الثلاثاء 15 صفر 1443 هـ
آخر تحديث منذ 6 ساعة 59 دقيقة
×
تغيير اللغة
القائمة
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو Hausa
الثلاثاء 15 صفر 1443 هـ آخر تحديث منذ 6 ساعة 59 دقيقة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأعضاء الكرام ! اكتمل اليوم نصاب استقبال الفتاوى.

وغدا إن شاء الله تعالى في تمام السادسة صباحا يتم استقبال الفتاوى الجديدة.

ويمكنكم البحث في قسم الفتوى عما تريد الجواب عنه أو الاتصال المباشر

على الشيخ أ.د خالد المصلح على هذا الرقم 00966505147004

من الساعة العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهرا 

بارك الله فيكم

إدارة موقع أ.د خالد المصلح

×

لقد تم إرسال السؤال بنجاح. يمكنك مراجعة البريد الوارد خلال 24 ساعة او البريد المزعج؛ رقم الفتوى

×

عفواً يمكنك فقط إرسال طلب فتوى واحد في اليوم.

مرئيات المصلح / برامج المصلح / الدين والحياة / الحلقة (9)الإشاعات والأضرار المترتبة على نشرها

مشاركة هذه الفقرة

الحلقة (9)الإشاعات والأضرار المترتبة على نشرها

تاريخ النشر : 28 صفر 1440 هـ - الموافق 08 نوفمبر 2018 م | المشاهدات : 3165

المذيع: بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ومرحباً بكم مستمعينا الكرام إلى برنامجكم الأسبوعي "الدين والحياة"، والذي يأتيكم عبر إذاعتكم إذاعة "نداء الإسلام" من مكة المكرمة، في هذه الحلقة يسعد بصحبتكم إعداداً وتقديماً محدثكم عبد الله الداني، والتنسيق واستقبال المكالمات الزميل خالد فلاته، ومن التنفيذ على الهواء الزميل محمد با صويلح، كما يسعدنا مستمعينا الكرام أن نرحِّب بضيفنا وضيفكم في هذا البرنامج ضيفنا الدائم صاحب الفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور خالد بن عبد الله المصلح المشرف العام على فرع الإفتاء بمنطقة القصيم، وأستاذ الفقه بجامعة القسيم، السلام عليكم ورحمة الله يا شيخ خالد..
الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحباً وأهلاً وسهلاً بك، وحيَّا الله الإخوة والأخوات.
المذيع: حيَّاكم الله يا شيخ خالد، وكذلك نحن في حديثنا في هذه الحلقة بإذن الله سبحانه وتعالى سيكون عن الشائعات وخطرها؛ لأن الشائعات كما تعلمون مستمعينا الكرام خطرها عظيم، ولها آثارها السلبية على الفرد والمجتمع والأمة، حيث أشعلَت الحروب وأهلَكت القُرى، وأبادت الجيوش، وأثارت الغِلَّ والحقد في الصدور، إضافةً إلى أنها طبعاً في هذا العالم الذي بات فيه وسائل التِّقنية باتت فيه أكثر انتشاراً وتطوراً، ربما أصبحت الإشاعة في هذا الوقت أكثر رواجاً، وأبلغَ تأثيراً، لذا خصَّصنا هذه الحلقة للحديث عن الشائعات وخطرها.
أيضاً مستمعينا الكرام يمكنكم أن تتواصلوا معنا وأن تتفاعلوا من خلال هذه الحلقة، وهذا الموضوع المهم عبر رقم  0126477117 والرقم الآخر 0126493028 أو على الواتساب على الرقم 0556111315 كما يمكنكم أن تشاركونا عبر تويتر على هاشتاج برنامج الدين والحياة.
إذاً مستمعينا الكرام نبدأ حلقتنا ولكن بعد هذا الفاصل.
المذيع: مرحباً بكم مجدداً مستمعينا الكرام إلى برنامجكم "الدين والحياة"، ونذكِّر من ينضم إلينا الآن بأن موضوعنا عن الشائعات وخطرها، نرحب أيضاً مجدداً بضيفنا الشيخ خالد المصلح، مرحباً بكم يا شيخ خالد، وحديثنا عن الشائعات في البداية ما هي الشائعات؟
الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحبا بك يا أخي عبد الله ومرحباً بالإخوة والأخوات من المستمعين والمستمعات، وأشكرك على هذا اللقاء، وأسأل الله  أن يكون مباركاً، وأن نخرج فيه إلى خلاصة في هذا الأمر المهم وهو ما يتعلق بالشائعات وأثرِها وخطرها وما يتصل بها.
الشائعات جمع الشائعة، والشائعة هي مأخوذة من شاع الأمر، وهو في اللغة دائر على الظهور والانتشار والتفرُّق والذُّيوع، فالإشاعة هي ما شاع وسار في الآفاق وظهر بين الناس، هذا أصلها في اللغة.

وأما استعمالها بين الناس، فالشائعة والإشاعة تُطلق على ما يَنتَشر من الأخبار بين الناس، مثل الأخبار والوقائع والأحداث، وأيضاً التوصيات دون أن يكون لها مصدر موثوقٌ، دون أن يستند إلى مصدر ولا يستند إلى دليل.
فكل كلامٍ يشيع وينتَشر بين الناس سواءً كان ذلك الكلام مما يتعلق بأمر الدين أو بأمر الدنيا، بأمر الأشخاص الأفراد أو بأمر المجتمعات، بالأمر السياسي أو الاقتصادي، بالأمر الطبي، أو سائر ما يهتم به الناس، كلُّ هذا إذا انتشر وشاع بين الناس، وليس له مستندٌ يعزِّزه ولا مصدر يوثقه، فهو مندَرج في معنى الشائعات التي يتحدث المتحدثون عن خطرها أو يتكلم الباحثون في أثرها الرديء على المجتمع وعلى الناس، وعلى الأمم والأفراد.
فالخلاصة أن الإشاعة هي: خبرٌ ينتشر غير متثبت فيه، لا له مصدرٌ ولا عليه دليل، هذا باختصار موجَز في ما يعرف بالإشاعة.

 وبعض علماء الاجتماع والإعلام، بل حتى بعض علماء النَّفس الذين يشتغلون فيما يتعلق بالحرب النَّفسيَّة وما إلى ذلك بأنها عبارة عن نبأ أو حدث، يعني خبر أو واقعة قادرة على الانتشار والانتقال من شخص لآخر، وقادرة على زَعزعةِ الرأي العام أو تجميدِه دون التثبُّت منه، يعني ليس له مصدر يثبِّته ولا له دليل يصيبه، وهذه هي السِّمة الدارِجَةُ في الإشاعة أنها عارِيَة عن مصدر يُتحقق منه من حيث صحَّتُها، وعارية أيضاً عن دليل يُسنِدها، وإنما هي مقولةٌ تنتَشر بين الناس تتعلَّق بخبر أو بحدث يتكلَّم عنه الناس ويُدِيرونه بينهم دون أن يكون له مصدر.
ومن خلال هذا الكلام المتقدِّم قبل قليل لا تنحصر الشائعة في جانب من جوانب الحياة، يعني ليست الشائعات فقط في الأُمور الدينية أو الأمور الشخصية أو الأمور الاقتصادية أو الأمور السياسية، أو الأمور الطبِّية، بل كل هذا مندَرِجٌ تحت الشائعة إذا تحقَّق فيه الوصفُ المذكورُ في أيِّ شأنٍ كان، طبِّي صحِّي علمي، شرعي ديني، سياسي اجتماعي اقتصادي، يعني وهلمَّ جرًّا من الأمور التي تنتشر بين الناس، هذا ما يتعلق بالشائعة.
المذيع: جميل، بعد أن وضَّحنا موضوع الشائعة وربما المقصود َمنها، ومعنى هذا المصطلحِ، ربما نتَّجِه أيضاً إلى جانب آخر، هل هذه الشائعة تم التَّعرُّف عليها في هذه الأزمنة المتأخِّرة، أم أن لها جذوراً في السابق ولها تأثيراتٌ وغير ذلك، ربما من خلال سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام، هناك بعض النماذِج أو بعض الوقائع التي حصَلت فيها مثلُ هذه الأمور.
الشيخ: لا، الشائعة ليست أمراً حديثاً، الشائعة قديمةٌ قِدَمَ الإنسان، فهي تتعلق بجزء منه وهو الخبر والقول الذي ينتشر بين الناس، الشائعة تاريخها يبدأ من خلق الله تعالى للإنسان، فمنذ أن خلق الله تعالى آدم وحوَّاء والناس على سَجيَّة معيَّنة في أحاديثهم، وإن اختلفت عصورهم، وإن اختلفت وسائل النقل لكلامهم، لكن هي في الجملة دائرة على شيء متعارف واستعمله البشر كلهم.
بل يمكن أن يقال: إن القرآن حَفِظَ من أخبار النبِيِّين السابقين ما هو واضح في أثر الشائعة الرديئةِ على أهل الحق والإصلاح والصلاح، حيث أن المشركين الذين سعوا في إضلال الخلق وصدِّهم عن سبيل الله، كان من أبرز ما يعمَدون إليه ويستندون إليه في هذا الإفساد الذي تورطوا فيه هو رمي الأنبياء بالتُّهم وإشاعة مقالَة السوءِ عنهم، ولذلك ذكر الله تعالى في كتابه عن أهل الكفر فيما قالوه في أنبيائهم أشياء كثيرة مما يتصل بمعنى الشائعة، أي أنها مقولةٌ عارية عن دليل، خالية من مستند ليس لها ما يعضِّدها.
ولذلك قال الله تعالى في بيان أثر الشائعة في الصدِّ عن الحق، {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} [الذاريات:52] ، هذه سَجيَّة الأوَّلين، وهذه طريقة المعاندين المكذِّبين في الصد عن سبيل الله، يقول الله تعالى: {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ} [الذاريات:53، 54] إلى آخر ما ذكر الله تعالى.

 فهذه الآية الكريمة واضحة في أن الإشاعة كانت وسيلةً من وسائل أهل الزَّيغ والضلال في الصدِّ عن سبيل الله، وفي الردِّ عن الهدى وعن قبول دعوة الأنبياء، وقد وصف قوم نوح نوحاً بأنه مجنون، وقالوا في هود: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [الأعراف:66] ، وقالوا في موسى: {إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} [الأعراف:109] ، اتهمَه فرعون بإرادة الفساد في الأرض: {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر:26]
المقصود أن هذا ليس شيئاً جديداً، يمكن أن نقول الجديد حتى في زمن النبي –صلى الله عليه وسلم- ثمة وقائع حدثَت فيها الشائعات، وكيف تلقَّاها النبي –صلى الله عليه وسلم-، وكيف وجَّه القرآنُ في معالجتِها ولعلَّنا نناقشها في محورٍ مستقلٍّ، لكن الذي جدَّ في حياة الناس هو اختلافُ وسائل انتشار هذه المقولات، وانتشار هذه الشائعات بين الناس، هذا الذي يمكن أن يكون قد جدَّ وانتشر، أو اختلفت به الطرائق.
المذيع: جميل، شيخ خالد فيما يتعلق أيضاً من جانب مهم ألا وهو موقف الشرع المطهَّر مِن مثل هذه الشائعات فيما يتعلق بالناقِل والمستَقبِل لهذه الشائعات؟
الشيخ: هو عندما نُدرك أن المؤمن مأمورٌ بأن يتَّقى الله تعالى في قوله لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [الأحزاب:70] ، ولقول النبي –صلى الله عليه وسلم-: ((مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)) [البخاري:6018] ولقول الله -جلَّ وعلا-: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق:18] ، عندما يَستحضِر المؤمن هل هي المعاني الشرعية التي أكَّدت على ضرورة العناية باللسان وحفظه وترقب ما يصدر عنه؟، ومحاسبة النفس عما يكون منه؟، وأن الكلمة قد يحصل بها للإنسان هَلَك من حيث لا يشعر، كما قال النبي –صلى الله عليه وسلم- « إنَّ الرجل لَيَتكلّم الكلمةَ لا يُلقِي لها بالاً يُلقَى بها في نار جهنَّم سبعينَ خريفا». [البخاري:6478]
 إذا تحقَّق المؤمن هذا المعنى، فإنه سيكون رقيباً على قوله وسيحفظ ما يكون منه، وسيَعتَني بما يصدر عنه، ويسعى إلى البعد عن كل ِّما يمكِن أن يكون سبباً في إشاعة الشرِّ والفساد في نشر المعاني الرديئة بين الناس؛ لأنه معلوم أنه سيحاسَب على هذه المقالة، وقد جاء في النصوص ما يدل على أنه لا يكفي في تسويغ نقلِ الحديث أن تسمَعه، بل ينبغي أن تتحقق منه، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة –رضي الله تعالى عنه- أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «كَفَى بالمرء كَذِباً أن يحدِّث بكلِّ ما سمِع» [مسلم:المقدمةص10 بهذا اللفظ] هذا من حيث النقل، ((كفى بالمرء كذِباً)) أي يكفيك من الكذب، نصيبُك وافي من الكذب إذا كنت تحدِّث بكل ما تسمعه، هذا معنى الحديث ((كفى بالمرء كَذِباً)) أن يحدث بكل ما سمع، فإنَّ من حدَّث بكل ما سمع، لابد وأن يَقَع في كذبٍ شاء أم أبى، ولهذا جعل النبي –صلى الله عليه وسلم- هذا نصيباً كافياً في أن يكون الإنسان واقعاً في الكذب أن يحدث بكل ما يبلُغُه وبكل ما يسمعه.
ولهذا كثر من ينقُل الحديث بين الناس بقوله: يقولون، وقالوا، وسمعنا، ويقال، وزعموا، هذا كله مما نَهَت عنه الشريعة، وقد قال النبي –صلى الله عليه وسلم- فيما رواه أصحاب السنن بإسناد لا بأس به ((بئس مَطِيَّة الرجل زعموا)) [أبو داود في سننه:4972. وصححه الألباني في الصحيحة:866] أي بئس ما يستنِد إليه الإنسان في نقلِه للأخبار وحكايتِه بالأقوال بين الناس أن يكون مستنده قوله :زعموا، أي قالوا، أي ما يسمونه الناس منقول، أو منقول أحياناً مثل في الرسائل النصية، ووسائل التواصل الحديث وسنأتي عليها إن شاء الله تعالى.
هذا فيما يتعلَّق بنقل الكلام وإشاعة الشائعة والتحدِّث بها، يا أخي ويا أختي يعني الأمر ليس باليسير، ولا تقول: والله أنا ما قلت وأنا ما كذبت، نعم، أنت يكفيك من الكذب أن تنقل كل ما تسمع، لاسيَّما إذا كان هذا يتعلق، قد يتضمن أحياناً، قد تضمَّن الإشاعة غيبةً، قد تضمَّن قذفاً، قد تضمن تفرقةً وإشاعةً للفساد بين الناس، وإغارة صدورِ الرَّعية على الراعي أو العكس؛ فلذلك يجب على الإنسان أن يتحرى في قوله ما يكون خيراً، لقول النبي –صلى الله عليه وسلم- في قاعدة: «مَن كان يؤمنُ بالله وباليوم الآخر فَلْيَقل خيراً أو لِيَصْمت». [تقدم تخريجه]
وفي حديث سمُرة بن جُندُب وهذا فيما يتعلق بنقل الحديث، وأما فيما يتعلق بالإشاعة، أحياناً الإنسان يكذب وينسب شيئاً لأحد، أو لخبر أو واقعة، وتطير في الآفاق، هذا فيه الوعيد الشديد الذي جاء في حديث سمُرة بن جُندُب، وهو ما رآه النبي –صلى الله عليه وسلم- في منامه حيث قال –صلى الله عليه وسلم-: «رأيت رجلين أتياني قالا لي الرجل الذي رأيته وقد رأى النبي في منامه رجلاً يؤتى كاللوب أو شيء من الحديد، فيشَقُّ شدقُه من فمِه إلى آخر وجهه، وكذلك أنفه، وكذلك عينه، فقال له بعد ذلك، قال الرجل الذي رأيت يشق شدقه فكذابٌ يكذب بالكِذْبَة تُحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيُصنع به هذا إلى يوم القيامة» [صحيح البخاري: 6096مختصرا] هذه عقوبة أنه في الحياة البَرزخِيَّة، فهذه عقوبةٌ الآن في الحياة البرزخية وليست في الآخرة، هذا الذي يُشِيع الشائعات الكاذبة وينشُر المقالاتِ الردِيئةِ والأكاذيب المفسِدة وتَطير في الآفاق حتى تَبلُغ الآفاق، هذه عقوبته أنه يوَكَّل به مَلَكان، يوكَّل به رجل يشق شدقه إلى قطعة، وهذا يصنع به إلى أن يقيم الله تعالى القيامة.
فحريٌّ بالمؤمن أن يتحرَّى فيما يقوله، وأن يتَّقيَ الله تعالى بأن لا يكذب في واقعةٍ أو خبر.

 والكذب لا يلزم أن يكون الكذب في أصل الخبر، يعني قد يكون الخبر له أصل، لكن يُزاد فيه ويُنقص ويُضاف إليه ما يخرجه عن سياقه، فهذا أيضاً نوع من الكذِب؛ لأن الكذب ليس فقط بإنشاء الأخبار التي لا حقيقة لها، بل يكون الكَذِب أيضاً في الزيادات التي تُضاف إلى الأقوال، بما يكون مبالغةً وبما يكون فيه زيادات، فلذلك يجب على المؤمن أن يتحرَّى فيما يتكلم به، وأن يعلم أنه مسئولٌ عن قوله.
المذيع: شيخ خالد، أحياناً ربما يَتناقَل مثل هذه الأخبار المكذوبة والشائعات ويقول: أن نيَّتي حسنةٌ، ولا أقصد بها سوءاً أو مكروهاً أو غير ذلك، أولاً ما حكم هذا الأمر؟ وكذلك أيضاً بالنسبة للجاهل يعني ما هو الحكم في هذا الشأن بالنسبة له؟
الشيخ: هو يا أخي المؤمن إذا انطلق من أصل حفظ اللسان، وألا يتكلم إلا بما فيه خيرٌ، وقِي بهذا كل هذه المسالك الرديئة التي تُوقِعه في الشرِّ والفساد، وكون الإنسان يقول: أنا والله لم أقصد سوءًا ولم أتكلم به، فالنَّقل في حدِّ ذاته سوء إذا لم يتثبت منه، لاسيما إذا كان نقلاً لما يؤدي إلى الفساد بين الناس، وإلى التنقُّص لهم، وإلى إشارة إشاعة المخاوِف، ولذلك يستعمل الأعداء في كثير من الأحيان الإشاعةَ لتحقيق مآربهم من التسلِّط على أعدائهم والنَّيل منهم بهذه الطريقة، وهي إشاعة الكلام الرديء، وقد يجدون في المسلمين وفي أهل الإيمان من يستَمِع لهم، كما قال الله تعالى: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} [التوبة:47] ، والله تعالى قد تهدَّد المنافقين في كتابه في هذا الشأن؛ لأن المنافقين من أهل الإرجاف ونقل الشائعات ولهذا من خصال النفاق إشاعةُ المخاوِف والإرجاف، واستعمالُ الشائعات لزَعْزَعة أمن أهل الإسلام والتفريق بينهم، والله تعالى يقول: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا} [الأحزاب:60]
والدليل أن هذا المَسلَك مسلكٌ خطير ورديء يقول فيه -جلَّ وعلا-: {مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} [الأحزاب:61] ، فهذا يدلُّ على أن الموضوع خطير، وأنه ينبغي للإنسان أن يتحرَّى، وكون الإنسان قَصْده حسنًا لا يبرِّر له أن ينقُل ما يحصُلُ به الفساد، أو قصد الحسد لا يصحِّح الفعلَ، الإنسان يقول: ما قصدتُ ما أردت، يعني أنت الحين لو تمشي وتصدم لك إنسانًا ويموت، وهذا قتل خطأ يترتب عليه من الأحكام ما بيَّنه الله في كتابه، مع أنك لم تقتل لكن كون الإنسان يخطئ لا يعني هذا، أو لا يقصد، لا يعني هذا أنه بريء من المؤاخَذة، أو بريء مما قد يترتَّب عليه في قوله، لاسيَّما وأن الأصل فيما يتكلم به الإنسان أن يكون محافظاً على قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة:119] ، ويقول جلَّ وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [الأحزاب:70] ، والنبي –صلى الله عليه وسلم- يقول لمعاذ: ((كُفَّ عليك هذا، وأمسك لسانك)). [أحمد في مسنده:22016. وقال محقق المسند: صحيح بطرقه وشواهده]
والأحاديث في وجوب حفظ اللسان والعِنَاية بما يصدر عن الإنسان من القول شيءٌ كثير، والأمر لا يقتصر اليوم على كلام اللسان، اليوم القَلَم بريدٌللسان وبريد للقلب، فالكتابات التي تُكتب عبر وسائل الاتصال، وعبر وسائل الإعلام بشتَّى صورها ونوعها المرئي والمسموع والمكتوب، أيضاً المقروء، وبكلِّ وسائل القراءة فكانت هذه عَبْر الجرائد والمجلَّات والصحف، وعبر المواقع، وعبر مواقع التواصل، وعبر الرسائل الخاصة، كلُّ هذا يندرج في كلامنا، يعني نحن لا نحصُر الموضوعَ على اللسان فقط، بل اللسان وكل ما يتبعه من وسائل البيان، فاللسان والقلم كلاهما له شأن عظيم في الإسلام وفي كتاب الله عزَّ وجلَّ، هي نعمة من الله -عزَّ وجلَّ- يجب أن تُسخَّر في الخير، لهذا ذكر الله تعالى نعمَتَه على هذا بالنُّطق باللسان وبالكتابة، فقال تعالى: {الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ* خَلَقَ الإِنسَانَ* عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن:1- 4] ، وفي الآية الأخرى قال: {ن* وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ،*مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} [القلم:1، 2] ، فأقسم الله تعالى بالقلم الذي هو وسيلة البَيان وهو بريد اللسان وبريدُ القلب، وبه يتَّضِح ما في خاطر الإنسان، فالكلُّ واحد في وجوب العناية والحرص.
المذيع: نعم، شيخ خالد هذا فيما يتعلق بإرسال الشائعات والإسهام في نشرها وغير ذلك، أتكلَّم أيضاً في جانب استقبال الشائعات عندما يصل للمسلم أيُّ معلومة تصل إليه يمكن ربما تكون فيها لم يتثبت منها، ويكون ليس لها مصدرٌ معين يتثبت منه، ما هو الموقف الذي يُفترض أن يقف به المسلم عند هذه الأخبار والرسائل التي تأتي أحياناً بدون مصدر وبدون أمر موثق؟
الشيخ: يعني هو بالتأكيد، هذا هو الشائعة التي نحن نتكلم عنها؛ لأن كثير من الكلام ينتشر ويشاع، لاسيما في وسائل الاتصال، لاسيما في الشبكات الاجتماعية التي يتواصل من خلالها الناس، هذه الوسائل أصبحت في الحقيقة وسيلة ذات تأثيرٍ بالغ في إيصال أشياء كثيرةٍ، منها ما هو صحيح ومنها، ما هو باطل، ومنها ما هو مُفيد، ومنها ما هو ضارٌّ؛ لذلك يجب العنايةُ بها والتركيز على ضرورة التمحِيص لما يقرأه الإنسان، التمحيص لما يسمعه، التأنِّي في النشر والإشاعة لما يصل إليه.
لذلك من المهم أن يفرِز المستعمِلُ لهذه الوسائل ما يصل إليه، أنا أقول: اليوم على سبيل المثال "الواتساب" وهو أحد أبرز الشبكات التي يتم من خلالها إشاعة كثير من النشر، كثير من الأشياء، ومنها الإشاعات، "التويتر"، "الفيسبوك"، سائر أوجه التواصل، الحقيقة أنها من أكثر من الوسائل نشراً للشائعات، وقد استعملها أعداءُ الإسلام لما تعرف أنه مئات الآلاف من الحسابات الموجَّهَة للسعودية للملكة العربية السعودية، والشعب السعودي والخليج لزعزعة أهله، ولِغلق صدوره على أولاده، وإيجاد فُرقة بين المجتمع بكل وسائل التفريق التي تثار بها العصبيات بمثيرات عديدةٍ، تعرف أن الموضوع حربٌ خطيرة، وأن هذه الوسيلة وسيلةٌ ليست وسيلةً سهلة ولا وسيلة لا تأتيرَ لها، بل هي عظيمةُ التأثير كبيرة الأثر، ينبغي أن تتحرَّى قبل أن تضغط على الزرِّ لإعادة تدوير التغريدة، قبل أن تعيد إرسال ما وصل إليك من رسائل في الواتساب فينبغي أن تقف عندها.
يا أخي قف ويا أختي قفي، واعلموا أنكم مسئولون عن هذا الذي نشرتموه، فإن كان الذي ترتَّب عليه فساد، فأنتم شركاء فيه، وإن كان ترتب عنه خيرٌ فأنتم شركاء، فلذلك من المهم أن يتريَّث الإنسان في نشر هذه الأشياء، وأن يتأمَّل صحةَ ما وصل إليه، ويرجع يتحقَّق من هذه الأشياء، ووسائل التحقق مُتيسَّرَة، ومن يتحقق ومن يترك ليس ملزوماً أن ينشر كل ما يصل للإنسان، سواءً كانت معلومة طبية، معلومة دينية، معلومة سياسية، أحياناً يقول لا هذا خبر موثَّق، انظر إلى الصفحة وتوقيع المسئول وهو ليس حقيقة، اليوم بهذه الوسائل التزييف والتزوير أصبح ذلك في مُتناول أصغرِ الناس، وأسهل السُّبُل إلى إدراك المقاصد هو تزوير الخِطَاب، ونشره بين الناس على أنه وثيقة رسميَّة، وأنه يُستند إليه في تصرف أو في عمل أو في خبر أو ما إلى ذلك.
المذيع: شيخ خالد، نذكِّر مرةً أخرى بأرقام التواصل معنا في هذه الحلقة 0126477117، والرقم الثاني هو 0126493028 والواتساب على الرقم 0556111315 نرحب بكم مستمعينا الكرام في برنامج "الدين والحياة"، وضيفنا هو فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور خالد بن عبد الله المصلح المشرف العام على فرع الإفتاء منطقة القصيم، وأستاذ الفقه بجامعة القصيم، موضوع حلقتنا في هذا اليوم عن الشائعات وأخطارها، أيضاً هذا اتصال من عبد العزيز الشريف من الرياض، أخي عبد العزيز تفضل..
المتصل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المذيع: وعليكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المتصل: حياك الله يا أخي عبد الله، كيف حالك؟
المذيع: أهلاً، حياك الله.
المتصل: حياك الله يا شيخ خالد، كيف حالك يا شيخ؟
الشيخ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، الله يحييك أهلاً وسهلاً.
المتصل: حياك الله، يا شيخ هل للشائعة دور في الأمن وزعزعةِ الاستقرار؟ الأمر الثاني هناك من ينشُر الشائعات عن وليِّ الأمر والعلماء والدعاة وأهل الإصلاح، ما دور المجتمع تِجاه هذه الشائعة، وقد حصَل ذلك إلى الرسول والصحابة؟
الأمر الثالث إذا وصل إلينا خبرٌ أيُّ خبر ما هي ضوابط التعامل مع هذا الخبر؟ وهل لهذا الشخص الناقِل لهذا الخبر أثرٌ لقبوله أو رفضه؟
من المعلوم وهذا آخر سؤال، من المعلوم أن الصحابة عُدول، فهم من نَقَلوا إلينا هذا الدين، وقد قال العلماء في عدالتهم وفي صلاحهم، وفي قُربهم من الرسول –صلى الله عليه وسلم- وأن من اتَّهمهم أو أساء إليهم، فليس على الإسلام وليس من إسلامه شيء، دورنا في الدفاع عن الصحابة وعن الشائعات المغرِضَة التي تقال عنهم، وجزاك اله كل خير؟
المذيع: شكر الله لك وعليكم السلام، أيضاً هذا إبراهيم من القصيم، تفضل يا أخي إبراهيم..
المتصل: السلام عليكم
المذيع: وعليكم السلام ورحمة الله
المتصل: كيف حالك يا شيخ
الشيخ: الله يحييك مرحبا
الشيخ: الله يحييك أهلاً وسهلاً.
المتصل: أنا أرى كلامَك صحيحًا يا شيخ حيث أن الرسول –صلى الله عليه وسلم- نهى عن قيل وقال وكثرةِ السؤال وإضاعة المال، فلابد من  توعية المجتمع، وإقامة الندَوات لهم وذِكر الشائعات والأخبار هذه يجب أن يُتَثبَّت منها، أن يُسأل عن طريق الفيسبوك وتويتر وواتساب وغيرها، ليس مثل الأول، الآن وسائل الإعلام متعدِّدة، لابد من توعية المجتمع بالنواحي هذه، وكذلك يا شيخ أشهد أن لا إله إلا الله، ما يتعلق بما في الحديث بأن الرسول –صلى الله عليه وسلم- قال السمع ليس كالمعايَنَة، فالشخص الآن يأخذ بعض الأخبار على هَوَاه، ما يتأكد ولا يتثبت بما يقال، وجزاكم الله خير يا شيخ.
المذيع: شكراً جزيلاً لك، الشيخ خالد إن أردتم أن نجيب على أسئلة الأخ عبد العزيز الشريف فيما يتعلق في دور الشائعات في زعزعة الاستقرار وأمن المجتمع؟
الشيخ: بالتأكيد يعني الشائعات هي من الوسائل التي يستعمِلها الأعداء للنَّيْل من الأمن والتفريق بين الناس، وإشاعة الفوضى، وحُصُول الاضطراب، والأمن هنا ليس مقصوراً فقط على الأمن على الأنفس والأموال، على الأنفس والممتلكات، بل يشمَل حتى الأمن الاقتصادي والسياسي، وسائرَ أوجهِ الأمن، لذلك الله تعالى يقول في مُحكَم كتابِه في وصف المؤمنين: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ} [النساء:83] هذا في عمل المنافقين، {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء:83] .
فلِخطورة إذاعة كلِّ ما يسمعه الإنسان وكل ما يبلغه، أعاذ هذا الله تعالى هذا المسلك وجعله من سمات أهل النفاق، {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ} أي نشروه، {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ}، أي إلى النبي–صلى الله عليه وسلم- وأصحاب الرأي وأصحاب النظر {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء:83]    وميَّزوا بين هذه المنقولات ما هو صحيح منها وما هو ليس بصحيح، ما كان منها حقًّا فيُتَّخذ الإجراءُ المناسب له، وما كان منها باطلا رُدَّ ولم يأبه به.
والنبي –صلى الله عليه وسلم- يعني أعطانا مثالاً جليًّا في كيف تواجه مثل هذه المقولات التي يُقصد منها زعزعةُ الأمن، وإشاعة الخوف وإصابة الأمة بالهزيمة النفسية؟، يعني هؤلاء أحياناً الذين يصفون العدوَّ بقوته ويعظمون قدراتِه، ويتهكَّمون بطاقات الأمة وقدراتها، هؤلاء في الحقيقة يشاركون العدوَّ في النَّيل من الأمة، شعروا بذلك أم لم يشعروا، علموا أم لم يعلموا، ولذلك يجب في مثل هذه الأمور الوقوفُ عند المسلَك السليم، والتوقُّف عن الحديث فيما لا يعلمه الإنسان.
كثير من الناس يَتكلَّم فيما لا علم له به، مما يتعلق بتحليلات ويأخذها على أنها حقائقُ ووقائع، فيما يتعلق بالشأن العام، وبالشأن الخاصّ، ولا يخفى أن الوَضعَ مُضطَرب في المنطقة العربية وما يحيط بالمملكة أدام الله عِزَّها، وأسبغ عليها الأمن والإيمان والسلامة والإسلام، يشاهد الإنسان المَخاطِر تحيط بنا من كل جانب، وبالتالي من المُهم، ومن الضروري أن يَعلم المجتمع رجالاً ونساءً، صغاراً وكباراً، بِشتَّى شرائح المجتمع وطبقاته.

 إن المحافظةَ على هذا الكيان الذي نَنعم بخيراتِه ونَعيش فيه على وجهٍ من الرفاء والخير الذي نسأل الله تعالى أن يجعله عوناً لنا على طاعته، وألا يجعله استدراجاً مما ينبغي أن نشترك فيه جميعاً.
فإشاعة الشائعات المتعلِّقة بالوَثائق الرسميَّة على سبيل المثال المتعلقة بالعسكَريين والمواقع العسكرية، والأشياء الأمنية، كلها مما يسعى له العدوُّ لتحقيق مقاصد، والواجب على المؤمن أن يأخذ حِذره وأن يَثْبُتَ، وأن يقف أمام هذه الشائعات بما وقف النبي –صلى الله عليه وسلم- لما وقعت غزوةُ أحد وأُصيب –صلى الله عليه وسلم- المُصابَ العظيم بقتل سبعين من أصحابه، وكُسِرت رَبَاعيته وشجَّ صلى الله عليه وسلم، لمَّا انصرف المشركون جاء من جاء من الناس، وقال: إنَّ الناس قد جمعوا لكم، وهذا فيه فَتٌّ لعظمة هؤلاء الذين فيهم ما فيهم من المصاب، فالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران:173] .
المذيع: كما أنهم أشاعوا أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قد قُتل.
الشيخ: وهذا في الواقع أيضاً، لكن هنا بَيَّن القرآن كيف قابل النبيُّ –صلى الله عليه وسلم- وأصحابُه تلك الشائعات المُرجِفة التي تريد أن تدخل في هزيمتِهم، وأن تبلُغَ منهم مبلغاً عَظِيماً بعد ما أصابهم من مُصابٍ عظيم، قال الله -جلَّ وعلا-: {فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}، هكذا، ثم لما أحسنوا استقبال هذه الشائعات بِردِّها والثباتِ على الحقِّ، وأخذ بالأسباب التي بها النصْرُ، والاعتماد على الله عزَّ وجلَّ، قال: {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} [آل عمران:174] ، هذه الإشاعات وتلك الأراجيفُ وتلك الكلمات التي يُقصد منها زعزعة الأمن، ويُقصد منها إثارة أهل الإسلام عادت على قائليها وبالاً وخَسارةً، وسَلِمت الأمة منها.
بالتأكيد أَنَّها أحدُ أكبرِ وأهم الأدوات التي يستعمِلُها الأعداءُ لزعزعة الأمن، تَجِدُهم يذكرون قُصوراً في بعض الجوانب الخَدَميَّة، تجدهم يقتَنِصُون أي إخفاقاتٍ في الإنجازات، أي تجدهم يسعَون لتضخيم كلِّ الأخطاء، تجدهم يتناوَلُون الشخصيات ذاتَ التأثير في البلد من الحكام أو من العلماء أو من المفكِّرين أو بالهَمزِ واللمز والطَّعن لإسقاطهم وإزالة المكانةِ التي تجعلهم أُسوةً وقدوةً للناس، كل هذه وسائل موجودةٌ للأسف، ونقرؤها ويتعاطاها الناس بعض الأحيان بنوع من الاستِخْفَاف الذي يُشعِرُك بعدم المسئولية، يشعرُك بأن هذا شخصٌ مستَهتِر لا يعرف قدرَ خطورةِ ما يفعل، ولا قدر ما هو فيه من نعمة.
فلذلك من المهم أن نستشعر أهمية الأمن، أن نستشعر أهمية وحدةَالكلمة، وحدة الصفِّ، التوافق على الخير، التعاوُن على البر والتقوى، ولا يعني هذا بحال من الأحوال ألا يكون ثمةَ تناصُح، بل الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، لكن يجب أن يُسلك في النصيحة المسلك الذي يؤدِّي إلى تحقيق المصالح واجتناب المفاسد، لا أن تكون النصيحة مِعوَلَ الهدم، ولا أن يكون أعداؤنا يستعملون هذه الكلمات التي قد يتكلم بها بعض الناس أو بعض الرسائل التي ترسل وتداولها الناس، ألا يستعملوها للنَّيل مِنَّا، نسأل الله أن يجمع كلمتنا على الحق والهدى وأن يؤلِّف بين قلوبنا، وأن يرزقنا وإياكم البرَّ والتقوى، اللهم آمين..
المذيع: اللهم آمين، شيخ خالد، نأخذ اتصالًا، حتى نجيب على الاستفسارات مرةً واحدة، جملة من أسئلة الأخ عبد العزيز الشريف، أخي صالح الغامدي من مكة اتفضل..
المتصل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أسعد الله أوقاتكم وأوقات الجميع بكل خير وبركة
المذيع: حياك الله
المتصل: وأن يكتب للشيخ الأجر والثواب على ما قدم.
المذيع: اللهم آمين.
المتصل: مشاركتي الله يحفظكم تتعلق بما للشائعات من أثرٍ على المجتمع مثل ما ذكر الله -سبحانه وتعالى- أنها من صفة المنافقين، {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ} [الأحزاب:60] ، الإرجاف هو نقل الشائعات، وكما يقول الإمام القرطبي –رحمه الله تعالى- إن المرجفين هم قوم من المسلمين، يعني ليسوا من غيرهم، يسعون إلى نقل الكلام بين الناس، وأشار إلى الأحاديث أيضاً، لا يدخل الجنة نمَّام، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات:6] ، كل المبادئ السامية تحث على هذا وتبين آثارها على المجتمع.
لكن سؤالي للشيخ حفظكم الله آثارُها على الفرد، يعني هذا قد يؤدي بالضرر على الفرد، أن يؤثِّر على سلوكه فيتمادى ويصبح هذا المرء الذي ينقل الشائعات، وإن كان عن غير قصد الإفساد بدون تثبت هذا ينعكس فيما بعد على سلوكه، فيصبح يتمادى في هذا ويَتَساهل، حتى أحياناً قد يعلم أنها كذب، ويؤثر على السلوك ويصبح ينشر الأكاذيب وغيرها، وما إلى ذلك من الآثار التي أود من الشيخ تبيينَها؛ لأنه قد إذا عُلمت آثارها على الفرد قد تردعه هو، لكن على المجتمع، أثاب الله الشيخ وجزاه الله خير، ونسأل الله أن يكتب لكم الأجر والثواب وشكراً لكم.
المذيع: شكراً يا أخي صالح، الشيخ خالد لعلنا نستعرض السؤال الثاني للمستمع عبد العزيز الشريف الذي يتحدث عن نشر الشائعات عن ولاة الأمر، وعن العلماء، وعن المسئولين، ما دور المجتمع في مكافحة مثل هذه الأمور؟ وخاصةً يعني المسألة الكبرى ويكبر الإثم بكثرة مثلاً المسألة متعلقة بأثر كبير وضرر كبير، ما علاقة هذا الأمر بمسألة أن الإنسان يأتي بالشائعات وينشرها خاصةً عندما تتعلق بأمور كبيرة جداً تؤثر على المجتمع بشكل مباشر؟
الشيخ: بالتأكيد هذا أشَرنا إليه قبل قليل، في التعليق على أثر الشائعات في الأمن؛ لأن الأمن هو المظلة الواسعة التي يندرج فيها ما يتعلق بحفظ حقوق ولاة الأمر وحفظ أمن البلد، وكل ما يكون من أسباب استقامة الحال، واجتماع الكلمة، ونبذ الفُرقة.
لكن فيما يتعلق بما يُشِيعه الناس أحياناً عن ولاة الأمر، كثير من الأحيان ثمة أهواء يا أخي، يعني هناك أهواء خَفيَّة، وثمة جهلٌ في عواقب بعض الكلمات، ثمة هناك من يوغِر الصدور فيكون له صدًى في أَلْسُن بعض الناس، وفي ما يصدر عنهم، هؤلاء جميعاً نقول لهم، اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، ليس هذا المسلك مما يحقِّق المطلوب ولا مما يُدرَك به الإصلاح، حديثك عن ولاة الأمر بسوء، لن يصلحهم ولن يحقق خيراً، بل هو مزيد إثم وفرقة، مزيد إثم لك وفرقة وبغضاء في المجتمع، وأنا أذكر هنا قصة مختصرة موجزة،
 رجلٌ دخل على عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنه- وتكلَّم في الحجَّاج كلاماً رديئاً، قد لا يكون جاوزَ الحقيقة في وصف أفعالِه؛ لأن الحجاج من الولاة الظلمة الذين اشتدَّ ظلمهم، وعرف سوءُ سيرتِهم، لكن عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنه- أراد أن ينبِّه هذا الرجل إلى المسلك الشرعي، حتى مع هذا الوالي الذي فيه من الظلمة ومعروفٌ عبر التاريخ.
قال له سائلاً هذا الرجل، لو كان الحجاج حاضراً، أكنت تقول فيه ما قلت؟ قال: لا، قال الرجل ما أتكلم في هذا الكلام الذي قُلتُه من ذَمِّه وبيان أخطائه، ما أقوله لو كان حاضر، قال أقول أكنت تقوله لو كان حاضراً؟ قال: لا، قال له عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنه- كنا نعد هذا من النفاق على عهد رسول الله –صلى الله عليه وسلم-.
وهذا يبين خطورةَ هذا الكلام وهذه الإشاعات التي يُشيعها الناس فيما يتعلق بالأمن، فيما يتعلق بولاة الأمر، فيما يتعلق بالعلماء، فيما يتعلق بسائر المناحي، بالتأكيد أنه يتضرَّر منها الفردُ إذا كان هذا من خصال النفاق، فالنفاق مما يجب أن يَنأى عنه، وأن يحرص على التَّجَافي عنه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وهذا فيه إشارة إلى ما ذكره أخونا عبد العزيز في مسألة أثر الشائعة على الفرد.
المذيع: ما يتعلق أيضاً بضوابط التعامل مع الشائعات، ربَّما أيضاً أذكر نقطة مهمة ألا وهي، فيما يتعلق من الشائعات التي تصل لتشويه سمعة فرد أو مجتمع وغير ذلك، عندما تصل للإنسان مثلاً إلى هاتفه أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، ما هو الدور الذي يمكن أن يتعامل من خلاله الشخص الذي يطَّلع على مثل هذه الشائعات أو بعض الأمور التي فيها تشويهٌ لسمعة الآخرين؟ ماذا يمكن أن يكون من حُسن ظنٍّ وغير ذلك؟
الشيخ: بالتأكيد أن الله -عزَّ وجلَّ- قص ما جرى من شائعة الإفك التي رُمي فيها فراشُ النبي –صلى الله عليه وسلم- بسوءٍ، وهي من أعظم الحوادث ومن أكبر البلايا التي أُصيبت بها الأمة في زمن النبي –صلى الله عليه وسلم-، وهو ما أُشيع من رمي عائشة بما ضرَّها، وبرأها الله تعالى منه، وهو ما يتعلق بحادثة الإفك التي ذكر الله تعالى خبرَها [أخرجها الإمام البخاري في مواضع من صحيحه. انظر:ح2661 ] ، وشأنها في صورة النور، هذه الحادثة تُبيِّن تأثيرَ الشائعات في تفكيك الأُسر، في الإفساد في حصول الألم والأذى للأفراد بصورة يجب على المؤمن أن يقف عندها وقفَةَ تأمُّل.
والله تعالى يقول: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا} [الأحزاب:58] ، أي بغير جُرمٍ منهم، {فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب:58] ، أي ظاهر جليٌّ لا يخفى على أحد، لهذا من المهم للمؤمن أن يتأمل الطريقة القرآنية التي وجَّه الله تعالى المؤمنين في حادثة الإفك.
فإن الله تعالى أول ما ذكره قصه في محكم كتابه بعد أن ذكر {لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [النور:11] ، قال: {وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور:16] هذا التوجيه الإلهي الذي ذكره الله تعالى بعد ذكر الأحكام الشرعية، لأن الله تعالى ذكر في أول ما ذكر قصة الإفك، ذكر -جلَّ وعلا- أن وصف الذين تولَّوا وأنهم من أصحاب الإثم، {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:11] ، أول موقف أمر الله تعالى به المؤمنين عند سماع مثل هذه الأخبار التي تتعلق بالأعراض، التي تتعلق بالطعن في أهل الإيمان، لو أن سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا، وهو أن نحسِن الظنَّ في الناس.
وانظروا كيف قال: {لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ} [النور:12] ، انظر التعبير القرآني {بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا} يعني أنت عندما تظن، تَقْبَل الشائعة في أخيك في واحد من الناس، إذا قبلت الشائعة فيه فأنت تظن بنفسك سوءاً، ولذلك ما قال: {ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ} بإخوانهم قال: {بِأَنفُسِهِمْ}؛ لأن نحن مجتمع واحد، يجب علينا أن نعرف أن السيئة التي تكون في أحدنا تسوؤنا جميعاً، والحسنة التي تكون في أحدنا يحسَّن بها حالُنا جميعاً فنحن مجتمع واحد، فإشاعة مثل هذه المعاني الرديئة والإشاعات المُغرِضَة، حتى ولو كانت حقائق، يجب على المؤمن أن يواجهَها بما أمر الله تعالى به، حيث قال بالظن الحسن أولاً {ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا}، ثم جاء مسألة التثبت، جاء مسألة التثبت من ما يُقال ويَنْتَشر، حيث قال: {لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النور:13] ، أي خبر ليس عليه بيِّنَة فهو كذب، أي قول ليس عليه دليل ولا مُستَنَد فهو كذب؛ لأنه الله -عزَّ وجلَّ- جعل عدم المجيء بأربعة شهداء كافيًا في إثبات وصف الكذب لمن تكلم به.
المذيع: ربما أيضاً نختم حديثنا الشيخ خالد، لأن الوقت قد داهمنا، هنا بعض الشباب في مواقع التواصل الاجتماعي، دأبوا على إنشاء حساب يختص بالنفي ودحض الشائعات، وأسموه ب"هيئة مكافحة الشائعات" كجهد مدني لنفي الشائعات بالفعل يكون بجهد كبير بصراحة، كيف يمكن أن نقرأ هذا الجهد وكيف يمكن أن نعلق عليه؟
الشيخ: أنا أقول هؤلاء أنا لم أطلع على الموقع، كل جهد يكون فيه دحض الافتراءات وتبيين الكذب وتحذير الناس من الشائعات هو جهد مشكور وعمل مبرور، وهو من المشاريع التي ينبغي أن تُدعم ويُشكر أصحابها ولهم منا الدعاء.
 
المذيع: شكر الله لكم صاحب الفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور خالد بن عبد الله المصلح المشرف العام على فرع الإفتاء بمنطقة القصيم، وهو أستاذ الفقه بجامعة القصيم على ما أفدتم من خلال حلقتنا هذه التي تحدثنا فيها عن خطر الشائعات التي نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجنبنا ويجنب المسلمين جميعاً أخطارها وأضرارها،
الشيخ: آمين، الله يحفظك ويبارك فيكم، وأسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد ولأمتنا ولمجتمعنا الصيانة والحفظ، ولبلادنا الحفظ والعز والثناء والنصر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المذيع: ولكم الشكر الجزيل مستمعينا الكرام على حسن استماعكم وتفاعلكم معنا من خلال هذه الحلقة من برنامجكم "الدين والحياة"، هذه أجمل التحيات لكم من مُعدِّ ومقدم الحلقة محدثكم عبد الله الداني، ومن استقبال المكالمات والتنسيق الزميل خالد فلاتة، ومن التنفيذ على الهواء الزميل محمد با صويلح، لقاؤنا بكم يتجدد بإذنه- سبحانه وتعالى- في يوم الأحد في تمام الساعة الثانية ظهراً بإذنه سبحانه وتعالى، حتى ذلكم الحين وفي كل حين نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مواد تم زيارتها

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف