الاثنين 2 رمضان 1442 هـ
آخر تحديث منذ 4 ساعة 20 دقيقة
×
تغيير اللغة
القائمة
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو Hausa
الاثنين 2 رمضان 1442 هـ آخر تحديث منذ 4 ساعة 20 دقيقة

نموذج طلب الفتوى

لم تنقل الارقام بشكل صحيح
×

لقد تم إرسال السؤال بنجاح. يمكنك مراجعة البريد الوارد خلال 24 ساعة او البريد المزعج؛ رقم الفتوى

×

عفواً يمكنك فقط إرسال طلب فتوى واحد في اليوم.

صوتيات المصلح / دروس / العقيدة / نواقض الإسلام / الدرس (8) من نواقض الإسلام

مشاركة هذه الفقرة
الدرس (8) من نواقض الإسلام
00:00:00

الدرس (8) من نواقض الإسلام

تاريخ النشر : 26 ربيع أولl 1435 هـ - الموافق 28 يناير 2014 م | المشاهدات : 2145
التعليق على كتاب
نواقض الإسلام
((الدرس الثامن))
 
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:-
فقد تقدم ما يتعلق بالناقض الخامس، وأظن أن ما ذكرناه كاف في تقرير هذا الأصل، وهو: 
أن كل من أبغض ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- فإنه يكون بذلك كافراً، والمقصود بالبغض هنا هو الكراهية القلبية للتشريع التي تقتضي المنافرة و عدم القبول، وليس المقصود كراهية ما يترتَّب على العبادة من مشقة فبينهما فرق، فالكراهية التي هي ناقض هي البغض هو أشد الكره، وذلك يقتضي منافرة وكراهية تشريع ما شرعه الله تعالى، مما يؤدي إلى عدم القبول القلبي، ومعلوم أن هذا يُنافي الإيمان، لأن الإيمان بناؤه على الإقرار المستلزم للإذعان والقبول، والبغض لا قبول معه فيختل أصل من أصول الإيمان.
أما الناقض السادس: فهو ما ذكره في قوله:-
"الناقض السادس: مَن اسْتَهْزَأَ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِ الرَّسُولِ -صلى الله عليه وسلم- أَوْ ثََوَابِهِ أَوْ عِقَابِهِ كَفَرَ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ)"
هذا هو الناقض السادس من نواقض الإسلام، وهذا الناقض من النواقض التي ينبغي العناية بها لكثرة من يتورط في هذا الناقض من حيث لا يشعر أو من حيث يشعر، فلابد من العناية بهذا الناقض لأجل أن يتبين ما يكون من الاستهزاء الناقض للإسلام، وما يكون من الاستهزاء الذي لا يخرج به صاحبه من الدين.
 فقوله -رحمه الله –: 
(مَن اسْتَهْزَأَ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِ الرَّسُولِ -صلى الله عليه وسلم-)
 
"من استهزأ": الاستهزاء استفعال، وهو في الأصل يدل على طلب الشيء، هذه الصيغة تدل على طلب الشيء، لكن يُطلق الاستفعال على الأشياء ويُراد بها ذاتُ الشيء لا طلبه، فالاستجابة بمعنى الإجابة، والاستهزاء بمعنى الهُزء، فقوله رحمه الله "من استهزأ": أي من هزِئ، والاستهزاء المراد به الاستخفاف والامتهان، فالاستهزاء بالدين هو الاستخفاف به والامتهان له والتلاعب به.  ولا فرق في الاستهزاء الذي ذكره المصنف رحمه الله هنا، بين أن يكون الاستهزاء  قوليا أو فعليا، فإن الاستهزاء بكل صوره قولاً كان أو فعلاً يدخل في قوله -رحمه الله- "من استهزأ بشيء من الدين"، لأن المصنف لم يذكر حدا لذلك، وكذا أهل العلم عندما تكلموا عن الاستهزاء لم يخصوه بنوع من الاستهزاء الفعلي أو القولي، فكلُّ ما فيه استخفاف بالدين أو امتهان له، سواء كان ذلك قولا أو كان ذلك فعلا فإنه داخل في هذا الناقض.
وقوله -رحمه الله- :
"بِشَيْءٍ مِنْ دِينِ الرَّسُولِ -صلى الله عليه وسلم-"
"بشيء من دين الرسول": بشيء هنا نكرة في سياق الشرط فيعم كل شيء، وقوله "من دين الرسول": المقصود به كل ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- من العقائد والأقوال والأعمال، واجبة كانت أو مستحبة، وكذلك كل ماجاء به من الأخبار، فمن استهزأ بشيء مما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- في قولٍ أو في عملٍ أو في باطنٍ من أعمال القلوب، أو كان ذلك الاستهزاءُ في أخباره؛ فإنه يكون بذلك كافرا، فالذي يستهزئ مثلا بمنكر ونكير الملكين اللذين يأتيان إلى القبر، أو بالشجاع الأقرع الذي قد أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا ثبت عنده أن ذلك من كلام النبي ثم استخف به واستهزأ؛ فإنه قد وقع في ناقضٍ من نواقض الإسلام.
وأذكر مثالاً شهدته بعيني في أحد ما يسمونه المسلسلات الكوميدية، كان رجل يحدث الآخر عن الشجاع الأقرع ويخوف به، قال: هذا في أي مصارعة؟! ما هذا الكلام؟! إذا كان يعلم أن هذا قد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ثمّ استخف به فقد انتقض إيمانه ووقع في مكفر، وهذه قضية خطيرة؛ لأن من الناس من يستخف بمسائل الدين، وينزل أقوال النبي -صلى الله عليه وسلم- في غير منزلها، استهزاءً واستخفافاً وامتهاناً، قد يقول قائل: هو يمتهن أو يستخف بالمتكلم، الامتهان والاستخفاف بالمتكلم إذا كان لأجل اعتقاده بما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو لأجل عمله بما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو لأجل إيمانه بما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- فعند ذلك يكون الاستهزاء بالقول، أما إذا كان الاستهزاء بشيء منفصل عن دين الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو من الأخيار وأهل الإسلام، فهذا شيء يختلف عما نتكلم فيه، ليس ناقضاً، هذا من كبائر الذنوب، ولكنه ليس كفراً؛ لأنه استهزاء بشخص، والله تعالى يقول: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) ويقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ)، هذه قضية مختلفة، الاستهزاء بالدين أو بمن يعملُ بالدين لأجل عمله بالدين؛ فإنه ناقض من نواقض الإسلام، وهذه قضيةٌ يجب أن تتَّضح وتظهر لكثرة من يتورط في ذلك شعر أم لم يشعر.
قبل أن نستفيض بكلامنا عن هذا الناقض يأتي سؤال: لماذا كان الاستهزاء ناقضاً؟
طبعا هناك أدلة من الكتاب والسنة وسنأتي بذكرها وقد ذكر المصنف -رحمه الله- الدليل على أن ذلك ناقض، لكن من حيث المعنى: لماذا كان الاستهزاء ناقضاً؟
لأن الاستهزاء بالله أو برسوله أو بما جاء به، هو نوع من الاحتقار والازدراء والامتهان، وهذا أعظم من الكفر.
ولهذا قال الرازي فخر الرازي صاحب التفسير الكبير مفاتيح الغيب -رحمه الله-: 
(الاستهزاء بالدين أعظم درجات الكفر وأقوى مراتبه). لماذا؟ لأنه يتضمن الاستخفاف، يتضمن الامتهان، يتضمن الازدراء لما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- وهذا أعظم من مجرد الكفر، لأنه كفر وزيادة.
وقوله -رحمه الله- :
"أَوْ ثَوَابِهِ أَوْ عِقَابِهِ كَفَرَ" 
"أو ثوابه": أو ثواب الأعمال الصالحة.
" أَوْ عِقَابِهِ" أو عقوبة الأعمال السيئة، فالثواب ما يثوب ويرجع إلى الإنسان، جزاء عمله، ويُطلق غالبا على ما يجمل من عائد العمل، الثواب غالبا يطلق على ما يجمل من عائد العمل يعني ما يحسن ويطيب من عائد العمل، أما العقاب فهو ما يكون من ناتج العمل السيء، وذاك أنه يعقب ما كان من سيّء عمله، فهو ثمرة له، قال: "كفر"، وبالتالي الكفر يتعلق بكل من استهزأ بالأخبار أو استهزأ بالأحكام، فكل من استهزأ بالأحكام أو الأخبار؛ فإنه كافر بالله العظيم.
 ولخطورة المسألة والتباسها واشتباهها؛ ذكر الصنف -رحمه الله- الدليل في الناقض، خلافا لما جرى عليه في غالب ما ذكره من نواقض، فإنه لم يذكر الدليل.
قال -رحمه الله- :
"والدليل قول الله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66))"
وجه الدلالة في الآية قول الله جل وعلا: (قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) في قومٍ استهزأوا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، وكان الاستهزاء لا يتعلّق بدينهم، إنما كان لوصف ذكروه يرتبط بالدين حيث قالوا: (ما رأينا مثل قرّائنا هؤلاء أرغب بطوناً وأكذب ألسناً وأجبنَ عند اللقاء) فأضافوا الاستهزاء لذواتهم أو لوصفهم؟، هذا الاستهزاء لوصف لا لذات، ما رأينا مثل قرّائنا والقرّاء هم العلماء حملة الشريعة، وأضافوا إليهم ما أضافوا من الكذب، وكان فيهم النبي -صلى الله عليه وسلم- ولذلك قال الله جل وعلا: (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ)، بالله لأنه مشرع، والرسول لأنه المبلغ، والآيات هي موضع الاستهزاء، وهي ما جاء به من البينات التي تتضمن الأخبار الأحكام، كنتم تستهزئون: أي تستخفون وتمتهنون؟ لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم، فحكم الله تعالى عليهم بالكفر.
وهذا نص واضح كما قال ابن حزم –رحمه الله- : 
"فصح بالنص أن كل من استهزأ  بالله أو بملك من ملائكته أو بنبيٍّ من الأنبياء أو بآيةٍ من القرآن أو بفريضةٍ من فرائض الدين، فهي كلها آيات الله تعالى بعد بلوغ الحجة إليه، فهو كافر". 
هذا بالنص الإلهي، ولذلك لم تختلف كلمة العلماء -رحمهم الله- في أن كل من استهزأ بشيء من آيات الله وبرسوله صلى الله عليه سلم فهو كافر، وهذا وصفه ابن حزم في بعض سياق كلامه بأنه أمر يقينيٌّ لا التباس فيه، حيث قال: وصحَّ يقيناً أنَّ كل من استهزأ بشيء من آيات الله أو برسول من رسله؛ فهو كافر بذلك مرتد.
 ويندرج في الاستهزاء السَّبُّ والتنقص والعيب، فكلُّ من سبَّ شيئا من دين الله، أو تنقص شيئا مما يتعلق برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أو بشيء من الآيات والأحكام؛ فإنه كافر بالإجماع، لا خلاف بين العلماء في ذلك، ومن ذلك من يقول: إن الشريعة لا تناسب العصر، فإن هذا كفر بالإجماع لأنه طعن في دين الله وتكذيب للقرآن الذي قال فيه ربُّ العالمين: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً)، وهذه قضية في غاية الخطورة، المنافقون لا يتورَّعون عن مثل هذا المسلك، لكن النُّصوص ردعتهم غاية الردع، قال تعالى: (لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) فنهاهم الله تعالى عن الاعتذار؛ لعدم قبول العذر، ليس هناك عذر يبرر الاستخفاف والاستهزاء، قد كفرتم بعد إيمانكم، فأثبت لهم إيماناً والإيمان هنا هو الإسلام، فأخبر جل وعلا أنهم كفروا بعد الإيمان، مع قولهم ما تكلمنا بهذا إلا لقطع الطريق، والاعتذار الذي لا يقبل ولا يمكن أن يكون مسوِّغاً لما جرى منهم من فعل، ولهذا الاستهزاء بالله وآياته ورسله كفر مخرج من الدين، فأصل الدين قائمٌ على تعظيم رب العالمين، والاستهزاء ينافي التَّعظيم، كلُّ استهزاءٍ ينافي التعظيم، لا يمكن أن يستهزئ الإنسان بمن يعظم أو بما يعظم، لا يكون الاستهزاء إلا لمن قل قدر الشيء في قلبه، وهذا يُضاف إلى ما ذكرنا أولاً في علة كون الاستهزاء مكفراً بلا ريب، ذكرت في الموضع الأول أن الاستهزاء مكفر لماذا؟ لأنه احتقار وازدراء وهذا ينافي الإيمان والقبول والإذعان .
الأمر الثاني: أنه ينافي التعظيم وقوام العبادة على التعظيم، (وعبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده هما قطبان). 
هذا هو الناقض السادس من نواقض الإسلام التي ذكرها المصنف-رحمه الله- وهو جدير بالعناية والاهتمام.
الناقض السابع 
قال المصنف -رحمه الله-
"الناقض السابع: قال رحمه الله: (السِّحْرُ، وَمِنْهُ الصَّرْفُ وَالْعَطْفُ، فَمَنْ فَعَلَهُ أَوْ رَضِيَ بِه؛ كَفَرَ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُ اللهِ: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُر (80))
هذا هو الناقض السابع من نوافض الإسلام التي ذكرها المصنف -رحمه الله- قال: 
السحر وهو في اللغة: ما خفي ودقَّ ولطف سببُه، الشيء الخفي الدقيق، الذي يخفى سببه ويلطف يسمى سحراً، ومنه ما رواه ابن عمر، من قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا) صحيح البخاري (5146) لأنه قد يصل إلى الإنسان بالبيان من طريق خفيٍّ إلى ما يريد.
وأما في الشرع  فالاستعمالات التي وردت فيها كلمة السحر لا تخرج عن هذا المعنى، ولذلك السحر أطلق في مقام المدح، وأطلق في مقام المعصية، وأطلق فيما هو كفر.
- فمواطن المدح قوله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا)، هذا إذا كان في إقرار الحق ونصرته. 
- في مواطن المعاصي: قوله -صلى الله عليه وسلم- في الغيبة قال: (العضهُ من السحر) والعضه هي الغيبة، كما فسر ذلك شرَّاح الحديث.
- أما مجيئه فيما يتعلق بالكفر، فقول الله عز وجل في الآية التي ساقها المصنف قوله: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُر (80)) (البقرة).
 فجاء إطلاق السحر على هذه المعاني الثلاثة:
- على ما هو كفر كما قال تعالى: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُر (80)) (البقرة)
- وعلى ما هو معصية، وذلك كما قال -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه مسلم عن ابن مسعود: (أَلا أُنَبِّئُكُمْ ما الْعَضْهِ؟ الْعَضْهُ هِيَ النَّمِيمَةُ الْقاَلَةُ بَيْنَ النَّاسِ) صحيح مسلم (2606). ، والعَضه في لغة العرب السحر، النميمة، القالة بين النّاس.
-الثالث، في مقام المدح، وهو قوله -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه في الصحيح: (إِنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا) سبق تخريجه. .
والحديث هنا عن السحر الذي هو كفر وشرك، فليس حديثا عن النميمة، وليس كلاماً عن النميمة، ولا عمَّا هو في مقام المدح، وهو الوصول إلى الحق من طريقٍ خفيٍّ.
قول المصنف-رحمه الله-
"السِّحْرُ وَمِنْهُ الصَّرْفُ وَالْعَطْفُ"
"منه": هذا تمثيل وذكر وتوضيح للسحر المقصود بضرب المثال، فقوله منه: من للتبعيض فهي من باب التمثيل والتقريب والتوضيح لا الحصر.
وقوله –رحمه الله- 
"وَمِنْهُ الصَّرْفُ وَالْعَطْفُ"
الصَّرْفُ: هو التحويل، وَالْعَطْفُ: هو الجذب، والمقصود بالصرف والعطف تحويل وميل الإنسان عن الشيء أو جذبه إليه، صرفه عنه بأن يكرهه وأن لا يريده، أو عطفه إليه بأن يجذبه إليه فيحبه ويريده، فمن فعل هذا النوع من السحر أو رضي به كفر، ولا خلاف بين العلماء في أنَّ السحر محرم، حكى الإجماع على ذلك جماعات من العلماء، لكنهم اختلفوا في الكفر به، واختلافهم في الكفر به مبني على اختلاف أنواع السحر.
-  فمن السحر ما يكون كفراً بالاتفاق، وهو كل ما استند إلى سببٍ شركيٍّ، كالاستعانة بالجن والتقرُّب إليهم، وكاستنزال روحانيات النجوم ودعائها والاستغاثة بها، كما يفعله بعض من يشتغل بالسحر، كل هذا لا خلاف بين العلماء في أنه كفر وشرك.
-  ومنه ما يستند إلى معرفة خواصِّ المواد، وهذا من السحر الذي لا يصل بصاحبه إلى الكفر، لكنه من المحرَّمات، وذاك أنه وسيلة إلى السحر الأكبر الذي يكون فيه الاستعانةُ بالجنِّ والاستغاثة بهم، وصرف العبادات لهم، أو الاعتقاد في النجوم والكواكب، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَن اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ النُجُومِ فَقَد اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زَادَ مَا زَادَ) 
فمن السحر ما يستند إلى النجوم  وحركاتها، وما يعتقد فيها من روحانيات، ومنه ما يتعلق بالجنِّ وما يكون من قدراتهم التي مكَّنهم الله تعالى بها، وكلُّ ذلك شركٌ، فقد قال الله جلَّ وعلا في الآية التي ساقها المصنف -رحمه الله-: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُر (80)) (البقرة) . فجعل تعليم السحر كفراً، وفعله كذلك، والرضا به كذلك، فقد قال الله عز وجل في الآية نفسها: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) (80)) (البقرة) .  أي ماله في الآخرة من نصيب، وقد جاء في السنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بإسناد لا بأس به أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (مِنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ، وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ) أخرجه النسائي (7/112)، وفي "الكبرى" (3528). .
 والشاهد هو: ومن سحر فقد أشرك، إذا لا خلاف في تحريم السحر، وأن منه ما يكون كفرا وشركاً بالاتفاق، ومنه ما وقع الخلاف في كونه من الشرك أو الكفر، وما ذكره المؤلف –رحمه الله- ذكر النوع المتفق على أنه من الشرك والكفر وهو ما كان عطفاً وصرفاً.
بعد ذلك قال المصنف -رحمه الله- الناقض الثامن: 
"الناقض الثامن: قال رحمه الله: ((مُظَاهَرَةُ الُمْشرِكِينَ وَمُعَاوَنَتَهُمْ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) {المائدة 51}
هذا هو الناقض الثامن من نواقض الإسلام، وهذا من النواقض التي تحتاج إلى وقفة لكثرة الاشتباه الحاصل بها، فكثير ممن يقع في التكفير يخطيء في فهم هذا الناقض، كما أن كثيراً ممن يتورط في موالاة الكفار يغفل عن هذا الناقض، وأنه ناقض من نواقض الإسلام، فثمة فريقان:
فريق يغفل عن هذا، فتجده يعين المشركين والكفار فيما هو كفر، فيكون قد وقع في مكفر وناقض من نواقض الإسلام.
ومن الناس من يجعل كل إعانة ومظاهرة وموالاة للمشركين بكل صورها كفراً مخرجاً عن الملة، وبالتالي خطورة هذا، فإنّ الأمر لا يقتصر فقط على تكفير الحكام أو الحكومات، بل يتطرق هذا إلى تكفير العلماء والأئمة وعامة الناس، فالقضية في غاية الخطورة، وكثير ممن تورطوا في الأفكار المضلة والطرائق المنحرفة إشكاليتهم تنطلق في المكفرات إما من قضية التحكيم (الحكم يغير ما أنزل الله) أو من قضية مظاهرة المشركين، ولهذا لابد من تحرير هذين الناقضين تحريرا بينا لأجل أن يتبين السبيل والحق في هذا الأمر، ويتبين ما ذكره العلماء حتى يُعرف أن الحق بين ضلالتين، بين إفراط وتفريط وبين غلو وجفاء، فلا بد من التوضيح في هذا الناقض والاهتمام به ليتبين المكفر من المظاهرة من غيرها.
المصنف-رحمه الله- قال في هذا الناقض:
"مُظَاهَرَةُ الُمْشرِكِينَ وَمُعَاوَنَتَهُمْ عَلَى المُسْلِمِينَ"!
ذكر أمرين: مظاهرة، ومعاونة فهل هما شيء واحد أم هما شيئان؟ 
الذي يظهر -والله أعلم- أنهما شيءٌ واحد، لكنه ذكر كلاماً خشي أنه يحتاج إلى أيضاح فعطف عليه ما يبينه وما يوضحه، فمظاهرة المشركين قال في بيانها: ومعاونتهم على المسلمين، فالذي يظهر أنه عطفٌ لا إضافة فيه، من حيث التغاير بل هو بيان للمظاهرة التي تكون كفرا وناقضا من نواقض الإسلام، وذلك أن المظاهرة معنى عام، فأيُّ المظاهرات التي تكون كفراً؟ كان ذلك في إيضاحه الموجز حيث قال: "ومعاونتهم على المسلمين"، فمظاهرة الكفار على  المسلمين، والمقصود بذلك الانتصار  للمشركين والكفار وإعانتهم على المسلمين، فينضمون إليهم ويذبون عن المشركين بأموالهم وألسنتهم وأنفسهم، فهذا كفر يناقض الإسلام، فمن ذبّ عن المشركين بماله ونفسه وبلسانه نصرة لهم على أهل الإسلام؛ فإنه يكون بذلك قد وقع في مكفر وناقض من نواقض الإسلام، ذاك  أن المظاهرة فرع عن الموالاة وقد قال الله تعالى في الموالاة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) {المائدة: 51} قال تعالى في أول الآية: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ): أي يتولى اليهود والنصارى، (فَإِنَّهُ مِنْهُمْ): أي منضمٌّ إليهم، وهذه ظاهرة في أنه كفر، وأنه خروج عن الإسلام، (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)، فلذا ذكر في التولي وهو أعلى ما يكون من المناصرة، لأن التولي ميل القلب وانعطافه على المشركين، وقد ذكر المفسرون في هذه الآية ما يبين معنى التولي مما يصدق على ما ذكره المصنف –رحمه الله- في أنه نوع من المظاهرة.
 فالقرطبي قال: (ومن يتولهم منكم: أي: يعضدهم على المسلمين)، يعضدهم أي يظاهرهم وينصرهم على المسلمين فإنه منهم، بين الله تعالى أن حكمه كحكمهم، وهو يمنع إثبات الميراث للمسلم من المرتد؛ لأنه نوع ولاية وموالاة، وأصل الموالاة هي حب القلب وميله، والنصرة ثمرة ذلك فلا موالاة إلا بمحبة، ولا موالاة إلا بنصرة، وقد تواطأت كلمات أهل العلم قديماً وحديثاً على أن مناصرة المشركين على أهل الإيمان من الكفر.
 قال ابن جرير الطبري -رحمه الله- :
(فإن من تولّاهم أي المشركين والكفار ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متولٍّ أحدا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض) (جامع البيان: 30/485) وانتبه إلى هذا جعل الولاية والنصرة والإعانة دليل الرضى، والرضى بالكفر كفر، كما تقدم في ناقض سابق قال الله تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) (البقرة: 256) ، ولهذا قال الله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ) (المجادلة: 22) ، وشهد لهم بالإيمان فجعل منابذة الكافرين وعدم موالاتهم من دلائل صدق الإيمان، وأن ضد ذلك من علائم الكفر، ونحن لسنا نبحث الآن فيما يتعلق بالموالاة والتولي، إنما بحثنا فيما يتعلق بالنصرة وهي أخفُّ من التولي، ولهذا ينبغي التفريق بين الكلام عن الموالاة والتولي وبين المظاهرة، لأنّ المظاهرة صورة من الصور، وأما التولي فهو عام يندرج تحته أمور كثيرة، والمؤلف استدلَّ بالآية لأن النصرة والإعانة نوع من التولي، هذا وجه الاستدلال في الآية، وليس الكلام على موضوع الموالاة والتولي وما أشبه ذلك.
إلا أنه ينبغي  أن يعلم أن المظاهرة من حيث الحكم فيها بالكفر على المُظاهِر، تنقسم إلى ثلاثة أقسام، وهذا كلام مهم وضروري أن يوعى؛ لأن عدم فهمه يوقع في زلل الحكم بالكفر على من لا يستحقه.
فمن المظاهرة ما يكون كفراً، هذا نوع. ومنه ما يكون معصية، ومنه ما يكون ضرورة جائزة، لا يكفر بها صاحبه.
إذاً أقسام الموالاة الثلاثة: الذي يكفر به صاحبه هو القسم الأول، وأما ما كان في القسم الثاني والقسم الثالث فليس بكفر، إنما منه ما هو معصية، ومنه ما هو مأذون به ضرورةً يقدر بقدر الضرورة.
فالمظاهرة من حيث القسم تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما هو كفر مخرج عن الملة، وهو ما ذكره المصنف –رحمه الله- وهو مظاهرة المشركين ونصرتهم على أهل الإيمان رضا بدينهم، وقبولا لما هم عليه، فهذا كفر لا خلاف فيه بين أهل العلم، وأدلة ذلك قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) {المائدة: 51} .
القسم الثاني: هو أن يظاهر المشركين، ويعينهم لمصلحة من من مصالح الدنيا، مع عدم الرضا بدين المشركين، وعدم القبول له، لكن يفعل ذلك إما حميّةً لقومه أو عصبية أو مراغمة لفريق من المسلمين بينه وبيهم محن وخلافات، فهذه ليست كفراً بل هذه من كبائر الذنوب وعظائمه، لأنه لم يعنهم مراعاةً لدينهم إنما أعانهم لشيء يتعلق به وهو عصبيته أو حميته أو حقده وكرهه لطائفة وفريق من المسلمين لأجل ما بينهم من خلافات، أو لتحصيل مصلحة دنيوية، يحمي نفسه، يجعل له يدا عند المشركين والكفار فهذا ليس بكفر، دليل هذا ما جرى لحاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، فإنَّ حاطبا كتب إلى المشركين في عام الفتح، وبعث كتابه مع امرأة وكان قد كتب في ذلك ما هو إفشاء لبعض أحوال النبي -صلى الله عليه وسلم- فبعث النبي -صلى الله عليه وسلم- علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، والمقداد يتبعون المرأة حتى أتوا بها وأتوا بالكتاب فإذا به من حاطب بن أبي بلتعة إلى بعض مشركي مكة، فجيء به إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال : رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (يا حاطِبُ، ما هذا ؟) . قال : يا رسولَ اللهِ، لا تَعْجَلْ علَيَّ، إني كنتُ امْرأً مُلْصَقًا في قريشٍ، يقول : كنتُ حَليفًا، ولم أكن من أنْفُسِها، وكان من معك من المهاجرينَ، من لهم قَراباتٌ يَحْمونَ أهْلِيهِمْ وأمْوَالهمْ، فأحببتُ إذ فاتني ذلك من النسَبِ فيهم، أن أتَّخِذَ عِندَهمْ يَدًا يَحْمونَ قَرابَتِي، ولم أفعله ارْتِدَادًا عن ديني، ولا رضًا بالكفرِ بعدَ الإسلام . فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ( أما إنه قد صدَقَكم ) . فقال عُمر : يا رسولَ اللهِ، دَعْنِي أضْرِبْ عُنُقَ هذا المُنافِقِ. فقال: (إنه قد شَهِدَ بَدْرًا، وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ علَى مَن شَهِدَ بَدْرًا فقال : اعملوا ما شِئْتُمْ فقد غفرتُ لكم ) صحيح البخاري. .
  الشاهد من هذا الحديث أن فعل حاطب بن أبي بلتعة نوع من المظاهرة بلا شك، لكن النبي -صلى الله عليه وسلم-  لم يحكم بأنه كفر بل قال (لقد صدقكم)، يعني في عذره وفي أنه ليس بكافر ولا مرتد، فالتطبيق على جملة ما أخبر به رضي الله عنه، وإنما فعل ذلك لمصلحة من المصالح يريد إدراكها، وهذا النوع من كبائرالذنوب وعظائم الإثم، ولذلك ذكَّر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمغفرة وأنه من أهل بدر لبيان أن ما فعله ذنب وأنه لولا أنه من أهل بدر لكان مؤاخذا به بنوع من العقوبة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- شهد له بالبراءة من النفاق حيث قال (لقد صدقكم)، ولم يُقِرّ عمر رضي الله عنه بوصفه أنه منافق، ولهذا أخذ العلماء من قصة حاطب أنه ليس كل مظاهرة تكون شركا وكفرا، فإذا كانت المظاهرة لمصلحة دنيوية وليس فيها رضاً بالكفر ولا بملته، فإن هذا لا يدخل في المكفر.
وقد فصل ابن حزم -رحمه الله- ففرق بين من فعل ذلك وهو تحت حكم الكفار، وبين من فعل ذلك وهو في حكم المسلمين فقال –رحمه الله-: (فإن كانت يد أهل الإسلام غالبة)، يعني اشترك في قتال المسلمين مسلمون وكفار لكن الغلبة والظهور لأهل الإسلام، فهذا من عظائم الإثم ولكنه ليس مكفرا، أما إن كان المسلم منضوياً تحت راية الكفر في قتال المسلمين فهذا كفر، هكذا فرق ابن حزم رحمه الله بين المسألتين، والذي يظهر أن المقاتلة تختلف عن غيرها، فالمقاتلة أمر زائد أي فعل، فلابد فيه من مسوغ يسوغ ذلك من كونه مضطرا أو نحو ذلك مما سيأتي في القسم الثالث، المقصود أن ابن حزم فرَّق خلافا لما ذكره العلماء في حديث حاطب، وأنه إنما كانت المظاهرة لمصلحة من مصالح الدنيا فلا يكفر بها، لأنه لم يتضمَّن ذلك الرضا بما كان عليه المشركون وبما كان عليه الكفار.
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ –رحمه الله-: 
(فدخل حاطب في المخاطبة، باسم الإيمان، ووصفه به، وتناوله النهي بعمومه، وله خصوص السبب، الدال على إرادته، مع أن في الآية الكريمة، ما يشعر: أن فعل حاطب نوع موالاة، وأنه أبلغ إليهم بالمودة، وأن فاعل ذلك، قد ضلَّ سواء السبيل، لكن قوله صلى الله عليه وسلم : " صدقكم، خلوا سبيله " ظاهر في أنه لا يكفر بذلك، وإذا كان مؤمناً بالله ورسوله، غير شاك، ولا مرتاب؛ وإنما فعل ذلك، لغرض دنيوي، ولو كفر، لما قال : خلوا سبيله. أ.هـ
هذا هو القسم الثاني.
القسم الثالث: أن يفعل ذلك: أي يفعل المظاهرة للمشركين على المسلمين من خوف أو اضطرار، فهذا لا إثم على صاحبه، ولكن يجب عليه أن يقتصر على ما تندفع به ضرورته، وأن يبدأ بالأخف فالأخف، استدلوا على ذلك بقوله تعالى: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ  وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) (آل عمران: 28) فاستثنى الله تعالى من خاف من المسلمين من المشركين، فاتقى منهم تقاة بإظهار الموافقة والمظاهرة ليتقي شرهم ويكفَّ أذاهم، لكن هل هذا يعني أن يشارك في القتال معهم؟ 
الذي يظهر أن ذلك لا يجوز، لأنَ القتال مظاهرة زائدة، وإنما المظاهرة التي أُذن فيها ما كان قولا.
قال ابن جرير الطبيري –رحمه الله- في قوله: (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) :
 "إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافونهم على أنفسكم ، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم ، وتضمروا لهم العداوة ، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر ، ولا تعينوهم على مسلم بفعل".
إذا قوله (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ): هي إعانة القول لا إعانة الفعل في مقام الضرورة، وقد نقل جماعة من السلف التُّقْيا أو التقية باللسان وليس بالعمل، لو فعل وأعانهم وظاهرهم بالقتل هل يكون بذلك كافرا؟ 
الجواب لا، نحن نتكلم عن المأذون فيه ضرورة من المظاهرة، المأذون فيه ضرورة من المظاهرة هو قول اللسان أما الفعل فإن فعله فإنه آثم لكن هل يكون بذلك كافرا؟ يلتحق بالقسم الثاني الذي فعل ذلك لمصلحة من مصالح الدنيا أو حمية أو عصبية أو لدفع ضرورة، فيكون من عظائم الإثم وكبائر الذنوب.
 وبهذا يتضح ما يتعلق بهذا الناقض، وأنه ليس على إطلاقه في كل صورة، فلابد من التفصيل وإزالة الالتباس فيما يمكن أن يبدو لأحد بأن مجرد المظاهرة توجب الكفر.
ثم ذكر المصنف –رحمه الله- مسألة مهمة في النص على هذا الناقض، وهي قوله -رحمه الله-
"الناقض الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين"، فعُلم من هذا أن مظاهرة المشركين على مشركين لا تدخل فيما نحن فيه، أما حكم مظاهرة المشركين على مشركين فهذه تجري فيها الأحكام: قد يكون واجباً، وقد يكون مستحباً، وقد يكون مباحاً، وقد يكون حراماً، وقد يكون مكروهاً، على حسب ما يتحقق في هذه المظاهرة من مصالح المسلمين ومقاصد الشريعة. 

مواد تم زيارتها

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف