الجمعة 22 ذو الحجة 1442 هـ
آخر تحديث منذ 1 ساعة 42 دقيقة
×
تغيير اللغة
القائمة
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو Hausa
الجمعة 22 ذو الحجة 1442 هـ آخر تحديث منذ 1 ساعة 42 دقيقة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأعضاء الكرام ! اكتمل اليوم نصاب استقبال الفتاوى.

وغدا إن شاء الله تعالى في تمام السادسة صباحا يتم استقبال الفتاوى الجديدة.

ويمكنكم البحث في قسم الفتوى عما تريد الجواب عنه أو الاتصال المباشر

على الشيخ أ.د خالد المصلح على هذا الرقم 00966505147004

من الساعة العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهرا 

بارك الله فيكم

إدارة موقع أ.د خالد المصلح

×

لقد تم إرسال السؤال بنجاح. يمكنك مراجعة البريد الوارد خلال 24 ساعة او البريد المزعج؛ رقم الفتوى

×

عفواً يمكنك فقط إرسال طلب فتوى واحد في اليوم.

مرئيات المصلح / دروس المصلح / الفقه وأصوله / القواعد الفقهية للسعدي / الشرح الثاني / الدرس (1) من قول المؤلف "الحمدُ لله العلي الأَرفقِ".

مشاركة هذه الفقرة

الدرس (1) من قول المؤلف "الحمدُ لله العلي الأَرفقِ".

تاريخ النشر : 5 شوال 1437 هـ - الموافق 11 يوليو 2016 م | المشاهدات : 2667

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا. من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشد، وأشهد أن لا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله صفيه وخليله، خيرته من خلقه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته واقتفى أثره بإحسانٌ إلى يوم الدين أما بعد.
فإن من أجلِّ المنن، وأعظم النعم، وأكبر الإحسان، وأجزل العطاء أن يسلك الله تعالى بالعبد طريق التعلم فإنه من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين كما جاء في الصحيح من حديث معاوية بن أبي سفيان –رضي الله تعالى عنه-.
فالتوفيق لنهل العلوم الشرعية وتحصيلها، وإدراكها من دلائل الخير، وعلامات التوفيق التي تستوجب ثناءً وشكرًا لله –عز وجلَّ-، وإدراكًا لعظيم المنَّة التي امتن الله تعالى بها على العبد فإن النعمة تدوم بالشكر وتزيد كما أنها تتقلص وتضمحلُ بالغفلة والكفر ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:7]. فهنيئًا لمن شرح الله صدره لمعرفة كلامه، وإدراك مقاصد وحيه فإن ذاك فضلٌ عظمٌ وإنعامٌ جزيل هنيئًا لمن شرح الله صدره لذلك.
أيها الإخوة الكرام:
في هذا المجلس والمجالس التالية إن شاء الله تعالى نقف مع متنٍ جليل لإمامٍ وعالمٍ جليل وهو متنُ منظومة القواعد الفقهية للعلامة الشيخ "عبد الرحمن بن ناصر السعدي" –رحمه الله تعالى-، وهذا المتن يكتسبُ أهميةً من عدة جهات:
أول ذلك: أن مؤلفه ممن فتح الله تعالى عليه بعلومٍ غزيرة، وإتقانٍ ظاهر، وقدمٍ في العلم راسخ، ومعلوم أن من كان هذا شأنه فإن اصطفائه، واختياره وتأليفه مما يحرص عليه لاسيما في مثل هذا النظم الذي يعتبر مفتاحًا لهذا الفن فإن هذا المتن حقيقته أنه مفتاح لما يتعلق "بباب وعلم القواعد الفقهية" فمن يسر الله تعالى له إدراك ما في هذا المتن من القواعد يكون قد ذلف إلى باب علم القواعد الفقهية من بابٍ وثيق، ووصل إلى أرضٍ خصبة، وقاعدةٍ صلبة في هذا الفن.
والشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي –رحمه الله- ميزه الله تعالى عن علماء عصره بميزتين:
- الميزة الأولى: إدراك مقاصد العلم.
- والميزة الثانية: حُسن البيان وجلل العرض.
وهاتان الخصلتان قل أن يجتمعان لعالِم، ففي مطالعتك لما كتبه العلماء وما ألفه، وما تركه من العلوم إما أن تجد من يتقن البيان لكنه قليل البضاعة في العلم، وإما أن تجد من عند علمٌ عميق لكنه لا يحسن عرضه بأُسلوبٍ ميسر يصل إلى المتعلمين من طريقٍ يسير، والشيخ عبد الرحمن بن سعدي –رحمه الله- يسر الله له الأمرين فما تخطئ عينك متنًا من متون العلم التي كتبها أو مؤلفٍ من المؤلفات التي اشتغل بها وترى هاتين السمتين بارزة:  الرسوخ في العلم، والإتقان لمقاصده.
- والأمر الثاني: حسن العرض، سهولة العبارة، تطويع البيان على نحوٍ يصل فيه الإنسان إلى مبتغاة من العلم وإلى مقصوده من المعرفة بلا عناءٍ ولا مشقة، وهذا من فضل الله تعالى.
وقد بدأ هذا في هذا النظم فهاتان الميزتان ظاهرتان في هذا النظم على أن هذا النظم يعد من أول مؤلفاته –رحمه الله- فقد كتب هذا النظم في أوائل العشرين من عمره؛ ولذلك كان هذا النظم يكتسبُ أهميةً أخرى إضافةً إلى ما تقدم من مكانة الشيخ، ورسوخه والسمات التي تميز بها أنه جمعه لنفسه هذا النظم جمعه الشيخ لنفسه في بدايته طلبه للعلم، ويبين هذا إن ما اصطفى من القواعد الفقهية، ومما يتعلق بهذا الفن مهماته؛ ولهذا هذه المنظومة جمعت مهمات القواعد الفقهية التي لا يستغني عنها طالب العلم الناظر في كتب الفقهاء، والمطالع في مدونات أهل العلم في الفقه أو في الحديث أو في التفسير.
- الميزة الثالثة: أن الشيخ –رحمه الله- كان له عناية بالقواعد؛ فلذلك تجده يهتم بالتصنيف والتأصيل، والتطبيق والعمل؛ بمعنى أنه اشتغل في التأليف بالقواعد، وتظهر هذه القواعد في فقه فيما تركه –رحمه الله- من المؤلفات العلمية التي برز فيها الجانب الإتقانِ، وأنه مضطرد فإن القواعد تكسب طالب العلم، وتكسب العالم اطرادًا فألف الشيخ –رحمه الله- (القواعد الإحسان) في تفسير كلام رب العالمين، وهو من أنفع القواعد في تفسير القرآن، ومن أوسعها، وأوفاها شرحًا وبيانًا وإيضاحه، كذلك له مؤلفات في التقاسيم، والفروق الفقهية، وكل هذا يبين أن هذا العلم ليس هامشيًا في فقه واهتمامه بل هو أصيل؛ وهذا يكسب هذا المتن أهميةً ومكانة.
ومما تميزت به هذه المنظومة أيضًا إضافةً لما تقدم من الميزات: أنها أقصر منظومةٍ على الإطلاق فيما وقفت عليه فيما يتعلق بالقواعد الفقهية، والاختصار ميزة وإن كان قد يحصل به نوعٌ من الإخلال لكن هذه القواعد جمعت الاختصار، والاشتمال على مهمات قواعد الفقه التي يحتاجها طالب العلم، فلن تكن مختصرة مبتسرة إنما كانت مختصرة ووافية في جمع مهمات القواعد الفقهية؛ ولهذا ليس ثَمةَ قاعدةٌ فقهية لها اهتمام وحضور في الفقه والتصنيف إلا وجاء بها -رحمه الله- في هذا النظم على اختصاره ووجازته.
هذه جملة من الميزات التي تميز بها هذا النظم، وكلما عرف الإنسان ميزة ما يقرأ كان ذلك حاملًا له على الاهتمام والعناية فإنه إذا عرف منزلة ما يقرأ، ومن يطالع كان ذلك حاملًا له على التركيز والاهتمام والعناية بما يقرأ.
هذا النظم كما ذكرت ألفه الشيخ في مقتبل عمره، وفي بدايات تأليفه؛ ولذلك أشار في بعض النسخ التي كتب فيها هذا النظم أن ثمة كسرًا، وعدم اتساقًا في بعض أبياته، ووعد بأن يرجع ويعود لإصلاحه إلا أنه –رحمه الله- لم يتمكن من ذلك فيما يظهر فبقي بعض أبيات هذه المنظومة فيها نوعٌ من الكسر، وقد عرضتها على بعض المشايخ من تلاميذه فأصلحوا شيئًا من ذلك، وقد عرضوا بعض زملائنا وإخواننا المهتمين على شيخنا الشيخ "علي الزامل" هذا النظم واقترح بعض الإصلاح لما كان يرى أنه يختل به النظم فالنظم في جملته مستقيم إلا بعض ما يتعلق بجملة من الأبيات إما أن الكسر فيها لم يصلحه الشيخ كما  نوى أو أنه –رحمه الله- أصلحه ولم ينقل. وعلى كل حال العبرة بالمنظومة في جملتها.
المنظومة في جملتها من أنفع المنظومات في القواعد الفقهية، وما فيها من قصورٍ عذره أنه في مقتبل التأليف أن الشيخ كتبها في مقتبل التأليف، وأوائل الاشتغال بهذا الشأن.
الشيخ –رحمه الله- شرح هذا النظم في "شرح المختصر اللطيف"، وبيَّن من خلال شرحه مهمات هذا النظم ومقاصده فيه؛ ولذلك الرجوع إلى شرح الشيخ مما يسهل الاستفادة من هذا النظم، وما فيه من المهمات.
نحن إن شاء الله تعالى في هذا المجلس والمجالس التالية سنقف على مجملات هذا النظم، ومهماته بقدر الإمكان والطاقة مستعينين بالله –عز وجل- وسنحرص إن شاء الله تعالى على عدّ القواعد قاعدةٍ قاعدة كلما مرت قاعدة سجلنا عددها حتى يتبين لنا في نهاية النظم كم هي القواعد الفقهية التي ضمنها الشيخ عبد الرحمن هذا النظم.
النظم في قريب من (خمسين) بيتًا قد يكون (ثمان وأربعين) في بعض النسخ(تسع وأربعين) بيت لكنها لا تتجاوز الـخمسين، وقد قسم النظم –رحمه الله- إلى مقدمة، وموضوع.
المقدمة استغرقت (عشرة) أبيات جعل فيها تمهيدًا، وتقديمًا لما يقصده من التأليف في القواعد ثم بعد ذلك شرع في ذكر القواعد، والغالب أن كل قاعدةٍ في بيت الغالب إلا ما ندر، وقد يذكر في البيت الواحد قاعدتين، ولكن الغالب أن كل بيتٍ يحتوي على قاعدة قد يزيد وقد ينقص وسنأتي إن شاء الله تعالى على ذلك من خلال ما نستعرضه من هذا المتن المبارك.
"أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يفتح لنا وإياكم في فهم هذا المتن، وفي فهم العلم والعمل به، وأن يوفقنا وإياكم إلى الصواب والقول والعمل، والسداد في الظاهر والباطن" ونستفتح بالقراءة إن شاء الله تعالى:
القارئ: "بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ربنا اغفر لنا ولشيخنا، واجعله مباركًا أينما كان، واجعل مجلسنا هذا مباركًا يا رب العالمين.
قال الإمام العلَّامة عبد الرحمن السعدي –رحمه الله- في منظومته (القواعد الفقهية):
الحمدُ لله العلي الأَرفقِ***وجامع الأشياء والمفرقِ.
ذي النعم الواسعة الغزيرة***والحكم الباهرة الكثيرة.
ثم الصلاة مع سلامٍ دائم***على الرسول القرشي الخاتمِ.
وآلـه وصحبـه الأبـرار***الحائزي مراتب الفخار.
اعلـم هُديت أن أفضل المنن***علمٌ يُزيل الشك عنك والدرن.
ويكشـف الحق لذي القلوب***ويوصل العبد إلى المطلوبِ.
فاحرص على فهمك للقواعد***جامعـة المسائل الشـوارد.
فترتقي في العلم خير مرتقا***وتقتفـي سبل الذي قد وفقا.
وهـذه قواعـدٌ نظمتهـا من*** كتب أهل العلم قد حصلتها.
جزاهم المولى عظيم الأجر***والعفو مع غفرانه والبر.
آمين يا رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على البشير النذير نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
افتتح الشيخ عبد الرحمن السعدي هذا الناظم (نظم القواعد) بالبسملة كما في بعض النسخ، والافتتاح بالبسملة هو ما جرى عليه قول الله –عز وجل- في كتابه فإن الله افتتح كتابه بالبسملة، وافتتح كل سورةٍ من سورة الكتاب الحكيم بـ(بسم الله الرحمن الرحيم) ما عدا سورة (براءة) بل الله جلَّ في علاه افتتح الوحي (بالبسملة) ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق4:1].
فالبسملة شئنها عظيم، وهي كلمة تقال إذا استحضر معناها كان من أعظم ما يستفتح به الخير، ويدرك به بركة ما تقال فيه من قراءةٍ أو تعلمٍ أو دخولٍ أو خروجٍ أو غير ذلك من الأعمال التي تقال فيها البسملة في أولها، والكلام فيها معروف ولا نطيل المقام ببيانه.
 فالبسملة جملة تامة مفيدة متعلقة بمتأخر، مقدر، مناسب لحال القائل هذا ما يقال إجمالًا فيما يتصل بالبسملة، وقد تضمنت ثلاث أسماء من أسماء الله –عز وجل- هي:
- أصول الأسماء كما قال بعض أهل العلم.
-  وقال بعضهم: بل هي الاسم الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سؤل به أعطى.
وعلى كل حال كلام العلماء في البسملة شهير ومعروف ويمكن أن يقف عليه الإنسان في مؤلفات العلماء، وفي كلام أهل التفسير على اختلاف طرائقهم، واهتماماتهم في تفسير كلام الله –عز وجل-.
ثم بعد ذلك افتتح النظم بمقدمة كما ذكرت هذه المقدمة في (عشرة) أبيات افتتحها بحمد الله –عز وجل-، والأصل في الحمد أن يكون في الخطب لا في الكتب هذا هو الأصل، وهو الغالب في عمل النبي –صلى الله عليه وسلم- فإنه كان يفتتح كتبه بالبسملة، وخطبه بالحمدله لكن جرى جمعٌ من أهل العلم على الجمع بين البسملة والحمدله في بداية المؤلفات، ولا غير في ذلك فإن الله افتتح كتابه بالبسملة والحمد في مواضع عديدة منها: (فاتحة الكتاب)
  بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ... إلى آخره﴾ [الفاتحة:2].
- وكذلك في بعض سور القرآن:
 ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:1]
- وكذلك قوله: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ ٌ﴾ [فاطر:1].
فالبسملة قد تقترن مع الحمد فإذا اقترنت فلا باس بذلك، وإن كان الأصل في الكتب الاقتصار على البسملة.
• "الحمد": هو ذكر المحمود بصفات الكمال محبتًا وتعظيمًا هذا أجود ما قيل في تعريفه، وقد قال بعض أهل العلم في تعريف الحمد: أنه ذكر المحمود بالوصف الجميل، وزاد بعضهم بالوصف للجميل الاختيار، والأمر في هذا قريب لكن أوفى من هذا وأكمل هو ما ذكرته ونقلته عن أهل العلم من أن "الحمد" هو ذكر المحمود بصفات الكمال، وهذا الذكر مقرونٍ بأمرين: (بالمحبة والتعظيم) فليس ذكرًا لصفات الكمال والجمال، والجلال دون محبةٍ وتعظيم بل يقترن مع المحبة والتعظيم.
• قال المصنف –رحمه الله-: (الحمد لله)
فله الحمد جلَّ في علاه فـ(اللام) هنا للاستحقاق، وللاختصاص فهو المستحق للحمد، والمختص بكماله، وإن كان يحمد غيره لكنه مختصٌ بالكمال فالألف واللام في الحمد هنا للاستغراق، ومعنى (الاستغراق): أي كل حمدٍ فهو له جلَّ في عُلاه، فهو المستحق في الحمد كله أوله وآخره، ظاهره وباطنه، سره وإعلانه باللسان والجوارح والقلب والجوارح.
قال –رحمه الله-: (العلي الأرفق):
هذا البيت، والذي يليه هو في تمجيد الله والثناء عليه، بحمده وبيان ماله من الكاملات، وقد أحسن المصنف –رحمه الله- عند ما اختار من الأوصاف ما يُبِينُ موضوع رسالته أو ما يتوافق مع موضوع متنه ونظمه، وهذا يسميه علماء البلاغة (براعة الاستهلال)، وبراعة الاستهلال هو: أن يفتتح المتكلم كلامه بما يعرف به مضمون كلامه أو بما يتناسب ويتوافق مع مضمون كلامه، والمؤلف –رحمه الله- أحسن في كونه أشار في مقدمة كلامه إلى معنى موضوعه أو إلى موضوع نظمه
الحمدُ لله العلي الأَرفق               وجـامع الأشياء والمفرق
"العلي": الذي له العلو المطلق في الذات، والصفات، والقدر. فالعلو ثلاثة أنواع كله ثابتٌ لله: علو ذاتٍ، وعلو قدرٍ، وعلو قهرٍ.
هذا هو العلو الثابت لله –عز وجل-، والعلو بنوعيه: علو القهري، وعلو القدري لا خلاف بين العلماء فيه، فجميع علماء الأمة متفقون عليه، وأما علو الذات فعامة علماء السلف لا خلاف بينهم في ثبوته لله –عز وجل-، وقد خالف فيه المتأخرون من المتخلفين عن طريق السلف من أهل الكلام فلم يثبتوا علو الذات بل قالوا: هو علو قدرٍ وقهر فحملوا وفسَّروا علو الذات الثابت لله بأنه علو قهرٍ وعلو قدر، وهو خلاف ما دلت عليه النصوص من أنه العلي الأعلى جلَّ في علاه ذاتًا، وقدرًا، وقهرا فهو القاهر فوق عباده وهو العلي، العظيم وهو جلَّ في علاه الذي استوى على العرش سبحنه وبحمده علا عليه، سبحانه وتعالى.
وقوله: "الأرفق": الأرفق أفعل من الفعل (رفق) فهو الأرفق وهو مأخوذٌ من (الرفق)، وهذا خبرٌ عن الله وليس اسمًا من أسماءه فالاسم الثابت لله –عز وجل- في هذا الشأن هو الرفيق، أما الأرفق فهو خبرٌ عن هذا الاسم، وهذا الوصف، وليس من أسماء الله –عز وجل-، وقد جاء ذلك في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «يا عائشة إن الله رفيقٌ يحب الرفقة»، والنبي –صلى الله عليه وسلم- في سياق الموت كان يقول: «في الرفيق الأعلى»، وهذا وجه جمع المؤلف بين هذين الوصفين: (الحمد لله العلي الأرفقِ) فإن النبي –صلى الله عليه وسلم- جمع بينهما، والجمع بينهما لإزالة كل ما يتوهم من المخالطة، والممازجة فهو الرفيق الذي يصاحب عباده فلا يخلوا عنه أحدٌ من معيته العامة، ولأوليائه من المعية الخاص ما يناسبهم، وكذلك هو الأعلى جلَّ في علاه فهو العلي مع أنه الرفيق جلَّ في علاه.
• قال –رحمه الله- بعد ذلك:"وجامع الأشياء والمفرق":
(وجامع الأشياء) وهذا من أبسط ما يكون بهذا النظم فإن القواعد تجمع وتفرق فجاء بهذا الخبر عن الله –عز وجل- في سياق وصفه للإشارة إلى مضمون ما يتناوله من القواعد فهو جلَّ في علاه جامع الأشياء: أي يجمعُ الأشياء، وهو الذي يفرق.
 لكن ينبغي أن يعلم أن ما جمع الله فيما بينه فلا بد فيه من مناسبة، وما فرق الله بينه فلا بد فيه من مناسبة فليس جمعًا لا مناسبة فيه، ولا تفريقًا لا معنى فيه بل ثمة منعنًا في الجمع والتفريق؛ ولهذا من القواعد المعلومة في شئن الشرع. أن الشرع لا يجمع بين مختلفين كما أنه لا يفرق بين متماثلين فيجمع بين مختلفين في حكم كما أنه لا يفرق بين متماثلين في الحكم فالجمع والتفريق المشار إليه في قوله: وجامع الأشياء والمفرق هو الجمع لمناسبة، والتفريق لمناسبة؛ ولذلك فرق الله تعالى بين من يجب التفريق ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾[القلم36:35] فرق الله بينهما هذا التفريق؛ لأن مقتضى الحكمة ألا يجتمعان، وأما إذا اقتضت الحكمة الاجتماع فإنه لا يفرق الشارع بين ما هو متماثل، وبين ما فيه مناسبة تجمع.

مواد تم زيارتها

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف