الثلاثاء 15 صفر 1443 هـ
آخر تحديث منذ
×
تغيير اللغة
القائمة
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو Hausa
الثلاثاء 15 صفر 1443 هـ آخر تحديث منذ

نموذج طلب الفتوى

لم تنقل الارقام بشكل صحيح
×

لقد تم إرسال السؤال بنجاح. يمكنك مراجعة البريد الوارد خلال 24 ساعة او البريد المزعج؛ رقم الفتوى

×

عفواً يمكنك فقط إرسال طلب فتوى واحد في اليوم.

زاد الحاج والمعتمر / دروس الحج / قوة الحجاج في عموم المغفرة للحجاج / الدرس(1) من قول المؤلف " بسم الله الرحمن الرحيم".

مشاركة هذه الفقرة

الدرس(1) من قول المؤلف " بسم الله الرحمن الرحيم".

تاريخ النشر : 22 ذو القعدة 1437 هـ - الموافق 26 اغسطس 2016 م | المشاهدات : 1667

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين؛ نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه، ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد.

فأسأل الله لي ولكم العلم النافع، والعمل الصالح، وأن يرزقنا وإياكم البصيرة في الدين، وأن يعيننا على تعلم ما ينفعنا وبذله، وأن يعيننا على بذله ونفع الخلق به.

في هذا المجلس- إن شاء الله تعالى- سأقرأ رسالة لطيفة مختصرة، أو سنبدأ قراءة رسالة لطيفة مختصرة؛ هي سؤال وجه للحافظ ابن حجر- رحمه الله- حول عموم المغفرة للحجاج، قد نستغرق فيها أربعة مجالس، أو ثلاثة مجالس، وَسَمها المصنف- رحمه الله- باسم: "قوة الحجاج في عموم المغفرة للحجاج" والعنوان واضح في مقصود الرسالة ومضمونها؛ فإن موضوع هذه الرسالة يبحث في: ما الذي يكفره الحج؟ وهذا سؤال يشير إلى مسألة اختلف فيها العلماء- رحمهم الله- في ما الذي يستفيده الحاج من المغفرة، هل هي للصغائر، أو هي للكبائر مع الصغائر، أو هي للصغائر والكبائر والتبعات، والمقصود بالتبعات حقوق الخلق، فهذه ثلاثة أوجه ذكرها العلماء- رحمهم الله- فيما تشمله المغفرة في مثل قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من حج فلم يرفث، ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» أي خاليا، وخالصا من الذنوب، فالبحث في هذه الرسالة هو في تحرير الروايات المتعلقة ببيان ما الذي تشمله المغفرة، هل تشمل كل الذنوب وعمومها، صغائرها وكبائرها والتبعات؟ أم هي دون ذلك؟ وواضح من سياق الرسالة أنها إجابة على سؤال؛ فإن المصنف- رحمه الله- قد قال في أولها: " فإني سئلت عن علم الحديث الذي أخرج في بعض السنن عن العباس بن مرداس السلمي في مغفرة الله تعالى ذنوب الحاج ذي التبعات، فعلم من هذا أن منطلق الكتابة في هذا الموضوع هو الإجابة على سؤال سائل، وكم من سؤال يفتح الله تعالى به من العلم ما لا يدرك بالابتداء والتصنيف! وأدل ما يدل على هذا ما جاء في الصحيح من حديث جبريل عندما جاء يسأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسأله عن الإسلام، ثم الإيمان، ثم الإحسان، ثم أمارات الساعة، ووصف الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تلك المسائل بأنها تعليم؛ حيث قال: أتدرون من السائل؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم. فكم من العلم يفتح، وينال بالسؤال! وهذا مثال ظاهر واضح، ومنه هذه الرسالة؛ فإن هذه الرسالة حرر البحث فيها انطلاقا من سؤال سائل، ولم تجمع الروايات- فيما اطلعت عليه من الكتب التي وقفت عليها- لم تجمع الروايات دراسة وذكرا وبيانا كما جمعت في هذه الرسالة، فمن الأسئلة ما يفتح الله تعالى به على الناس خيرا كثيرا؛ ولذلك ينال العلم بالسؤال، وبعقل ما يسأل الإنسان، وحسن السؤال نصف العلم، إذا وفق إلى السؤال الراشد، ووجه إلى أهله كان ذلك من أسباب إدراك العلم، المقصود أن هذه الرسالة موضوعها واضح من عنوانها؛ هو بيان روايات عموم المغفرة للحجاج، والحديث عنها من حيث الصحة والضعف؛ ولذلك وسمت: " قوة الحجاج" والحجاج جمع حجة، والحجة هي ما يثبت به الشيء، فهي الدليل والبرهان، وأصلها مأخوذ من القصد، فإذا قصد الإنسان إلى شيء سمي حاجا له، أو إليه، والحجة تقصد إلى إقامة البينة؛ ولذلك سميت الحجة، أو سمي الدليل حجة، وسمي البرهان حجة، وقوله:" في عموم المغفرة" العموم هو الشمول الذي لا يستثني شيئا، والمغفرة المقصود بها حط السيئات والخطايا بالتجاوز والستر، التجاوز وهو المحو والصفح، والستر وهو العفو، وعدم المؤاخذة، وعدم الفضح، وقوله: " للحجاج" الحجاج جمع حاج، والحاج هو من قصد بيت الله الحرام في أشهر الحج بأعمال مخصوصة؛ فتبين من خلال هذا الاستعراض السريع لمفردات العنوان مضمون هذه الرسالة.

قال- رحمه الله-  بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين!

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني- رحمه الله- في رسالته الموسومة بـ " قوة الحجاج في عموم المغفرة للحجاج" قال: " بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله العزيز الغفار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ مبدل السيئات حسنات، وماحي الأوزار، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى المختار، صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه، الطيبين الأطهار، أما بعد، فإني سئلت عن علم الحديث الذي أخرج في بعض السنن عن العباس بن مرداس السلمي في مغفرة الله- عز وجل- ذنوب الحاج ذي التبعات؛ هل هو صحيح، أو حسن، أو ضعيف يعمل في الفضائل بمثله؟ أو هو في حيز المنكرات، أو الموضوعات؟ والجواب عن ذلك أنه جاء من طرق.." طيب؛ افتتح المصنف- رحمه الله- هذه الرسالة بحمد الله، والثناء عليه بعد البسملة، وكان الاستهلال مناسبا؛ حيث ذكر ما يفيد المعنى فقال: " الحمد لله العزيز الغفار" وهذا من براعة الاستهلال، ثم شهد لله بالإلهية، ولنبيه  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  بالرسالة، وذكر من أوصاف الله- عز وجل- ما يناسب الحال: " مبدل السيئات حسنات، وماحي الأوزار" ثم قال- رحمه الله- شارعا في مقصوده من هذه الرسالة: " فإني سئلت عن علم الحديث" أي في مسألة من مسائل الحديث، وعلم الحديث يشمل بابين: الرواية، والدراية، رواية الأحاديث نقلا؛ صحة وضعفا، ودراية- وهو الشق الثاني من علم الحديث- وهو فهم تلك المرويات المنقولة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " الذي أخرج في بعض السنن" والسنن إذا أطلقت- في الغالب- يراد بها السنن الأربع: سنن النسائي، وابن ماجة، والترمذي، وأبي داود. ولكن المصنف- رحمه الله- هنا لم يقصد حصرها بالسنن المعهودة، إنما أراد بذلك ما قد يكون أوسع من حصرها في هذه الأربعة، وسيتبين هذا من خلال الطرق، وهو حديث سيتبين لنا تخريجه أنه في سنن أبي داود، فلما تطلق السنن يراد بها السنن الأربع، لا؛ ليس المقصود جميع هذه السنن، قد يكون في بعضها، وقد يكون فيها، وقد يكون في غيرها، قال- رحمه الله- : " عن العباس بن مرداس السلمي في مغفرة الله- عز وجل- ذنوب الحاج ذي التبعات" العباس بن مرداس من المخضرمين؛ كما ذكر ذلك جماعة من أهل العلم المترجمين، وهو ممن امتد عمره، ووصفه بعضهم بأنه مخضرم، والذي يظهر أنه من الصحابة؛ حيث أدرك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ووصفه بالمخضرم هو نزول بالرتبة التي بلغها؛ لأن المخضرم هو من أدرك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأدرك الإسلام، ولكنه لم يلقه، أدرك الجاهلية والإسلام لكنه لم يلق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، هذا مقصدهم بالمخضرم؛ من أدرك الجاهلية والإسلام لكنه لم يلق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العباس بن مرداس من الصحابة؛ لأنه لقي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  وقد ولاه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صدقات بني سليم وجماعات من العرب،  قال: " في مغفرة الله- عز وجل- ذنوب الحاج ذي التبعات" ذي بمعنى صاحب، أي صاحب التبعات، والتبعات جمع تبعة، والمقصود بها حقوق الخلق، وهذا أخص ما يكون من الذنوب؛ لأن الذنوب منها ما يكون في حق الله تعالى، وهي صغائر وكبائر، ومنها ما يكون في حق المخلوقين، وهو الموصوف هنا بقوله: " ذي التبعات" وسميت بـ ذي التبعات لأن أصحابها يتبعونها، فهي لا تسقط بمجرد التوبة، بل لها طالب، ولها من استحق عوضها؛ فلا تسقط بالمجان، وهي مبنية على المشاحة، وإن كان جميع الذنوب له تبعة، لكن هذا خص لأن المطالب له لا يسقطه بالمجان، بل لابد من عوض وبدل، إما من المخلوق أو من الله- عز وجل- بخلاف حقوق الله- عز وجل- فإنها تعفى، وتغفر دون مقابل، بل يتفضل- جل في علاه- فيغفر لمن يشاء دون أن يقابل ذلك بمقابل.

السؤال عن هذا الحديث الوارد في مغفرة الحج للتبعات، مغفرة الحج للذنوب ثابت فيما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من طرق عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» وفي رواية مسلم قال  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  : «من أتى هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» وهذا قريب في لفظه من الحديث السابق، وقد جاء بألفاظ متعددة، والاختلاف فيها قريب، وهي مجتمعة على المعنى الذي أفاده لفظ البخاري ومسلم: «من حج لله فلم يرفث، ولم يفسق رجع كيوم ولدته» أو «من أتى البيت، أو أتى هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» ومقتضى قوله: «رجع كيوم ولدته أمه» وفي رواية مسلم: «كما ولدته أمه» أنه يرجع خاليا من الذنوب؛ ولذلك جاء التصريح بهذا في بعض الروايات؛ في الترمذي قال: «من حج فلم يرفث، ولم يفسق غفر له ما تقدم من ذنبه» وهذا بيان لمعنى قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رجع كيوم ولدته أمه» وقوله: «كما ولدته أمه» في رواية مسلم، وهذا يبين عموم المغفرة إلا أن هذا العموم الذي أفاده هذا الحديث استشكله بعض أهل العلم؛ حيث إن عمومه يفيد شمول المغفرة لكل الذنوب؛ في حق الله، وفي حق الخلق، والصغير والكبير، وهنا مسألتان- بعد تحرير محل الاتفاق- الاتفاق منعقد على أن:" من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" فيما يتعلق بصغائر الذنوب، يعني الاتفاق منعقد على أن الحج المبرور، الحج الذي لا فسق فيه ولا رفث يغفر الصغائر، لا خلاف بين أهل العلم في هذا، هذا محل اتفاق، وما وراء هذا محل خلاف، ما وراء هذا من مواضع المغفرة وهما مسألتان، مغفرة الكبائر، ومغفرة التبعات؛ حقوق الخلق، فهذه مسألة فيها للعلماء خلاف، أما المتفق عليه فهو أن الحج يكفر الصغائر، من أهل العلم من قال: هذا العموم، أو هذا الإطلاق في قوله: «كيوم ولدته أمه» وقوله: «كما ولدته أمه» مخصوص، لما يقول لك أحد مخصوص فالمتبادر أن تبادر بإيش؟ بالمخصص، ما الذي خص الحديث بالصغائر وظاهره العموم؟ فإن من ولدته أمه سالم من كل ذنب صغير أو كبير، في حق الله، وفي حق الخلق، والحديث يقول: «رجع كيوم ولدته أمه» والجواب أن الذين قالوا بقصر المغفرة في الحج على الصغائر قالوا: إنه كل إطلاق، دلت النصوص أن كل إطلاق للمغفرة لا يشمل إلا الصغائر؛ فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكر ما هو أعظم من الحج واشترط في المغفرة به أن يكون قد اجتنب الكبائر، فمن ذلك ما في الصحيحين من قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «الصلوات الخمس، ورمضان إلى رمضان، والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» قالوا: الصلاة هي أعظم العبادات فإذا كانت الصلاة لا تقوى على تكفير الكبائر، وإنما يقتصر تكفيرها على الصغائر فالحج من باب أولى، وعلى هذا جروا في كل النصوص المطلقة، في مثل قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» تتأتى نفس المسألة: هل هذا شامل للصغائر والكبائر؟ أم الصغائر فقط؟ حملوه على الصغائر؛ بناء على أن الصلاة- وهي أعظم- لا تكفر إلا الصغائر، إذًا؛ خصوا هذا الحديث بالقياس، دليلهم في التخصيص هو القياس، فقالوا: إنه لا يكفر إلا الصغائر قياسا على الصلاة؛ لأن الصلاة أعظم، وذهب طائفة من أهل العلم إلى أن النصوص المطلقة في تكفير الذنوب تحمل على إطلاقها في حقوق الله تعالى جميعها؛ صغيرها وكبيرها، وأن ذلك لا يقصر على الصغائر فحسب، بل يشمل الكبائر، ولا يقال: إن الصلاة هذا شأنها؛ لأن الأجور والعقوبات ليس مما يدخله القياس، الأجور والعقوبات ليس مما يجري فيه باب القياس، بل هو محض فضل وعطاء، والله- جل وعلا- يعطي كيف يشاء، فلا يقال: إنه لم يذكر المغفرة للكبائر في الصلاة فهذا يعني أنها لا تكفر في الصوم، هذا ليس بصحيح، بل يقال: إن ما جاء عاما يحمل على عمومه، وما جاء مقيدا يحمل على ما جاء  من تقييد، وإلى هذا ذهب جماعة من أهل العلم، وإن كان الجمهور على القول الأول، جمهور العلماء على أن التكفير في هذه النصوص المطلقة، أو النصوص العامة مقيد، ومخصوص بالصغائر فقط، والراجح من هذين القولين: أنه يبقى النص على عمومه؛ فما جاء مطلقا يبقى عاما، فيقال: من فضل الله على عباده أن جعل لهم من المكفرات ما يحط الخطايا؛ صغيرها وكبيرها، ومن ذلك الحج، فإنه يبقى على عمومه، ولا يقصر على الصغائر فحسب، وبهذا قال جماعة من أهل العلم، أما المسألة الثانية وهي ما يتعلق بالتبعات؛ فعامة العلماء على أن التبعات لا تغفر إلا بالاستباحة، والتحليل من أصحاب المظالم؛ فإن هذه الأعمال لا تعمل في تلك الذنوب مغفرة وعفوا؛ لتعلق حقوق الخلق بها، واستدلوا أيضا بالقياس على الجهاد وهو أشرف الأعمال، ومن أعظمها أجرا؛ فقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المغفرة للشهيد: «يغفر له كل شيء إلا الدين» فدل ذلك على أن حقوق العباد ليست تحت المغفرة في الجهاد ومثله الحج؛ لأمرين: أولا: أن الجهاد أشق من الحج، وثانيا: أن الجهاد نوع من الحج، فقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعائشة لما قالت: هل على النساء من جهاد؟ قال: «عليهن جهاد، أو قال لكن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة» فالحج نوع من الجهاد، فإذا كان الجهاد الذي هو الأصل وفيه من تعريض النفس للتلف والهلكة لا يقوى على مغفرة التبعات فكذا ما يتعلق بالحج، والجواب على هذا أن يقال مثل ما قيل في المسألة السابقة: إذا دلت النصوص على العموم، فينبغي أن يحفظ العموم، ويكون هذا من الخصائص التي خص بها هذا العمل، إلا أن الذي يشكل على هذا هو كون الحج نوعا من الجهاد، هذا الإشكال الذي يجعل المسألة مختلفة، فالقياس هنا ليس قياس عبادة على عبادة كما قسنا الحج على الصلاة، والصوم على الصلاة، فبينهما فرق؛ هذه عبادة وتلك عبادة، أما الجهاد فهو نوع من الحج بالنص النبوي، وبالتالي يقوى القول بالتخصيص؛ لأن الجهاد الذي ألحق به الحج في المنزلة، وجعل جهادا للنساء لا يكون أقوى من الأصل؛ فالفرع لا يكون أقوى من الأصل، فإذا كان الجهاد الذي يحصل الشهادة بالجهاد لا يكفر التبعات فكذلك الحج لا يكفر التبعات، ويكون عموم قوله  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «رجع كيوم ولدته أمه» خاصا بالصغائر والكبائر دون التبعات، هذا استعراض إجمالي للمسألة التي يحررها المؤلف- رحمه الله- في هذه الرسالة، وتحريره هو النظر في أسانيد وروايات أحاديث مغفرة التبعات.

يقول- رحمه الله- : " هل هو صحيح؟ - هذا هو السؤال؛ حديث العباس بن مرداس في المغفرة للحاج ذي التبعات- هل هو صحيح، أو حسن، أو ضعيف يعمل في الفضائل بمثله؟ أو هو في حيز المنكرات والموضوعات؟ " وهذا شمل أقسام الحديث الذي يحتج به، والذي لا يحتج به، والمقصود: هل هو حديث يحتج به في إثبات هذه الفضيلة أو لا؟ فإن كان صحيحا فذاك، ومثله الحسن، ثم بعد ذلك في المرتبة الضعيف الذي ضعفه ليس بشديد، ثم بعد ذلك في المنزلة والمرتبة المنكرات والموضوعات، وهذه بالاتفاق لا يبنى عليها حكم، ولا يثبت بها فضل؛ لأنها أحاديث شديدة الضعف أو موضوعة؛ فمثل هذا لا يستند إليه في إثبات الأحكام، والمصنف- رحمه الله- في حكاية السؤال ذكر كل الاحتمالات التي ترد على الحديث؛ فهو إما أن يكون صحيحا، وإما أن يكون حسنا، وإما أن يكون ضعيفا يستأنس به، ويحتج به في فضائل الأعمال، وإما أن يكون موضوعا، نقف عند قوله- رحمه الله-، إذا كان صحيح أو حسن الأمر واضح، وكذلك إذا كان منكرا وموضوعا فالأمر واضح؛ فالحسن والصحيح يحتج به، والمنكر والموضوع لا يحتج به" بقي قوله- رحمه الله- : " أو ضعيف يعمل في الفضائل بمثله" هذا يشير إلى مسألة؛ وهي مسألة ذات أهمية، وهي مسألة الاحتجاج بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال؛ وهي مسألة مشهورة، وكثر الحديث عنها، وكثر إطلاقها في المتأخرين دون ضبط وتقييد؛ مما أوجب الالتباس، وعدم معرفة ما كان عليه المتقدمون في هذا الباب، فيما يتصل بأصل هذه المسألة: حكى النووي- رحمه الله- الاتفاق على جواز العمل بالحديث الضعيف، أو جواز الاحتجاج بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، وحكاية النووي- رحمه الله- للاتفاق انتقدها جماعة من أهل العلم؛ وذلك أن المسألة ليست محل اتفاق، بل المسألة فيها خلاف على أقوال شهيرة عند المحدثين قديما وحديثا، فحكاية الاتفاق فيها مجازفة؛ ولذلك انتقد هذا الاتفاق الذي حكاه- رحمه الله- وينبغي أن يعلم أن البحث في الأحاديث التي من جملة الأحاديث ذات الضعف اليسير، أما شديدة الضعف والموضوعات فهذه خارج محل البحث، ولا يجوز الاحتجاج بها، لا في فضائل، ولا في غيرها، فمحل البحث هو الاحتجاج بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، وما الأقوال؟ ثم ما معنى الاحتجاج؟ عندنا في هذه المسألة أمران: 

أولا: ما هي الأقوال؟ ما هو خلاف العلماء؟ وما مقصودهم بالاحتجاج؟ المقصود بالاحتجاج هو الاستئناس بهذه الأحاديث في هذا العمل، لكن لا يعني ذلك إثبات الاستحباب لهذا العمل، فالاحتجاج بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال لا يثبت استحباب تلك الأعمال؛ لأن الاستحباب حكم شرعي لابد له من دليل، وإنما المقصود بالاحتجاج هو أن يستأنس بالأحاديث الضعيفة قريبة الضعف في فضيلة هذا العمل، لكن لا يثبت ذلك استحبابا لهذا العمل، وهذه مسألة ينبغي أن تتضح حتى يتميز المقصود بالاحتجاج، وأنه ليس إثبات حكم الاستحباب لهذه الأعمال الواردة؛ لأن هذا يحتاج إلى أن يعتمد على حديث صحيح، الأحكام الشرعية تعتمد على أحاديث صحيحة، والمقصود صحيحة أي أحاديث معتبرة، لكن البحث الآن هو في الاستئناس بتلك الأحاديث في فضيلة هذا العمل وجواز الأخذ به، لا في استحبابه والندب إليه.

إذًا؛ فهمنا معنى الاحتجاج، وأن المراد بالاحتجاج الاستئناس في جواز هذا العمل، وعدم وصفه بالبدعة، أما الاستحباب فتلك منزلة تحتاج إلى دليل؛ ولذلك نبه شيخ الإسلام- رحمه الله- إلى هذا في كلام له ماتع حول الاحتجاج بالحديث الضعيف، يقول- رحمه الله- : " ليس معناه إثبات الاستحباب بالحديث الذي لا يحتج به؛ فإن الاستحباب حكم شرعي، فلا يثبت إلا بدليل شرعي، ومن أخبر عن الله أنه يحب عملا من الأعمال من غير دليل شرعي فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله" وهذا كلام رصين وقوي.

إذًا؛ الذي يفيده هو تنشيط النفوس إلى هذا العمل دون إثبات حكم الاستحباب والندب له، وأيضا؛ يأمن من فعله من أن يوصف فعله بأنه بدعة، هذا معنى الاحتجاج بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال.

أما حكم الاحتجاج بالحديث الضعيف في فضائل العمل فالعلماء لهم في ذلك طرق:

 الطريق الأول: أنه لا يجوز الاحتجاج بالأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال مطلقا، وإلى هذا الرأي ذهب جماعة من أهل الحديث- المتقدمين والمتأخرين- منهم الإمام مسلم- رحمه الله- كما في مقدمته؛ حيث ذكر أن الفضائل كالأحكام لا تبنى إلا على الصحيح من الأخبار، وقد ذكر ذلك الحافظ ابن رجب- رحمه الله- في علل الترمذي؛ حيث قال: " وظاهر ما ذكره مسلم في مقدمة كتابه يقتضي أنه لا تروى أحاديث الترغيب إلا عمن تروى عنه أحاديث الأحكام، ونسب ذلك أيضا إلى ابن حبان- رحمه الله- فهذا قول هذين الإمامين، ونسب إلى البخاري؛ نظرا إلى قوة شرطه، ونسب إلى جماعة من المحدثين، لكن الذي يعتمد عليه هو ما صرحوا به، وقد صرح بذلك مسلم، أو قارب من التصريح، ويفهم من كلامه ما يشبه أن يكون نصا في أنه لا يعتبر بالأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال؛ لأن الباب واحد في الفضائل وفي الأحكام، وقد قال بهذا القول ابن حزم، وابن العربي، وجماعة من أهل العلم، إذًا؛ هذا هو القول الأول أنه لا يحتج بالأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال مطلقا، 

القول الثاني: هو الاحتجاج بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، وهؤلاء منهم من اشترط شروطا، واختلفوا في عد هذه الشروط؛ قلة وكثرة، لكن في الجملة هم يرون أن الحديث إذا لم يكن شديد الضعف يصح الاحتجاج به في فضائل العمل بشروط ذكروها؛ وهذا مذهب عامة الفقهاء، وجمهور المحدثين، ومن أبرز ما ذكر في الشروط التي ذكرها أصحاب هذا القول:

أولا: ألا يكون الحديث شديد الضعف بأن يكون موضوعا أو مكذوبا، أو فيه متروك، أو فيه نكارة.

ثانيا: أن يكون الفضل الوارد في الحديث الضعيف قد جاءت به النصوص الأخرى على وجه العموم؛ فيكون مندرجا تحت أصل آخر ثابت صحيح.

أما الشرط الثالث فهو: ألا يعتقد ثبوت ذلك عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا ثبوت تلك الفضيلة عنه  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إنما يعمل بها إن شاء دون اعتقاد استحقاقه، أو سنية الفعل، أو استحبابه، هذه أبرز ثلاثة شروط ذكرها العلماء في مسألة جواز الاحتجاج بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، نجملها، أولا: ألا يكون شديد الضعف، 

ثانيا: أن يكون مندرجا تحت أصل صحيح جاء في الكتاب أو في السنة، 

ألا يعتقد ثبوته عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا استحقاق الفضل الوارد.

طيب؛ ما فائدته؟ فائدته هو تنشيط النفوس، والحقيقة تطبيق هذه القواعد التي ذكروها يعني يجعل هذا القول قريب من القول بعدم الحجية من حيث عدم الاحتجاج؛ لأنه ليس هناك ثمرة من حيث ثبوت الفضيلة إلا ما يتعلق بالإباحة والإذن، والإباحة والإذن قد تستفاد من معنى آخر غير هذا الحديث، على كل حال كثرة الشروط التي ذكرها بعض أهل العلم في قيود الاحتجاج بالحديث الضعيف قد تلحق هذا القول بالقول السابق، لكن الذي ينبغي أن يعلم إنه الجميع متفق على أنه لا يثبت بالحديث الضعيف حكم شرعي؛ حكم استحباب؛ ولذلك قال شيخ الإسلام رحمه الله: " لم يقل أحد الأئمة إنه يجوز أن يجعل الشيء واجبا، أو مستحبا بحديث ضعيف، ومن قال هذا فقد خالف الإجماع" وبالتالي لا يثبت بهذه الأحاديث حكم، هذا ما يتصل إجمالا بما يتعلق بما أشار إليه في قوله- رحمه الله- : " أو ضعيف يعمل في الفضائل بمثله" بعد أن فرغنا من التعليق على السؤال وما يتصل به من مسائل نقرأ ما ذكره المؤلف- رحمه الله- من إجابة، نعم؛ " والجواب عن ذلك أنه جاء من طرق أشهرها حديث العباس بن مرداس السلمي، وخرج مسند الإمام أحمد، وأخرج أبو داود في السنن طرفا منه فسكت عليه؛ فهو على رأي ابن الصلاح ومن تبعه حسن، وعلى رأي الجمهور كذلك، ولكن باعتبار انضمام الطرق الأخرى إليه لا بانفراده، فاستخرت الله تعالى في جمع طرقه" طيب؛ إذً الآن المصنف رحمه الله أشار إلى أن أشهر ما جاء في حديث المغفرة؛ مغفرة الذنوب للحاج ذي التبعات حديث العباس بن مرداس- رضي الله عنه- فذكر تخريجه وأنه قد خرجه الإمام أحمد في مسنده،وأخرجه أبو داود في سننه،لكن الذي أخرجه إنما هو طرف من الحديث وليس كمال الحديث، الحديث فيه أمور لم تكن في هذين المرجعين؛ مسند الإمام أحمد، وأبي داود، وفي كل الأحوال المقصود هو ما يتعلق بمغفرة الذنوب للحاج ذي التبعات؛ هذا جاء في المسند، وجاء في سنن أبي داود، قال المصنف- رحمه الله- " وسكت عليه أبو داود" سكوت أبي داود بناء على ما صرح به في أول كتابه: أن ما سكت عنه فهو صالح للاحتجاج. ولذلك سكوت أبي داود يحتج به كثير من الفقهاء؛ لاسيما النووي- رحمه الله- في الأذكار، وفي مؤلفاته، ويعد ذلك حسنا محتجا به، وقد أشار الحافظ ابن حجر رحمه الله إلى هذا المعنى؛ حيث قال: " فهو على رأي ابن الصلاح ومن تبعه حسن"؛ إشارة إلى أن ما سكت عنه أبو داود فلم يقل فيه بصحة ولا بضعف فإنه صالح للاحتجاج؛ فهو حسن، قال:" وعلى رأي الجمهور كذلك- إذًا هذا رأي الجمهور- ولكن باعتبار انضمام الطرق الأخرى إليه، لا بانفراده" هذا استدراك، فهو مايز بين طريق ابن الصلاح ومن تبعه، وبين الجمهور؛ فطريق ابن الصلاح بما أن أبا داود أخرجه وسكت عنه فهو حسن عنده، وأما الجمهور فإنهم حسنوه بناء على انضمام طرق أخرى لهذا الحديث قوته فبلغ به درجة الاحتجاج، وهنا نقف عند مسألة مهمة، وهي مسألة متى يكون انضمام الطرق مقويا للحديث؟ هل كثرة الطرق تقوي الحديث؟ وهذه مسألة مهمة في علم الحديث تخفى على كثير من المشتغلين بالحديث ممن لم يميز متى تكون كثرة الطرق مقوية، ومتى لا تكون؟ الذي ينبغي أن يعلم إنه ليس كل حديث كثرت طرقه فإنه يقوى بهذه الكثرة، بل من الأحاديث ما يكون كثرة طرقه دليلا على ضعفه، فليس كل كثرة للطرق تقوي الحديث، وحتى نعرف المسألة هذه بإجمال واختصار ينبغي أن يعلم أن عمدة المنظور إليه في الحديث أمور: 

الأمر الأول: ضبط النقلة.

الأمر الثاني: اتصال السند.

الأمر الثالث: عدم الشذوذ في المنقول؛ ولهذا تعريف الحديث الصحيح: ما رواه العدل الضابط عن مثله إلى منتهى السند، من دون شذوذ، ولا علة. فالمنظور إليه حال الراوي؛ في عدالته، وضبطه، وفي اتصال نقله، وفي مضمون ما نقل؛ بألا يكون فيه شذوذ، فإذا جاء حديث ضعيف وهو منكر، فإنه مهما جيء بطرق فإنها لا تقوي الحديث، إنما التقوية فقط في أمرين:

فيما يتعلق بحال الراوي.

وفيما يتعلق باتصال الإسناد.

التقوية للأحاديث الضعيفة بتعدد الطرق إنما تفيد في حالين:

   -   في كون حال الضعف ناتج عن ضبط الراوي، وأما عدالته فالعدالة محل تأمل، في ضبط الراوي ابتداءً. 

  -  والثاني: فيما يتعلق باتصال السند، فهذا الذي يفيد فيه تعدد الطرق، وتقوي الحديث، وتزيده قوة وثبوتا، أما إذا كان هناك نكارة في الحديث، أو كان الراوي كذابا فإنه مهما جاء من طرق فإن ذلك لا يقوي الحديث، ولو تعددت الطرق؛ ولذلك هناك أحاديث رويت من طرق كثيرة لا عبرة بكثرتها؛ فلذلك قول المصنف- رحمه الله- فيما ذكر: " وعلى رأي الجمهور كذلك- أي حسن- ولكن باعتبار انضمام الطرق الأخرى إليه، لا بانفراده" ينبغي أن يعلم أن الانضمام الذي يقوي هو ما يتعلق بضبط الراوي؛ حال الراوي، واتصال الإسناد، وهذا هو الإشكال في هذا الحديث؛ ولذلك أشار المؤلف-رحمه الله- إلى أن الجمهور ذهبوا إلى الحديث حسن بالنظر إلى انضمام طرق إليه لا بانفراده؛ فانفراده فيه ضعف وعدم اكتمال لشروط الحديث المعتبر، أو المحتج به.

بعد هذا قال- رحمه الله-: "فاستخرت الله تعالى في جمع طرقه، وبذلك يتبين حاله؛ فإن المقبول ما اتصل سنده، وعدلت رجاله، أو اعتضد بعض طرقه ببعض؛ حتى تحصل القوة بالصورة المجموعة، ولو كان كل طريق منها لو انفردت لم تكن القوة فيها مشروعة؛ وبهذا يظهر عذر أهل الحديث في تكثيرهم طرق الحديث الواحد؛ ليعتمد عليه، إذ الإعراض عن ذلك يستلزم ترك الفقيه العمل بكثير من الأحاديث اعتمادا على ضعف الطريق التي اتصلت إليه" طيب؛ ( استخرت الله تعالى في جمع طرقه) أي طرق حديث مغفرة الذنوب للحاج ذي التبعات، وهنا يأتي سؤال: هل تشرع الاستخارة في الأعمال الصالحة؟ من أهل العلم من يقول: لا تشرع الاستخارة في الأعمال الصالحة؛ لأنها خير، وإنما يستخار فيما يشك في خيره، ويتردد الإنسان: هل هو خير أو لا؟ والذي يظهر- والله أعلم- أن الاستخارة في العمل الصالح ذاته- إذا كان لا يتزاحم مع غيره- لا وجه لها، لكن إذا كانت تزاحمها غيرها، أو كانت الاستخارة فيما يتصل بالعمل الصالح فإنه يشرع الاستخارة، كأن يستخير مثلا: هل يخرج مع هذه الجماعة للحج، أو يخرج مع جماعة أخرى؟ هذا الآن لا يستخير في أصل العمل الصالح، يستخير في شيء ملحق بالعمل الصالح، هل يكتب في هذا الباب أو لا يكتب؟ هو لا يستخير الآن في نفع الناس بالتعليم، إنما يستخير في علم من العلوم؛ هل أولى ما يصرف فيه الوقت أو يصرف في غيره؟ فلا يتأتى هنا  يقال: إن هذا يفيد أن ابن حجر يرى الاستخارة في العمل الصالح، الاستخارة في العمل الصالح في ذاته لا وجه لها، وإنما قد يستخير في العمل الصالح عند تزاحم الأعمال الصالحة، أو في بعض ما يلحق ويتبع العمل الصالح، 

( فاستخرت الله تعالى في جمع طرقه) أي طرق الحديث الذي بين أيدينا؛ حديث العباس بن مرداس، (وبذلك يتبين حاله) ثم قال: أي بالطرق يتبين حاله من حيث الصحة والضعف، ومن حيث الاحتجاج وعدمه؛ ( فإن المقبول- أي المحتج به- ما اتصل سنده، وعدلت رجاله) وانظر إلى ذكر هذين على وجه النص! ذكر أمرين: 

ما اتصل سنده،

وعدلت رجاله، وبذلك نفهم أن التقوية بالطرق إنما تفيد في هذين الأمرين؛ فيما يتعلق باتصال الإسناد من عدمه، وفيما يتعلق بحال الراوي ضبطا وعدالة، والأصل في الضبط، وأما ما يتعلق بمضمون الحديث فإنه إذا كان الحديث منكرا في مضمونه فإنه لا يعضده تعدد الطرق.

قال- رحمه الله- : ( أو اعتضد بعض طرقه ببعض؛ حتى تحصل القوة بالصورة المجموعة) أي بمجموع ما جاء من أحاديث، قال: ( ولو كان كل طريق منها لو انفردت لم تكن القوة فيه مشروعة؛ وبهذا يظهر عذر أهل الحديث في تكثيرهم طرق الحديث الواحد ليعتمد عليه) وهذا واضح في المؤلفات التي يذكر فيها المحدثون روايات بطرق عديدة، لاسيما إذا كانت في غير الصحيحين؛ يقصد من ذلك تقوية هذه الطرق بعضها ببعض، وقد يقصد غير ذلك؛ قد يقصد استكمال ما تضمنه حديث آخر أو رواية أخرى لم تذكر في رواية سابقة، فيكون هذا مفيدا لاكتمال الخبر، وتقوية ثبوته، فيفيد في الأمرين: في الدراية- فهما- وفي الرواية- تقوية-؛ ولهذا يقول: ( وبهذا يظهر عذر أهل الحديث في تكثيرهم طرق الحديث الواحد ليعتمد عليه؛ إذ الإعراض عن ذلك- أي عن ذكر الطرق عندما يحتاج إليها- يستلزم ترك الفقيه العمل بكثير من الأحاديث اعتمادا على ضعف الطرق التي اتصلت إليه) ومن هنا نعرف أهمية تعدد الطرق، وأن تعدد الطرق ليس ترفا، ولا تزيدا؛ إنما مقصوده تعزيز الرواية، أو تكميل الدراية، تكميل ألفاظ، أو ذكر أمور تتصل بالنص لم تستوعب في رواية من روايات الحديث.

قال- رحمه الله- :" وهذا حين الشروع في المقصود فيما قصدت، وعلى الله الكريم اعتمدت، وبتيسيره اعتضدت، أما حديث العباس بن مرداس فقال عبد الله بن أحمد بن حنبل في زيادة المسند؛ مسند أبيه: حدثنا إبراهيم بن الحجاج، حدثنا عبد القاهر بن السري، حدثنا عبد الله بن كنانة بن العباس بن مرداس عن أبيه: أن أباه حدثه أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دعا عشية عرفة لأمته بالمغفرة والرحمة؛ فأكثر الدعاء؛ فأجابه الله- عز وجل- أن قد فعلت وغفرت لأمتك إلا من ظلم بعضهم بعضا، فقال: يا رب إنك قادر أن تغفر للظالم، وتثيب المظلوم خيرا من مظلمته، فلم يكن تلك العشية إلا ذاك، فلما كان الغد- غداة المزدلفة- فعاد يدعو لأمته، فما لبث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن تبسم، فقال بعض أصحابه: يا رسول الله: بأبي أنت وأمي ضحكت في ساعة لم تكن تضحك فيها، فما أضحكك أضحك الله سنك؟! قال: تبسمت من عدو الله إبليس حين علم أن الله- عز وجل- قد استجاب لي في أمتي، وغفر للظالم، أهوى يدعو بالثبور والويل، ويحثو التراب على وجهه ورأسه؛ فتبسمت مما يصنع من جزع" طيب؛ هذا الحديث هو مضمون هذه الرسالة، وهو يفيد أن الحج يغفر الله به للحاج- إذا استكمل مواصفات الحج المبرور- كل الذنوب بلا استثناء؛ فيما يتعلق بالصغائر، وفيما يتعلق بالكبائر، وفيما يتعلق بالتبعات، الحديث قال فيه المصنف- رحمه الله- : (وأما حديث العباس بن مرداس فقال عبد الله بن أحمد بن حنبل في زيادة المسند؛ مسند أبيه) المسند للإمام أحمد، وهو من أشهر دواوين السنة، وقد أخرج فيه الإمام أحمد- رحمه الله- ما وصل إليه من أحاديث انتقاها، وغالب ما فيه صحيح، وقد زاد على المسند ابنه عبد الله زيادات ليست مما رواه الإمام أحمد، صنفها العلماء وميزوها بـ" زيادات عبد الله على أبيه"، وهذه الزيادات هي في غالبها لا تخرج عما ذكر- رحمه الله- لكنها رواية للأحاديث من غير طريق أبيه، إما أن يروي عن شيخ أبيه، أو يروي من طريق آخر غير الطريق التي رواها أبوه، هذا غالب ما تدور عليه الزيادات؛ أن عبد الله يروي الحديث من طريق غير طريق أبيه فينقله من طريق آخر غير الطريق الذي أخرجه الإمام أحمد فيكون زيادة، وإما أن يرويه عبد الله عن شيخ أبيه دون ذكر أبيه؛ فيكون هذا أيضا من جملة الزيادات التي زادها عبد الله على والده في مسنده، وقيل: إن غالب ما في المسند من أحاديث ضعيفة إنما هي من قبل هذه الزيادات، وكأن الإمام أحمد- رحمه الله- كان يتحرى، هو لم يشترط، لكن تحرى أن لا يخرج في مسنده، ألا يذكر في مسنده إلا ما له أصل، وهو صحيح.

قال-رحمه الله- :( حدثنا إبراهيم بن الحجاج، قال: حدثنا عبد القاهر بن السري، قال: حدثنا عبد الله بن كنانة بن العباس بن مرداس عن أبيه: أن أباه حدثه أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دعا عشية عرفة) والمقصود بأبي عبد الله في قوله: ( قال: حدثنا عبد الله بن كنانة بن مرداس) المقصود به العباس بن مرداس، وأتى الوقت الآن؛ نقف على هذا ونستكمل- إن شاء الله تعالى- في الدرس القادم الحديث على بقية هذه الرسالة، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

مواد تم زيارتها

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف