الاثنين 21 صفر 1443 هـ
آخر تحديث منذ 31 دقيقة
×
تغيير اللغة
القائمة
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو Hausa
الاثنين 21 صفر 1443 هـ آخر تحديث منذ 31 دقيقة

نموذج طلب الفتوى

لم تنقل الارقام بشكل صحيح
×

لقد تم إرسال السؤال بنجاح. يمكنك مراجعة البريد الوارد خلال 24 ساعة او البريد المزعج؛ رقم الفتوى

×

عفواً يمكنك فقط إرسال طلب فتوى واحد في اليوم.

مرئيات المصلح / برامج المصلح / الدين والحياة / الحلقة (234) مبطلات الأعمال

مشاركة هذه الفقرة

الحلقة (234) مبطلات الأعمال

تاريخ النشر : 15 ذو الحجة 1442 هـ - الموافق 25 يوليو 2021 م | المشاهدات : 124

المقدم:بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.

أيها الإخوة المستمعون الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير، نحييكم تحية طيبة مباركة في هذا اليوم، ويسرنا أن نقدم إلى حضارتكم حلقة هذا الأسبوع من برنامجكم الأسبوعي "الدين والحياة" والذي يسعدنا دائمًا وأبدًا أنا عبد الله سعد بن عزة، وزميلي لؤي الحلبي الذي سيتولى تنفيذ وإخراج هذه الحلقة، يسعدنا أن نرحب بضيف هذا البرنامج سعادة الأستاذ الدكتور خالد المصلح أستاذ الفقه في جامعة القصيم، والذي يصحبنا في هذه اللحظات.

شيخ خالد! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلا ومرحبًا بك.

الشيخ:وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياكم الله، وأهلًا وسهلًا بكم، وتقبل الله منا ومنكم صالح العمل.

المقدم: اللهم آمين، حياك الله شيخنا العزيز، وحياكم الله أنتم أيها الإخوة والأخوات أينما كنتم على بركة الله تعالى نستعرض أبرز نقاط حلقتنا هذه، والتي بإذن الله تعالى نرجوا الله –سبحانه وتعالى-أن يكون فيها النفع والفائدة، وهذا هو موعدها؛ حيث إن المؤمنين في هذه الأيام قد انتهوا من طاعة عظيمة منَّ الله بها عليهم ألا وهي الحج إلى بيته الكريم.

كذلك مرت على المسلمين أيام العشر الأولى من الحج، وقد سعد المسلمون في هذه الأيام المباركة بأداء هذه الطاعات، فالله تعالى نادي المؤمنين دائمًا للتزود بالطاعات، ويأمرهم –سبحانه وتعالى-بطاعته والانتهاء عما حرمه عليهم، ويعلمهم كذلك أن طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام هي طاعة لله –سبحانه وتعالى-، فما الرسول إلا مبلِّغ عن الله –سبحانه وتعالى-.

في الوقت الذي ينبههم الله –سبحانه وتعالى-ينبه المؤمنين الذين أطاعوا الله –سبحانه وتعالى-وأطاعوا رسوله بأعمالهم الصالحة التي تقربوا بها إلى الله، ينبههم ألا يبطلوا هذه الأعمال، وألا يفسدوها بالمفسدات التي تذهب بأجرها، وتجعلها ربما وبالًا عليهم يقول الله –سبحانه وتعالى-في سورة محمد ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ [محمد: 33] .

شيخ خالد ! نريد أن نقف وقفة تأملية مع هذه الآية الكريمة، كيف يبطل الإنسان عمله؟

 الإنسان الصالح الطائع لله –سبحانه وتعالى-حينما يقوم بالطاعات لا يتصور منه أن يذهب، وأن يعمد إلى إبطال عمله، لكن هناك أمور ربما لا ينتبه لها تؤدي إلى إبطال عمله كيف يكون ذلك؟

الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد.

فالسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، تحية طيبة للجميع، وأسأل الله تعالى أن يشملنا برحمته، وأن يعمنا بفضله، وأن يتولانا بإحسانه، وأن يتقبل منا صالح العمل، وأن يعفو عنا الخطأ والزلل.

فيما يتعلق بإبطال الأعمال، الأعمال المقصود بها هي الأعمال الصالحة، الأعمال الزاكية، الحسنات التي أمر الله تعالى بالتزود بها، بل أمر الله تعالى الرسل صلوات الله تعالى عليهم بأن يجِدُّوا في العمل الصالح فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا [المؤمنون: 51] ، وقد أمر الله تعالى المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [البقرة: 172] ، والشكر هنا تحقيق العبادة له –جل وعلا-، وقال تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج: 77]

 أمر الله تعالى المؤمنين الإنسان في هذه الحياة الدنيا إنما خلق ليتزود لمرحلة ومنزلة في أطواره وطبقات حياته التي يمر بها، فالحياة الدنيا مرحلة من مراحل الإنسان، فإن استحضر ذلك عمل بما يكون مُصلِحًا له فيما يستقبل من الحياة الآخرة، المآل والمقرِّ الذي يصير إليه الناس وهو لقاء الله –عز وجل-﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ [الانشقاق: 6] .

أعظم ما يشتغل به الإنسان في هذه الدنيا هو التزود لله –عز وجل-بالصالح، يتزود لسفره، يتزود للقاء ربه، لما يفرح به ويُسرُّ، موضوع التزود هو العمل، وهو تحقيق ما أمر الله تعالى به بالنجاح في الاختبار الذي اختبر الله تعالى الناس به في هذه الدنيا ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك: 2] ، فالاختبار الكبير الذي يدخله جميع الناس من شعر منهم ومن لم يشعر، من أدرك ومن لم يدرك أننا جميعًا مختبرون بتحقيق هذا المقصود الذي خلق الله تعالى الحياة والموت لأجله، وهو أننا نستبق إليه –جل وعلا-أينا أحسن عملًا ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك: 2] .

العمل أمره كبير، وشأنه عظيم؛ فهو المرافق لك الذي لا تنفك عنه وعن آثاره وثماره في الدنيا وفي الآخرة، فإنك في الدنيا في ظلِّ عملك، إن أحسنت أحسن الله إليك، وإن أسأت كان جزاؤه لك على نحو ما أسأت، فالحسنة بعشر أمثالها، والسيئة يعاقب بمثلها ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ [الرحمن: 60] .

فالدنيا يدرك فيها الإنسان ثمرة عمله الصالح، كما أنه يناله شيء من ثمار عمله الرديء، فيكون ذلك في الصالح معينًا له على التزود؛ لأنه ذاق بعض نتائج عمله الصالح، وأيضًا إذا كان قد عمل سيئة فأصابه الله بسيء عمله ما يوقظه، كما قال تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [السجدة: 21] كان هذا أيضًا موقظًا له.

العمل الصالح هو رفيقك عندما تغادر هذه الدنيا، فإنه إذا مات ابن آدم تبعه ثلاثة: أهله، وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع الأهل والمال ويبقى العمل، العمل قرينك لا يخرج عنك في دنياك، كما أنه يكون معك في مبعثك ونشورك ولقاء ربك، قال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا [الإسراء: 13] .

إذًا العمل قرينك، فقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ [الإسراء: 13] ، الطائر هو ما صدر عنه، وما نتج منه من الأعمال، فالطائر هنا العمل، كلُّ إنسان ألزمناه عمله وتوثيق هذا العمل يكون في الدواوين التي تحوي أعمال بني آدم، وتسجل الدقيق والجليل، والصغير والكبير، والسر والعلن ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: 29] .

إذًا إذا كان العمل بهذه المنزلة فإنه ينبغي للإنسان أن يجوِّده، وأن يطيبه، وأن يصلحه، وأن يكون على نحو من الطيب والحسن في مدة عمره كلها، لا في مرحلة من مراحل العمر، ولا في يوم من الأيام، ولا في موسم من المواسم، بل يجب أن يكون عمله صالحًا كلَّ أيامه، وكل لحظاتهن وكل أوان معاشه لا ينفك عن ذلك في حال من الأحوال.

هذا لا يعني ألا يكون الإنسان يقع منه عثرة وخطأ، وتذل به القدم، ويتورط في سيء عمل أبدًا، فإن كلَّ ابنِ آدم خطَّاء كما قال النبي –صلى الله عليه وسلم-  [حديث النبي صلى الله عليه وسلم، أخرجه الترمذي في سننه:ح2499، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب:ح3139، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ»] ، لكن الشأن ألا نمضي في الخطأ، وألا نسير عليه، بل وخير الخطاءين التوابون، فإن التوبة من العمل الصالح الذي ينال به الإنسان الأجر ويدرك به المثوبة، وهي مما يمحو الله تعالى الخطايا، ويزيل بها السيئاتن فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له كما قال النبي –صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. [سنن ابن ماجه:ح4250، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب:ح3145 ]

إذًا نحن نحتاج إلى أن نستحضر هذه المعاني في أهمية العمل، إذا كان العمل بهذه المنزلة فإنه ينبغي للإنسان إذا وفق إلى عمل صالح أن يحرص على المحافظة عليه، تمامًا مثل الذي يكد لجمع رصيد ويكوِّن رصيدًا ماليًّا في حسابه، فإنه سيجتهد في ألا يذهب هذا الرصيد ويتبدد بما لا فائدة منه، بل يحرص على تنميته وعلى زيادته، وكذلك العمل الصالح هو أعظم رصيد تخرج به؛ لأنه الرصيد الذي يبقى، فالرصيد الذي في حسابك في البنك، أو في محفظتك، أو في خزنتك، أو في بيتك، أو في أي مكان تحفظ به إذا خرجت من الدنيا لن يخرج معك، تبعه ثلاثة: أهله، وماله، وعمله، يرجع الأهل والمال، المال ينتقل لغيرك انتقالًا بلا اختيار، لا يبقى معك إلا العمل، فكما تحرص على هذا الذي سيذهب ويضمحلُّ ويزول عنك من الأموال احرص على العمل الصالح.

لهذا ينبغي للإنسان أن يعتني بالمحافظة على عمله الصالح، وعلى زيادته، وذلك بتجنُّب ما يبطل العمل الصالح، ولهذا ابن القيم يشير إلى هذا المعنى فيما يتعلق بالمحافظة على العمل، فيقول: "ليس الشأن في العمل إنما الشأن في حفظ العمل مما يفسده ويحبطه" [الوابل الصيب:ص11] ، يعني القضية الكبرى ليست فقط في أن تعمل صالحًا، بل أن تعمل صالحًا وتجتهد على هذا العمل الصالح الذي قمت به من صلاة، من توحيد، من زكاة، من صوم، من حجٍّ، من بر والدين، من أداء أمانات إلى غير ذلك من أسباب العمل الصالح الكثير الذي تُوفَّق إليه، احفظه وحافظ عليه.

ولهذا حذر الله تعالى من إبطال العمل، فقال –جل وعلا-: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ [محمد: 33] ، فنهى الله تعالى عن إبطال العمل وإذهابه بما يكون سببًا لفساده، وقد ضرب الله تعالى مثلًا لذلك في كتابه الكريم حتى يبين الصورة التي يتورط بها من أضاع عمله وأحبطه وأذهبه بما يكون من أسباب الذهاب، فذكر لذلك مثلًا في محكم كتابه، فقال تعالى في محكم التنزيل في سورة البقرة: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [البقرة: 266] .

هذا مثل ذكره الله تعالى وضربه لأولئك الذين جدُّوا في هذه الدنيا بما يكون من صالح العمل، ثم بعد ذلك تورطوا في شيء مما يحبط العمل ويذهبه ويزيله، وهو مثل حسيٌّ مشاهَد، فإن الإنسان يشاهد هذا المثل الذي ذكره الله تعالى في هذه الكلمة حيث ذكر –جل وعلا-هل يتمناه الإنسان؟ فيقول: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ [البقرة: 266] ، استفهام استنكاري ﴿جَنَّةٌ﴾ يعني: بستان ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾وهي أطيب الثمار تجري من تحتها الأنهار فيها متوفر فالماء لا يجذب إليها من بعيد ولا يستخرج من الأرض بل ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾هو على وفرة من الماء لا يحتاج معه إلى كدٍّ وتعب في إحضار الماء ﴿لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾غير ما ذكر من النخيل والعنان وهذه حال ما في يديه وهي مثل العمل الصالح الذي وفِّق إليه.

قال: ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾وهو الضعف في بدنه، فإن الكبر يقترن بالضعف وذهاب القوى﴿ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾يعني وليس فقط مستقلٌّ بنفسه، بل له ذرية يكدُّ لهم ويسعى إليهم إلى توفيتهم مطالبهم والقيام على شأنهم ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾، فجأة ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾وليس فقط إعصار، إنما إعصار فيه نار، يعني لا يبقي شيئًا﴿ فَاحْتَرَقَتْ﴾ ذهب كل شيء.

عمر رضي الله تعالى عنه كما في الصحيح في البخاري اجتمع بأصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم-فقال لأصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم- ما ترون في هذه الآية؟ ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [البقرة: 266] ، يعني ما معناه فيم نزلت؟ فقالوا: الله أعلم، فقال عمر -رضي الله تعالى- قولوا: نعلم، أو لا نعلم.

فقال ابن عباس: "في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين" فقال عمر: "يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك"، فقال ابن عباس: "ضربت مثلًا لعمل" فهم ابن عباس من الآية أنها مضروبة مثلًا لعمل، أي عمله الإنسان واكتسبه، ثم أحبطه وذهب، قال عمر: أيُّ عمل؟ يعني ابن عباس أجاب قال: "ضربت مثلًا لعمل" قال عمر: أيُّ عمل؟ قال ابن عباس: "لعمل" يعني أبهم وما بيَّن، فجاء الجواب من عمر قال: "لرجل غنيٍّ يعمل بطاعة الله" يعني من الإنفاق والإحسان وأوجه البر "ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أَغْرَق أعماله" [صحيح البخاري:ح4538] حتى أذهب عمله، هذا مثال ضربه الله تعالى لما يبوء به أولئك الذين يجتهدون في العمل، ثم يتورَّطون فيما يُذهِب بركةَ عملهم، ويحبط عملهم.

إذًا حبوط العمل هو ذَهاب نفعه، حبوط العمل هو عدم الانتفاع به، حبوط العمل هو تلاشي ما يكون من ثماره وآثاره في الدنيا والآخرة، وقد قال الله تعالى في سورة ذلك في عمل أولئك الذين لم يؤمنوا به قال: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان: 23] والهباء هو تلك الدقائق الرقيقة التي لا تدركها العين في ضوء الشمس لا يمكن أن تبصرها ولا يمكن أن تدرك.

ولذلك العمل الذي يحبط هو كهذا الذي في أشعة الشمس، لا يمكن أن ينتفع به، ولا يمكن أن يمسك.

المقدم: شيخ خالد يسعى المسلم دائمًا إلى الوصول إلى رضا الله –سبحانه وتعالى-لا شك أن كل مسلم حريص على أن يرضي ربه –عز وجل-بالأعمال الصالحة التي يتقرب بها إلى الله بجميع ما أمره الله –سبحانه وتعالى-به، ويمتنع ويبتعد عن جميع ما نهى الله عنه، طبعا الأعمال الصالحة التي يمكن للعبد أن يتقرب بها إلى الله –عز وجل-كثيرة ومتعددة، منها ما يكون بالفعل الجسدي، ومنها ما يكون بالفعل القلبي، منشؤه القلب، ومنها ما يكون فعلًا ماليًّا يتعلق بالأموال، ما أهمية هذه الأعمال الصالحة بالنسبة لهذا العبد المؤمن؟

الشيخ: ميزتها هي أنها سبب نجاته الأعمال بكل صورها الظاهرة والباطنة، الصغيرة والكبيرة، السر والعلن في بدنه وفي قلبه وفي ماله هي سبب نجاته، قال الله –جل وعلا-: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف: 72] ، فالعمل هو سبب النجاح، إذا قبله الله وزكَّاه ورحم العبد بالتفضل عليه برحمته التي ترفع هذا العمل، وتبلغه مبلغ القبول عند ذلك يكون من الناجين الفائزين، الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج: 77] ، فالأعمال الصالحة هي سبب الفلاح، هي سبب السعادة، هي سبب النجاة هي التي يدرك بها الإنسان سعادة الدنيا وفوز الآخرة، قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل: 97] ، وسيجزيه الله تعالى أحسن ما كان يعمل، وهو جزاء العمل الصالح.

ولهذا ينبغي لنا أن نعرف أن العمل الصالح نجني فائدته بصلاحنا، واستقامة أحوالنا، وطمأنينة قلوبنا، وفوزنا في الدنيا والآخرة.

المستفيد من العمل الصالح هو نحن، كل من اشتغل بصالح إنما يعمل لنفسه﴿فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۖ [يونس:108]

«يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي، فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» [صحيح مسلم:ح2577/55]

المهم بعد توفيق الله تعالى للعبد للعمل الصالح أن يجتهد في محافظته على هذا العمل بتجنيبه ما يبطله ويحبطه حتى لا يذهب هذا العمل هباء منثور، حتى لا يأتي يوم القيامة وقد خلت يديه من صالح العمل الذي تقدم به، فيكون عناء في الدنيا باشتغاله وإعمال بدنه في أعمال لا يدرك ثمرتها ولا يحصل نتيجتها في الآخرة.

ولهذا من المهم أن يجتهد الإنسان في معرفة ما الذي يبطل العمل، العمل الصالح شرطه أن يكون خالصًا لله، وأن يكون وفق هدي النبي –صلى الله عليه وسلم-، هذا هو الأساس الذي يجب أن ينظر إليه حتى لا يشتغل الإنسان بشيء ثم يقول هو عمل صالح، لا يكون العمل صالحًا إلا إذا كان لله خالصًا ما يُبتَغَى به إلا وجه الله –عز وجل-، يحقق التوحيد فيه لرب العالمين، فلا يطلب الأجر من سواه، ولا يعبد إلا هو جل في علاه، وهذا معنى "لا إله إلا الله"، وأن يكون في عمله على نحو ما كان عليه هديه –صلى الله عليه وسلم-، فإن الله سدَّ الطرق الموصلة إليه إلا الطريق الذي سلكه النبي –صلى الله عليه وسلم-، لايوجد طريق يوصل إلى رضا الله، إلى الرحمة، إلى الجنة، إلى الفوز إلا ما سلكه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن الطريق الذي يوصل إلى الله هو ما دل عليه النبي –صلى الله عليه وسلم-، قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى: 21] ، والنبي –صلى الله عليه وسلم-يقول: «من عمِل عمَلًا ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ» [صحيح البخاري:ح2697، ومسلم:ح1718/18، واللفظ للبخاري] يعني مردود غير مقبول.

فلذلك ينبغي للإنسان أن يحرص على تحقيق هذين الوصفين، أن يكون عمله خالصًا لله، وأن يكون لهدي النبي –صلى الله عليه وسلم-موافقًا ومتبعًا، وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: 110] .

 ينبغي التنبه لهذين الأمرين حتى ينجو الإنسان من الاشتغال بما لا ينفعه من العمل، أخلص عملَكَ لله فلا تبتغي ثوابًا من غيره، وكن على توحيد وإخلاص لله، واجتهد في متابعة النبي –صلى الله عليه وسلم-، إذا وفقت إلى ذلك انتقل إلى الأمر الآخر وهو أن تحافظ على كل حسنة اكتسبتها، حسناتك هي رأس مالك، هي ثروتك، هي نجاتك يوم القيامة، هي فوزك فلا تفرط في شيء منها؛ فأنت بأشد ما تكون حاجة لكل حسنة، ولو كانت أقل ما يكون في عينك.

ولذلك لا يحقر الإنسان من المعروف شيئًا، كما قال النبي –صلى الله عليه وسلملا تَحقِرَنَّ مِنَ المعروفِ شيئًا ولو تَلقَى أخاكَ بوَجهٍ طَليقٍ» [صحيح مسلم:ح2626/144] وقال –صلى الله عليه وسلم-: «اتَّقوا النَّارَ ولو بشقِّ تمرةٍ» [صحيح البخاري:ح1417، ومسلم:ح1016/68] فأدنى ما يكون من حسنات أنت محتاج إليها، فمن يعمل مثقال ذرة وهي وزن ذرة وهي أصغر ما يوزن قد لا يوزن ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة: 7-8] .

فاحفظ حسناتك ولا تبدِّدها، وكن على غاية الحذر من أن يذهب شيء منها في غير ما تؤمِّله، فاجتنب المحبطات.

 هنا ننتقل الآن إلى الحديث عما الذي يبطل العمل، عن مبطلات العمل؟

المقدم: ما ينبغي طبعا أن نهتم به معروف شيخنا العزيز، وأن نحافظ عليه ونهتم به أشد الاهتمام هو المحافظة على هذه الأعمال وهذه الحسنات الصالحة التي اكتسبناها على مدى الأعمار التي عشناها، تعب الإنسان ربما في جمعها، وفي جمع تلك الحسنات والحصول عليها من مختلفي العبادات الجسدية القولية والفعلية والمالية وغيرها.

نودُّ في هذه الوقفة من هذا البرنامج من حديثنا في هذا البرنامج وفي هذا الموضوع تحديدًا "ولا تبطلوا أعمالكم" أن نتعرف على المبطلات التي تؤدي إلى محو هذه الأعمال الصالحة، وربما تنقلب إلى سيئات تكون عبئًا وحسرة على الإنسان، وأحد الإخوة يتساءل شيخ خالد يقول: لو أنني عملت عملًا صالحًا وانتهيت منه والحمد لله، ولكني أتيت بما يفسده كيف لي أن استرجع ثواب ذلك العمل؟

الشيخ: هو يا أخي الكريم تحتاج في الجواب على هذا السؤال أن نعرف أقسام المبطلات، مبطلات الأعمال تنقسم في الجملة إلى قسمين:

 مبطلات تحبط العمل كله، ومبطلات تحبط عملًا بعينه، العمل المرافق له، وبالتالي ما يحبط العمل كله هو الكفر بالله –عز وجل-، فإن الكفر يحبط العمل، كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان: 23] .

وكذلك الشرك بالله تعالى مما يحبط العمل، والردة تحبط العمل، انتهاك حرمات الله الناتج عن عدم تعظيم الله –عز وجل-وعدم قدره -جل في علاه- يحبط العمل، كل هذه مما يحبط العمل على وجه العموم، ويوقع الإنسان في بوار عمله وخساره، لكن التوبة من ذلك كله مما يعيد للإنسان ما يكون من صالح عمله، فإن الله تعالى ذكر في محكم كتابه حبوطَ الأعمال، وذكر في حبوط الأعمال أن من شرط حبوط العمل الذي يحصل به للإنسان الخسار أن يدوم على ذلك المحبط لعمله أي ذلك السبب الذي أوجب حبوط عمله.

فعندما ذكر –جل وعلا-الردة ذكر أن ذلك لا يكون إلا إذا دام ذلك معهم حتى ماتوا ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ [البقرة: 217] .

فذكر أن الردة إنما تكون سببًا لحبوط العمل إذا دام عليها الإنسان، فإذا تاب تاب الله عليه، والله كريم يحبُّ التوابين ويحب المتطهرين، ويُرجِع للإنسان ما يكون من صالح عمله، ولذلك من وقع في شيء من هذه الأشياء التي تحبط عمله ثم تاب إلى الله تعالى رجع له ما كان قد عمله من صالح عمله، وهذا من فضل الله، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان: 70] ، بعد أن ذكر الشرك وسائر الأعمال ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا *يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا *إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان: 68-70] .

المقصود من هذا الذي يُرجِع العمل إلى كونه صالحًا، هذا ما يتعلق بالمبطلات التي تحبط العمل على وجه الإجمال بالكلية.

أما القسم الثاني من المحبطات: فهي التي تحبط العمل على وجه جزئي، وهي كثيرة حتى أن ابن القيم –رحمه الله- قال في كلام له عن محبطات الأعمال قال: "ومحبطات الأعمال ومفسداتها أكثر من أن تحصر " [الوابل الصيب:ص11] ، أي أن يحويها بيان، أو يجمعها مقال، فهي كثيرة جدًّا، ومنها ما هو ظاهر، ومنها ما هو خفي، ونشير إلى أصول ذلك مما تيسر جمعه من خلال الكتاب والسنة.

فمن محبطات الأعمال: الرياء المقارن للعمل،  من عمل عملًا راءى فيه فإنه لا يدرك من ذلك العمل شيئًا ما معنى راءى فيه؟ يعني قصد بعمله أن يراه الناس ليمدحوه، أو ليدفع عن نفسه مذمَّة، هذا المقصود بالرياء، فالرياء هو العمل لأجل ثناء الناس ومدحهم ودفع مذمتهم، فهذا يحبط العمل.

المقدم:عفوًا نعتذر أيها الإخوة عن انقطاع الصوت بيننا وبين ضيفنا العزيز الأستاذ الدكتور خالد المصلح، لعلنا نعود، لؤي! ننتظر قليلًا للأخ لؤي إلى أن يعود لنا الاتصال إن شاء الله تعالى مع الشيخ، نعم عاد إلينا الشيخ، نعتذر شيخ خالد انقطع الاتصال بيننا وبينك.

الشيخ:حياكم الله أهلا وسهلًا.

المقدم:تسمعنا الآن، تفضل أكمل ما بدأته.

الشيخ:إذًا أول ما يكون من محبطات العمل الرياء، والرياء هو أن يعمل الإنسان العمل يقصد بذلك غيرَ الله –عز وجل-، يقصد ثناء الناس ومدحَهم، وهو مما يحبط العمل ويذهب البركة، فلا يدرك الإنسان من العمل الذي راءى فيه أجرًا ولا مثوبةً، وقد خافه النبي –صلى الله عليه وسلم-على أصحابه، فقال: «إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليْكم الشِّرْكَ الأصغرَ، قالوا: وما الشِّرْكُ الأصغرُ؟ قالَ: الرِّياءُ». [مسند أحمد:ح23630، وصححه الحاكم في مستدركه:ح7937. ووافقه الذهبي]

فينبغي للإنسان أن يحذر، وأن يعلم أنه لن  ينال من الناس شيئًا، إنما سينال المثوبة بإخلاصه لله –عز وجل-، وقد سأل النبيَّ –صلى الله عليه وسلم-رجل فقال:" يا رسول الله أرأيت الرجل يبتغي الأجر والذكر؟" يعني يبغى أجرًا، يريد أجرًا من الله –عز وجل-على هذا العمل الصالح، وهو مدافعة المعتدين، ويريد مع ذلك أن يقال شجاع وقويٌّ وما إلى ذلك مما يثني به عليه الناس، قال: ما له؟ يسأل ما له؟ ماذا يدرك من هذا؟ قال: «لا شيء له»، والمعنى :كل هذا الجهد الذي عرض فيه نفسه للهلاك وأعضاءه للتلف ذهب كأنه «لا شيء له» كرر السؤال مرة ثانية «لا شيء له» كرر السؤال مرة ثالثة قال: يا رسول الله الرجل يقاتل يبتغي الأجر والذكر ما له؟ قال: «لا شيء له؛ إنما يتقبل الله من العمل ما كان خالصًا، وابْتُغِي به وجْهُه». [سنن النسائي الصغرى:ح3140، وحسنه الألباني في الصحيحة:ح52]

ولذلك أن تصلي، أن تزكي، أن تحسن بأي نوع من الإحسان الظاهر والباطن احرص على أن يكون نظرك إلى الله، وإلى ما عند الله، اقطع نظرك عن الناس فإنك إذا قطعت نظرك عن الناس سلمت من هذا المحبِط، ومن عمل عمل أشرك فيه معه غير الله –عز وجل-حبط عمله، كما قال النبي –صلى الله عليه وسلم-فيما جاء في الحديث الإلهي: «من عمل عملًا أشركَ فيه معي غيري تركتُه وشريكي». [صحيح مسلم:ح2985/46]

هذا المحبط الأول، سلِّم عملَك من الرياء.

طبعا هناك أيضًا شيء قرين للرياء وهو التسميع في العمل، يعني أنه أنت عملت عملًا تتحدث عنه في المجالس، أو في الكتابات، تسمِّع بعملك، وقد قال النبي –صلى الله عليه وسلم-وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللهُ بِهِ » يعني أظهر الله عيبه للناس «من سَمَّع سَمَّع اللهُ به» [صحيح البخاري:ح6499، وصحيح مسلم:ح2986/47] ،كما أنك أنت تظهر حسناتك تريد من الناس من يمدحك، يعاقبك الله فيسمِّع الله بك بشيء تكرهه.

ولهذا احذر هذا المحبط من المحبطات التي تحبط العمل وهو أن تسمع بالعمل.

إذًا الفرق بين الرياء وبين التسميع: أن الرياء يكون مقارن للعمل، تعمل وأنت تقصد كذا، وأما التسميع فهو إذا عَمِلتَ لمَّا عَمِلتَ العمل ما كان حاضرًا في ذهنك ثناءُ الناس أو طلب المدح، لكن بعد ذلك قلت: والله أنا فعلت، أنا أصلي من الليل، أنا أصوم، يعني على وجه الإخبار الذي غايته هو تحصيل مدح الناس وثنائهم.

أما إذا كان الخبر هذا له مصلحة فهذه حالة استثنائية، والأصل أن يجتهد الإنسان في ستر حسناته التي لا حاجة لإظهارها؛ لأنه كما نحن نسعى إلى ستر سيئاتنا فلنسع إلى ستر حسناتنا.

المقدم:وأنت تعلم شيخ خالد الحديث الذي ورد عن ذكر العشرة المبشرين بالجنة، حينما قال الرسول -عليه الصلاة والسلام- ذكرهم واحدًا واحدًا، وقال: "ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله عن يمينه من السبعة.

الشيخ:في السبعة نعم «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا، حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ».

المقدم:يعني أفضل العمل ما كان خالصًا بعيدًا عن الناس، وعن الرياء، وعن التسميع.

الشيخ: حتى، ومنهم: «وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ فِي خَلاَءٍ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» [صحيح البخاري:ح6806]

 المقصود: أنه لِنَحرصْ على أن نكفَّ ألسنتنا عن الحديث عن صالح الأعمال، نجتهد في هذا، فإن هذا أقرب إلى الإخلاص، وأدعى إلى عظم الأجر، ثم يا أخي العمل الصالح مثل الطِّيب مهما أخفاه صاحبه لابد أن يظهر، أنت قد تطيَّبتَ وأمسكت طيبًا، فإنه لابد أن يظهر، فلا تسع في إظهاره، سيُظهِرُه الله، الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا [مريم: 96] ، فلا تفسد عملك بطلب ثناء الناس ومدحهم، ولن تنال إلا نقص ذلك، فإنك إذا قصدت الناس لم تدرك من فضل الله تعالى شيئًا.

 هذا المحبط الأول، وهو محبط خطير، ويتسرب للنفوس: الرياء والتسميع بالعمل الصالح.

المقدم:والتخلص منه صعب يا شيخ، ربما يقعد فيه.

الشيخ:نعم يحتاج مجاهدة، يحتاج الإنسان يجاهد نفسه، وأن يستذكر هذه المعاني أنه لن يدرك من العمل الصالح شيئًا إذا لم يقصد به الله –عز وجل-، هذا محبط جزئي، فكلُّ عمل قرنه رياء، كلُّ عمل سمَّعت به فإنك لن تنال من أجره شيئًا، سيذهب هباء منثورًا، فلا تحبط عملك.

الثاني من أسباب حبوط العمل: العجب بالعمل، والفرق بين العجب والرياء أن الرياء قَصدُ الناس، أن تشرِك مع الله الناسَ، وأما العجب فأنت تشرك مع الله نفسك حيث ترى لك فضلًا على الله بما قمت من صالح العمل، والله تعالى قد نهى عن ذلك في أوائل ما أوحى لرسوله، فقد أمره بالإخلاص، ونهاه عن العجب، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر: 1-6] يعني لا تستكثر عملك فتمُنَّ به على ربك، فلأن تبيت نائمًا وتصبح نادمًا أحب إلى الله من أن تبيت قائمًا وتصبح معجبًا.

والعُجب خطير، قد لا يتنبه إليه الإنسان، وقد يختلط العجب بالفرح بطاعة الله –عز وجل-، فقد يلبس العجب ثوبَ الفرح بطاعة الله، وبينهما فرق.

الفرح ذلٌّ، واستشعار نعمة الله تعالى، وإقرار بفضله، وإقرار بإحسانه؛ حيث إنك تفرح أن الله وفَّقك إلى هذا العمل، تُسرُّ وتبتهج أن الله يسَّر لك هذا الصالح من العمل، وتفتقر إليه أن يقبله منك، فلا ترى لنفسك على ربك فضلًا، بل هو المتفضل، ولولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صَلَّينا.

هذا الفرح بطاعة الله –عز وجل-تستشعر نعمة الله عليك بالتوفيق إلى العمل الصالح ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [يونس: 58] ، وهو الذي قال فيه النبي –صلى الله عليه وسلم-في حديث أبي أمامة «إذا سَرَّتْكَ حَسَنَتُكَ، وساءَتْكَ سَيِّئَتُكَ، فَأنتَ مُؤْمِنٌ» [مسند أحمد:ح22159، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب:ح1739] أما العُجب فلا، العجب أنك تمنُّ على الله بعملك الصالح، ترى أن العمل الصالح ناتج عنك، عن قوتك وقدرتك، وأنك المتفضل به على ربك، هنا يفسد العمل ويقع الإنسان فيما يوجب حبوطَه، وقد ينتج عنه مظاهر رديئة، ويرافقه أشياءُ تفضي إلى هلاك صاحبه.

ومن ذلك أن بعض من يتسرَّب إلى نفسه هذا المعنى معنى العجب قد يصيبه التألِّي على الله –عز وجل-،والتألِّي على الله من أسباب الهلاك والحبوط، وقد ذكر ذلك النبيُّ –صلى الله عليه وسلم-في قصة الرجلين كما في سنن أبي داود من حديث أبي هريرة، قال –صلى الله عليه وسلم-: «كان رَجُلانِ في بَني إسرائيلَ مُتَواخِيَيْنِ، فكان أحَدُهما يُذنِبُ، والآخَرُ مُجتهِدٌ في العِبادةِ، فكان لا يزالُ المُجتهِدُ يَرى الآخَرَ على الذَّنبِ، فيقولُ: أقْصِرْ، فوَجَدَه يومًا على ذَنبٍ، فقال له: أقْصِرْ، فقال: خلِّني وربِّي، أبُعِثتَ علَيَّ رقيبًا؟ فقال: واللهِ لا يغفِرُ اللهُ لك –أو: لا يُدخِلُك اللهُ الجَنَّةَ-فقَبَضَ أرْواحَهما، فاجتَمَعا عندَ ربِّ العالَمينَ، فقال لهذا المُجتهِدِ: أكُنتَ بي عالِمًا؟ أو كُنتَ على ما في يدي قادرًا؟ وقال للمُذنِبِ: اذهَبْ فادْخُلِ الجَنَّةَ برَحْمَتي، وقال للآخَرِ: اذْهَبوا به إلى النَّارِ، قال أبو هُرَيرةَ: والذي نفسي بيَدِه، لتكلَّمَ بكَلِمةٍ أوْبَقَتْ دُنياه وآخِرَتَه». [سنن أبي داود:ح4901، وصححه ابن حبان:ح5712]

السبب هو العجب، ولذلك إذا امتلأ  قلب الإنسان عجبًا تكبَّر على الناس واحتقرهم، الاحتقار والكبر له أسباب كثيرة، منها: أن يحتقرالناس أنه هو مشتغل بعمل صالح وغيره مشتغل بالعمل غير الصالح، فيري لنفسه منزلة ومكانة ورفعة.

 والعجب خطير، اشهد فضلَ الله عليك بتوفيقك للعمل الصالح تسلم من العجب، اشهد فضل الله عليك بهدايتك ودلالتك وإعانتك حتى تحقِّق﴿وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ [الفاتحة:5] ، فإن الرياء يخل بــــ ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ [الفاتحة:5] ،والعجب يخل بـــ﴿وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾لولا عون الله لك ما كان منك شيء من العمل.

هذا ما يتعلق بثالث ما يتصل بمحبطات العمل الجزئية: العجب.

 من المحبط أيضًا: المن والأذى، وهو أيضًا ثمرة للإعجاب بالعمل، أن يمنَّ الإنسان بما يكون من صالح عمله سواء كان ذلك فيما يتعلق بصلته بربه، أو فيما يتعلق بإحسانه إلى الآخرين، قال الله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى [البقرة: 263] ، فنهى الله تعالى أهلَ الإيمان عما يمنوا من صالح العمل، قال الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ [الحجرات: 17] ، فالمن وما يتبعه من الأذى هو مما يحبط العمل   ﴿۞ وَلَا تُبۡطِلُوٓاْ أَعۡمَٰلَكُمۡ [محمد:33] .

فينبغي للمؤمن أن يكفَّ عن المن بالصدقة، المن بالإحسان، المن بصالح العمل، المن بالخير؛ فإن ذلك مما يفسده، ولذلك جاء النهي عن ذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ [البقرة: 264] ، لا تُذهِبوها ولا تحبطوها بالمن والأذى، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى [البقرة: 262] ، وقد ذكر النبي –صلى الله عليه وسلم-في الثلاثة الذين لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب عظيم قال: «المنَّان» قال في بيان ذلك قال:«الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ». [صحيح مسلم:ح106/171]

فينبغي للإنسان أن يكف عن المن.

المقدم:ولأن المن دكتور خالد يتسبب في الإيذاء النفسي لأولئك الذين امتدت إليهم يدُك بصدقات، أو بمعروف معين، يتسبب لهم في أذى النفس، ربما كبير جدًّا بين الناس، ومن هنا أيضًا تأتي عملية الإحباط للعمل الذي قام به الإنسان تجاه الآخرين.

الشيخ:ولذلك قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى [البقرة: 264] ، فعقَّب المن بالأذى؛ لأن المن يجلب الأذى: إما الأذى النفسي، أو الأذى القولي، أو الأذى العملي، فإنه كله ينتج عما يكون في قلب الإنسان من الإعجاب بعمله، الذي يحمله على أن يمن على الناس، يمن على الله –عز وجل-بما كان من صالح عمله، ولو أنه أدرك فضل الله عليه بتوفيق العمل الصالح لتلاشت هذه المعاني من قلبه.

كذلك مما ينبغي أن يُستحضر فيما يتصل من محبطات العمل: ترك الصلاة مما يحبط العمل، ولذلك قال –صلى الله عليه وسلم-: «من تركَ صلاةَ العصرِ فقد حبِطَ عملُه» [صحيح البخاري:ح553] وهذا من المحبطات الجزئية التي ينبغي للإنسان أن يحذر منها، فإن النبي –صلى الله عليه وسلم-حذر من ذلك كما في حديث بريدة بن الحصين الأسلمي في صحيح الإمام البخاري قال: «من تَرَكَ صلاةَ العصرِ» تركها: يعني لم يصلها« فقد حَبِطَ عمله» أي: ذهب ثواب عمله. أي عمل؟

العلماء لهم في ذلك أقوال:

 منهم من قال: حبط عمله كله، وقال الآخرون: بل حبط عمل ذلك اليوم، أي كل ما يعمله صالحًا في ذلك اليوم إذا ترك الصلاة فإنه يذهب، هكذا قال جماعة من العلماء، وهو أقرب إلى الصواب.

ولهذا ينبغي للإنسان أن يحرص على البعد عما يحبط العمل كما ذكرت قبل قليل أن المحبطات كثيرة، وقد قال ابن القيم –رحمه الله-:"محبطات الأعمال أكثر من أن تحصر" [الوابل الصيب:ص11] ، فمنها ما يحبط جزئيًّا، مثل ما ذكرت فيما يتعلق بالصلاة على قول،« فقد حَبِطَ عَمَلُه»، من عمل ذلك اليوم، حبوط العمل المقارن في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى [البقرة: 264] وهلمَّ جرًّا.

المقدم: شيخ خالد بارك الله فيك، سعدنا بسماعك، وبما أتحفتنا به في هذا الموضوع تحديدًا على مدى ساعة تقريبًا، نشكرك على حسن أدائك، وندعوا الله –سبحانه وتعالى-أن يجزيك خير الجزاء، وأن يجعل ما تقدمه دائمًا وأبدًا في ميزان حسناتك، ونرجوا الله –عز وجل-أن نلتقي بك في حلقة الأسبوع القادم وأنت بصحة وعافية.

الشيخ: آمين، وإياكم وأسأل الله تعالى أن يحفظنا وإياكم من كل سوء وشرٍّ، وأن يرزقنا البصيرة بما ينفعنا في ديننا ودنيانا، وأن يبارك لنا في الأقوال والأعمال، وأن ييسر لنا الصالح منها، وأن يعفو ويتجاوز عن القصور والتقصير، وأن يحفظ بلادنا من كل سوء وشرٍّ، وأن يدفع عنا وعن المسلمين كل بلاء ووباء، وأن يحفظ ولاة أمرنا ويسددهم في الأقوال والأعمال، وأن يوفق ولاة أمور المسلمين إلى ما فيه خير البلاد والعباد وصلى الله وسلم على نبينا محمد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

مواد تم زيارتها

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف