قالَ فِي حاشِيَةِ البُجَيْرِمِيِّ: (( وَالتَّصْفِيقُ مَكْرُوهٌ كَراهَةُ تَنْزِيهٍ)). حاشِيَةُ البُجَيْرِمِيِّ 4/434.
وَسُئِلَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ قَوْلِ الزَّرْكَشِيِّ إِنَّ التَّصْفِيقَ بِاليَدِ لِلرِّجالِ لِلَّهْوِ حَرامٌ لما فِيهِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالنِّساءِ هَلْ هُوَ مُسْلِمٌ أَمْ لا، وَهَلْ الحُرْمَةُ مُقَيَّدَةٌ بِما إِذا قَصَدَ التَّشَبُّهَ أَوْ يُقالُ ما اخْتُصَّ بِهِ النِّساءُ يَحْرُمُ عَلَى الرِّجالِ فِعْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ التَّشَبُّهُ بِالنِّساءِ.
فَأَجابَ: هُوَ مُسْلِمٌ حَيْثُ كانَ لِلَّهْوِ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ التَّشَبُّهَ بِالنِّساءِ.
وَسُئِلَ عَنِ التَّصْفِيقِ خارِجَ الصَّلاةِ لِغَيْرِ حاجَةٍهَلْ هُوَ حَرامٌ أَمْ لا؟
فَأَجابَ إِنْ قَصْدَ الرَّجُلُ بِذَلِكَ التَّشَبُّهَ بِالنِّساءِ حَرُمَ، وَإِلَّا كُرِهَ. ا هـ. نِهايَةُ المحْتاجِ 2/47.
قالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُكْرَهُ التَّصْفِيقُ خارِجَ الصَّلاةِ مُطْلَقاً، وَلَوْ بِضَرْبِ بَطْنٍ عَلَىَ بَطْنٍ، وَبِقَصْدِ اللَّعِبِ، وَمَعَ بُعْدِ إِحْدَى اليَدَيْنِ عَنِ الأُخْرَىَ. وَقالَ شَيْخُنا الرَّمْلِيُّ: إِنَّهُ حَرامٌ بِقَصْدِ اللَّعِبِ، وَكَتَصْفِيقٍ فِيما ذَكَرَ ضَرْبَ الصَّبِيِّ عَلَىَ بَعْضِهِ، أَوْ بِنَحْوِ قَضِيبٍ أَوْ ضَرْبِ خَشَبٍ عَلَىَ مِثْلِهِ، حَيْثُ حَصَلَ بِهِ الطَّرَبُ. حاشِيَةُ قَلْيُوبِيِّ1/216.
وَقَدْ حَرَّمَ بَعْضُ العُلَماءِ التَّصْفِيقَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ((إِنَّما التَّصْفِيقُ لِلنِّساءِ)) ((وَلَعَنَ عَلَيْهِ السَّلامُ المتَشَبِّهاتِ مِنَ النِّساءِ بِالرِّجالِ، وَالمتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجالِ بِالنِّساءِ))، وَمَنْ هابَ الإِلَهَ وَأَدْرَكَ شَيْئًا مِنْ تَعْظِيمِهِ لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنْهُ رَقْصٌ وَلا تَصْفِيقٌ، وَلا يَصْدُرُ التَّصْفِيقُ وَالرَّقْصُ إِلَّا مِنْ غَبِيٍّ جاهِلٍ، وَلا يَصْدُرانِ مِنْ عاقَلٍ فاضِلٍ، وَيَدُلُّ عَلَى جَهالَةِ فاعِلِهِما أَنَّ الشَّرِيعَةَ لَمْ تُرِدْ بِهِما في كِتابٍ وَلا سُنَّةٌ، وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ أَحَدُ الأَنْبِياءِ وَلا مُعْتَبَرٌ مِنْ أَتْباعِ الأَنْبياءِ، وَإِنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ الجَهَلَةُ السُّفَهاءُ الَّذِينَ الْتَبَسَتْ عَلَيْهِمُ الحَقائِقُ بِالأَهْواءِ، وَقَدْ قالَ تَعالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وَقَدْ مَضَىَ السَّلَفُ وَأَفاضِلُ الخَلَفِ وَلَمْ يُلابِسُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ غَرَضٌ مِنْ أَغْراضِ نَفْسِهِ وَلَيْسَ بِقُرْبِةٍ إِلَى رَبِّهِ، فَإِنْ كانَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ وَيُعْتَقَدُ أَنَّهُ ما فَعَلَ ذَلِكَ إِلَّا لِكَوْنِهِ قُرْبَةٌ فَبِئْسَ ما صَنَعَ لإِيهامِهِ أَنَّ هَذا مِنَ الطَّاعاتِ، وَإِنَّما هُوَ مِنْ أَقْبَحِ الرُّعُوناتِ. قَواعِدُ الأَحْكامِ2/220-221.
قالَ في التَّمْهِيدِ: وَفِيهِ أَنَّ التَّصْفِيقَ لا يَجُوزُ في الصَّلاةِلِمَنْ نابَهُ شَيْءٌ فِيها وَلَكِنْ يُسَبِّحُ وَهَذا ما لا خِلافَ فِيهِ لِلرِّجالِ وَأَمَّا النِّساءُ فَإِنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ فَذَهَبَ مالِكٌ وَأَصْحابُهُ إِلَى أَنَّ التَّسْبِيحَ لِلرِّجالِ وَالنِّساءِ جَمِيعاً لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((مَنْ نابَهُ شَيْءٌ في صَلاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ)) وَلَمْ يَخُصَّ رِجالًا مِنْ نِساءٍ وَتَأَوَّلُوا قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((إِنَّما التَّصْفِيقُ لِلنِّساءِ)) أَيْ إِنَّما التَّصْفِيقُ مِنْ فِعْلِ النِّساءِ قالَ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الذَمِّ ثُمَّ قالَ مَنْ نابَهُ شَيْءٌ فِي صَلاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ وَهَذا عَلَى العُمُومِ لِلرِّجالِ وَالنِّساءِ هَذِهِ حُجَّةٌ مِنْ ذَهَبَ هَذا المذَهْبَ.
وَقالَ آخَرُونَ مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ وَالأَوْزاعِيُّ وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ الحَسَنِ وَالحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَجَماعَةُ مَنْ نابَهَ مِنَ الرِّجالِ شَيْءٌ في صَلاتِهِ سَبَّحَ وَمَنْ نابِها مِنَ النِّساءِ شَيْءٌ في صَلاتِها صَفَّقَتْ إِنْ شاءَتْ لأَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ حُكْمِ النِّساءِ وَالرِّجالِ في ذَلِكَ فَقالَ التَّصْفِيقُ لِلنِّساءِ وَمَنْ نابَهُ شَيْءٌ في صَلاتِهِ يَعْنِي مِنْكُم ْأيُّها الرِّجالُ فَلْيُسَبِّحْ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ التَّسْبِيحُ لِلرِّجالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّساءِ فَفَرَّقَ بَيْنَ حُكْمِ الرِّجالِ وَالَّنساءِ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ جَماعَةٌ في حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ هَذا قالَ الأَوْزاعِيُّ: إِذا نادَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ في الصَّلاةِ سَبِّحْ فَإِنَّ التَّسْبِيحَ لِلرِّجالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّساءِ سُنَّةٌ. التَّمْهِيدُ لابْنِ عَبْدِ البَرِّ 21/106.
قالَ في طَرْحِ التَّثْرِيبِ: (( ( الحادِيَةُ عَشَرَةُ ) أَخَذَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ التَّصْفِيقُ بِاليَدَيْنِ مُطْلَقًا لا في الصَّلاةِ وَلا في غَيْرِها لِكَوْنِهِ جَعَلَ التَّصْفِيقَ لِلنِّساءِ لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَىَ حالَةِ الصَّلاةِ بِدَلِيلِ تَقْييدُهُ بِذَلِكَ في رِوايَةِ المصَنِّفِ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِما كَما تَقَدَّمَ.
وَمُقْتَضَى قاعِدَةِ مِنْ يَأْخُذُ بِالمطْلَقِ وَهُمْ الحنابِلَةُ وَالظَّاهِرِيَّةُ عَدَمُ جَوازِهِ مُطْلِقًا وَمَتَى كانَ في تَصْفِيقِ الرَّجُلِ تَشَبُّهٌ بِالنِّساءِ فَيَدْخُلُ في الأَحادِيثِ الوارِدَةِ في ذَمَّ المتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجالِ بِالنِّساءِ وَلَكِنَّ ذَلِكَ إِنَّما يَأْتِي في ضَرْبِ بَطْنِ إِحْدَى اليَدَيْنِ عَلَى بَطْنِ الأُخْرَى وَلا يَأْتِي في مُطْلَقِ التَّصْفِيقِ)). طَرْحُ التَّثْرِيبُ 2/250
قالَ الحافِظُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ قَوْلُهُ في الحَِدِيثِ: وَلْيُصَفِّقِ النِّساءُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَُهُ في حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ المتَّفَقِ عَلَيْهِ التَّصْفِيقُ لِلنِّساءِ أَنَّهُ إِذَنْ وَإِباحَةٌ لَهُنَّ في التَّصْفِيقِ في الصَّلاةِ عِنْدَ نائِبَةٍ تَنُوبُ لا أَنَّهُ عَيْبٌ وَذَمٌّ.
قالَ الشَّافِعِيُّ حُكْمُ النِّساءِ التَّصْفِيقُ وَكَذا قالَهُ أَحْمَدُ.
وَذَهَبَ مالِكٌ إِلَى أَنَّ المرْأَةَ لا تُصَفِّقُ وَأَنَّها تُسِبِّحْ وَاحَتَجَّ لَهُ الباجِيُّ وَغَيْرُهُ بِقَوْلِهِ صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ نابَهَ شَيْءٌ في صَلاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ.
قالُوا وَهَذا عامٌّ في الرِّجالِ.
قالُوا: وَقَوْلُهُ التَّصْفِيقُ لِلنِّساءِ هُوَ عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ وَالعَيْبِ لَهُنَّ كَما يُقالُ كُفْرانُ العَشِيرِ مِنْ فَعْلِ النِّساءِ وَهَذا باطَلٌ مِنْ ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُها: أَنَّ في نَفْسِ الحَدِيثِ تَقْسِيمِ التَّنْبِيهِ بَيْنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَإِنَّما ساقَهُ في مَعْرِضِ التَّقْسِيمِ وَبَيانِ اخْتِصاصِ كُلِّ نَوْعٍ بِما يَصْلُحُ لَهُ فالمرْأَةُ لما كانَ صَوْتُها عَوْرَةً مُنِعَتْ مِنَ التَّسْبِيحِ وَجَعَلَ لَها التَّصْفِيقَ وَالرَّجُلُ لما خالَفَها في ذَلِكَ شُرِعَ لَهُ التَّسْبِيحُ.
الثَّانِي: أَنَّ في الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّسْبِيحُ لِلرِّجالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّساءِ فَهذا التَّقْسِيمُ وَالتَّنْوِيعُ صَرِيحٌ في أَنَّ حُكْمَ كُلِّ نَوْعٍ ما خَصَّهُ بِهِ وَخَرَّجَهُ مُسْلِمٌ بِهَذا اللَّفْظِ وَقالَ في آخِرِهِ في الصَّلاةِ
الثَّالِثُ: أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ في قَوْلِِهِ وَلْيُصَفِّقِ النِّساءُ وَلَوْ كانَ قَوْلُهُ التَّصْفِيقُ لِلنِّساءِ عَلَى جِهَةِ الذِّمِّ وَالعَيْبِ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ )). تَهْذِيبُ السُّنَنِ6/155.
قالَ في إِغاثَةِ اللَّهْفانِ: ((وَالمقْصُودُ أَنَّ المصَفِّقِينَ وَ الصَّفَّارِينَ في يَراعٍ أَوْ مِزْمارٍ وَنَحْوِهِ فِيهِمْ شَبَهٌ مِنْ هَؤُلاءِ وَلَوْ أَنَّهُ مُجَرَّدُ الشَّبَهِ الظَّاهِرِ فَلَهُمْ قِسْطٌ مِنَ الذَّمِّ بِحَسْبِ تُشَبُّهِهِمْ بِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَتَشَبَّهُوا بِهِمْ في جَمِيعِ مُكائِهِمْ وَ تَصْدِيَتِهِمْ.
وَاللهُ سُبْحانَهُ لَمْ يُشَرِّعِ التَّصْفِيقَ لِلرِّجالِ وَقْتَ الحاجَةِ إِلَيْهِ في الصَّلاةِإِذا نابَهُمْ أَمْرٌ بَلْ أُمِرُوا بِالعُدُولِ عَنْهُ إِلَى التَّسْبِيحِ لِئَلَّا يَتَشَبَّهُوا بِالنِّساءِ فَكَيْفِ إِذا فَعَلُوهُ لا لِحاجَةٍ وَقَرَنُوا بِهِ أَنْواعًا مِنَ المعاصِي قَوْلًا وَفِعْلًا)). إِغاثَةُ اللَّهْفانِ 1/245.