الاربعاء 15 جمادى آخر 1442 هـ
آخر تحديث منذ 40 دقيقة
×
تغيير اللغة
القائمة
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو Hausa
الاربعاء 15 جمادى آخر 1442 هـ آخر تحديث منذ 40 دقيقة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأعضاء الكرام ! اكتمل اليوم نصاب استقبال الفتاوى.

وغدا إن شاء الله تعالى في تمام السادسة صباحا يتم استقبال الفتاوى الجديدة.

ويمكنكم البحث في قسم الفتوى عما تريد الجواب عنه أو الاتصال المباشر

على الشيخ أ.د خالد المصلح على هذا الرقم 00966505147004

من الساعة العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهرا 

بارك الله فيكم

إدارة موقع أ.د خالد المصلح

×

لقد تم إرسال السؤال بنجاح. يمكنك مراجعة البريد الوارد خلال 24 ساعة او البريد المزعج؛ رقم الفتوى

×

عفواً يمكنك فقط إرسال طلب فتوى واحد في اليوم.

مرئيات المصلح / دروس المصلح / العقيدة / نواقض الإسلام / الدرس (1) من نواقض الإسلام

مشاركة هذه الفقرة

الدرس (1) من نواقض الإسلام

تاريخ النشر : 27 ذو الحجة 1434 هـ - الموافق 01 نوفمبر 2013 م | المشاهدات : 3056
التعليق على كتاب
" نواقض الإسلام".
الدرس الأول : 
في هذا المجلس نبدأ -إن شاء الله تعالى- في قراءة رسالة "نواقض الإسلام" للشيخ محمد بن عبد الوهاب المجدِّد في القرن الثاني عشر الهجري، وهو -رحمه الله- ممن أجرى الله تعالى على يديه خيراً كثيرًا ، فقرَّر في هذا الباب تقريراتٍ استقاها من كتاب الله وسنة رسوله وكلام الأئمة قبله، فنفع الله تعالى بمؤلفاته وكتبه، وما جرى من دعوته وبذله، فقوَّض الله تعالى بنيان الشرك في كثير من بلاد الإسلام، ببركة ما أحياه -رحمه الله- من الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، دعوة الرسل، ما كان عليه سلف الأمة وأئمتها، فجزاه الله خيرا على ما بذل وقدم، وعلى ما جاهد وبذل في نصرة التوحيد وبيانه وتوضيحه.
وقد كتب رحمه الله كتباً كثيرة، منها هذا الكتاب الذي بين أيدينا، وهو رسالة مختصرة موجزة، في موضوع بالغ الأهمية، وهو ما يتعلق بنواقض الإسلام. وما كتبه رحمه الله من النواقض، هو ما استفاده من الأئمة والعلماء في مؤلفاتهم وكتبهم، فما كتبه ليس شيئاً محدثاً ولا مبتدعاً ولا مخترعاً، إنما هو تصنيف وتأليف وجمع لما تكلم به علماء الإسلام على اختلاف مذاهبهم، فيما يتعلق بما ينقض الإسلام وما تحصل به الرِّدَّة.
هذا الموضوع، موضوع نواقض الإسلام، موضوع ذو بال وله شأن كبير ، ذاك أن أول بدعة جرت في الإسلام بدعة الخوارج الذين خرجوا على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكفروهم وأمضَوا السيف بينهم، ولم يأت في بدعة من البدع تحذير وإنذار، كما جاء في بدعة التكفير، بدعة الخوارج، والسبب في ذلك أن خطر هذه البدعة عظيم وشرُّها مستطير، فهي لا تقتصر فقط على الضلال في العقل والاعتقاد والفهم، إنما تنتقل إلى الضلال في العمل، بتقويض بلاد الإسلام وتفريق المسلمين، والتسلط على أهل الإسلام، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم  في توصيفه لما يجري من فجور هؤلاء وضلالهم وشرهم: « يقتلون أهل الإسلام ويدَعون أهل الأوثان» صحيح البخاري (3344)، وصحيح مسلم (2499). .  
وهذا يبين خطير هذه البدعة، فالحديث في نواقض الإسلام هو ردٌّ على الضُّلَّال في هذا الباب بشتَّى صنوفهم على اختلاف مذاهبهم، فإن التكفير هو شيء مما ابتدعه الخوارج، ولكنه انتشر في فرق عديدة، ولم يقتصر فقط على الخوارج، بل قابلهم طوائف أخرى، والسمة العامة في كل من خرج عن السنة، أن يتسلط على غيره إما بتكفير أو تفسيق، ولهذا تقرير ما يحصل به الكفر وبيان نواقض الإسلام، هو رد على هذه البدع كلها، وردٌّ على المنحرفين في هذا الباب على اختلاف صنوفهم، سواء كانوا من الخوارج، أو كانوا من الرافضة، وسائر الفرق التي تكفر الصحابة وتطعن في دينهم، أو كان ذلك في بقية الفرق التي تُكفِّر من خالفها، وتحكم عليه بالخروج عن الإسلام، لأجل المخالفة في رأي أو في قول.
لهذا من المهم دراسة هذه النواقض، للرد على كل هؤلاء الطوائف.
ومما يبين أهمية هذه الرسالة وعظيم مكانتها، وأنها تعنى بقضية كبرى أن نواقض الإسلام بها يُهدم بناءُ الدين، وبها يخرج الإنسان من بحبوحة الأمن إلى أنواع الضلالات والانحراف، فكان من المهم أن يُبيَّن للناس ما يحصل به نقض الإسلام حتى يحذروا الوقوع في تلك النواقض، فبيانها ليس فقط للحكم على الآخرين، إنما أيضاً لتوقِّي أن يتورط الإنسان في شيء من ذلك. فإنَّ الحي لا تؤمن عليه الفتنة، وقد قال إمام الحنفاء إبراهيم عليه السلام : ﴿ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ سورة إبراهيم:35. ، فكان يسأل الله تعالى أن يقيه هذا الناقض من نواقض الإسلام، وهو أن يصرف العبادة لغير الله  عز وجل  ، لهذا من المهم عندما نقرأ مثل هذه الكتب ونطالع مثل هذه الرسائل، أن يكون هذا في أذهاننا؛ لأن من الناس من يقرأ ليحكم على غيره، ولكن لا يهتم بنفسه، والشأن في أن يتوقى الإنسان أسباب الخطر، وأن يميز في أفعال الناس بين الحق والباطل والهدى والضلال  والكفر والإيمان، لكن هذا مرحلة لاحقة، واللبيب يبدأ بنفسه قبل غيره.
فتكتسب هذه الرسالة أهمية من هذا الجانب، أنها تبين النواقض التي يجب الحذر منها والتوقي من التورط في شيء منها؛ ليسلم دين الإنسان، ويخرج من إشكاليات الوقوع في شيء من المكفرات.
هذه الرسالة، وهذا الموضوع يكتسب أهمية من حيث إنَّ أهل العلم على اختلاف مذاهبهم، اعتنوا بهذا الباب، فلا يخلو كتاب من كتب الفقه -على اختلاف المذاهب- إلا ويبحث في قضية نواقض الإسلام، تحت ما يعرف بكتاب الردة، أو في كتاب الحدود، أو في أبواب البغي وما أشبه ذلك، على اختلاف التصنيفات وطرق العلم في التأليف، لكنهم يجتمعون على دراسة هذا الموضوع، مما يدل على أهميته، فالفقهاء على اختلاف مذاهبهم وتشتُّت طرائقهم إلا أنهم يتفقون على تناول هذا الموضوع بالبحث، تجلية وتوضيحاً وتقريرا وتأصيلاً.
هذا الموضوع أيضاً يردُّ على الطوائف التي ألغت التَّكفير ولم تعتبره، وجعلته غير ثابت في دين الإسلام، كغلاة المرجئة والجهمية الذين يغلون في إثبات الإيمان بمجرد المعرفة، فيقولون:"لا يضرُّ مع الإيمان معصية"، فليس عندهم شيءٌ يضر الإيمان، بل الإيمان عندهم مستقر حتى مع أعظم المسرفين، فهذه الرسالة وأشباهها تردُّ على هذا الانحراف في الاعتقاد، فإن ثمة أموراً جاءت النصوص ببيان أنها يخرج بها الإنسان عن الهدى المستقيم والصراط القويم؛ لذلك من الضروري أن يعتني المؤمن بهذا الباب؛ حتى يعرف الإيمان من الكفر، ويميز بين الحق والباطل، ويترتب على هذا من الأحكام في الدنيا والآخرة ما هو مهم، وما يجب على المؤمن أن يكون على بصيرةٍ فيه.
كلُّ هذه الأمور توجب العنايةَ بهذا الباب، وتقتضي الدراية بمسائله، تأصيلاً وتفصيلاً، تأصيلاً بضبط القواعد والأصول التي يُبنى عليها هذا الباب، وتفصيلاً فيما يتعلق بمعرفة المسائل التي يكفر فيها مما لا يكفر فيه، وكيف يتعامل مع تلك المسائل؟ ثم أيضاً تنزيل تلك الأقوال على الوقائع والجماعات، كل هذا يحتاج إلى معرفة وبصيرة.
والعجيب أن هذا الباب على عظيم خطورته وكبير الضرر الحاصل بالخوض فيه، إلا أن من الناس من لا حظَّ له في العلم، وتجده يسارع إلى الحكم بالكفر أو الفسق، على فلان وفُلَتان، وعلى هذا وذاك دون دراية ولا بصيرة، وتجده يحتج بالقرآن أو يأتي بدليل من السنة لم يفقه معناه ولم يدرك مضمونه، وهنا تقع الخطورة التي من أجلها ينبغي العناية بهذا الباب.
خطورة التكفير متفق عليها بين أهل العلم، ونحن في قراءتنا سنقدم بمقدمة بين يدي قراءة هذه الأصول، بمثابة التقعيد لما يتعلق بالتكفير، ثم بعد ذلك نقرأ ما ذكره المصنف رحمه الله من المسائل.
فالآن انتهينا من أول نقطة في المقدمة، وهي بيان أهمية الموضوع، سواء من خلال هذه الرسالة، أو من خلال الكتب والمؤلفات التي كتبت في هذا الباب، وهي كثيرة ومفيدة لمن أراد أن يستزيد.
النقطة الأولى: بيان أهمية الموضوع .  
النقطة الثانية : بيان خطورة التكفير.
التكفير اعتنى به العلماء، وتظهر عناية العلماء به من خلال المؤلفات والكتابات، كما ذكرت لكم لا يخلو متن فقهي صغر أو كبر، من الإشارة إلى هذه القضية ببيان بعض مسائلها، فهي قضية مهمة ذات بال، ولم يبين العلماء ذاك ولم يهتموا به هذا الاهتمام إلا لخطورته، حتى قال الجويني أبو المعالي رحمه الله :" إدخال كافر في الملة أو إخراج مسلم عنها عظيم في الدين"، أي أمر عظيم في الدين أن تدخل من ليس من أهل الإسلام في الإسلام أو أن تخرج مسلماً من الدين، هذا عظيم في الدين، أي منزلته كبيرة خطيرة ولا يتجاسر عليه إلا من كان على علم وهدى وبصيرة ونور يتمكن به من الحديث في هذا الباب.
وقد قال الغزالي -رحمه الله- في كتاب" التفرقة بين الإيمان والزندقة" :" والذي ينبغي الاحترازُ من التكفير ما وجد إلى ذلك سبيلاً " .
الذي ينبغي على المؤمن الاحتراز أي التَّوقِّي عن أن ينسب أحداً من الناس إلى الكفر.
طبعاً: الكلام في تكفير من كان من أهل الإسلام، أما الكافر الذي يقول: أنا نصراني أو يهودي، هذا لا نتكلم عنه، نتكلم عن مسلم ثبت إسلامه بيقين يجب على المؤمن أن يحفظ هذا الأصل، وأن لا يخرجه عن الإسلام إلا ببينة وبرهان على ما ذكر العلماء.
فقوله رحمه الله :" والذي ينبغي الاحتراز من التكفير ما وجد إلى ذلك سبيلا"، هذا لا يعني أني لا أكفر النصراني بل من الدين أن أكفِّر من كفَّره الله تعالى ، وأن أحكم بالكفر على من حكم الله تعالى عليه بالكفر، وهذا خارج عن محل البحث، نحن نتكلم عن تكفير المسلمين، ولسنا نتكلم عن تكفير الكفار فالكفار لا يقبلون الإسلام أصلاً حتى يُبحث هل يكفَّرون أو لا يُكفّرون، هم كفّار، ومن البدع الحادثة في هذا العصر   من يقول :" لا تكفير لأحد والدين هو قضايا شخصية، لا ينسب أحد إلى كفر بمخالفته معتقد المسلمين"، كما هو شأن بعض من رقَّ دينهم وعظم جهلهم، فنحن لا نتحدث عن هذه القضية، إنما نتحدث عن تكفير المسلم، وهو الذي يتنزل عليه قول أهل العلم وما يأتي من تحذير في خطورة التكفير.
ومما يدل على خطورة تكفير المسلمين، أن الله تعالى قال : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ...﴾ سورة النساء:94. . والضرب في سبيل الله هو القتال والجهاد، أمر الله المؤمنين بالتبين في حال الجهاد مع أنها حال مخوفة، وتقتضي المبادرة والمباغتة والمكر والكيد فيها عظيم ومع ذلك يقول الله تعالى لأهل الإيمان : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا ﴾، أي لا تنفوا الإيمان عمَّن بدا منه عمله أو خلقه حتى لو كان يبدأك بالسلام ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾ {النساء: 94} ،فنهى الله المؤمنين عن أن يعملوا بخلاف مقتضى الظاهر؛ لأجل أيِّ نوع من أنواع الشبه التي تعرض، بل يجب التثبت والتبين، وهذا أصل في أنه يجب أن لا يحكم على مسلم بالكفر إلا بعد التثبت والتبين، فالأمر خطير.
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم   في حديث ابن عمر في "الصحيحين" «إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما»، أي إنّها ترجع إلى أحدهما، فباء يعني رجع إليه تكفيره، ورجع إليه ما وصف به أخاه، وهذا بيان لخطورة الأمر، وأنه شيء كبير ينبغي للمؤمن أن يتحرى فيه؛ لأن من الناس من يقول ذلك عند أدنى استفزاز أو عند أدنى شبهة يصف غيره بالكفر، فينبغي للمؤمن أن يكون على حذر وعلى فطنة من خطورة الأمر  .
وقد جاء في "صحيح الإمام مسلم " من حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم   قال : « من دعا رجلاً بالكفر أو قال عدوُّ الله » أي: قال له يا كافر، أو قال له يا عدو الله «وهو ليس كذلك إلا حار عليه» صحيح مسلم (226). أي: رجع عليه هذا الوصف. 
وهذا يبين خطورة الأمر، وأنه ينبغي للمؤمن أن يحتاط وأن يحذر، وكلما زاد علم الإنسان وتقواه، كان تحريه في هذا الباب أعظم، ولهذا لا يبادر إلى التكفير والمسارعة فيه إلا الجاهل، وأما العالم فإنه يتوقى في ذلك غاية التوقي، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فيما يخبر به عن نفسه :" وإني من أعظم الناس نهيا أن يُنسب مُعيَّن إلى تكفير أو تفسيق أو معصية، إلا إن عُلم أنه قد قامت عليه الحجة التي من خالفها كان كافراً تارة وفاسقاً تارة وعاصياً أخرى".
هكذا يقرر رحمه الله عما  يسلكه ويصير عليه وينتهجه في قضية التكفير، أنه لا يسارع بل ينهى غاية النهي، حتى تقوم الحجة التي تقطع المحجة، ويتبين بعد ذلك حال المتكلم من كفر أو غيره.
وهكذا جرى علماء الإسلام رحمهم الله على اختلاف مذاهبهم وأقوالهم، من المتقدمين والمتأخرين، على الاحتياط والتأني في قضايا التكفير .
هذا في تكفير الأفراد، فكيف في تكفير الجماعات، كيف في تكفير الدول، كيف في تكفير الحكومات؟
إذا كان هذا في نسبة فرد إلى الكفر بعد أن ثبت إسلامه، فكيف بما هو أعظم من ذلك ممن يكفر المجتمع كاملاً أو يكفر أمةً أو يكفر دولةً أو يكفر حكومة، الموضوع لا يُبادر إليه إلا جاهل، وأمَّا أهل العلم فيتثبَّتون وينظرون في الأعمال والأحوال وفي الأقوال والقائلين، وبعدها يقولون ما هداهم الله إليه من الحكم بعلم وبصيرة .
فيما يتعلق بالتكفير ونواقض الإسلام، من المهم لطالب العلم أن يعتني بالضوابط التي يُبنى عليها هذا الباب، فإنَّ العلماء -رحمهم الله- ذكروا جملة من الضوابط المهمة التي ينبغي للمؤمن أن يستحضرها فيما إذا نظر في فعل مكفر أو قول مكفر أو عقد مكفر، حتى لا يَضل ويُضل.
من المهمات والضوابط الرئيسة في موضوع التكفير، أن الحكم بالتكفير لا يثبت في شيء من العقائد أو الأقوال أو الأفعال إلا بدليل.
هذه قاعدة رئيسة، وأساس يُبنى عليه هذا الباب، لا يمكن أن يثبت الحكم في شيء من اعتقاد أو قول أو فعل، إلا ولابد من إقامة دليل وبرهان على أنه كفر.
السبب في هذا أنَّ التكفير حكم شرعي، ومعلوم أن جميع الأحكام الشرعية، لا تثبت إلا بدليل، فلا يقال في شيء من الأقوال ولا في شيء من الأعمال ولا في شيء من العقائد أنه كفر إلا بدليل من كتاب الله أو سنة رسوله  صلى الله عليه وسلم أو إجماع علماء الأمة.
لذلك قال ابن عبد البر رحمه الله :" فالواجب في النظر أن لا يُكفر إلا من اتفق الجميع على تكفيره ، أو قام على تكفيره دليلٌ لا مدفع له"، يعني لا يقبل التأويل، هذا معنى "لا مدفع له" من كتاب أو سنة".
إذاً: لا يحكم بالكفر في فعل أو اعتقاد أو قول، إلا ولابد من دليل وبرهان جلي صريح واضح في أن هذا كفرٌ، وإلا فإنه لا يجوز أن يقدم أحد على الحكم على فعل أو قول أو اعتقاد بأنه كفر، لمجرد أنه لا يرغبه أو أنه  لا يحبه أو أنه مضرٌّ أو ما إلى غير ذلك.
وتأمل كلمة ابن عبد البر رحمه الله فإنها نور يهديك السبيل في هذا الباب، فالواجب في النظر ألا يُكفر إلا من اتفق الجميع على تكفيره، أو قام على تكفيره دليل لا مدفع له من كتاب أو سنة.
ودليل هذا الأصل ما في "الصحيح" من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه الذي قال فيه :" دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا"، ثم قال:" وألا ننازع الأمر أهله " أي من تولاه من ولاة الأمور، " وألا ننازع الأمر أهله إلا أن ترو كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان " صحيح البخاري (7056)، وصحيح مسلم (4877). .
هكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم :" إلا أن ترو كفرا " ثم قال:" بواحاً " أي ظاهراً واضحاً بيِّناً، ثم هذا الكفر في ظهوره وبيانه لابد أن يستند إلى أصل "عندكم من الله فيه برهان" أي حجة.
ولذلك قال ابن حجر رحمه الله في بيان معنى البرهان : " أي نصَّ آيةٍ أو خبر لا يحتمل التأويل".
وهذا معنى قول ابن عبد البر: "دليل لا مدفع له من الكتاب أو السنة".
يعني لا يحتمل التأويل، فالتكفير حقٌّ لله  عز وجل  فلا يُكَفَّر إلا من كفره الله ورسوله، ولا يقدم عليه إلا إذا تيقن الناظر وجودَ سببه وموجبه ومقتضيه.
ولذلك أجمع العلماء أنَّه لا يجوز التسرع في الكفر، ونحن الآن نتكلم عن الضابط الأول وهو أن الكفر لا يثبت في قول أو اعتقاد أو فعل إلا بدليل، ولهذا نهى العلماء رحمهم الله عن التسرع في الكفر، وعن التسرع في التكفير لأنه ليس حكما بالهوى، ولا حكماً بالتشهي ولا بالمخالفة بل لابد أن يستند لكتاب الله عز وجل  وسنة رسوله.
يقول ابن عبد البر رحمه الله:" لقد اتفق أهل السنة والجماعة وهم أهل الفقه والأثر على أن أحدا لا يخرجه ذنبه وإن عظم من الإسلام " وخالفهم في ذلك أهل البدع، ثم قال رحمه الله  :" فالواجب ألا يكفر إلا من اتفق الجميع على تكفيره، أو قام على تكفيره دليل لا مدفع له من كتاب أو سنة .
وهذا يبين أنه ينبغي التَّأنّي والتريث وأنه لا يجوز التسرع في هذا الباب بل يجب على المؤمن أن يتثبت، إذا قلت في شيء من الأشياء إنه كفر أقم الدليل من الكتاب أو السنة، أو الإجماع، وتأمل أن الكتاب والسنة لابد أن يكون لا تأويل فيه، ولا مدفع في دلالته على أنه كفر.
هذا هو الضابط الأول.
الضابط الثاني من الضوابط التي ينبغي أن تستحضر في مقام الحكم على الأقوال أو الأفعال أو العقائد بالكفر: أنه في حال الاشتباه في ثبوت التكفير فإن الواجب على المؤمن التوقف عن التكفير وإبقاء حكم الإسلام.
يدل لذلك الآية التي أمر الله تعالى فيها بالتثبت حيث قال جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾، فنهاهم الله تعالى عن المبادرة إلى القتال أو القتل حتى يتبين حال الشخص وأنه ليس من أهل الإسلام .
والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة أمر بالسمع والطاعة وألا ينازع الأمر أهله إلا إذا رأوا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان.
وهذا معناه قطع كل اشتباه وأنه في حال الاشتباه عدم وجود البرهان يبقى الأمر على ما كان من عدم رفع حكم الإسلام وإثبات حكم الكفر .
ولهذا الواجب التثبت وإعمال الأصل، والقاعدة في هذا "أن من ثبت إسلامه بيقين لا يرفع عنه إلا بيقين".
"أن من ثبت إسلامه بيقين" أي بأن عُرف بأنه مسلم، وأنه يقول لا إله إلا الله لا ينقل عن هذا إلا بيقين بيِّن، فلا مجال للاشتباه ولا مجال للتأويل في الحكم بالتكفير فإنه ينبغي التحرز منه والتوقي من التورط فيه، فإن التكفير إنما يغلب على طباع من يغلب عليهم الجهل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :" التكفير إنما يغلب على طباع من يغلب عليهم الجهل"، يعني المبادرة والمسارعة إلى التكفير لا تكون إلا من هؤلاء .
وقد أعمل النبي صلى الله عليه وسلم  هذا الأصل في مواطن الاشتباه، ففي "الصحيحين" من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: " بعثنا رسول الله  صلى الله عليه وسلم  إلى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم فلما غشيناه قال : لا إله إلا الله فكف الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته فلما قدمنا بلغ النبي  صلى الله عليه وسلم  فقال:«يا أسامة أقتلته بعد ما قال : لا إله إلا الله» قلت: كان متعوذاً، فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم" "صحيح البخاري"(4269)، ومسلم (96). .
وفي بعض الروايات:«فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة» صحيح مسلم (289). .
هذا ظاهر الحال إنما قالها لأجل أن يحمي نفسه، هذا معنى أنه قالها متعوذا أي يحفظ نفسه من القتل بعد أن تمكن منه الصحابة والمسلمون، مع ذلك أعمل النبي صلى الله عليه وسلم  الظاهر مع وجود ما يُعارض هذا الظاهر من قرائن، لكنَّه أعمل الظاهر فكان أصلاً في أن الأصل فيمن أسلم ألا يُنقل عن الإسلام إلى الكفر، إلا بما هو كالشمس وألا يستند إلى القرائن ولا إلى الأحوال المحيطة، بل لابد من أن يكون القول صادرا ممن لا يلتبس في أنه كفر، وأنه على غير الإسلام.
وأيضاً في قصة خالد في "الصحيحين" عن أبي سعيد الخدري يقول: بعث علي بن أبي طالب  رضي الله عنه ، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم   من اليمن بذُهيبة في أديم مقروظ لم تُحصل من ترابها قال: فقسمها بين أربعة نفر، بين عيينة بن بدر وأقرع بن حابس وزيد الخيل والرابع إما علقمة وإما عامر بن الطفيل، فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء! قال فبلغ ذلك النبي  صلى الله عليه وسلم  فقال :«ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحاً ومساء» قال: فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناشز الجبهة كثُّ اللحية محلوق الرأس مشمر الإزار فقال : يا رسول الله اتق الله قال: «ويلك أولست أحقَّ أهل الأرض أن يتَّقي الله»، قال: ثم ولى الرجل! قال خالد بن الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه قال: لا لعله أن يكون يصلي! فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : «إني لم أومر أن أنقب قلوب الناس ، ولا أشق بطونهم» "صحيح البخاري"(4351) ، ومسلم (1064). .
يعني العمل بالظاهر وأما البواطن فأمرها إلى الله الذي يعلم السرائر جل في علاه.
هذا هو الضابط الثاني أنه في حال الاشتباه يجب إبقاء حكم الإسلام ولا يجوز إثبات الكفر.
الضابط الثالث من الضوابط المهمة في هذا الباب التفريق في الحكم بالكفر بين الأقوال والأفعال والعقائد، وبين أصحابها.
فالتفريق ضروري بين الحكم المطلق على العقائد والأقوال والأفعال وبين الحكم على المعين ، فليس كل حكم على فعل أو قول أو اعتقاد، يستلزم أن يحكم بالكفر على من قاله أو فعله أو اعتقده . ليس هناك تلازم، لأن الحكم على الفعل يختلف عن الحكم على الفاعل، فالفعل يحتاج في الحكم عليه إلى دليل، فإذا قام الدليل على أن الفعل أو القول أو الاعتقاد كفر، نحتاج إلى مرحلة ثانية في تنزيل هذا الحكم على المعين، وهو ما يُعرف في كلام العلماء بتحقيق المناط " تنزيل الحكم على الواقع"، وهذا لا يمكن أن يكون إلا بمعرفة الواقع وإدراك حال القائل ، هل توافرت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع أو لا ، وهذا ما سنستكمله إن شاء الله تعالى في الدرس القادم بإذن الله.
 
المادة التالية

مواد تم زيارتها

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف