقة واللطف والحنو والرحمة ما وضع، فماذا أجابه النبي –صلى الله عليه وسلم-فقال: «أوَأَمْلِكُ لكَ أنْ نَزَعَ اللَّهُ مِن قَلْبِكَ الرحمةَ» [صحيح البخاري:ح5998] يعني ماذا أصنع بك إذا كان الله تعالى نزع من قلبك الرحمة حتى أَنِفْتَ أن تقبِّل الصغار، وفي حديث الأقرع بن حابس أن «النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ الحَسَنَ فَقالَ: إنَّ لي عَشَرَةً مِنَ الوَلَدِ، ما قَبَّلْتُ وَاحِدًا منهمْ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: إنَّه مَن لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ». [صحيح البخاري:ح5997]

إذًا هذا النوع من التأكيد لهذا المعنى في المعاملة العامة للصغير والكبير، والذكر والأنثى، والإنس والجن، والحيوان كل تأكيد لعظيم من جهة الرحمة في هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وفي سنته، وسنتطرق إلى جملة من المواقف لترجمة فيها الرحمة بقوله وعمله وتوجهيه صلوات الله وسلامه عليه.

ومما يذكر فيما يتعلق بمنزلة الرحمة في السنة أن النبي –صلى الله عليه وسلم-أخبر أن الله تعالى خلق مائة رحمة، وهذا من فضله وإكرامه لعباده جل في علاه أي أنواع الرحمة التي تكون من فعل الله –عز وجل-ويوصلها إلى عباده مائة رحمة.

يقول النبي –صلى الله عليه وسلم-كما في الصحيح:« جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده –سبحانه وبحمده-تسعة وتسعين جزءًا، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا» أي هذا الواحد الذي يتراحم الخلق يقول النبي –صلى الله عليه وسلم-:«حتى ترفع الفرس حافرَها عن ولدها خشية أن تصيبه» [صحيح البخاري:ح6000] ، يعني رحمة به، وفي الحديث الآخر قال: «وجعل منها في الأرض رحمة، فبها رحمة الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض» [صحيح مسلم:2753/21] ، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة، يعني الرحمات الأخرى التي خلقها الله –عز وجل-وتفضل بها على عباده، نسأل الله أن يجعلنا من أوفر الناس نصيبًا من رحمته في الدنيا والآخرة.

المقدم: كأني فهمت من حديثك بارك الله فيك أن الرحمة هي خلق فطري جعله الله –سبحانه وتعالى-في كفة المخلوقات، ونزلت به الآيات، ومارسه نبي الإسلام -عليه الصلاة والسلام- ممارسة طبيعية لأنه أرسله الله –سبحانه وتعالى-كما استعرضنا معك رحمة لكافة الناس، ولكافة المخلوقات.

 نودُّ في هذا الجزء من هذا البرنامج أن تحدثنا دكتور خالد عن صور الرحمة ومواضعها، وبعض الصور التي مارس النبي –صلى الله عليه وسلم-فيها الرحمة حتى مع غير المسلمين ومع الحيوان أيضًا.

الشيخ: قبل هذا تعليق مختصر سيأتي مزيد إيضاح له عما ذكرت أن الرحمة جِبلَّة، نعم الرحمة غريزة جَبَلَنا الله علينا خلقًا، وجعلها فطرة في الخلق حتى الحيوان، كما جاء في الحديث أن الفرس ترفع حافرها عن ولدها خشيةَ أن تصيبه، والوحش والطير يعني إذا نظرت الطير هذا الطير الذي يسعى في الدنيا ويأتي يطعم الصغار، هذه رحمة جعلها الله تعالى، فطر الله تعالى القلوب عليها، وجزء آخر من الرحمة وهو الذي يتميز به الإنسان، وهو المكتسب، وستأتي الإشارة إليه في آخر الحديث لما نتحدث عن طرق اكتساب الرحمة.

ما يتعلق بالسنة النبوية وما فيها من صور الرحمة الحقيقة أن الله –عز وجل-ذكر رحمة النبي –صلى الله عليه وسلم-بالأمة بالمؤمنين أولًا بالخلق أجمعين، قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء: 107] ، ومن صور رحمته –صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ما أخبر الله تعالى به من رحمته –صلى الله عليه وعلى آله وسلم-بخصومه الذين آذوه، ونالوا منه، وكان منهم ما كان من الأذى البالغ الذي ناله –صلى الله عليه وسلم-.

ومع ذلك عاملهم بالرحمة، إليك أخي الكريم ما جاء في الصحيح من حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- أنها قالت للنبي –صلى الله عليه وسلم-: «هل أتى عليك يومٌ كان أشَدَّ عليك مِن يومِ أُحُدٍ؟» يوم أحد أصيب النبي –صلى الله عليه وآله وسلم-شُجَّ رأسه، وكُسِرت رَباعيته –صلى الله عليه وسلم-، وأُدمي وجهُه بأبي هو وأمي –صلى الله عليه وسلم-، ولذلك سألت عائشة النبي –صلى الله عليه وسلم-«هل أتى عليك يومٌ كان أشَدَّ عليك مِن يومِ أُحُدٍ؟»، فقال لها النبي –صلى الله عليه وسلم-لعائشة «لقَدْ لَقِيتُ مِن قَوْمِكِ، وَكانَ أَشَدَّ ما لَقِيتُ منهمْ»يعني شيء يهون عنده ما لقيه وما كان منهم يوم أحد، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة اللهم صلي على محمد، يقول: «إذْ عَرَضْتُ نَفْسِي علَى ابْنِ عبدِ يالِيلَ بنِ عبدِ كُلالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إلى ما أرَدْتُ، فانْطَلَقْتُ وأنا مَهْمُومٌ علَى وجْهِي، فَلَمْ أسْتَفِقْ إلَّا وأنا بقَرْنِ الثَّعالِبِ» موضع في الطائف«فإذا أنا بسَحابَةٍ قدْ أظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فإذا فيها جِبْرِيلُ، فَنادانِي فقالَ: إنَّ اللَّهَ قدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وما رَدُّوا عَلَيْكَ» يعني ما خفي على الله ما كان من الأذى الذي بلغك «وقدْ بَعَثَ إلَيْكَ مَلَكَ الجِبالِ لِتَأْمُرَهُ بما شِئْتَ فيهم، فَنادانِي مَلَكُ الجِبالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ، فقالَ ذلكَ فِيما شِئْتَ، إنْ شِئْتَ أنْ أُطْبِقَ عليهمُ الأخْشَبَيْنِ» الجبلين: القعيقعان، وجبلأبي قبيس، وهما المحيطان بأهل مكة«فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: بَلْ أرْجُو أنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أصْلابِهِمْ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ لا يُشْرِكُ به شيئًا» [صحيح البخاري:ح3231]

المقدم: تجلَّت الرحمة عنده عليه الصلاة والسلام.

الشيخ: يقول ابن حجر –رحمه الله-في هذا الحديث بيان شفقة النبي –صلى الله عليه وسلم-على قومه، ومزيد صبره وحلمه، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [آل عمران: 159] ، ولقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء: 107] .

هذه الرحمة العظيمة التي اتصف بها –صلى الله عليه وسلم-مع قوم آذوه حتى وضعوا سلى الجذور بين كتفيه وهو ساجد –صلى الله عليه وسلم-، وطردوه، ونالوا منه ما نالوا، تبين عظيم ما كان عليه من هذه الخصلة الكريمة التي كانت منه –صلى الله عليه وسلم-.

وفي أُحد لما أدمَوا وجهَه –صلى الله عليه وسلم-وشجُّوا رأسَه، وكسروا رباعيته، قال النبي –صلى الله عليه وسلم- لقومه:« إن نبيًّا شَجَّه قومه» قال المفسرون يقصد نفسه «فكان يمسح عن وجهه الدم ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». [صحيح البخاري:ح3477]

أيُّ رحمةٍ فوق هذه الرحمة؟ أي إحسان ولطف فوق هذا اللطف الذي اتسم به واتصف به سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه؟ رحمة بالخصوم، ورحمة بمن آمن به واتبعه وصدَّقه، رحمة -صلوات الله وسلامه عليه- بالصغير والكبير، بالغني والفقير، وذي الحاجة، رحمة حتى بالحيوان، فقد كان صلوات الله وسلامه عليه رحيمًا بالحيوان، وإليك هذا الخبر وهذه الصورة المشرقة من رحمته –صلى الله عليه وسلم-.

عن عبد الله بن جعفر -رضي الله تعالى عنه- قال: «أَرْدَفَنِي رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، ذَاتَ يَومٍ خَلْفَهُ، فأسَرَّ إلَيَّ حَدِيثًا لا أُحَدِّثُ به أَحَدًا مِنَ النَّاسِ» ثم إن النبي –صلى الله عليه وسلم-ما أخبر بما أسر به إليه النبي –صلى الله عليه وسلم-قال: «فدخلَ حائطًا لرَجُلٍ مِن الأنصارِ فإذا جَملٌ» النبي –صلى الله عليه وسلم-دخل حائطًا يعني البستان «فإذا جَملٌ، فلَمَّا رأى النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ حنَّ وذرِفَت عيناهُ»، حنَّ الجمل، صدر منه صوت حنين، ودمعت عين الجمل، ما كان من النبي –صلى الله عليه وسلم-لما رأى هذا الموقفَ، حيوان يحنُّ وتذرف عيناه يقول: «فأتاهُ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فمَسحَ ذِفراهُ فسَكَتَ، فقالَ: مَن ربُّ هذا الجَمَلِ، لمن هذا الجمَلُ؟ فَجاءَ فتًى منَ الأنصارِ فَقالَ: لي يا رسولَ اللَّهِ، فَقالَ: أفلا تتَّقي اللَّهَ في هذِهِ البَهيمةِ الَّتي ملَّكَكَ اللَّهُ إيَّاها؟ فإنَّهُ شَكا إليَّ أنَّكَ تُجيعُهُ وتُدئبُهُ» [أخرجه مسلم في صحيحه:ح2429،  وأبو داود:ح2549] هذا الحديث ليس ضعيفًا ولا موضوعًا هذا الحديث في صحيح الإمام مسلم يبين عظيم ما كان عليه النبي –صلى الله عليه وسلم-من الرحمة العامة حتى بالحيوان، وهذه الموعظة للرجل يقول: «أفلا تتقي الله» أنت إذا سمعت هذا يعني شعرت أن الخطب جلل، وأن المخالفة عظيمة، أفلا تدتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؟ فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه».

وفي حديث آخر حديث عبد الله بن مسعود أيضًا في السنن وبإسناد جيد، قال: «كنَّا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في سفرٍ فانطلق لحاجتِه فرأينا حُمَّرةً معها فرخان فأخذنا فرخَيْها فجاءت الحُمَّرةُ فجعلت تعرَشُ فجاء النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال من فجَع هذه بولدَيْها رُدُّوا ولدَيْها إليها ورأَى قريةَ نملٍ قد حرقناها فقال من حرق هذه قلنا نحن قال إنَّه لا ينبغي أن يُعذِّبَ بالنَّارِ إلَّا ربُّ النَّارِ» [سنن أبي داود:ح2675، وصححه الحاكم(ح7599). ووافقه الذهبي] حتى النمل يرحمه –صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.

إذًا ينبغي للمؤمن أن يعرف أن هذه الخصلة خصلة متأصلة في صفات المؤمنين في هدي سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، حتى الجماد يرقّ له –صلى الله عليه وسلم-ويرحمه، ففي الصحيح من حديث جابر وهذا الحديث في الصحيح «أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كانَ يَقُومُ يَومَ الجُمُعَةِ إلى شَجَرَةٍ -أَوْ نَخْلَةٍ- فَقالتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأنْصَارِ -أَوْ رَجُلٌ-: يا رَسولَ اللَّهِ، أَلَا نَجْعَلُ لكَ مِنْبَرًا؟ قالَ: إنْ شِئْتُمْ، فَجَعَلُوا له مِنْبَرًا، فَلَمَّا كانَ يَومَ الجُمُعَةِ دُفِعَ إلى المِنْبَرِ، فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ صِيَاحَ الصَّبِيِّ، ثُمَّ نَزَلَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَضَمَّهُ إلَيْهِ، تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الذي يُسَكَّنُ. قالَ: كَانَتْ تَبْكِي علَى ما كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ عِنْدَهَا» [صحيح البخاري:ح3584] اللهم صلِّ على محمد.

هذه الرحمة العظيمة في قلب هذا النبي الكريم يجب على أهل الإيمان أن يتصفوا بها، أن يكونوا على هذه الخصلة في كل شئونهم وأحوالهم، فيرحم الكبير والصغير، يرحم الغنيَّ والفقير، يرحم القوي والضعيف، يرحم المقتدر العاجز، يرحم الرجل والمرأة، يرحم الوالد ولده، يرحم الزوج زوجته، وبهذا تشيع هذه الخصلة الكريمة التي تدعو إلى كل خير وتبعد عن المجتمع كل شر.

ولذلك صدق ذاك الأديب عندما قال: لو تراحم الناس لما كان فيهم جائع، ولما كان فيهم مهضوم، ولا ما كان فيهم مظلوم، ولا ما كان فيهم باكي، ولا جفت المآقي، ولنعم الناس بأنواع من الرحمات والخيرات بينهم، ويتأكد تفعيل هذه الخصلة عندما يكون الإنسان ضعيفًا، فإن رحمة الضعيف الذي لا يقدر على استنقاذ حقه، ولا يقدر على المخاصمة في شأنه تعظم وتكبر وتتأكد.

ولهذا قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «اللَّهمَّ إنِّي أُحرِّجُ حقَّ الضَّعيفين:اليتيمِ، والمرأَةِ» [سنن ابن ماجه:ح3678، وقال الحاكم(ح211):حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. ووافقه الذهبي] ، اليتيم الذي ليس له أب يطالب بحقه، والمرأة بما اقتضته جِبِلَّتُها من الضعف الذي قد يمنعها من استنقاذ حقها وقد تستضعف، ولهذا قال: «فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ» [صحيح مسلم:ح1218/147] .

 الصغار موضع للرحمة؛ ولذلك كان النبي –صلى الله عليه وسلم-يرِقُّ لهم ويأنس بهم، ويقترب منهم حتى إنه –صلى الله عليه وسلم-كان يمسح على رؤوسهم وعلى خديهم، مؤانسة لهم كما جاء ذلك في حديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه.

المقدم: بارك الله فيك إذًا دكتور خالد، كما استمعنا منك بارك الله فيك في حديثك الضافي والجميل عن هذه الخصلة العظيمة من خصال الإسلام التي جاء بها ورسخها في خلق المسلم وتمثلت في منهج النبي –صلى الله عليه وسلم-وأصحابه رضوان الله عليهم، هذه الخصلة نود أن نرسخها في أنفسنا، وفي مجتمعنا، وفي أسرنا نود أن نتخلق بهذه الرحمة، وأن نكتسبها جميعًا، ما هي السبل المثلى لأن نصل إلى أن نكون رحماء، وأن نبتعد عن الغلظة والأذى الذي قد يصدر من الإنسان تجاه الآخرين؟

الشيخ: لا شك أن الرحمة كما تقدم منها ما هو مفطور، فطرت القلوب وجُبلت عليه، ومنها ما هو مكتسب والعاقل الراشد يتعرف على الأسباب التي يدرك بها هذا الوصف الرشيد وهذا الوصف الجليل، وهذا الخلق الكريم يجتهد في التحقق به حتى يمتلئ قلبه من الرحمة والحنان على الخلق فيوصل إليهم كل إحسان ويكف عنهم كل إساءة وشر يا حبذا هذا الخلق الفاضل والوصف الجميل وهذه الرحمة التي في القلوب التي يتنعم بها أصحابه.

الرحماء هم أسعد الناس، يعني قد يظن الظان أن الرحمة نفع متعدي، لا، الرحمة قبل أن تكون نفعًا متعديًا إنها سعادة سكنت قلبه وعمرت خلقه وأخلاقه، ولذلك ينبغي لنا أن نسعى إلى الاتصاف بهذه الصفة.

مما يكسبنا هذه الصفة أن نعرف عظيمَ ما ندركه بهذه الخصلة، إننا ندرك سعادة أننا ندرك رحمة من الله –عز وجل-، فالرحماء يرحمهم الله، من لا يرحم لا يُرحم، ونحن كلنا فقراء إلى رحمة الله ما هي حالنا؟ وماذا نكون لو حجبت عنا رحمته؟

هلكنا وتعست أمورنا، ولذلك لا تنزع الرحمة إلا من شقي، ولا توهب إلا لسعيد، فبذلك ينبغي أن نحرص على استحضار هذه المعاني، أننا نحن المستفيدون من هذه الخصلة نحن الذين ندرك بذلك سعادة الدنيا وندرك فوز الآخرة، ندرك رحمة الله –عز وجل-.

مما يعيننا على التخلق بهذه الخصلة أن نقرأ الفضائل والنصوص الواردة في الكتاب والسنة في شأن هذه الخصلة الكريمة، وفي هذه الخلق الجليل أن نطالع سيرة النبي –صلى الله عليه وسلم-، فقراءة سيرة النبي –صلى الله عليه وسلم-والنظر فيما كان عليه –صلى الله عليه وسلم-من خصال وشمائل وأخلاق مما تكسبنا الرحمة، فهو أرحم الخلق بالخلق -صلوات الله وسلامه عليه-، وهو الرحمة للعالمين، فقراءة سيرته تكسبنا هذه الخصلة.

مجالسة الرحماء، والبعد عن أصحاب الغلظة والفظاظة والجفاء مما يكسب الإنسان هذه الخصلة، فالصاحب ساحب، إذا صحبت رحيمًا كنت مثله، وإذا صحبت غليظًا قاسي القلب كان ذلك منعكسًا على خلقك، ينبغي أن نحرص على ترجمة هذه الأخلاق وغرسها في أبنائنا وبناتنا، وذلك من خلال المعاملة: معاملتنا لزوجاتنا، معاملتنا لوالدينا، ومعاملتنا لمن حولنا، نعكس هذه الصورة فيراها أبناؤنا ترجمة، رحمتنا بهم مما ينبغي أن نفعِّلها، ولن تَكسب الناسَ بقدر ما تكسبهم وتقربهم إليك بتفعيل هذه الخصلة.

مما يكسبنا هذه الخصلة أن نخالط الضعفاء، الضعفاء غالبًا أصحاب قلوب منكسرة، فيهم رحمة ولا تأنف من مجالستهم ولا تأنف من مخالطتهم، فإنك تستفيد من طيب خصالهم ما ينتفي عنك به الغلظة، إذا كانت المخالطة بعض الدواب تكسب جفاء، وهي دواب.

النبي –صلى الله عليه وسلم-ذكر نوعا من الدواب، الجمال على سبيل المثال، قال: فيها الغلظة والجفاء [في ذلك حديث عقبة بن عمرو أخرجه البخاري في حديثه:ح3302، وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلاَ إِنَّ القَسْوَةَ وَغِلَظَ القُلُوبِ فِي الفَدَّادِينَ، عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ»] ، وذكر الغنم قال فيها البركة [من ذلك حديث أبي هريرة أخرجه البخاري في صحيحه:ح3499، وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الغَنَمِ »] وأمر بالصلاة في مباركها [من ذلك حديث جابر بن سمرة أخرجه مسلم في صحيحه:ح360/97وفيه سؤل النبي صلى الله عليه وسلم: أُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «نَعَمْ»] إذا كانت مخالطة البهائم تؤثر على الإنسان في الأخلاق فكيف بمخالطة المُجانِس وهي أعظم تأثيرًا وأكبر أثرًا!

لهذا ينبغي أن نخالط الرحماء، ونخالط الضعفاء، ونكتسب من خصالهم ما يكون ذكاء لنا ورفعة لنا عند ربنا -جل في علاه -، ومن يرفعه الله لا يضعه أحد، أسأل الله تعالى أن يعيننا على طيب الخصال.

الدعاء أيضًا بسؤال الله –عز وجل-محاسن الأخلاق، وأن يجعلنا من الرحماء هو من الطرق والسبل التي تكتسب بها هذه الخصلة، بلَّغنا الله وإياكم أوجها، ورزقنا منها أوفر حظ ونصيب، وجعلنا من أعلى عباده نصيبًا برحمته وفضله وكرمه.

المقدم: بارك الله فيك شيخنا العزيز، وأحسن الله إليك، هذا الحديث الضافي الجميل عن هذه الخصلة العظيمة من خصال هذا الدين المبارك التي جاءت بها النصوص القرآنية والسنة النبوية مؤكدة عليها، وتمثل ذلك في خلق النبي –صلى الله عليه وسلم-، وكما قلت -حفظك الله- ودعوت نسأل الله –سبحانه وتعالى-أن يجعلنا نحن وأنت والإخوة والأخوات الذين يستمعون إلينا في هذه اللحظات من الرحماء الذين يتصفون بهذه الرحمة التي تكسبهم الوصول إلى مرضات الله –سبحانه وتعالى-.

وقتنا شرف على نهايته دكتور خالد بارك الله فيك، نسأل الله –سبحانه وتعالى-أن يجعل ما تقدمه في ميزان حسناتك ونرجوه –عز وجل-أن نلتقي بك في حلقة الأسبوع القادم وأنت بصحة وخير وعافية.

الشيخ: وأنتم كذلك، وأسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد، وأن يحفظ بلادنا، ويوفق ولاتنا، وأن يعيذنا وإياكم من كل سوء وشرٍّ وصلى الله وسلم على نبينا محمد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

مواد تم زيارتها

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف