الحَمدُ لِلَّهِ حَمدًا كَثيرًا طَيبًا مُبارَكًا فيهِ، مِلءَ السماءِ والأرضِ، ومِلءَ ما شاءَ مِنْ شَيءٍ بَعدُ، أهلُ الثناءِ والمَجْدِ أحَقُّ ما قالَ العَبدُ وكُلُّنا لَهُ عَبدٌ، وأشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شريكَ لَهُ، إلهُ الأوَّلينَ والآخِرينَ، وأشهدُ أنَّ مُحمدًا عَبدُه ورَسولُه، صَفيُّه وخَليلُه، خِيرتُه مِنْ خَلقِه، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ، ما تَعاقبَ الليلُ والنهارُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعَلَى آلِهِ وأصحابِهِ، ومَنِ استَمسَكَ بهُداهُ وعَمِلَ بسُنَّتِه بإحسانٍ إلى يَومِ الدِّينِ، أمَّا بَعدُ:
فإنَّ أعظَمَ ما يأمَلُ العَبدُ مِنْ رَبِّه – جَلَّ في عُلاه- أنْ يُحقِّقَ لَهُ يُسرَ العَملِ مَعَ قَبولِه، فإنَّ يُسرَ العملِ مَعَ قَبولِه نِعمةٌ عُظمَى، واللهُ ـ تَعالَى ـ قَدْ يَسَّرَ هذهِ الشريعةَ يُسرًا دَفعَ عَنْها كُلَّ مَشقَّةٍ، فليسَ في دينِنا غُلوٌّ، ولا مَشقةٌ، ولا تَنطُّعٌ، ولا تَعمُّقٌ، بَلْ هُوَ كما قالَ رَبُّنا – جَلَّ في عُلاه-: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القَمرِ:17] ، وكما قالَ سُبحانَهُ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [الحَجِّ:78] ، وكما قالَ سُبحانَهُ:﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرةِ:185] .
وفي الصحيحِ مِنْ حَديثِ أبي هُرَيرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنهُ- قالَ النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ- «إنَّ الدينَ يُسرٌ، ولن يُشادَّ الدينَ أحدٌ إلَّا غَلبَهُ» صحيحُ البُخاريِّ (39) ، أي: لَن يَتعمَّقَ أحَدٌ في دينِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ- بتَشديدٍ وتَنطُّعٍ، وتَعمُّقٍ إلَّا وسيُقصِّرُ عَنْ تَحقيقِ الديانَةِ التي أمَرَ اللهُ ـ تَعالَى ـ بِها، فإنَّ أحبَّ الدينِ إلى اللهِ الحَنيفيَّةُ السَّمحَةُ، الحنيفيةُ: التوحيدُ، والسمحةُ: أي التي لا غُلوَّ فيها، ولا تَنطُّعَ ولا تَعمُّقَ؛ ولهَذا كانَ رَسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ- في هَدْيهِ وسِيرتِه عَلَى سَنَنٍ مُستقيمٍ، لا وَكسَ ولا شَططَ، لا غُلوَّ ولا جَفاءَ، لا إفراطَ ولا تَفريطَ.
ولهَذا اليُسرُ كُلُّه في اتِّباعِ سُنَّتِه، اليُسرُ كُلُّه في الاستِمساكِ بهَدْيهِ، اليُسرُ كلُّه في السَّيرِ عَلَى مِنهاجِه –صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعَلَى آلِه وسَلَّمَ- فجَديرٌ بِنا أيُّها المُؤمنونَ، أنْ نَحرِصَ عَلَى هَدْيِ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ- ظاهِرًا وباطِنًا، وكُلُّ مِنَ ادَّعَى كمالًا في دينِه بالخُروجِ عَنْ صِراطِ اللهِ المُستقيمِ، وهَديِ النبيِّ الأمينِ ـ صَلواتُ اللهِ وسَلامُه عَلَيهِ ـ فإنَّما يَخدَعُ نَفسَهُ ويَكذِبُ عَلَى اللهِ ورَسولِه، فإنَّهُ لا أكملَ مِنْ هَديِ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ- ولذَلِكَ إذا وَجدْتَ غالٍ يَدَّعي إقامةَ السُّنةِ، فالسنةُ مِنْ غُلوِّه بَراءٌ. «إيَّاكُم والغُلوَّ، إياكُم والغُلوَّ، إياكُم والغُلوَّ فإنَّما أهلَكَ مَنْ كانَ قَبلَكُم الغُلوُّ في الدِّينِ» مسندُ أحمدَ (1851)، وسُننُ النسائيِّ (3057)، وصحَّحَه الألبانيُّ في صحيحِ الجامعِ (1283)، وإذا رأيْتَ عابثًا مُفرِّطًا يَدَّعي الوَسطيةَ، ويَدَّعي اليُسرَ ويَجعلُ الوَسطيةَ واليُسرَ سَبيلًا للتحلُّلِ مِنَ الشريعَةِ فقُلْ: دينُ اللهِ مِنْ طَريقِك بَراءٌ، فهَذانِ انحِرافانِ، الغُلوُّ والجفاءُ، والإفراطُ والتفريطُ، كِلاهُما خارِجٌ عَنْ هَدْيِ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ- بَلْ هَدْيُه أقوَمُ هَدْيٍ، وأكمَلُ عَملٍ وأقرَبُ سَبيلٍ يُوصِلُ إلى الجَنَّةِ، ومَنْ سارَ عَلَى طَريقِه سَعِدَ في دُنياهُ وفازَ في أُخراهُ، فإنَّ الطرُقَ المُوصِّلةَ إلى رِضوانِ اللهِ - عزَّ وجلَّ- مُغلَقةٌ لا تَنتَهي بالإنسانِ إلى غايةٍ إلَّا طَريقًا واحِدًا، وهُوَ طَريقُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ.
ولذَلِكَ مَنْ أرادَ أنْ يَصِلَ إلى رضوانِ اللهِ، وهُوَ تَحقيقُ العُبوديةِ فليَسلُكْ سَبيلَهُ، كُلُّ طَريقٍ خارجٌ عَنْ طَريقِه يَمنةً أو يَسْرةً فإنَّهُ لا يُوصِلُ إلى الغايةِ، ولا يَبلُغُ بِه الإنسانُ المَقصودَ، ولا ينالُ بِهِ ما يُؤمِّلُ مِنْ سَعةِ اللهِ ورَحمتِه وفَضلِه، فلنَحرِصْ عَلَى هَدْيِه - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ- في الدقيقِ والجَليلِ، ولنَجعَلْ سُنَّتَهُ حاكِمةً عَلَى كلِّ قَولٍ وعملٍ، فإنَّ سُنتَه -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ- إلَيها المَردُّ، قالَ اللهُ ـ تَعالَى ـ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساءِ:59] .
الردُّ إلى اللهِ فيما ذَكرَهُ في كتابِه الحَكيمِ، والردُّ إلى الرسولِ - صلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ- بَعدَ مَوتِه في سُنتِه التي حَفِظَها اللهُ ـ تَعالَى ـ فإنَّ اللهَ تَكفَّلَ بحِفْظِ القرآنِ وحِفظِ بَيانِه، ليسَ فَقطْ حِفظَ ألفاظِ القُرآنِ، بَلْ تَكَفَّلَ بحِفظِ القرآنِ وحفظِ بَيانِه، قالَ اللهُ ـ تَعالَى ـ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحِجْرِ:9]، والذكْرُ هُنا هُوَ القُرآنُ، وحِفظُه بحفظِ ألفاظِه ومَعانيهِ، فإنَّ اللهَ تَكفَّلَ ببَقاءِ هَذا الدينِ مَحفوظًا.
«لا تزالُ طائفةٌ مِن أمتي على الحق ظاهرين، لايضرهم من خالفهم ولا مَنْ خذلَهُمْ حتى يأتيَهم أمرُ اللهِ وهم على ذلك» صحيح مسلم (156) ، فالرد في حال الاشتباه في أمرٍ من أمور الدين، إنما يكون إلى هدي وسُنة سيد المرسلين - صلى الله وعليه وسلم- فهو الحكم الذي يميز بقوله، وعمله، وهديه الحق من الباطل، ويُميز الهدى من الضلال، ويُعلم به الغلو والجفاء، الإفراط والتفريط، الهدى والضلال.
فنسأل الله - عز وجل- أن يلزمنا سنته، وأن يتبعنا آثاره، وأن يحشرنا في زمرته، وأن يجعلنا من حزبه وأوليائه، وأن يجمعنا به في مستقر رحمته، وأن يرزقنا مرافقته في الجنة، هو ولي ذلك والقادر عليه.