الاثنين 14 صفر 1443 هـ
آخر تحديث منذ 38 دقيقة
×
تغيير اللغة
القائمة
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو Hausa
الاثنين 14 صفر 1443 هـ آخر تحديث منذ 38 دقيقة

نموذج طلب الفتوى

لم تنقل الارقام بشكل صحيح
×

لقد تم إرسال السؤال بنجاح. يمكنك مراجعة البريد الوارد خلال 24 ساعة او البريد المزعج؛ رقم الفتوى

×

عفواً يمكنك فقط إرسال طلب فتوى واحد في اليوم.

مرئيات المصلح / برامج المصلح / الدين والحياة / الحلقة(19) فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا

مشاركة هذه الفقرة

الحلقة(19) فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا

تاريخ النشر : 28 صفر 1440 هـ - الموافق 08 نوفمبر 2018 م | المشاهدات : 4083

الحلقة (19) فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا
 المذيع:"بسم الله الرحمن الرحيم"
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم مستمعينا الكرام إلى هذه الحلقة المباشرة من برنامجكم "الدين والحياة"، والتي تأتيكم عبر أثير إذاعة "نداء الإسلام" من مكة المكرمة. نرحب بكم، وبجميع من يستمع إلينا الآن عبر الأثير في هذه الحلقة التي نسعد باستضافة صاحب الفضيلة الشيخ الدكتور "خالد بن عبد الله المصلح" المشرف العام على فرع الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء في منطقة القصيم، وأستاذ الفقه في جامعة القصيم،ونسعد أيضًا بالترحيب بفضيلته.

فالسلام عليكم ورحمة الله يا شيخ خالد.
الشيخ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بك، وأهلًا وسهلًا بالإخوة والأخوات المستمعين والمستمعات حياكم الله.
المذيع: حياكم الله يا شيخ خالد، وحيا الله جميع المستمعين، ويسعد أيضًا بصحبتكم مستمعينا الكرام في هذه الحلقة من الإعداد والتقديم محدثكم عبد الله الداني، كما أيضًا يسعد بصحبتكم من التنفيذ على الهواء والهندسة الإذاعية الزميل محمد بصويلح.
حديثنا مستمعينا الكرام في هذه الحلقة عن قوله -سبحانه وتعالى-: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا [الأنعام:43] في هذه الآية هناك كثيرٌ من المعاني والحِكَم التي نستقيها إن شاء الله، ونتناولها بشكلٍ مفصل، كما يمكنك أيضًا أن تتواصلوا معنا للحديث عما يطرأ لديكم من إشكالات أو استفسارات أو أسئلة حول هذا المفهوم حول ما يتحدث عنه في هذه الحلقة للأرقام التالية:
• 0126477117
و0126493028.
إذًا مستمعينا الكرام موضوعنا في هذه الحلقة عن قوله -سبحانه وتعالى-: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا [الأنعام:43] .

ونسعد أيضًا بالتواصل من خلالكم والتفاعل في هذه الحلقة إذًا أهلًا وسهلًا بكم وحياكم الله إلى برنامجكم "الدين والحياة".
المذيع: حياكم الله من جديد مستمعينا الكرام إلى برنامجكم "الدين والحياة"، ونرحب مرةً أخرى بضيفنا وضيفكم صاحب الفضيلة الشيخ الدكتور "خالد عبد الله المصلح" ضيفنا في هذه الحلقة، وضيفنا الدائم في هذا البرنامج.
شيخ خالد مرحبًا بكم مجدَّدًا، وطبعًا كما ذكرنا أن حديثنا سيكون حول الآية الكريمة في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا [الأنعام:43] لعل في هذه الآية يا شيخ خالد عتاب لأولئك الذين كانوا يتضرَّعون إلى الله -سبحانه وتعالى-، وعندما زال عنهم البأسُ رجعوا عما كانوا عليه أو أعرض عن الله -سبحانه وتعالى-.

في البدايةما هو تفسير قوله -سبحانه وتعالى-: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾؟ [الأنعام:43] وما هي الحِكَم التي يمكن أن نستقيها من هذه الآية؟
الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المذيع: وعليكم السلام ورحمة الله.
الشيخ: مرحبًا بك يا أخ عبد الله، وأُشدِّد الترحيب بالإخوة والأخوات المستمعين والمستمعات.

هذه الحلقة سنقف فيها مع هذه الآية الكريمة التي ذكر الله تعالى فيها شأنًا من شئون الناس، الله -جل في علاه- أنزل هذا الكتاب ليُخرج الناسَ من الظلمات إلى النور، بيَّن فيه كل ما يحتاجه الناس في صلاح معاشهم، وفيما تستقيم به حياتهم، وفيما يصلح به معادهم وأُخراهم ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9] كم هي الآيات وكم هي النصوص في هذا الكتاب الحكيم التي تمر على أسماعنا، وتطرق قلوبنا بالتلاوة بقراءتها أو بسماعها! لكن لا يكون لها أثرٌ في حياتنا، وأعظم حائل ومانع من التأثُّر بالقرآن، والانتفاع به، والاهتداء بهداياته هو أننا نقرأ القرآن طلبًا لأجر التلاوة فقط دون نظر أن هذا الكتاب رسالة، دون طلب الأجر بتدبُّره وفهمه.
من يظن أن القرآن مجرَّد أحرف وكلمات وآيات يُكتسب الأجر بقراءتها دون فهمها فهو قد نَزَع خيرَ القرآن، وذهب بمقصوده والغاية منه.

الله تعالى يقول: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ص:29] .
فالمقصود من الكتاب هو التدبر، ولن ينتفع أحدٌ من القرآن بمجرد تلاوته.

كم هم أولئك الذين يقرءون القرآن لكنه لا أثرَ له فيه حياتهم بل هو حُجةٌ عليهم كما قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «والقرآن حُجَّةً لك أو عليك» [صحيح مسلم:223/1] فالقرآن حجة على من أعرض عنه، وحجة على من قرأه، ولم يتفهَّم آياتِه ويعتبر بما فيه.

حجة على من فهمه ولم يعمل به، كل هؤلاء يدخلون في قول النبي –صلى الله عليه وسلم- «والقرآن حُجةً لك أو عليك».
هذه الآية الكريمة بعد هذه المقدمة المتعلِّقة بالانتفاع بالقرآن يقول الله –جل وعلا-: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام44:43] هذه الآية يبين الله تعالى بها حال فئة من الناس، حال جماعة من البشر، يبعث الله تعالى لهم ما يوقظهم، ويُقيم في أعينهم وما حولهم وفي أنفسهم من الآيات ما يجعلهم يعتبرون ويكفُّون عن الإساءة والخطأ، ويعاودون الرُّشد والصواب، وينزِعون عن الخطأ والخَطَل، ويقومون بما يجب عليهم من حقوق الله وحقوق الخلق، لكنهم مع تلك الآيات المحيطة بهم، وتلك المذكِّرات والعِبر والمواعظ التي يشاهدونها قد عَمِيت أبصارهم عن هذا كله، فلم يكن منهم رجوع إلى الحق بل استمروا في الباطل، ومضَوا فيما هم فيه من ضلال نزل بهم من العقوبات ما يوقِظ الأبصار، نَزَل بهم من الأخطار والمنبِّهات ما يوقِظ القلوب، لكنهم لم يتضرعوا بل مَضَوا في غَيِّهم، لم يكفوا عن الخطأ، لم يمتنعوا من الانحراف، لم يصوِّبوا المَسير، لم يشتغلوا بإصلاح أنفسهم، وإصلاح ما يمكن إصلاحه مما حولهم بل استمروا في غَيِّهم، في سكرتهم يعمهون، وفي ضلالهم ثائرون، وعلى الخطأ مصرون.
ولذلك كانت عاقبة ذلك التنبيه الإلهي الذي بعثه لهم، ومدَّهُ بهم حتى يعتبروا ولم يحصُل منهم اعتبار، أم قست قلوبهم فإن القلب إذا لم يعتبر ولم يتَّعِظ مع ورود أسباب الاعتبار والاتعاظ، والاهتداء إذا أصرَّ على ما هو عليه من خطأ وانحراف، ومن إضلال وضلال فإنه لن يزداد بذلك إلا قسوة، إلا شدة، إلا ظُلمة، إلا تعاسة وشقاء.

 فالقرآن شفاءٌ لأهل الإيمان لكنه في المقابل لا يزيد الضالين إلا خَسارا، ولا يزيد أهلَ الانحراف الذين انحرفوا عن الجادَّة، وسلكوا سُبلَ الغيِّ إلا عمى، كما قال الله –جل في علاه- في محكم كتابه: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ [فصلت:44] .
يقول الله تعالى في انقسام الناس في القرآن، وهو أعظم تذكرة وأعظم عظة تصل القلوب: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ [فصلت:44] ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ [فصت:44]
المذيع: ﴿وَهُوَ عَلَيهِم [فصلت:44]
الشيخ: وهنا يعني خبر مُفزِع ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى [فصلت:44] .
المذيع: الله أكبر
الشيخ: القرآن الذي جعله الله تعالى نورًا وبصيرةً وهدى يكون لمن أعرض عنه، ولمن تنكَّب هُداه، ولمن لم يرفع به رأسًا يكون عليهم كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى [فصلت:44] ؛ أي لا يزيدهم سماعُه، ولا يزيدهم العلم به إلا المُضِيّ في الظلمات.
الشيخ: إلا كالذي يمشي في طريقٍ بلا إبصار فهو عليهم عمى يعميهم عن طريق الحق، لا يكون دلًّا لهم على الخير بل على العكس يكون سببًا للمزيد من الضلال، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا [الإسراء:82] في الآية الأخرى
المذيع: نعم
الشيخ: فلذلك كل الآيات على نحوٍ واحد في أنها إذا جاءت، وأعرض عنها الناس، ولم يرفعوا بها رأسًا كانت عليهم خسارا، كانت عليهم سببًا من أسباب القسوة كما قال الله –جل وعلا-: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ [البقرة:74] كما قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:43]

الله تعالى من رحمته أن يرسل لعباده منبِّهات، وأن يصبَّ عليهم بأنواع من المواعظ التي توقظ بصائرهم وتنبه مخطأهم، والفتن التي تحيط بالإنسان، البلايا التي تحيط بالإنسان كلها من الأسباب التي توقظ الإنسان، وتبصره أن الأمر خطير.
-
نحن أيها الإخوة والأخوات حتى لا نحلِّق في معاني بعيدة عن واقعنا.
المذيع: نعم
الشيخ: نشاهد ما تعيشه الأمة في هذه الأيام، ولا أتكلَّم عن أُمة بعيدة في غرب الدنيا أو مشرقها، إنما فيما حولك وما يحيط بك، وفي أحياء وفي بعض الأحيان في بيتك، وبين يديك نشاهد كثيرًا من المنذرات كثيرًا من المنبِّهات التي توقِظ القلوب، وتدعو إلى إعادة النظر في المَسيرة، إعادة النظر في حقوق الله –عز وجل-، إعادة النظر فيما نأتي ونذر، لكن هذه الآيات المتوالية عند كثير من الناس لا تحرِّك ساكنًا.

قد يتأثَّر بها بعض الناس، قد يذكُرها بعض الناس في أحاديثهم، قد يتكلمون عنها لكن أن تُثمِر في الواقع العملي إصلاحًا، أن تثمِر في الواقع الشخصي استقامةً وتنبُّهًا هذا في أضيق ما يكون في حال الناس، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا [الإسراء:59]
المذيع: ﴿إِلَّا تَخْوِيفًا [الإسراء:59] .

 هل هو يا شيخ خالد عدم حرص الناس على معرفة معاني آيات القرآن الكريم، وبالتالي فهم يقرءونها كما يقرءون أي نصٍّ من النصوص؟
الشيخ: نعم؛ ولهذا نحن قدَّمنا في أول الحديث إن المشكلة ليست لعدم سماع القرآن أو عدم تلاوته.
المذيع: نعم
الشيخ: المشكلة في أننا اتخذنا الأُجرة فقط، أو طلبنا الأجر فقط بمجرد السماع، بمجرد البركة بأن يكون القرآن بين أيدينا تلاوةً، قراءةً، سماعًا لكن أن يكون ما وراء ذلك من بركات القرآن بتدبره، وفهمه، والعمل به، وتصحيح المسار به هذا بعيد عن حال الكثير منا.

وأنا لا أتكلم يعني عن فئة من الناس أو فردٍ، أنا أتكلَّم عن شيء أنا أتورط فيه، أنا لا أتكلم عن فئة من الناس، كثير من الناس يتورَّطون فيه، أننا لا نتعامل مع القرآن تعامل الذي يعامل القرآن على أنه خطاب من الله له، خطاب من الله لتقويم نفسك، وإصلاح مَسَارِك، وتعديل خطئك.

وبالتالي لا نتعاملْ مع القرآن على أنه فقط للبركة وللأجر، وفي تلاوته، وفي سماعه، وفي حصول الخير بمجرد الاستماع له دون التفهم لمعانيه، دون حضور القلب عند آياته، دون إصلاح النفس والسلوك والمسار والعمل بالقرآن ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9] ليس فقط بتلاوته بل في كل شأنٍ من الشئون ينبغي أن يكون هذا حاضرًا.
-
الله تعالى يقول: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا [الإسراء:59] ؛ أي: ما نرسل بهذه العبر التي يراها الناس سواء في أنفسهم أو في أهليهم أو فيمن حولهم من القريبين أو فيما يسمعونه من أخبار الناس المحيطة بهم أو البعيدين عنهم أو ما لله تعالى في الكون من أحداث في سمائه وأرضه -جل في علاه- كل تلك الآيات توجِب اعتبارًا، توجب توقُّفًا، توجب نظرًا وتأملًا لتصحيح المسار ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا [الإسراء:59] .
-
يقول قتادة بن دعامة -وهو من التابعين الأجلة-: "إن الله تعالى يخوف الناس بما شاء من الآيات". لماذا؟
قال: "لعلهم يعتبرون، ويذَّكرون، ويرجعون" [تفسير الطبري:14/638] ، وهذا المعنى أشار إليه عبد الله بن مسعود –رضي الله تعالى عنه- فيما نقله عنه ابن أبي شيبة في مصنفه قال: (رَجَفت الأرض في الكوفة على عهد عبدِ الله بن مسعود –رضي الله تعالى عنه-. فَخَطَبَهم قائلًا: يا أيها الناس إن ربكم يَسْتَعْتِبُكم فأعتبوه) [مصنف ابن أبي شيبة:8337، مرفوعا إلى النبيrمن حديث شهر قَالَ: زُلْزِلَتِ الْمَدِينَةُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «إِنَّ رَبَّكُمْ يَسْتَعْتِبُكُمْ فَأَعْتِبُوهُ»، وهو ضعيف لإرساله. فتح الباري لابن رجب:9/246] ؛أي: إن ربكم يطلب منك العُتبى وهي الرجوع إلى ما يرضيه، وترك ما يغضبه. "فأعتبوه": أي فأرضوه
المذيع: الله أكبر
الشيخ: فامتثلوا لتحذيره وتنبيهه، والله –جل وعلا- يقول: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ [يوسف:105] ، وهنا يقع الإشكال الكبير في المسار، الإنسان وسلوك الإنسان أن يرى الآيات، أن يشاهدَها ولا ينفعل لها، ولا يكون لها في واقعه إصلاح، ولا يكون لها نوع من المراجعة.
جاء في مصنف ابن أبي شيبة أيضًا عن عمر –رضي الله تعالى عنه- أنها زلزلت الأرض على عهده فخطب الناس فقال: (لَئِن رَجَعَت لأَخرجَنَّ من بين أَظْهُرِكم) [مصنف ابن أبي شيبة:8335]
المذيع: الله أكبر
الشيخ: هذا يدلُّ، وهذا من في أحداث سنة (20) للهجرة، وهذا يدل على أن عمر –رضي الله تعالى عنه- يعني أوصل الرسالة واضحة للناس أن هذا الذي جرى هو بما كَسَبَته أيديهم، ليس ذلك حدثًا كونيَّا مجردًا؛ لأن بعض الناس عدلوا عن هذا.
المذيع: يغرق في المسألة العلمية يا شيخ خالد، وينسى هذا الأمر العام الذي تتحدثون عنه.
الشيخ: يغرق في التفسير الطبيعي والخِلقي للأحداث، ويغفل عن أن تلك الحوادث الكونية الطبيعية.
المذيع: وسائل
الشيخ: سواء كان ذلك من زلازل أو براكين أو كان عواصف أو كان ما كان مما يُحدثه الله في كونه، يغفل أن ذلك بتدبير الله، والله -جل وعلا- يقول: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا [الإسراء:59] ثمة حِكَم إلهية.
المذيع: هي رسائل من الله، نعم.

الشيخ: في تلك الأحداث، هذا لا يعني، لا يلغي التفكير الطبيعي للحدث.
المذيع: صحيح
الشيخ: نحن ندرِك أن للأحداث الطبيعية –أكيد- تفسيرًا، يقين ثمة تفاسير لتلك الأحداث، لكن من الذي يدبِّر الكون؟
المذيع: الله
الشيخ: من الذي يُجري هذه الحوادث؟ من الذي يتحكم بالسماء والأرض، وما فيهما من أجرام، وأحداث ووقائع؟
الله جل في علاه، إذا كان كذلك فينبغي أن نعرف أنه لا يَفعل شيئًا إلا لحكمة، ومن حِكمته التي أباحها لنا وأظهرها، ونبَّهنا إليها أن تلك الحوادث، وتلك الوقائع، فإن كانت وقائع لا دخل للناس فيه مما يتعلق بالسماء والأرض من كسوفٍ أو خسوفٍ أو زلازل أو براكين أو غير ذلك أو ما يكون من حوادث الأرض التي تكون بفعل الناس من الحروب،
المذيع: والكوارث
الشيخ:والبلايا، والكوارث البشرية، والقتل والاعتداء وما إلى ذلك، كل هذا بتدبيره، وله فيه حِكمة كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان:30] فليس ثمَّة شيءٌ في الكون لا من الحوادث الكونية الطبيعية التي لا يدَ للناس فيها، أو من الحوادث الأرضية التي الناس لهم دخل في إيجادها.

مساهمة كل ذلك هو مُندَرِج في أنه له حكمة ينبغي لنافذ البصر، وحاضر العقل أن يتلمَّس حكمةَ الله تعالى في تلك الأحداث.
المذيع: جميل
الشيخ: وأن لا يغيب عنه قول الله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا [الإسراء:59]
المذيع: ﴿إِلَّا تَخْوِيفًا
الشيخ: وكذلك قوله -جل وعلا-: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاس [الروم:41]
المذيع: ﴿لِيُذِيقَهُمْ
الشيخ: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ وما الثمرة؟
المذيع: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41]
الشيخ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ

المذيع:الله أكبر.
الشيخ: لنذوق بعض ما كسبنا، ويكون هذا سببًا لرجوعنا، وهذا من سُنة الله تعالى في خلقه أنه يرسل لهم الهدايات، ويبلغهم ما يكون سببًا لرجوعهم ونزوعهم عن الباطل، ثم إذا لم يستجيبوا أو أنهم أصلًا لم يهتمُّوا؛ لأن بعض الناس يقول: طيب في ناس ما وصلتهم الرسالة، ولا وصلهم.

نقول: حتى هؤلاء هذا يأتي لهم تنبيه بما يجعلهم يتنفَّسون ويبحثون ويطلبون سرَّ هذا الكون، التعرف على خالقه فإذا لم يستجيبوا، وهو الذي ذكره الله تعالى هنا عند ذلك يكون كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا [الإسراء:59] عندما لا يستجيب الناس لتلك الآيات يكون الشأن الحال كما ذكر الله -جلَّ وعلا- ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:43] بل تحقق فيهم
المذيع: شيخ خالد. هل نفهم من معنى الآية أن الذين لا يتنبهون لهذه المنبِّهات، والرسائل الربَّانية يصابون بقسوة القلوب بعد ذلك، ثم يزَيَّن لهم سوء عملهم بأنه عملٌ حسن، ويمضون فيما هم عليهم من سوءٍ وضلال؟
الشيخ: نعم هو، هذه عقوبة الإعراض عن الآيات، هذه عقوبة قسوة وعمى البصر عما في هذه الأحداث من عبر.

يا أخي نحن نشاهد الآن يعني بعض الناس تنزل به المصيبة ثم لا تزيدهم من الله إلا بُعدا، تنزل به المصيبة، ولا يجد قلبًا ليِّنًّا، تنزل به المصيبة ولا يجد إلا استكبارًا وعلوًّا وإسرافًا،فلا يرجع ولا يؤوب.

وعندما أقول: "تنزل به" لا أقصد بذلك فردًا بعينه؛ بل أنا أقصد الفرد والمجموعة، فما يجري على الأفراد يجري على الجميع فهذه سنن الله تعالى في خلقه، فإذا لم يعتبر الناس، لم يتضرعوا، لم يعود إلى الله –عز وجل- بالضراعة والانكسار، والذلِّ عندما يرسل هذه الآيات ويَستَعتِبوه، ويطلبوا منه العفوَ، ويراجعوا ما أمرهم بمراجعته، ويتركوا الفساد في الأرض، ويتركوا الغيَّ، ويتركوا الاستكبار، عندما لا يكون شيء من هذا في تصرِّف هؤلاء فليس ثمة إلا أن يصيبَهم ما جرى للأمم السابقة، وما ذكره الله في هذه الآية ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنعام:43] وقسوة القلب هي انعدامُ انتفاعه
المذيع: الله المستعان.
الشيخ: لا بِعِبَر، ولا بآيات، ولا بهدايات، ولا بمواعظ بل هو كالحجر المُصْمَت الذي لا ينفع فيه عمل، ولا يُثمر فيه أي تصرف، بل قاسٍ مغلقٌ سماعًا وبصرًا، بل القلب كالأحجار والجبال كما ذكر الله تعالى.
المذيع: تخشاه
الشيخ: أعظم، أحسن حالًا من القلب القاسي.
المذيع: الله المستعان
 الشيخ: هو مُصمت، كما قال تعالى في سورة البقرة:
المذيع: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ [البقرة:74]
الشيخ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [البقرة:74]
المذيع: الله أكبر
الشيخ: هذه الحجارة الصُّمُّ تُحقِّق العبودية القدرية التي أجراها الله تعالى لما في السموات والأرض.
المذيع: وكذلك في الجبال عندما قال الله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الحشر:21] .
الشيخ: نعم هذا أيضًا يعني يبين عظيمَ تأثير القرآن الآتي، والآيات والعبر التي تأتي على هؤلاء، لكن تلك القلوب التي عاينت المصائب، وشهدت الآيات فلم تعتبر، ولم تتعظ، ولم تراجع الله –عز وجل- بالذلِّ والانكسار له
المذيع: نعم
الشيخ: يكون ذلك عاقِبتها ما ذكر ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنعام:43] .

ثم هذه القسوة يقارنها تزيين الشيطان ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:43]
المذيع: ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:43] طيب.
الشيخ: وإذا اجتمع هذان: قسوة القلب، مع تسلط الشيطان انعمت البصائر
المذيع: الله المستعان
الشيخ: وفسد العمل
المذيع: وحلَّت العقوبة
الشيخ: ووقع الإنسان فيما يُهلكه في دنياه
المذيع: نعم
الشيخ: وفيه أخراه؛ لأن الهلاك لا يقتصر فقط على الآخرة، بل يهلك في دنياه وفي أخراه
المذيع: جميل
الشيخ: بهذا يذكر الله –جل وعلا- شيئًا من سُنَّته إذا حصل من هؤلاء ما حصل قال: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ [الأنعام:44] ؛ يعني إذا تتابعت علينا الآيات، والمذكِّرات، وتوالت علينا أسباب الإبصار والهداية، وعَمِينا عنها، وقست قلوبُنا ثم مَضَينا في السوء والشر فإن الله تعالى يُمْلِي للظالم يُفسح له المجال حتى يستمرَّ في غَيِّه، وفي ضلاله.

 فكما قال تعالى في هذه الآية ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام:44]
المذيع: الله أكبر
الشيخ: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام:44] ، أي: أعطيناهم من كل ما يتمنوه.

وانظر هنا الآية الكريمة لم تذكر في الفتح شيئًا معيَّنًا بل فتحت من أبواب كل شيء؛ أي يَوَدُّونهُ ويحبونه من النعم والخيرات، ويكثر الله لهم في ذلك، لكن ذلك كله يختلف عما يفتحه الله تعالى لأوليائه؛ لأن الفتح ذكر في موضعين
المذيع: نعم
الشيخ: هنا ذكر الله تعالى الفتح لأعدائه فقال: «ما ذُكِّروا»  عقبت النسيان
المذيع: قسوة القلب
الشيخ: أن يفتح الله تعالى لهم أبواب كل شيء
المذيع: استدراجًا
الشيخ: وما يعاقب ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا
المذيع: الله أكبر
الشيخ: ﴿بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً [الأنعام:44] . لكن ثَمة فتحٌ آخر ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا [الأعراف:96]
المذيع: ﴿وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ [الأعراف:96]
الشيخ: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الأعراف:96]
 
المذيع: الله أكبر
الشيخ: الفتح لم يكن مطلقًا، الفتح جاء
 المذيع: محددًا
الشيخ: مقيَّدًا بالبركات؛ يعني فتحنا عليهم مما يحصل لهم به الخير الكثير،

 فالبركات: جمع بركة
المذيع: نعم
الشيخ: والبركة هي مَجمَع الخير، والخير الكثير الذي يحصل به استقامة المعاش والمعاد ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الأعراف:96] .

ففرقٌ بين هذا الفتح وبين ذاك الفتح.

 ذاك الفتح عاقبته الوصول إلى رحمة الله، الزيادة في طاعة الله، القرب من الله، السعادة في الدنيا والآخرة
 المذيع: نعم
الشيخ: وهذا الفتح الذي ذكره الله تعالى لأعدائه عاقبته أخذات رب العالمين، وعقوبته.

وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى في سورة "آل عمران" فقال: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ [آل عمران:178]
المذيع: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ [آل عمران:178]
الشيخ: يعني عندما تعصي الله، وتجد أن الله يفتح لك ويعطيك، ويمدك فلا تظن أن الله تعالى أعطاك ذلك إكرامًا لك
المذيع: وإنما هو استدراج
الشيخ: إنما أعطاك ذلك لتُسْتَحَكَمَ عليك الحُجة.
المذيع: الله المستعان
الشيخ: ولتقوم عليك البينة على وجهٍ ينقطع فيها عذرُك؛ ولذلك قال: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ [آل عمران:178]
المذيع: ﴿لِيَزْدَادُوا [آل عمران:178]
الشيخ: ﴿لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [آل عمران:178] ؛ لذلك ينبغي أن يتذكر الإنسان هذا المعنى، وأن ترك الله تعالى الكافر على ما هو عليه من خير، وزيادته فيه مع عصيانه الكافر أو حتى العاصي
المذيع: صحيح
الشيخ: حتى لا نحصر الموضوع في فئة من البشر بل كل من
المذيع: يعصي الله
الشيخ: كان على ضلال لا يظن أن ذلك لمزيد إعطاء، وإكرام بل ذاك لإقامة الحجة عليه، وبيان أنه قد استوجب الهلاك كما ذكر ربنا -جل علاه- فيما ذكرنا من الآية: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ
المذيع: ﴿خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ [آل عمران:178]
الشيخ: ﴿خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا [آل عمران:178]
المذيع: شيخ خالد يعني عفوًا يكثر الحديث عن هذا الأمر خصوصًا أن البعض ربما يقول: رغم أنه غارقٌ في الملذَّات، والمُلهِيات، والمعاصي وغيرها مما يغضب الله –عز وجل- ومع ذلك يُنعم الله عليه، ويفتح عليه خيراتٍ كثيرة، حسبما يراه من واقعه.

 وفي المقابل ربما يكون هناك من الناس من الذين يعني يطيعون الله -سبحانه وتعالى-، ويعكفون على أوامره وينتهون عن نواهيه، وفي ذات الوقت ربما يضيِّق عليهم في هذه الحياة.

في هذا، الأخ الطرف الأول يرى أنه في خير ومنع عن العقوبات من الله سبحانه وتعالى.
كيف يمكن أن يفرق الإنسان؟ أحيانًا قد يكون عاكفًا على المعاصي ومع ذلك يرى الخير كثيرًا ينهمر عليه.
الشيخ: يا أخي الكريم يعني الله تعالى يقول: ﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ [الفجر:15] ، وهذا من الوهن أن يظن الإنسان أن العطاء للإكرام.

البشر كلهم صالحهم وفاسدهم، مستقيمهم ومنحرفهم يجري عليهم من أقدار الله ما يجري
المذيع: نعم
الشيخ: قال الله تعالى لأصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم- وهم أكرم الخلق لمَّا أصابهم ما أصابهم يوم أُحد قال: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:139] ، ثم قال: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ [آل عمران:140] . فما أصابكم ليس دليلًا على خطأ مَساركِم وصواب غيركم؛ إنما هي سنن يُجريها الله -تعالى- على عباده، مسلمِهم وكافرِهم، ومؤمنهم وضالِّهم؛ ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ [آل عمران:140] ؛ يقول: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران:140]
المذيع: الله أكبر
الشيخ: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [آل عمران:140] ثم انظر إلى معنى أشار إليه الله –عز وجل- فيما يجري على المؤمن من مصائب، أو على الجماعة المؤمنة من المصائب، قال: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا [آل عمران:141]
إذًا هذا بلاء، وذلك من حِكَمِه إضافةً إلى أنه تنبيه، إضافةً إلى أنه ما إلى ذلك من الأسباب التي ذكرت ذكرها الله -جلَّ وعلا- من حِكَمه، مصائبه وما ينزل بعباده هو للتَمْحِيص.
المذيع: جميل.
شيخ خالد: أيضًا؛ ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [آل عمران:141] ؛ وهذا معنى يغفُل عنه الكثير من الناس.
إذا رأيت الظالم مُستطيلًا في ظلمه فأعلم أن الله قد حكم بمحقِه، لكنَّ الله من حكمته أنه يُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه.
المذيع: الله أكبر
الشيخ: الله تعالى هنا يقول فيما أصاب أهل الإيمان يوم أُحد: إن هذا للتمحيص، وأيضًا له عِلَّة أخرى، وهي علة خَفِيَّة قد لا تكون ظاهرة، فقد أُصيبوا بأنفسهم، وقُتل فيهم من قُتل، وقُتل منهم من قُتل، لكن هناك حكمة خفية وهي: تحقُّق أسبابِ المحق، ولذلك قال: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [آل عمران:141] يعني وذلك ينبغي
المذيع: جميل، يعني الإنسان يعني إذا جاءه الخير يتفقد نفسه؛ ليعرف هل هذا الأمر استدراج أو أنه من البركات التي وعد الله بها المتقين، في قوله -سبحانه وتعالى-: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الأعراف:96] .
الشيخ: نعم، نعم هذا هو الواجب، وكما ذكرت أنه عندما يُعرض الناس قد يفتح الله تعالى لهم من شأن الدنيا ما يفتح، لكن هذا لا يمكن أن يدوم، ولا يمكن أن يمتدَّ، فالله -تعالى- قد قال في كتابه: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [الأعراف:183] ؛ فمن كيدِ الله –تعالى- بأعدائه أن يُعطيَهم ما قد يغترُّ به بعضهم فيظن أن إِمهالَ الله -تعالى- لهم هو من رضاه عنهم، ومن محبَّتِه لهم، لكن الله –تعالى- يُوقظ القلوب؛ ولذلك قال بعض العلماء: "رحم الله عبدًا تدبَّر هذه الآية؛ ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام:44]
المذيع: الله أكبر.
الشيخ: فإنها تفتح نظرًا وبصرًا، وهذا لا يختص، يعني لا يقتصر على مُدَّة، يعني بعض الناس يقول: طيب كم؟ كم مدة الإمهال سنة سنتين شهر شهرين؟
الإمهال قد يمتد إلى سنوات، فالله -تعالى- يملي للكافر أحيانًا، ويعطيه ما يكون سببًا لاستحكام الآيات عليه، والله حكيمٌ فيما يقدِّره، وما بسط الله تعالى الدنيا لأحد، فلم يعتبر بهذه الآيات إلا كان نقصًا عليه في دينه.
المذيع: جميل.
الشيخ: يقول الحسن -رحمه الله-: (والله ما أحدٌ من الناس بَسَط الله له في الدنيا فلم يَخَف أن يكون قد مُكر به فيها؛ إلا كان قد نَقَص عِلمُه، وَعَجَز رأيُه، وَمَا أمسكه الله عن عبدٍ فلم يظن أنه خُيِّر له فيها؛ إلا كان قد نَقَص عِلمُه، وَعَجَز رأيه). [حلية الأولياء:6/272. وإسناده صحيح]
وجاء في الخبر "أن الله يعطي الدنيا من لا يحب
المذيع: صحيح
الشيخ: لكنه لا يعطي الدين والاستقامة إلا من يحبهم". [حديث عبد الله بن مسعودt، رواه أحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه:3671، وقال:هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. ووافقه الذهبي]
المذيع: طيب، شيخ خالد أستأذنك في هذا الاتصال من: عبد العزيز الشريف من "الرياض". أخ عبد العزيز اتفضل.
المذيع: أخ عبد العزيز!
المتصل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المذيع: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حيَّاك الله.
المتصل:حيا الله الأستاذ "عبد الله الداني"، كيف حالك؟
المذيع: مرحبًا بك، حياك الله، أهلًا وسهلًا.
المتصل: وحيا الله شيخنا الفاضل الشيخ "خالد". كيف حالك يا شيخ؟
شيخ خالد: مرحبًا حياك الله، حياك الله.
المتصل: عساك طيب إن شاء الله، وأتمنى لك التوفيق في الدنيا والآخرة.
المذيع: بارك الله فيك. اتفضل.
المتصل: عندي سؤال عن: (القرآن الكريم). المبالغة في البكاء عند قراءة القرآن أو سماعه، حتى وَصَل بالبعض منهم أن يُصعَق أو يموت بسبب ذلك، وقد كان الرسول –صلى الله عليه وسلم- أخشى الناس لله، ثم صحابته، وكان بكاؤهم معتدلًا، فالرسول –صلى الله عليه وسلم- كان له أَزِيزٌ كأزيز المِرْجَل من البكاء. [حديث مطرِّف بن عبد الله أخرجه أحمد في مسنده:16312.وقال الحاكم:صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، ووافقه الذهبي]
ولابن تيمية -رحمه الله- قولٌ عظيم في مثل هذه الأمور:" في مساجدنا نسمع الشهيق وغير ذلك، حتى أن بعض الناس لا يخشع في صلاته؛ والسبب هذا الصياح. فما هو التوجيه؟ -بارك الله- فيك، وجزاك الله كل خير.
المذيع: طيب شكرًا لك أخ عبد العزيز. شيخ خالد إذًا أحببتم نجيب عن السؤال، أو نواصل الحديث ثم نجيب على السؤال في وقتٍ لاحق.
الشيخ: نواصل الحديث، ثم نأتي إن شاء الله في نهاية الحلقة أن لا يأتي معنا السؤال راجعين بإذن الله.
المذيع: طيب أنا عندي نقطة مهمة جدًا يا شيخ خالد وهي يعني مُستقاة من واقعنا الحالي عندما مثلًا يدعوا ولي الأمر إلى صلاة "الاستسقاء" نظرًا لحصول الجَدْب في الأرض، وكذلك عندما يكون هناك كسوفٌ أو خسوف، يهرع الناس إلى الصلاة، لكن البعض افتقد هذه المعاني، وماذا يعني هذا؟، وماذا يعنيه هذا الأمر بالتحديد عندما يخرج الناس إلى صلاة الاستسقاء؟، وصلاة الخسوف والكسوف؟ ويعني هذا الأمر مقارنةً بما كان عليه حال المصطفى –صلى الله عليه وسلم- عندما خَرَج، وكان يجر رِداءه -عليه الصلاة والسلام-، خوفًا من هذه الآية التي أرسلها الله -سبحانه وتعالى-.
يعني كيف يمكن لنا أن نَتبَصَّر، وأن نتدبر مثل هذه الآيات، وهذه الإشارات التي تأتي من الله -سبحانه وتعالى- دون أن نَغرَق كثيرًا كما تفضَّلتم في التفسيرات العلمية التي تُنزِل أحيانًا الإيمان من العبد، أو تجعلُه دائما يستَهِين بمثل هذه الآيات، فيرى أنها أمرًا طبيعيًا لا يمكن أن يتجاوز سِوى بضعةَ دقائق ثم يزول؛ ويعني ينتهي من هذه الصورة بشكلٍ عام؟
الشيخ : هو على كل حال بالتأكيد أن يعني أن الارتباط بالآيات وهو ثمرة العلم بالله -عز وجل-، ثمرة الإدراك لمعاني هذا الكلام العظيم، وهذا الوحي المبين. فإذا عُزل القلب عن تفهُّم القرآن، عُزل القلب عن النظر، انغمس في الحياة الدنيا على نحوٍ لا يعني لا يفكر فيه إلا بِيَومِه، ومُتَعِه، وشهواته، وملذَّاته.
تغيب عنه هذه الآيات التي تُذَكِّره وتردُّه إلى الجادَّة، وتنبه إلى أنه لا بد أن يصحِّح المسار، وأن الاستمرار في الغفلة هو استمرار في هلاك الدين والدنيا.
*
يا أخي عندما نظن أن الدين والاستقامة سبب لتعطيل المعاد فثِق تمامًا أننا لن ندرك لا صلاحَ دُنيا، ولا صلاح دين.

 الدين يُصلح الدين والدُنيا، الدين يصلح المعاش والمعاد، الدين يصلح أمورنا اليوم، ويُصلح مستقبلَنا غدًا، ويصلح شأننا فيما نستقبل من الآخرة وأحوالها.
لذلك تصحيح المفهوم، وأنه يعني الاستقامة هي إصلاح للمعاش والمعاد هو مما ينبغي أن نؤكِّدَه في أذهان أبنائنا وبناتنا وشبابنا، وفتياتنا، وعموم المسلمين؛ لأن هناك نوعًا من الترويج، والفهم المغلوط للتدين الذي يجعل الدين مقصورًا على إصلاح الآخرة، أنه يعني الدين هو أنه تفكِّر فقط في القبر، تفكِّر فقط في البعث والنشور، تفكر فقط في.

لا القبر لن يصلح إذا كانت دُنياك معطَّلة، البعث والنشور لم تأت إليهما آمنًا إذا كانت دُنياك خربة.

 فالله تعالى يقول في محكم كتابه: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا [القصص:77] . عندما قال: ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾؛ لأنه حاضر في ذهن الإنسان، وإنما نبَّه حتى لا يتصور متوهِّم أن ما جاءت به الرُسل والرسالات هو مجرَّد إصلاح الآخرة مع تعطيل الدُنيا، لا صلاح لدين إلا بصلاح دُنياه.
المذيع: جميل.
الشيخ: ولا صلاح لدُنيا إلا بصلاح لدينه.
فينبغي أن يُفهم هذا، وأن يُستحضر لأجل أن نقوِّم المسيرة في تعاملنا مع النصوص الشرعية، وأيضًا نعتبر من الأحداث التي تحيط بنا، وأن لا ننغرس كما ذكرت في طلب تفسيراتها الكونية، لا يعني أن لا نفسر ذلك كَونًا لكن فرق وشتَّان بين من يفسر هذه الأحداث كونًا، ويجعلها دليلًا على صدق ما أخبر الله به ورسوله.
المذيع: الله المستعان.
الشيخ: فالكسوف والخسوف مثلًا يعني الآن بعض الناس ينبَهِر أن نحن وصلنا إلى درجة من المعرفة والعلم، أننا نحدِّد عدد الكسوفات والخسوفات في السنة بِدِقَّة مُتناهية، بالثانية، بجزء الثانية ما سيبدأ الكسوف طيب ممتاز، هذا إنجاز لكن السؤال: هذا الإنجاز تمدح به منْ؟
تمدح به ذاك الذي بذل سنوات متطاولة حتى يصل إلى معرفة الكسوف متى يكون؟ ومتى يحصل؟ وبأي ساعة؟
نعم هذا ممدوح، جُهدٌ ممدوح لكن أليس الأحق بالمدح من سيّر هذا الكون بهذه الدقة والانضباط؟ ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ [الرحمن:5] ؛ لا يتقدم ولا يتأخر، ولا جزء ثانية هذا الكون الذي يجري على هذا الانتظام.
أليس دليلًا على إبداع الصانع؟
المذيع: الله أكبر.
الشيخ: مرةً من المرات يا أخي الكريم. ويا أيها المستمع أو المستمعة الكريمة كنت في مبنى في عالي، وكان بجواري أحد الأساتذة الذين يشتغلون بالعمارة والإتقان العلمي، وقال لي كلمة: لازلت تتردد في ذهني، وجرسها يرن في أذني.
قال: يا أخي وهو في أعلى، ونحن في أعلى في منطقة مشرفة في أعلى هذا المبنى الذي يُعدُّ من ناطحات السحاب في العالم، لما تحدث عن المبنى.
قال: الآن الناس عندما يشاهدون هذا المبنى يُثنون على الصانع، ويمجِّدون المهندس والمنفذ، وكل هؤلاء أهل لما يستحقونه من المدح.

لكنهم يغفلون عن الله الذي وَهَب الإنسان هذا العقل، وهذه القدرة التي مكَّنته أن يبني مثل هذا المبنى.
المذيع: الله أكبر.سبحانه
الشيخ: هذا المعنى يغفل عنه كثير من الناس يا أخي، وهذه الإشارة إلى القضايا التفسيرية الطبيعية للكون هو مما يزيد الإيمان، مما يُقرِّب العبد لله -عز وجل-، وليس سببًا للإعراض، لكن الإنسان ضعيف، والإنسان يغترُّ، وكما قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6:7] .
نحن يا أخي إذا ركبنا طائرةً، وشعرنا بالإنجاز أننا أصبحنا نحلِّق في الفضاء، ينبغي أن نعرف أن هذا الفضاء هو لله
المذيع: الله أكبر.
الشيخ: أن هذا الفضاء هو لربِّ العالمين، أن هذه الأجهزة الله -جلَّ وعلا- قد يجري أمرًا في أحد أجهزة الطائرة فتتعطل.
المذيع: الله أكبر. سبحانه
شيخ خالد: مستكبرًا وسعى أنه لا ملجأ ولا منجى، ولا مَفرَّ إلا باللجوء إلى الله ﴿كَلَّا لا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ [القيامة:11:12]
المذيع: شيخ خالد للأسف يعني هناك البعض
الشيخ: هذه المعاني صحيح دليل على أن الدنيا.
المذيع: يا شيخ خالد عفوًا يعني هناك البعض أصبح يلوم هؤلاء الذين عندما تحصل الآية من الله -سبحانه وتعالى-، ويطالب الناس بالتوبة إلى الله -سبحانه وتعالى-، ويقول: أنها بما كسبت أيدينا، يعني كما ذكر الله -سبحانه وتعالى- في القرآن الكريم، يعني يتعرضون إلى التندُّر وا

مواد مقترحة

مواد تم زيارتها

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف