الاثنين 3 جمادى أول 1443 هـ
آخر تحديث منذ 4 ساعة 44 دقيقة
×
تغيير اللغة
القائمة
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو Hausa
الاثنين 3 جمادى أول 1443 هـ آخر تحديث منذ 4 ساعة 44 دقيقة

نموذج طلب الفتوى

لم تنقل الارقام بشكل صحيح
×

لقد تم إرسال السؤال بنجاح. يمكنك مراجعة البريد الوارد خلال 24 ساعة او البريد المزعج؛ رقم الفتوى

×

عفواً يمكنك فقط إرسال طلب فتوى واحد في اليوم.

صوتيات المصلح / دروس / العقيدة / العقيدة الطحاوية / الدرس(17) من شرح العقيدة الطحاوية

مشاركة هذه الفقرة
الدرس(17) من شرح العقيدة الطحاوية
00:00:00

الدرس(17) من شرح العقيدة الطحاوية

تاريخ النشر : 18 ذو القعدة 1434 هـ - الموافق 23 سبتمبر 2013 م | المشاهدات : 1816

بسم الله الرحمـٰن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: (وَبِعَذَابِ الْقَبْرِ لِمَنْ كَانَ لَهُ أَهْلاً، وَسُؤَالِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ فِي قَبْرِهِ عَنْ رَبِّهِ وَدِينِهِ وَنَبِيِّهِ، عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجمعين. وَالْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ). التعليق: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين. قال المؤلف رحمه الله: (وَبِعَذَابِ الْقَبْرِ لِمَنْ كَانَ لَهُ أَهْلاً) هٰذه معطوفة على قوله: (وَنُؤْمِنُ بِمَلَكِ الْمَوْتِ). وهٰذا المقطع من هٰذه الرسالة فيه ذكر ما يعتقده أهل السنة والجماعة فيما يتعلق باليوم الآخر، وتقدم لنا أن اليوم الآخر هو كل ما أخبر الله سبحانه وتعالى به ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مما يكون بعد الموت، ومن أول ما يكون بعد الموت ما أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من العذاب والنعيم الذي يكون للناس في قبورهم، فإن الناس في قبورهم معذبون أو منعمون. يقول رحمه الله: (وَبِعَذَابِ الْقَبْرِ لِمَنْ كَانَ لَهُ أَهْلاً). أي نؤمن بعذاب القبر، (لِمَنْ كَانَ لَهُ أَهْلاً) أي لمن كان له مستحقّاً، واكتفى بذكر عذاب القبر؛ لأنه محلّ إنكار من أنكر من المعتزلة وأشباههم الذين أنكروا عذاب القبر، وعذاب القبر ثابت ثبوتاً لا مرية فيه، والكلام في العذاب والنعيم. وقد دلت الأدلة على عذاب القبر ونعيمه. أما الكتاب ففيه من الأدلة ما تقدم ذكر بعضها، من ذلك قول الله جل وعلا: {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} ثم قال: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ} فهم أنّ ما قبل وهو العرض قبل قيام الساعة {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} سورة : غافر (45-46). . وأما السنة فإن الأحاديث في عذاب القبر متواترة لا ينكرها إلا منكر، فأدلة ثبوت عذاب القبر في السنة مستفيضة، قد بلغت حد التواتر، واشتهر ذلك عند الصحابة اشتهاراً لا يمكن إنكاره، ففي كلامهم مما يدل على إيمانهم بأن القبر محل للعذاب والنعيم ما لا يمكن دفعه، ولذلك قال المؤلف رحمه الله: (عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَعَنِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ). فقول المؤلف رحمه الله: (وَعَنِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) ليس فيه أن ثبوت ذلك إنما كان عن طريق الصحابة؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم كسائر الأمة يتلقون عن النبي صلى الله عليه وسلم، وليس قولهم حجة، لكن إجماعهم حجة، أي ليس قول أحدهم حجة، إلا من جعل النبي صلى الله عليه وسلم قوله متبعاً وجعل له سنة متبعة، كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، الخلفاء الراشدين المهديين، فإن لهم من الخصوصية ما ليس لغيرهم، لكن قوله رحمه الله: (وَعَنِ الصَّحَابَةِ) أي إن هٰذا الأمر تُلُقِّيَ عن الصحابة تلقياً مستفيضاً حتى صار مجمعاً عليه عندهم، فهو كما لو قال: على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجمعت عليه الأمة، فإنه قد أجمع الصحابة رضي الله عنهم على نعيم القبر وعذابه. ومن ينكره إنما ينكره بعقله، ليس له دليل، وليس له مستند يعتمد عليه في نفي العذاب والنعيم في القبر. واعلم أن العذاب والنعيم في القبر غالبه على الروح، وقد ينال البدن من ذلك شيء، دليل أن البدن يناله من التعذيب والتنعيم شيء ما جاء في ضمة القبر، وأن القبر ينضم على صاحبه حتى تختلف أضلاعه، فدلّ ذلك على أن البدن يناله مما ذُكر في القبر من نعيم وعذاب، وهٰذه الضمة كتبها الله على كل أحد: ((لو سلم منها أحد لسلم منها سعد بن معاذ)) أورده الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (1695)، وقال: رواه البغوي والطحاوي وأخرجه أحمد، ورجال إسناده ثقات غير امرأة ابن عمر لم أعرفها والظن بها حسن. وقال بعد أن سرد الطرق والشواهد: وجملة القول أن الحديث بمجموع طرقه وشواهده صحيح بلا ريب، فنسأل الله تَعَالىٰ أن يهون علينا ضغطة القبر إنه نعم المجيب كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والعذاب في القبر ينقسم إلى قسمين: عذاب دائم لا انقطاع له، وهٰذا عذاب أهل الكفر والشرك، وقد يكون لبعض أهل المعاصي، وهم من عظمت ذنوبهم واشتدت خطاياهم، أما دليل دوامه فقول الله جل وعلا: {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} إلى متى؟ {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ} سورة : غافر (45-46). . فدل ذلك على أن هٰذا العرض وهٰذا العذاب مستمر بهم، ويدل له أيضاً حديث ابن عباس في الصحيحين في القبرين اللذين مر النبي صلى الله عليه وسلم عليهما ثم قال: ((إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنزه -في رواية:-لا يستتر من البول)) البخاري: كتاب الوضوء، باب ما جاء في غسل البول، حديث رقم (218). . وهٰذا في عقوبة أهل المعاصي، لأنه إنما ذكر معصيتين، ولو كان عندهما شرك أو كفر لاستقل بالذكر، ولما كانت هٰذه المعاصي موجبة لهٰذا العذاب الدائم، لكن فيما يظهر أنهما قبرا رجلين مسلمين. على كل حال الشاهد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ جريدة رطبة فوضعها على القبر، ثم لما سئل عن ذلك قال: ((لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا)). فدل ذلك على استمرار العذاب، وأن ما جرى ببركة وضع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هٰذه الجريدة الرطبة هو مجرد تخفيف لا رفع. وأما القسم الثاني من العذاب فهو العذاب المنقطع الذي يكون لأهل السيئات والمعاصي، فيعذبون بقدر ما يكون معهم من السيئات. ثم هٰذا التعذيب الذي يكون في القبر -نسأل الله السلامة منه- يخفف به عن أهل الإيمان وأهل التوحيد، فلا يؤاخذون بسيئاتهم يوم القيامة، ويكون ما نالهم من عذاب القبر مكفراً لهم حاطّاً لسيئاتهم وخطاياهم، كما أن التنعيم والتعذيب في القبر متفاوت تفاوتاً عظيماً لا يدرك حَدُّهُ، وذلك بتفاوت أعمال الناس في الصلاح والفساد، في الحسنة والسيئة. ثم قال رحمه الله: (وَسُؤَالِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ فِي قَبْرِهِ عَنْ رَبِّهِ وَدِينِهِ وَنَبِيِّهِ). نؤمن بسؤال منكر ونكير، وهٰذه هي الفتنة التي تكون لأهل القبور، وهي فتنة عظيمة، ليست في السهولة كسهولة قراءتها ومطالعتها وسماعها، إنما هي فتنة عظيمة، ولذلك كان من السؤال المتردد: ((اللهم إني أعوذ بك من فتنة القبر)) البخاري: كتاب الدعوات، باب الاستعاذة من فتنة الغنى، حديث رقم (6376). فمن فتنة القبر ما يكون من سؤال منكر ونكير، وقد جاء ذلك -أي الدلالة على هٰذا السؤال- جاء في السنة مستفيضاً متواتراً، فسؤال منكر ونكير لصاحب القبر جاءت به السنة وبلغ حد التواتر، فلا سبيل لإنكاره، ومن ينكر عذاب القبر ينكر السؤال، وسؤال منكر ونكير بينه المؤلف رحمه الله: (عَنْ رَبِّهِ وَدِينِهِ وَنَبِيِّهِ). فالسؤال والفتنة مدارها على هٰذه الأشياء الثلاثة: يسأل عن ربه، وعن دينه، وعن نبيه. وقد اختلف العلماء -رحمهم الله- في هٰذه الفتنة: هل هي لكل الأمم، أو لهٰذه الأمة؟ والظاهر أنها لكل الأمم، وكل أمة تسأل عن نبيها. واختلفوا في الأنبياء: هل تنالهم هٰذه الفتنة أو لا؟ والصحيح أنهم لا يسألون؛ لأنهم هم المسؤول عنهم. واختلفوا فيمن لا عقل له، أو من لم يكلف كالصغار والمجانين: هل يسألون أو لا؟ على قولين لأهل العلم. المراد أنه وقع الخلاف في بعض الناس، ولكن ثبوتها للمكلفين من غير الأنبياء والشهداء أمر متفق عليه. ومما اختلف فيه أهل العلم تسمية الملكين، فالمؤلف رحمه الله ذكر اسمين لملكين كريمين: منكر ونكير، وقد اختلف العلماء في ثبوت هٰذه التسمية، مع اتفاقهم على الفتنة، وأن الذي يتولاها ملكان، والأمر في هٰذا سهل. فمن العلماء من قال: إنه لم يثبت حديث يستند إليه في تسمية الملكين، فنؤمن بأنهما ملكان تجري على أيديهما الفتنة دون تعيين لاسميهما. والصحيح أن هذين الاسمين ثابتان كما في الترمذي وفي صحيح ابن حبان بسند لا بأس به، فهٰذه التسمية ثابتة لهذين الملكين: منكر ونكير، ولا غرابة في هذين الاسمين، فهٰذان الاسمان لا يتضمنان قدحاً في الملكين؛لأن منكر ونكير باعتبار ما يفجأ الإنسان في قبره، فلهما من المنظر ولهما من المخبر في السؤال ما ينكره الإنسان ويزعج قلبه ويفزعه، فلذلك سميا بهذين الاسمين، وليس قدحاً لهما، ولا يتضمن هٰذا الاسم ذمّاً لهذين الملكين الكريمين. وقوله رحمه الله: (وَسُؤَالِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ فِي قَبْرِهِ) كقوله: (بِعَذَابِ الْقَبْرِ) لا يختص هٰذا بالقبر، ولكن لما كان غالب ما يجري من سؤال منكر ونكير والعذاب في القبور التي هي مدافن الموتى أضيف العذاب والسؤال إليهما، لكن من لم يدفن أو من احترق أو من أكلته السباع أو من غرق في البحار، هل يجري له ما ذكر؟ الجواب: نعم، يجري له ما ذكر من العذاب إن كان مستحقّاً للعذاب، ومن النعيم إن كان مستحقّاً للنعيم، كذا يجري له ما ذكر من سؤال منكر ونكير. ثم قال رحمه الله: (وَالْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ). هٰذا فيه انقسام الناس في القبور إلى منعم ومعذب، القبر أي مدفن الموتى (رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ) والروضة تطلق في لغة العرب على ما كثر ماؤه وحسنت خضرته واتسع مكانه، فالمكان الفسيح المتسع الذي يكثر ماؤه وخضرته يسمى في كلام العرب روضة، والقبر لا إشكال أنه منزل من منازل الآخرة، يكون فيه من التنعيم ما يصدق عليه أنه روضة من رياض الجنة؛ لأنه إذا مات الإنسان ودفن يرى مقعده من الجنة إن كان من أهل الجنة، ويرى مقعده من أهل النار إن كان من أهل النار، فلذلك كان ما يكون في القبر من التنعيم هو شيئاً مما وعده أهل الإيمان؛ لأنه يعرض له مكانه، وليس في هٰذا أن الجنة تكون في القبر، لكنه يعرض له ما يكون في الجنة من النعيم. ثم إن الروح ليست ملازمة للبدن، بل هي في الجنة إن كانت من أرواح المؤمنين، وفي سجين إن كانت من أرواح أهل الجحيم نعوذ بالله من الخسران. وكذلك (أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ) والنار فيها حفر؛ ولذلك قال الله جل وعلا: {وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ} سورة : آل عمران (103). .فالنار فيها حفر، وهٰذا يدلك على أنها ليست مستوية، بل فيها من التنكيل والتنغيص وسوء المآل ما الله به عليم، فإن الطريق في الدنيا الطريق الذي فيه حفر يعافه الإنسان ويكرهه؛ لما فيه من المضار والمشاق، فكيف إذا كانت هٰذه الحفر تلتهب على أهلها؟ نعوذ بالله من الخسران. والإنسان إذا نظر إلى ما أخبر الله به ورسوله مما يكون بعد الموت من النعيم والعذاب حمله ذلك على الاستكثار من الطاعات والتخفف من السيئات؛ لأنه لا بد أن يرد هٰذا المورد، فهٰذا المورد كل سيرده، ولكن نسأل الله أن يكون وروداً مستقيماً وصدوراً إلى جنة عدن. ثم قال رحمه الله: (وَنُؤْمِنُ بِالْبَعْثِ وَجَزَاءِ الأَعْمَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالْعَرْضِ وَالْحِسَابِ، وَقِرَاءَةِ الْكِتَابِ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَالصِّرَاطِ وَالْمِيزَانِ). يقول رحمه الله: (وَنُؤْمِنُ بِالْبَعْثِ وَجَزَاءِ الأَعْمَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). (نُؤْمِنُ) نعتقد مقرين منقادين قابلين ما جاءت به النصوص من الخبر بالبعث، والبعث هو الإحياء بعد الإماتة، وهٰذا البعث لا ينكره مؤمن، بل من أنكره فهو كافر، وقد أقام الله جل وعلا من الأدلة في كتابه وفي سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما يدل عليه دلالة واضحة، وكل من أنكر البعث فإنه كافر بالله رب العالمين، ولم يذكره المؤلف رحمه الله، هٰذه العقائد ليست لتمييز عقائد أهل الإسلام عن أهل الكفر، فلماذا ذكر المؤلف رحمه الله البعث في جملة ما يعتقده أهل السنة والجماعة؟ ذكر ذلك ليرد على المنحرفين من الفلاسفة المنتسبين للإسلام الذين يقولون: إن البعث ليس بعثاً للأجساد، إنما هو بعث للأرواح فقط، وأما بعث الأجساد فليس كائناً ولا واقعاً. إذاً ذكر البعث في جملة اعتقاد أهل السنة والجماعة ليرد على من أنكر بعث الأجساد وهم الفلاسفة الذين قالوا: إن ما أخبرت به الأنبياء إنما هو تخييل. يعني وهْم ليس له حقيقة، خيال، وإلا فالبعث لا يكون للأبدان، إنما يكون للأرواح، وعلى هٰذا ابن سينا ومن سار في طريقه من المتفلسفة المنتسبين للإسلام، فإنهم ينكرون البعث الذي أخبرت به الرسل من بعث الأرواح والأبدان، والذي تعاد فيه الأرواح إلى الأجسام، ويقوم فيه الناس لرب العالمين حفاةً عراةً غرلاً، وهٰذا يدل على أن البعث للجسد والروح، وبهٰذا البعث يكتمل اقتران الأرواح بالأبدان؛ لأن اقتران الأرواح بالأبدان متفاوت: ففي الدنيا الحكم للبدن، والروح تابع. وفي البرزخ الحكم للروح، والبدن تابع. وفي الآخرة يكمل اقتران الروح بالبدن: فما يكون من نعيم للبدن ينال الروح منه نفس النصيب، وكذلك العكس؛ لكمال الاقتران بين الأرواح والأبدان يوم القيامة. يقول: (وَنُؤْمِنُ بِالْبَعْثِ) هٰذا البعث ما حكمته؟ ما غايته؟ ما المراد منه؟ ما ذكره رحمه الله في قوله: (وَجَزَاءِ الأَعْمَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). أي ونؤمن بجزاء الأعمال؛ لأن البعث ليس لمجرد البعث، بل هو للجزاء؛ ليلقى الإنسان مقابل عمله، فقول المؤلف رحمه الله: (وَجَزَاءِ الأَعْمَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). الجزاء في اللغة هو الغنى والكفاية، وهو ما يكون مقابل العمل، وقوله رحمه الله: (الأَعْمَالِ) جمع عمل، والعمل يطلق على العمل الصالح والعمل السيئ: {مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} سورة : النساء (123). ، {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} سورة : طه (112). .فالعمل يطلق على العمل الصالح والعمل السيئ، والغالب في العمل أن يكون مقترناً بنية، خلافاً للفعل، فالفعل قد لا يكون بنية، ولذلك لم يذكر الله جل وعلا في كتابه الإثابة على الأفعال، إنما الإثابة للأعمال، والعمل يصدق على العمل الظاهر والعمل الباطن والقول وعمل الجوارح، كل هٰذا يصدق عليه أنه عمل. جزاء الأعمال أي ثوابها ومقابلها:الإساءة بمثلها،والإحسان بفضل الله الواسع العظيم. (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) يعني يوم يقوم الناس لرب العالمين، سمي يوم القيامة بهٰذا الاسم لماذا؟ لأنه تقوم فيه الأبدان لرب العالمين، قال الله جل وعلا: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} سورة : المطففين (6). .وأيضاً سمي بيوم القيامة لأنه يقوم فيه الأشهاد، فالأشهاد يقامون ويشهدون، ولأنه أيضاً تقام فيه الموازين، فيوزن فيها الأعمال والعمّال كما سيأتي. إذاً (جَزَاءِ الأَعْمَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ثم قال: (وَالْعَرْضِ). أي ونؤمن بالعرض، والعرض هنا فسره بعض العلماء بالعرض على رب العالمين، كما قال الله جل وعلا: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ} سورة : الحاقة (18). . وكقوله تعالىٰ: {وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا} سورة : الكهف (48). . فالناس يعرضون على الله جل وعلا؛ بل الخلق كلهم يعرضون يحشرون إلى رب العالمين، فيقضي الله جل وعلا فيهم ما يشاء. وقيل: العرض هنا هو ما يكون لأهل الإيمان من عرض أعمالهم عليه دون محاسبتهم عليها، فيعرض على المؤمن ما يكون من عمله، ولا يؤاخذ على السيئات، بل يقرر بما كان منه من عمل دون مؤاخذة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من نوقش الحساب عذب)). فقالت عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْها مستشكلة قوله تعالىٰ: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} سورة : الانشقاق (8). : كيف هٰذا وقد قلت: من نوقش الحساب عُذب؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : ((إنما ذلك العرض)) البخاري: كتاب العلم، باب من سمع شيئا فراجع حتى يعرفه، حديث رقم (103)، ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب إثبات الحساب، حديث رقم (2876). يعني يعرض عليه عمله الصالح فيسر به، ويعرض عليه عمله السيئ الذي لم يتب منه، أما ما تاب منه فإن التوبة تهدم ما كان قبلها -وهٰذا من فضل الله ورحمته-؛ لأنه إذا وقع الإنسان في سيئة ثم تاب منها لم تعرض عليه وكأنه لم يفعلها، تمحى من كتابه، فضل الله واسع، لكن ما لم يتب منه من الذنوب يعرض عليه، فيقول له الرب جل وعلا، والعرض عرض خفي، ليس عرضاً معلناً، بل ((يدنيه الله جل وعلا)) كما في صحيح مسلم ((ويضع عليه كنفه -أي ستره- ويقرره بذنوبه، ثم يقول: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم)) البخاري: كتاب التفسير، باب قوله: {ويقول الأشهاد هٰؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الكاذبين} ، حديث رقم (4685)، مسلم: كتاب التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله، حديث رقم (2768). وهٰذا فضل الله، نسأل الله من فضله. يقابل هـٰذا حال الكافر الذي يشاد بعمله، يشاد أي يعلن وينادى بعمله السيئ على رؤوس الخلائق، فقوله: العرض يحتمل هٰذا ويحتمل هٰذا. ثم قال: (وَالْحِسَابِ). يعني ونؤمن بالحساب، والحساب هو المحاسبة مأخوذ من المحاسبة، والمحاسبة أصلها مأخوذ من العد والإحصاء، والمراد بالمحاسبة ما يكون من المناقشة وما يكون من العرض، فإن العرض يطلق عليه الحساب ،كما قال الله جل وعلا: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا } سورة : الانشقاق (8). فإذا قلنا: نؤمن بالعرض أي العرض الذي يكون لجميع الخلائق على رب العالمين: {وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا} سورة : الكهف (48). وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على عرض الخلق على الله عز وجل. فيكون الحساب هنا شاملاًُ لنوعين: الحساب الذي هو الموازنة بين الحسنات والسيئات. والحساب الذي هو العرض للسيئات دون المؤاخذة بها. والحساب الذي بمعنى الموازنة لا يكون إلا لأهل الإسلام،أما أهل الكفر فإنه لا توزن حسناتهم، بمعنى أنها لا توزن أعمالهم كموازنة الأعمال التي فيها حسن وسيئ؛ لأنه لا حسنات لهم. قال الله جل وعلا: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا} سورة : الفرقان (23 . وإنما الحساب المضاف إلى أهل الكفر حساب العرض لأعمالهم السيئة وتوبيخهم عليها وتقريرهم بها وتقريعهم بها، هٰذا الذي يكون من الحساب للكفار. أما حساب الموازنة بين الحسنات والسيئات فلا يكون لأهل الكفر؛ لأنه لا حسنات لهم فتوزن، بل قال الله جل وعلا: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا} سورة : الفرقان (23). الحساب نؤمن به بمعنى الموازنة بين الحسنات والسيئات، وهٰذا لأهل الإسلام، ونؤمن به أيضاً بمعنى العرض، وهٰذا يكون لأهل الإحسان، وبمعنى عرض التوبيخ والتقريع، وهٰذا لأهل الكفر. ثم قال رحمه الله: (وَقِرَاءَةِ الْكِتَابِ). أي نؤمن بقراءة الكتاب، فكل إنسان يقرأ كتابه يوم القيامة، قال الله جل وعلا: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا (13) اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} سورة : الإسراء (13-14). . وقد ذكر الله جل وعلا انقسام الناس في قراءة الكتاب: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤوا كِتَابِيهْ} سورة : الحاقة (19). {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ} سورة : الحاقة (25-26). لما فيه من السوء والعذاب الذي يسوؤه يوم القيامة، نسأل الله السلامة. نؤمن بقراءة الكتاب؛ لدلالة الكتاب والسنة على ذلك. قال: (وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ). وهٰذا يعقب ما تقدم، الثواب والعقاب مرتب على العرض والحساب وقراءة الكتاب، ولذلك أهل اليمين -نسأل الله أن نكون منهم- إذا أخذوا كتبهم فرحوا بذلك فرحاً عظيماً حتى أن أحدهم يقول: {هَاؤُمُ اقْرَؤوا كِتَابِيهْ} سورة : الحاقة (19). . أي خذوا أو هلموا اقرؤوا كتابي، وهٰذا يا إخواني له نظير في الدنيا: ما يحصله الناس من الشهادات على دراساتهم وأعمالهم، إذا كانت الشهادة حسنة والتفوق فيها ظاهراً تجده يبرزها عند كل أحد، يرغب أن يقرأ كتابه، وإذا كانت الأخرى أخفاها وسترها، نسأل الله فوز الآخرة. (وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ). أي يوم القيامة، ويكمل الثواب والعقاب بالاستقرار في الجنة أو النار. ثم قال رحمه الله: (وَالصِّرَاطِ وَالْمِيزَانِ). أي نؤمن بالصراط والميزان، والصراط فِعال كَكِتاب، فعال بمعنى مفعول، وهو ما ضربه الله جل وعلا من الجسر على جهنم، فالصراط هو الجسر المضروب على متن جهنم، متن جهنم يعني ظهرها، ومن هٰذا نعلم أن المرور على الصراط لا يلزم منه دخول النار، بل هو ورود كما قال الله جل وعلا في قوله: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} سورة : مريم (71). لكن الورود لا يلزم منه الدخول. وهٰذا الصراط ورد في وصفه أنه أدق من الشعر وأحد من السيف وأحر من الجمر، وورد في وصفه أنه دحض مزلّة. والأصل في الصراط أنه الطريق المتّسع، وعلى كل حال هو جسر على متن جهنم لا يضرّ دقته وحِدَّتُه أهل الإيمان، كما أنه لا ينفع سعته -إذا قيل بسعته- أهل العصيان؛ لأن الناس سيرهم في ذلك الموقف وفي هٰذا الاجتياز على حسب الأعمال، ليس على حسب سعة الطريق وضيقه. والناس متفاوتون في اجتيازهم هٰذا الصراط: فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح الشديدة، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدواً، ومنهم من يمشي مشياً،ومنهم من يزحف زحفاً، ومنهم من تخطفه الكلاليب، نسأل الله السلامة والعافية. وهٰذا التفاوت العظيم في السير هو بتفاوت الناس في سيرهم إلى الله جل وعلا في هٰذه الدنيا، فبقدر ما مع الإنسان من العلم النافع والعمل الصالح بقدر ما يحصل له من السرعة، فمطايا الناس يوم القيامة أعمالهم: ((من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)) مسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، حديث رقم (2699 فمن أخره عمله لم ينفعه شيء، وإنما ذكر النسب لأن النسب يمشي مع الإنسان،يكون معه يوم القيامة، فإنه ينسب إلى أبيه حتى في القيامة، أما المال والمنصب والجاه فكله يزول، فذكر النسب في الحديث: ((من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه))؛ لأن النسب باقٍ مع الإنسان حتى وهو في النار-نسأل الله السلامة والعافية- بمعنى أنه ينسب إلى أبيه، فهٰذا الذي بقي معه يوم القيامة وهو نسبته إلى قبيلته أو إلى أهله أو إلى أبيه أو إلى عشيرته لا تنفعه يوم القيامة، إذا لم يكن له عمل صالح يجوز به. ثم قال: (وَالْمِيزَانِ). أي ونؤمن بالميزان، والميزان اختلف العلماء -رحمهم الله- هل هو واحد أو متعدد؟ بعد اتفاق أهل السنة والجماعة على أن الميزان ميزان حقيقي له كفتان يزن الله بهما الأعمال، ودلت الأدلة أنه توزن السجلات، وأنه يوزن العمال، فالوزن ورد أنه للعمل وهٰذا هو الأصل، وورد أنه للسجلات الحاوية للأعمال، وورد أنه للعمال أي للعاملين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في ابن مسعود لما ضحك الصحابة من دقة ساقيه، قال: ((إنهما أثقل في الميزان من جبل أحد)) مسند أحمد (تحقيق أحمد شاكر): مسند عبد الله بن مسعود، حديث رقم (3991). قال أحمد شاكر: إسناده صحيح. وهٰذا الثقل ثقل الأعمال، وأما الكفار فقال الله جل وعلا عنهم: {فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا } سورة : الكهف (105). فيأتي الرجل العظيم من أهل الكفر وزناً وثقلاً في الدنيا لا يقيم الله له وزناً في ذلك الموقف؛ لأن الوزن في حقيقته للعمل. وقد أنكر الميزان المعتزلة وأشباههم حيث قالوا: الميزان كناية عن العدل، فالمراد بالميزان في قوله تعالىٰ: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} سورة : الأنبياء (47). الميزان هو العدل، وهم في هٰذا كاذبون محرفون للقرآن. نقف على هٰذا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

مواد تم زيارتها

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف