الثلاثاء 20 رجب 1442 هـ
آخر تحديث منذ 58 دقيقة
×
تغيير اللغة
القائمة
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو Hausa
الثلاثاء 20 رجب 1442 هـ آخر تحديث منذ 58 دقيقة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأعضاء الكرام ! اكتمل اليوم نصاب استقبال الفتاوى.

وغدا إن شاء الله تعالى في تمام السادسة صباحا يتم استقبال الفتاوى الجديدة.

ويمكنكم البحث في قسم الفتوى عما تريد الجواب عنه أو الاتصال المباشر

على الشيخ أ.د خالد المصلح على هذا الرقم 00966505147004

من الساعة العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهرا 

بارك الله فيكم

إدارة موقع أ.د خالد المصلح

×

لقد تم إرسال السؤال بنجاح. يمكنك مراجعة البريد الوارد خلال 24 ساعة او البريد المزعج؛ رقم الفتوى

×

عفواً يمكنك فقط إرسال طلب فتوى واحد في اليوم.

صوتيات المصلح / محاضرات / رمضان درة المواسم

مشاركة هذه الفقرة
رمضان درة المواسم
00:00:00

رمضان درة المواسم

تاريخ النشر : 5 شوال 1435 هـ - الموافق 02 اغسطس 2014 م | المشاهدات : 1851

 الحمدلله الذي  خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور، أحمده سبحانه، لا أحصى ثناء ًا عليه، كما أثنى على نفسه، هو أهل أن يُحمد جلَّ وعلا، هو أهل أن يذكر ويشكُر، أهل أن تُثنى عليه القلوب والألسنة، أهل أن يمجّد ويقدّس، لا يُحصى العباد ثناءًا عليك تعالى، وتقدس لا إله غيره، سبحانه وبحمده، وأشهد أن لا إله إلا الله، إله جلَّ في علاه، لا يُحصي العباد عظمته، ولا يقدّرونه حق قدره، وأشهد أن محمدًا خيرُ من صلى وصام، رسول الله عبدالله ورسوله، صفيه وخليله، اصطفاه الله من بين الخَلق، فجعله إمامًا لهم، داعيًا إليه جلَّ وعلا، بالهدى ودين الحق، وجعله سببًا من أسباب إشراق القلوب، وإبصارها، أخرج الله تعالى به القلوب من الظلمات، أنار الله به البصائر، هدى به من العمى، جاء وقد أطبقت الظلمات على الأرض، فأشرقت بنور رسالته السموات والأرض، فصلى الله عليه، وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنتة، واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد...

فحيّاكم الله أيها الأخوة الأحباب، ومرحباً بكم وبكل من استمع إلينا، فإننا في هذه الليلة، نتناول شيئًا من الذكرى التي تحيا بها القلوب، وتنشط بها الأفئدة، لاستقبال ما بقى من هذا الموسم العظيم المبارك شهر رمضان، الذي  جعله الله تعالى محلًا لأنواعٍ من الخيرات، وألوانٍ من المسرات وصنوفٍ من المسابقات إلى رب الأرض والسموات، إنه شهرٌ مبارك، شهرٌ يعجز الإنسان  عن إدراك خيره، ووصف بره وما فيه من أطياف الخير وألوان البر، قال الله جلَّ وعلا عنه؛ {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىِ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} سورة البقرة، الآية:185   ،  وصفه الله تعالى بهذا الوصف، وأخبر عنه هذا الخبر الذي  يبين به جلَّ وعلا، على عظيم قدر هذا الشهر، أنه الشهر الذي  نزّل فيه خير كتبه على خاتم رسله، إنه شهر القرآن، شهر الرسالة التي أبصر الناس بها الهداية، وأدركوا بها الخير، وهى التي خرجت من بين دعوتها خير أمةٍ أخرجت للناس، إنه شهر القران العظيم، الذي  فيه من الخير والبر، ما جعل الله تعالى أسبابًا شرعيةً وكونية، تكفل انتظام أحوال الناس في هذا الشهر، إن الناظر في إعداد الله تعالى واصطفائه لهذا الشهر، يرى عجبًا فهذا الشهر اصطفاه الله تعالى من بين الشهور، فجعله محلًا لنزول القرآن، يقول الله تعالى فيما سمعتم: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىِ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ} سورة البقرة، الآية:185 ،  أوصد الله تعالى بهذا الوصف الذي  يبين به جلَّ وعلا على عظيم قدر هذا {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىِ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} سورة البقرة، الآية:185 ،وربك يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة، سبحانه وتعالى عما يصفون، الله اصطفى هذا الشهر من بين شهور السنة كلها، فجعله مهبط لهذه الرسالة،  محلًا لنزول خير كتاب على خير رسول، هذا اصطفاء؛ ثم إنه هيأ من أسباب الإعانة على الطاعة، ما يكون عونًا للعبد على اغتنام هذه الفرصة، على الفوز بما في هذه المنحة، من أسباب الخير و ألوان المبرات، فقد قال النبي؛  صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيما رواه البخاري ومسلم، من حديث أبى هريرة رضى الله عنه، )إذا دخل شهر رمضان، فتّحت أبواب الجنة، وغلُّقت أبواب النار، وسُلسلت الشياطين(،الله أكبر هذا الخبر من النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بيان لمن فاز به هذا الشهر، من هذه الإعانة والإمداد من الرب  الكريم، الذي  هيأ القلوب، وهيأ الزمان، وهيأ الحال، أن تكون مستعدًا لطاعة الله، أن تكوني مستعدةً؛ للإقبال على ما فيه خير الدنيا والآخرة، إنه تهيئة من الله تعالى، ولذلك جاء في رواية الترمذي، النداء من المنادي الذي  ينادي  يا باغي الخير أقبل، وياء باغي الشر أقصر، ولله عتقاء في كل ليلة من ليالِ هذا الشهر المبارك، إنه موسمٌ عظيم، إنه موسمٌ خصّة الله بخصائص كبرى، وفضائل عظمى، كان أعظمها إنزال القران، وكان من عظيم بركة هذا الشهر، إنه شهر تعظُم فيه الأجور وتكثر،  كما إنه شهرٌ وموسمٌ، تحط فيه الأوزار وتضعف وتزولُ وتتلاشى، في جانب ِ بر الله وإحسانه،  في جانبِ مغفرة الله وعطائه في جانب ما يكون منه جلّ وعلا، من البر والإحسان وجزيل العطاء والمغفرة، هذا الشهر شهرٌ يمنّ الله تعالى على عباده بألوان من العطايا، يعطى الله تعالى فيه عباده مما يؤملون، ومما يرغبون، من ألوان السعادة في الدنيا، وشرح الصدور والأجور في الآخرة، والثواب الكبير ما يحفّز على مزيد عمل، وبذل ونشاط، إن النبي صلى الله عليه وسلم، ذكر فيما رواه البخاري ومسلم عن الله يقول النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى )كل عمل ابن ادم له الحسنة بعشر أمثالها،إلى سبع مئة ضعف، إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزى به)،وهذا يبيّن عظيم منزلة الصوم عند رب العالمين، أنه تولى بنفسه جلَّ وعلا، الثواب والعطاء، لم يكن هذا موكولًا، إلى تقديرٍ أو قانونٍ يحسب به الأجر في الصيام، فالصيام خارج عن قانون التقدير والحساب،  إنه عطاءٌ لا حدود له {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} سورة الزمر، الآية: 12   ، الله أكبر؛ يا لها من منّة، يا له من موسمٍ، امتاز بأن يكون سببًا لتعظيم الأجور وزيادتها، خيرٌ كثير، عطاءٌ كبير من رب العالمين،  إذا كان صوم يومٍ واحدٍ في سبيل الله، سببًا لمباعدة العبد بين وجهه والنار سبعين خريفًا،  فكيف بصيام أيام متوالية، من الفرض الذي  فرضه الله تعالى وأوجبه، يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيما رواه البخاري ومسلم، من حديث أبى سعيد الخدري، رضي الله عنه،  )من صام في سبيل الله يومًا، باعد الله بينه وبين النار سبعين خريفًا)  الله أكبر إنه عطاءٌ ومنٌ يدرك به العبد انشراحًا في الدنيا، وسعادةً تامةً وابتهاجًا كاملًا يوم لقاء الله تعالى، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم، فيما يدركه الصائم من نعيم الدنيا، وفوز الآخرة، يقول بأبي هو وأمي، صلى الله عليه وسلم،(وللصائم فرحتان؛ فرحةٌ عند فطره)، وهذه ما يدركها فيالدنيا،(وفرحة عند لقاء ربه(  العمل الصالح يجني العبد ثماره ويدرك  ليس أجره وثوابه؛ جنتان عرضها السموات والأرض فحسب؛ بل إن العمل الصالح يجنى العبد ثماره ويدرك بره وفوزه ونعيمه، في الدنيا قبل الآخرة، فالله أكبر يا له من موسم عظيم، يا له من موسم هو دُرة مواسم العبادة، هو دُرة البر الذي  ينبغي أن يتسابق فيه المتسابقون، فهلا شمّرنا عن سواعد الجد، هل أخذنا الخُطى وشحذنا العزائم، في سيرنا إلى الله تعالى، {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} سورة الواقعة، الآية: (11-12) ، فاستبقوا الخيرات، الى الله مرجعكم  جميعًا، إنه سباق لا يفوز به الا من شمّر، سباقُ لا يجوز فيه إلا من قدم، سباق يكون فيه العبد مقتديًا بخير الأنام، الذي  غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، مع ذلك لم يتلكأ رسول الله صلى الله عليه وسلم لحظة واحدة، في سيره إلى الله تعالي،  بل كان يسير إلى الله تعالى، ليلًا ونهارًا،  فما عبد أحدٌ الله تعالى؛ كما عبده محمد صلى الله عليه وسلم، وكانت عبادته سنةً وأسوةً، لجميع الأمة، {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ} سورة الأحزاب، الآية: 21   ، فهلا نشطنا.. فهلا شمرنا فيما بقى من زماننا.. إنها أيام إنها ليال ٍ. إنها برهة من الزمن تنقشع وتزول. يذهب تعبها ويمضى نصبها. ويزول ما فيها من عناء. وكدٍ وتعب لكن الأجور تبقى عند من لا يضيع عنده عمل. {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} سورة البقرة، الآية: 143   ، ما كان الله ليضيع صلاتكم، ولا صيامكم، ولا زكاتكم، ولا بركم، ولا دروسكم في مجالس الذكر،  ولا قيامكم في صلاة القيام، ما كان الله ليضيع شيئًا من أعمالكم، إن تكن حسنة يضاعفها، ويؤتي من لدنه أجرًا عظيمًا، فنسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يستعملنا وإياكم لطاعته، وأن يعيننا وإياكم على الاستباق إلى الخير والبر، رمضان درة المواسم، لأنه الموسم الذي  صنّف فيه الله تعالى، وفنن فيه جلَّ وعلا، ألوان حتى السيئات والذنوب، إن العباد يسيرون إلى الله تعالى بقلوبهم، وهذه القلوب تنعكس فيها آثار الحسنات، كما إنه تجلو وتظهر فيها آثار السيئات، قلبي وقلبك، لا تظن أن حسنة من الحسنات لا تظهر في القلب، بل كل حسنة يكون لها أثرٌ في القلب بياضًا، وكل سيئةٍ لها أثر في القلب، نقطة سوداء وهكذا تكون قلوب العباد بين بياض وسواد، فاستكثر من التخفف من السواد الذي  في قلبك،  إن الفتن تعرض على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا، هكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم، فيما رواه في الصحيح  من حديث حذيفة،)تعرض الفتن وهي ألوان البلايا ألوان المعاصي) التي نتهوك فيها ونتورط فيها، تعرض على قلوبنا، هذه القلوب إما أن ترد المعصية، وتقدم على الطاعة، فتفوز بالسلامة،  وإما أن تضعف عند دعوةٍ إلى شهوة أو قعود عن واجب، فتنكت نكتة سوداء تنكت في القلب، نكتة سوداء، هذه النقطة تكبر وتمتد وتتسع دائرتها، مع توالي وتعاقب السيئات على القلوب، ولذلك يقول؛  (تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا)، فأي قلب أشربها، قبلها قبل الفتن والمعاصي والسيئات، نكتت فيه نقطة سوداء،  وأي قلب أنكرها، نكتت فيه نقطة بيضاء، ثم تسير القلوب إلى قلبين؛ قلب قد جلى بياضه أشرق نوره، وابيض وجه صاحبه، وقلب أظلم وخلا من الخير، وقسى حتى كان كالصخر أو أشد قسوة، هذا حال القلوب، هذا حال قلبي وقلبك، تنقسم القلوب في نهاية المطاف إلى قلبين، فهلا طهّرنا قلوبنا في هذا الشهر المبارك، إنها منح يا إخواني، منن من رب العالمين، ربنا يقدم لنا ألوانًا من المدرّات يحط بها عنا السيئات، فيقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في الصحيحين من حديث أبى هريرة، (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا،غفر له ما تقدم من ذنبه، من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه) الله أكبر يا لها من هبات، الله أكبر يا لها من عطايا، ومنح وتلك مواهب الرحمن، ليست تحصل باجتهاد أو بكسب، ولكن لا غنى عن بذل جهد بإخلاص وجد، لابد من أن تقدم عربونًا للفوز بتلك الهبات والمنح للفوز بتلك العطايا من رب عظيم، إن الذنوب  تثقل القلب، إن الذنوب تظلم بها القلوب، وتضيق وتسود بها الوجوه، وتنسد بها الطرق، ويصرف بها العبد عن خير كثير، فالسيئة جزاؤها سيئة بعدها، كما أن الحسنة يجزى صاحبها بحسنة بعدها،  فهلا تخففنا من الذنوب، في موسم يحط الله فيه الخطايا، في موسم تتلاشى الذنوب بألوانها وأصنافها وفنونها، في جنب مغفرة الله وبره، في جنب عطايا الله تعالى ومنحه، إنها فرصة أن نتوب إلى الله تعالى، أن نقبل عليه، أن نسأله المغفرة، أن نأخذ بأسباب المغفرة، كلنا يرجو أن يغفر له، كلنا يرجو أن يخرج من هذه الدنيا لا يحمل سيئة، لأنها ستثقله وتعيق سيره في الآخرة، فهل عملنا الأسباب التي نتخلص بها من السيئات، إن السيئات أمرها خطير، يمنُ الله على رسوله، وهو خير الخلق الذي حماه الله تعالى من كثير من السوء والشر، فلم يكن له سيئة تثبت وتستقر بل كان توابًا إلى ربه جلَّ وعلا، يقول الله تعالى؛ {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ (2)} سورة الشرح، الآية: 1 و2  ، ثم انظر أثر الوزر، الذي أنقد ظهرك، إنه ثقل وعناء في السير أن تكون محملًا بألوان من السيئات والخطايا، أخي، أختي، بحاجة أن نستغفر الله تعالى، بحاجة أن نأخذ الأسباب التي يحط الله تعالى عنا بها الخطايا، فهلا بادرنا هلا اغتنمنا الفرصة، فتبنا إلى الله تعالى، واطرحنا بين يديه وأخذنا بالأسباب التي يحط الله تعالى بها عنا الأوزار، صوم الشهر إيمانًا واحتسابًا، يحط الله تعالى عنك السيئة من العمل، ويرفعك الدرجات العلا من العمل ويرفعك الدرجات العليا، قم الليل إيمانًا واحتسابًا في هذا الشهر، ليلة القدر التي اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم، شهرًا كاملًا يطلب ليلة القدر، فقد اعتكف في العشر الأول يطلب ليلة القدر، إنما تطلب أمامك، فاعتكف العشر الأوسط ، ثم لما تم عشرين فأراد أن يخرج، قال لأصحابه من أحب أن يعتكف معنا، فإني أوريكما أن ليلة القدر يصبح مسجد في صبيحتها ماء وطين، فكان أن اعتكف العشر الأخير، صلى الله عليه وسلم، ثم استقر اعتكافه على العشر الأخير من رمضان، جدًا واجتهادًا طلبًا للبر والإحسان من رب عظيم  كريم، يتفانى رسول الله صلى الله عليه وسلم، في مرضاة ربه، دعاء، إقبال، صيام، قيام، سائر ألوان المبرات مع قول رب العالمين، قد بشره بالبشارة الكبرى، {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً} سورة الفتح، الآية: (1-2) ---،كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، قدماه صلى الله عليه وسلم، من طول القيام، فهل فينا من يفعل ذلك في غير رمضان، محمد رسول الله، حبيبنا، سيدنا، إمامنا، نبينا صلى الله عليه وسلم،  كانت هذه حاله في غير رمضان، فكيف كانت حالة في رمضان، كانت جدًا واجتهادًا زيادةً في البر والخير، طاعة لله تعالى، مسابقةٌ في الخيرات، هكذا كان نبينا مع مغفرة الله له، فهلا سلكنا سبيله، وخططنا طريقه، وسرنا في ركابه، وعلى خطاه صلى الله عليه وسلم، حتى نفوز بما فاز به من السعادة، في السعادة في الدنيا والفوز الآخرة.

     أيها الأحباب، أيها الأخوة والأخوات، إننا في هذا الشهر المبارك، نتعرض لأنواع من المبرات، وصنوف من الخيرات منها حط الذنوب والسيئات، منها رفع الدرجات و أخذ الهبات والعطايا من الرب الكريم، الرحمن الرحيم، ذي الفضل والإحسان، كذلك شهر يتعود فيه المؤمن على مناجاة ربه، على بث شكواه إلى الله جلَّ وعلا، على سؤاله والتضرع بين يديه، شهرُ يقول الله تعالى في ثنايا آيات الصيام؛ {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}+++سورة البقرة، الآية: 186  ، الله أكبر الله أكبر ما أعظم إحسان ربنا، ما أعظم رأفته، وما أعظم رحمته جلَّ وعلا، بعباده وأوليائه، فهو يتعرض لهم سبحانه وبحمده بألوان من النفحات، يقول الله تعالى؛ {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} سورة البقرة، 186   ، هو قريب ممن دعاه،ليس قربه جلَّ وعلا، من كل أحد، وإنما قربه من العبد حال دعائه وحال سجوده، يقول النبي صلى الله عليه وسلم، (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، هذا القرب يقتضى لطفًا واحسانًا وبرًا ومصارعة في الخيرات من ربٍ له ما في السموات والأرض، له العطايا والمنن، بيده الخير كله، ليس خيرٌ إلا من قبلهِ، فهو جلَّ وعلَّ لا يأتِ بالحسنات إلا هو، ولا يدفع السيئات إلا هو، هو سبحانه وبحمده المعطي، الذي لا مانع لما أعطى، هو المانع الذي  لا معطي لما منع، فهو جلَّ وعلّا، بيده الخير كله، لبيك وسعديك والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، سبحانك وبحمدك.

 أخي إنها فرصة مباركة، أن يقبل العبد على سؤال الله تعالى أن يعود لسانه الدعاء، باب عظيم يدخل به العبد على ربٍ ذي هبات، رب ذي عطايا  الله جل وعلا، يغضب من العبد اذا أعرض عنه، ولم يسأله  فحين أن العباد يكرهون مسألة الخلق، الله الذي  له ما في السموات وما في الارض، إنما يغضب على من يترك سؤاله، وقال ربكم ادعوني أستجب لكم، إن الذين يستكبرون عن عبادتي، سيدخلون جهنم داخرين، فالله سبحانه وتعالى، يغضب على العبد الذي أعرض عن دعائه وسؤاله، لأن الدعاء هو العبادة، روى الإمام الترمذي في جامعه، بإسناد صحيح، أن النعمان بن بشير رضي الله عنه، قال؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، الدعاء هو العبادة، أسألكم يا إخواني، هل نحن ممن تلهج السنن بدعاء الله تعالى؟ وسؤال الحاجات منه سبحانه وبحمده، إننا ذوو حاجات كثيرة، لكننا نغفل عن سؤال ربٍ كريم، فالإنسان قد يرد في باله في قضاء حاجة من الحوائج، كل بعيد وقريب من أمور الخلق والأسباب، لكنه يغفل عن باب لا يوصد، بابٍ لا يغلق، عن باب الله تعالى الذي فتحه لعباده، وهو باب الدعاء والسؤال، فإن السؤال سبب لإنجاز المطالب، وتحقيق الرغبات وتحصيل الهبات من الله تعالى، فهلا عودنا أنفسنا، سؤال الله تعالى، إن السائل لا يعود من الله تعالى إلا بخير، ولذلك جاء في الحديث، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال إن الله حيي كريم، يستحي أن يرفع العبد يديه إليه جلَّ وعلا، ثم يردهما صفرًا، روى الإمام أحمد في مسنده،  من حديث أبى سعيد الخدري رضى الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال ما من مسلمٍ، يدعو الله تعالى، بغير إثم ولا قطيعة رحم، إلا كان له إحدى ثلاثَ خصال، وهذه الخصال لا يخلو منها داعٍ، لا تفارق أحدًا سأل الله تعالى، الخاصة الأولى؛ أن يجاب إلى ما دعي، أن يعطيه الله تعالى ما سأل، الخاصة الثانية؛ أن يدفع عنه من الشر مثل ما سأل، الخاصة الثالثة؛ أن يدخر له ذلك في الآخرة، إذًا الداعِ ِ في ربح على كل حال في ربح أجيب إلى ما سأل، أو لم يجب هو مجاب هو فائز، رابح في سؤاله لله تعالى، الصحابة أدركوا هذا المعنى، فقالوا يا رسول الله، إذًا نكثر ،يعنى إذا كانت المعادلة بهذه الصورة، لابد من فوز إذا دعونا سنكثر من الدعاء،  فماذا قال النبي صل الله عليه وسلم، لأصحابه قال الله أكثر، الله أكثر منكم، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله أكثر من كل شيء وهو أكبر كل شيء، محاولة سبحانه وبحمده، لا نحصي ثناءًا عليه جلَّ وعلا، فالعبد مهما سأل، فإن ما عند الله أعظم، ولا ينقص سؤال الخلق لله تعالى، شيئًا من ملكه، روى الإمام مسلم في صحيحه، من حديث أبى ذر رضي الله عنه، في أشرف حديث من أحاديث أهل الشام، حتى إن راويه أبو إدريس خولاني، كان إذا حدّث بهذا الحديث، جثى على ركبتيه، من عظم ما في هذا الحديث من الأخبار، يقول النبي صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى؛ (عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على صعيد واحد) تصور جميع الخلق على اختلاف ألوانهم، وعلى اختلاف ألسنتهم، وعلى اختلاف أصولهم، وعلى اختلاف أزمنتهم، وعلى اختلاف حوائجهم،  كانوا على صعيد واحد، فسأل كل واحد الله تعالى مسألته، فأعطاه مسألته، لم ينقص ذلك من ملك الله شيئًا، الله أكبر لا إله إلا هو الغني الحميد، الله أكبر ما أعظم ملك ربنا، وما أعظم عزه وما أعظم عزة جلَّ وعلا، وغناه سبحانه وبحمده، يا أخي عود نفسك سؤال الله تعالى، لا تقول أنا لا أحتاج لأن أسال ما منا ويحتاج إلى الدعاء، النبي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع ذلك كان يقول اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله صغيره وكبيره علانيته وسره، أوله وآخره، إذًا هي إنابة، هي إقبال، هي انجذاب إلى رب كريم، يعرض فيه العبد حاجاته على ربه جلَّ وعلا، النبي صلى الله عليه وسلم، ربى أمته على السؤال والدعاء،  ولذلك عائشة تقول سلوا الله كل شيء، حتى شسع النعل يعني حتى السير الذي  يربط به النعال، يعنى أشبه ما يكون بالرباط الذي  يلبس على القدم، سلوا الله كل شيء حتى شسع النعل ، فإنه لو لم ييسره الله تعالى ما تيسر، هل نحن نسأل الله تعالى هذه المسائل، هل نصل بدعائنا وتضرعنا أن نسال الله، في مثل هذه الأمور، كثير منا لا يعرف سؤال الله تعالى ودعائه إلا في النوازل الكبرى، والبلايا العظمى، والمصائب الكائدة التي لا يتحملها، لكنه لا يسأل الله تعالى ما دق وجلّ، ما صغر وما كبر، فيفوته بذلك خير جزيل، إخواني أحبابي إننا بحاجة إلى أن ندرك عظمة هذا الموسم، إنه موسم عظيم، لون الله تعالى به ألوان الخير، وصنوف البر، لعباده وأوليائه، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم،  ينادي منادٍ (يا داعي الخير أقبل، يا باغي الخير أقبل، وياء باغي الشر أقصر، ولله عتقاء، وذلك كل ليلة من ليالي هذا الشهر  المبارك) إن هذا الشهر المبارك شهر القرآن شهر قراءة القرآن وتلاوته، فرسول الله صلى الله عليه وسلم، كان قرّاءًا تلّاءًا لكلام الله تعالى،  لكنه على وجه يختلف عن قراءة كثير من الناس، إن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يقرأ كلام ربه، ويحب الإنصات لكلام الله تعالى، كان يقرأ القرآن، وينزله على حاله وعمله، حتى سُئلت عائشة رضى الله عنها، كيف كان خلق النبي، صلى الله عليه وسلم، فقالت تقول لمن سألها، ألست تقرأ القرآن؟ قال بلى، قالت كان خلقه القرآن، إنه التزم هذا القرآن، عملًا، وسلوكًا، ومنهجًا، عقيدةً ومظهرًا، هكذا كان النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهلا شحذنا الهمم، ونشطنا العزائم في تلاوة كلام الله تعالى، رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيح؛ كان يعرض القرآن على جبريل في كل عام مرة، وفى العام الذي توفي فيه صلى الله عليه وسلم، عرضه مرتين، لكن انتبه!! لم يكن تلك قراءةً في اللسان دون تدّبرٍ واتعاظ في القلب، والجنان بل كان النبي صلى الله عليه وسلم، يترجم القرآن، يرى عليه أثر القرآن، في كل حاله وفى رمضان على وجه الخصوص، استمع إلى ما رواه البخاري في صحيحه، من حديث عبدالله بن عباس، رضى الله عنه، قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، هذه حاله على وجه العموم، وكان أجود ما يكون في رمضان، متى؟ حين يلقاه جبريل، فيدارسه القرآن، القرآن له أثر المجالسة الصالحة، لها أثر في زيادة الخير والبر، والتنشيط على الصالح من العمل،  يقول ابن عباس (كان رسول الله أجود بالخير بالريح المرسلة)، عندما يلقاه جبريل يدارسه  القرآن، فهل قرأنا القرآن، قراءةً يزداد بها صلاحنا، قراءةً يزداد بها إيماننا، قراءةً تحسن بها أخلاقنا، القران يهدى للتي هي أقوم، كما أخبر الله تعالى في كتابه: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} سورة الإسراء، الآية: 9   ، في الأخلاق، في العقائد، في الأعمال، في السلوك، في المعاملة، في شأنك مع موظفين، في شأنك في مكتبك، في شأنك مع موظفيك، في شأنك مع أبنائك، مع زوجتك، في جميع مناحي الحياة، فهل قرأنا القرآن تلاوةً وقراءةً، تعالج به فساد قلوبنا،  ونصلح به ما فسد من أعمالنا، هذه هي القراءة المطلوبة، والتي يعظم بها الأجر، ويرتفع بها الذكر عند الله تعالى، ليست القراءة أن تقول ختمت القرآن، مرة أو مرتين، أو ثلاث مرات، أو أربع أو عشر مرات، وأنت عنه في غفلة، وجاء رجل إلى عبدالله بن مسعود، وهذا خبر رواه البخاري ومسلم،  من حديث نهيك ابن سنام، أنه جاء إلى عبدالله ابن مسعود، رضى الله عنه، فقال له؛ (يا أبا عبدالرحمن إني لأقرأ المفصل في ليلة، أو في ركعة يقرأ المفصل كامل في ركعة، والمفصل من سورة ق أو من سورة الحجرات إلى سورة الناس، يعنى قرابة 4 أجزاء تقريبًا، يقول إني لأقرأ المفصل في ليلة في ركعة، فقال عبدالله بن مسعود؛ منبهًا إلى ضرورة الاعتناء بتدبر القرآن والاتعاظ به، قال له هزًا كهز الشعر، يعنى تقرأ القرآن على هذه الصفة، هزًا كهز الشعر، لا تقف كما تقول أبيات الشعر، لاتقف عند العجائب، ولا تتدبر هذه الآيات، هزًا كهز الشعر، إن أقوامًا يقرأون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، لا يجاوز رقابهم، يعنى لا ينفد ولا يصل إلى قلوبهم، غاية ما هنالك مخارج الحروف، يأتي بها على وجه كامل، لكن ليس للقرآن أثر في سلوكه، ليس للقرآن أثر في قلبه، ليس للقرآن أثر في صالح عمله، فيصدق على كثيرٍ ممن يقرأ القرآن، قول الله تعالى؛ {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} سورة الفرقان، الآية: 73    ، إن كثيرًا من الناس، يقرأ القرآن دون تدبر، فيكون القرآن ككلام مبهم لا يدرى معناه، كأننا تعبدنا فقط بتلاوته، وإنما تعبدنا الله تعالى بالتلاوة المقرونة بالتدبر والتفهم لآيات هذا الكتاب، يقول الله تعالى؛ {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} سورة ص، الآية: 29   ،إذن يا إخواني؛ فرصة ومنة من الله تعالى، أن نسابق إلى الله تعالى في هذه الشهر المبارك، بألوان من الأعمال من ذلك قراءة القرآن على الوجه الذي  يرضى به الله تعالى، فاقرأ آية في كتاب الله، تدبر ما فيها، خير من أن تقرأ مصحفًا، أو ختمةً، وأنت لا تدري ماذا تقرأ؟ وماذا تقول؟ اقرأ آية وتدبر هذه المعاني التي في هذه الآية، تستفد خيرًا كثيرًا، وبرًا عظيمًا، تجد انشراحًا في صدرك، لذّه عند قراءتك للقرآن، يحدثني أحد الإخوان يقول؛ كنت في مسجد من المساجد، أصلى صلاة العشاء، فلما فرغت من الصلاة، قمت للسنة الراتبة، وخفّ الناس من المسجد، فلم يبقِ إلا رجل في أطرف الصف، فكنت أرمقه وأنا في مكاني بعد الراتبة يقرأ القران، يقرأ قول الله تعالى، {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ}  سورة إبراهيم، الآية: 10 يكرر هذه الآية، ويبكى ويقول سبحانك ما فيك شك، يقرأ قول الله تعالى أفي الله شك فاطر السموات والأرض، ثم يبكى ويجهش بالبكاء، ويقول سبحانك ما فيك شك، يكرر هذه الآية فعجبت له، ما هذا التأثر، أنا أقرأ المصحف كاملًا، لا أجد لهذا الكلام أثرًا، فما ملكت نفسي؛ إلا أن أتيت إليه، وقلت يا أخي، دلني إلى ما أوصلك إلى هذه الحالة، ما الذي  بلغك هذه المنزلة، وهذه المرتبة، إنك تبكي عند هذه الآية، ولا تضيق تجاوزها إلى آخرها، فقال والله يا أخي أنا ليس عندي شيء، إنما عندي عظيم شوقي لله تعالى، ومحبة وتعظيم له سبحانه وتعال،  حتى إنه في بعض الأحيان، وأنا أقود السيارة، إذا ذكرت شيئًا من القرآن، أو شيئًا من كلام الله، أو عظمة الله لا أملك أن أكمل سيري، أقف جانب الطريق،  حتى يهدأ ما في نفسي؛ من الشوق العظيم  لربي، الله أكبر ما أثر القلب الحسن، القلب الحسن، القلب الصادق، المتدبر لكلام الله تعالى، وهذا ليس شأنٌ غريبٌ، إنما غريب على أمثالنا من الغرباء الذين لا يتلذذون من القرآن، ذكر سيرة عمر بن العزيز، أنه دخل المسجد ذات يوم، يقول رجل دخل المسجد، لا أدري من هو، فوقف بعد صلاة العشاء يصلي، فقرأ الفاتحة؛ ثم قرأ قول الله تعالى؛ {إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ} سورة الواقعة، الآية: (1-2-3 ، يقول فما جاوز خافضة رافعة،  بقى يردد إلى الفجر، قول الله تعالى خافضة رافعة وهو يبكى، الله أكبر، يقول لما خرجت تبعته، وقلت من هذا الرجل  الذي أمضى ليلة تامة،  يقرأ قول الله تعالى خافضة رافعة، فإذا بالرجل خرج من المسجد ودخل بيت الخلافة، دار الخلافة، فعلمت إنه عمر بن عبدالعزيز، الله أكبر، القرآن إذا باشر القلب، وجد العبد لذةً وانشراحًا، وسرورًا وابتهاجًا، حتى لا يمل من كلام الله تعالى، بل يجد ابتهاجًا في سماعه، في تلاوته، في النظر فيها، الله أكبر يا إخواني، لا تحرموا أنفسكم هذه اللذة، والله إنها لذة، لكنها بعيدة عن كل من غفل عن تدبر وتأمل هذا الكتاب،  هذا الكتاب يا إخواني ليس حكرًا على العلماء، ولا حكرًا على الناطقين الفصحاء، إنه لكل أحد، خاطب الله به الناس  جميعًا، فقال يا أيها الناس، قد جاءتكم موعظة من ربكم،  وشفاءٌ لما في الصدور وهدىً ورحمة، للمتقين قل بفضل الله وبرحمته، فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون، إن القرآن العظيم ليس حكرًا على العلماء ليتدبروا،  إنما هو لكل من آمن بالله تعالى، بل إن أثر القرآن، يمتد حتى إلى القلوب الغافلة، إذا انتبهت ولاحظت ما في هذا القرآن من العجائب، يقول جبير بن المطعم دخلت المسجد على رسول الله، وهو في الكفر قبل الإسلام وهو في صلاة المغرب يقرأ سورة الطور، فلما سمعت قول الله تعالى، في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، (أم خلقوا من غير شيء،أم هم الـخالقون كاد قلبي يطير ) الله أكبر، ما أعظم أثر القرآن لمن تدبره واتعظ به، ونظر إليه نظرة صادقة  هذا رجل مشرك، يكاد قلبه يطير تأثرًا بالقرآن، ونحن نحفظ القرآن منذ نعومة أظفارنا، لكننا لا نجد هذه الأثر، كثير منا لا يتذوق هذه اللذة، لا يجد للقرآن أثرًا في سلوكه وعمله، هذه غفلة كبرى، مصيبة عظمى، إن غفلة الناس عن القرآن هي سبب كثير من الإشكالات التي يعيشونها  في حياتهم الخاصة، في حياتهم العامة، في مشاكل الأمة عمومًا وخصوصًا، إننا بحاجه إلى أن نباشر القرآن، وأن نعود أنفسنا التدبر له، والأمر لا يمكن أن  يأتِ بين عشية وضحاها، يحتاج إلى ممارسة تدرج، يحتاج إلى معالجة يحتاج إلى إحضار قلب، وأنا أدعو كل واحد منا أن يبدأ  تدبر للآيات، التي يقرأها كثيرًا، كلنا نقرأ سورة الفاتحة، {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} سورة الفاتحة، الآية: (2-3-4-5) .

 هل استوقفنا مرة من المرات، قول الله تعالى؛ مالك يوم الدين، الله أكبر، تصور يوم الدين هو يوم القيامة، يوم الجزاء الدين هو الحساب، مالك يوم الدين، تصورت نفسك في ذلك اليوم، الذي لا مُلك فيه لأحد إلا لله تعالى،  تصورت عظيم فقرك لله تعالى، هل وقفت عند قول الله تعالى، إياك نعبد وإياك نستعين، هل أنت محقق لهذا المعنى؟ هل أنت فعلًا لا تعبد إلا الله تعالى؟ هل نحن فعلًا لا نستعين إلا به جلَّ وعلا؟ إننا نشك أن كثيرًا منا لا يقف هذه الوقفات، ثم سل نفسك هذا الصراط الذي  تسأله، كل يوم فتقول، اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم، ولا الضالين، ما هذا الصراط؟ أي صراط تسأل؟ إنك تسأل الهداية إلى الإسلام، الهداية إلى العلم النافع والعمل الصالح،  هل تدبرنا هذه المعاني؟  مع كوننا نقرأ  هذه السورة ونستمع إليها في صلواتنا، إننا في غفلة عن التدبر، نقرأ الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين،  دون توقف وتدبر، مرة من المرات، عود نفسك تقف عند كل آية في كل صلاة، قل الحمد لله، إذا قرأت {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} سورة الفاتحة، الآية: 1 ، تأمل على أي شيء تحمد ربك، تحمد الله تعالى على نعم كثيرة، وعطايا كثيرة، وبر لا منتهى له، تحمد الله تعالى على العافية، والعفو، على الصحة والمال والولد، على ألوانٍ من المبرات، حتى لو كنت معدمًا، لا تملك درهمـًا، فأنت فيك من نعم الله ما يستوجب أن تقول بصدق؛ الحمد لله رب العالمين، هو الذي  مدك بالسمع والبصر، من أجرى الدماء في عروقك؟ إنه الله، أفلا يستحق أن يحمد ويشكر؟ هل نقف عند هذه المعاني؟ لما نقرأ مثل هذه الآيات، قليلون هم الذين يتدبرون القرآن يا إخواني،  فنحن في شهر القرآن، فلنتدبره ونحن نستمعه من الأئمة، لنتدبره ونحن نقرأه في المصاحف،  لنتدبره في كل ظرف، ومكان ولنعلم إنه بقدر تدبرنا للقرآن، بقدر ما نفوز ببركته وخيره، النبي صلى الله عليه وسلم، يقول؛ (اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه) ليست الصحبة فحسب؛ أن تقرأ القرآن وتختمه  صحبة تلاوة، الصحبة الحقيقية؛ المنشودة المطلوبة هي صحبة المعاني، والتفهم والتدبر لكلام الله، وهو ليس أمرًا عسيرًا، الشيطان يصعبه ويثقله، ويجعل بيننا وبين فهم القرآن حوائل وموانع ، حتى لا نستفد منها، لكننا في مثل  هذا الشهر، ينبغي أن نبذل جهدًا، وأن نتقدم خطوةً، وأنا أقول نبدأ بالسور التي نقرأها  دائمًا، أو السور التي نسمعها دائمًا، فنحاول نتدبرها ونتفهم معانيها،  سندرك خيرًا كثيرًا إن شاء الله تعالى، شاء الله تعالى رمضان حقًا، إنه درة المواسم، لأنه الشهر الذي  يكثر فيه الإحسان،  قولًا وفعلًا وعملًا، وجودًا وبرًا  وكرمًا، شهر تزكوا فيه النفوس، فتتخلص من كثير من الآفات، شهر كان رسول صلى الله عليه وسلم، يجود فيه بالخير الكثير، حتى يتضاعف جوده، في هذا الشهر، صلى الله عليه وسلم، أفلا يستحق هذا الشهر، أن يكثر فيه خيرنا، إن كثيرًا من الناس يكثر شرهم في هذا الشهر، من جهة المعاملة مع الناس،  فتجده فظًا في معاملة أصحابه، شديد الانفعال مع أهله وزوجه، سريع الغضب في قضايا لا تثير غضبًا، هذا بسبب الصيام؟ لا، الصيام يدعو إلى الجود، وأجود الجود، أن تجد بما تملك، فإن كنت تملك مالًا، وخلقًا حسنًا فجد بهما،  وإن كنت لا تملك مالًا، فجد بخلقك الطيب، وإعانتك لإخوانك، فالجود ليس مقصورًا على لونٍ من العطايا، فلا عذر لأحد فتبسمك في وجه أخيك صدقة، الكلمة الطيبة صدقة، النبي صلى الله علية وسلم، في هذه الشريعة فتح الباب على مصرعيه،   لكل من سعى وعمل، حتى الذي  لا يستطيع أن يتكلم، يقول أنا والله سلبني الله النطق، يقول هناك سبيل تستطيع أن تجد به، وهو أن تجد بالنية الصالحة،والعزيمة الصادقة على العمل الصالح، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم، إن أقوامًا بالمدينة، في غزوة تبوك  خرج في غزوة شديدة  وليس فيها من المال ما يكفي، وهى ذات العسرة، خرج فيها صلى الله عليه وسلم، مع نفر من أصحابه لمقابلة أقوى جيش في ذلك الزمان، فكان النبي صلى الله عليه وسلم، نصره الله وعاد بلا قتال، فكان أن قال لأصحابه لما رجع إلى المدينة، في طريقه أن أقوامًا بالمدينة، ما سيرت مسيرة، ولا نزلت معديًا إلا شاركوكم في الأجر، يعنى شاركوكم  واشتركوا معكم من الثواب، والله تعالى قال صلى الله عليه وسلم، هم من المدينة،  نعم حبسهم العذر، صارت قلوبهم،  وإن تخلفت أبدانهم لكنهم، عذروا بسبب ما أصابهم من المرض والعذر الذي  أقعدهم  فينبغي لنا أن نجُد بما نستطيع فإن عدمنا كل شيء يمكن أن نجُد به، فلن نعدم عزيمة صادقة ونية صالحة، نتقرب بها إلى الله تعالى، والله كريم منان، يعطي العبد على النية شيئًا عظيمًا من الأجر والثواب، ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله، ثم يدركه الله الموت، رجل خرج للهجرة لله ورسوله، ثم مات في الطريق، يذهب عمله هباءًا لا،  فقد وقع أجره على الله، الله أكبر ما أعظم من ربنا وما أعظم نواله جلَّ وعلا، أيها الأخوة الكرام أيها الأخوات الكريمات، إن هذا الشهر شهر يتلطف الله تعالى على عباده، بألوان من الألطاف ويمن عليهم بأنواع من الهبات، فمما ينبغي أن يسارع إليه العبد تطلب ليلة القدر، تلك الليلة الشريفة،  التي هي درة هذا الموسم، هذا الموسم درة المواسم،  ودرة هذا الموسم ليلة القدر، فمن وفق إليها وفق إلى خير كثيرٍ، إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ)وفي الآية الأولى وفي سورة القدر  قال تعالى {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} سورة القدر، الآية:1  ، ثم جاء تعظيم هذه الليلة، قال وما أدراك ما ليلة القدر، هذا الأسلوب في القرآن العظيم، يبين عظيم شأن هذا الخبر، ما أدراك؟  كيف تحيط بهذه الليلة، وفضلها وما فيها من الخير ليلة عظيمة،  ليلة فيها من البر والإحسان ما ينبغي أن يجتهد فيه الإنسان، ما ينبغي أن يجتهد فيه الإنسان، اجتهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لإدراك فضل هذه الليلة فقام العشر الأواخر، واعتكف العشر الأواخر طيلة حياته، تطلبًا لفضل هذه الليلة طلبًا لفضل هذه الليلة، اعتكاف صلاة، صيام، قيام، دعاء، إحسان، كل ذلك من العمل الصالح، الذي  يضاعف فيه الله تعالى الأجور،  تعلو فيه أجور العباد في هذه الليلة، وهذه الليلة في العشر الأواخر، منتقلة يا إما ليلة  22 أو 23 ،  وأرجى ما تكون في الليالي الأوتار من العشر الأخيرة، فليجتهد المؤمن فيها، وليسابق إلى الخيرات، ولا يحرم نفسه، فإن المحروم من حرم خير هذه العبادة، وهذه الليلة المباركة، التي نسأل الله تعالى، أن يبلغنا إياها، وأن يرزقنا فيها البر والعمل الصالح، أيها الإخوان إن أعظم ما يخرج به، من أعظم ما يخرج به العبد من هذا الشهر، أن يتزود بزاد التقوى، زاد لا يثقل حامله بل يرفع حامله التقوى، كل زاد يحمله الإنسان يثقل به ويقل سيره، ويضعف خطوه إلى الأمام، كل الحمل لو هذا الكأس حملته لكان سيرك مختلفًا، إذا لم تحمله لكن التقوى تطير بك، تسير بك فتزود بها، ولذلك قال جلَّ وعلا، فتزودوا فإن خير الزاد التقوى، خير ما يخرج العبد به من هذا الشهر  زاد التقوى، الذي جعل الله تعالى صيامه سببًا لإدراكه، فقال تعالى؛ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون} سورة البقرة، الآية: 183   فطوبى لمن كانت التقوى بضاعته في شهره، وبحبل الله معتصمًا، إن هذه الليالي تنقضي وتزول، وتذهب وترتحل، لكن الذي يبقى هو ما أودعه الإنسان فيها من صالح العمل، فما هي إلا ساعة، ثم  تنقضي ويصبح ذو الأحزان،  فرحان جاد هي أيام وليالي تبقى ما كان فيها من العمل الصالح، المرصد للعبد شهر رمضان درة المواسم، لأنه يذكرنا نصر أمتنا، يذكرنا عز هذه الأمة، وانتصاراتها،  فهو شهر يعيد الثقة إلى النفوس، بأن نصر الله لهذه الأمة، باق هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، فهذا الشهر يتذكر المؤمن ما يكون من نصر الله لرسوله في بدر، يتذكر المؤمن ما يكون، أو ما كان لنصر الله تعالى لرسوله، صلى الله عليه وسلم، في الفتح فيفرح بذلك، ويستعيد شيئًا من الثقة، التي ينبغي  أن لا تتزعزع بسبب كثرة الوارد من الإشكالات  على هذه الأمة، الأمة منصورة الحق ممتحن، ومنصور فلا تعجب فهذه سنة الرحمن، فينبغي لنا أن نجدد العهد بالثقة بالنصر، وأن نعمل لعز أمتنا وعلوها واجتماعها، وإزالة الفرقة عنها،  وظهورها في كل المجالات، ليس فقط في مجال التعبد فحسب، بل الأمة تحتاج إلى الريادة والتقدم والقيادة في كل مجالات الحياة، فأمتنا أمة عز جاءت لصلاح الدنيا وصلاح الآخرة، لم تأتِ فقط لتصلح آخرة الناس، ومعادهم ويفسد معاشهم ودنياهم، بل جاءت في تكميل مصالح الدنيا، ومصالح الآخرة.

 أسال الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يرزقنا وإياكم بر هذا الموسم العظيم، وأن يعيننا فيه على الطاعة،  اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العلا، وإنك جواد كريم تمن بالهبات، وتعطي النوال، وتجزي على القليل الكثير،  نسألك بمنك أن توفقنا إلى قيام ليلة القدر، يا رب العالمين، اللهم ارزقنا الصيام إيمانًا واحتسابًا، والقيام إيمانًا واحتسابًا، وأعنا فيه على ما تحب وترضى، إنك جواد كريم،  وأصلِي وأسلم على البشير، نبينا محمد وعلى أله وأصحابه أجمعين.

جزى الله شيخنا الفاضل خير الجزاء، على هذه الكلمات المضيئة، التي شرح بها الصدر، وأنار بها القلوب، والله نسأل أن يضاعف له الأجر والمثوبة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

المادة السابقة
المادة التالية

مواد تم زيارتها

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف