الاحد 17 ذو الحجة 1442 هـ
آخر تحديث منذ 16 دقيقة
×
تغيير اللغة
القائمة
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو Hausa
الاحد 17 ذو الحجة 1442 هـ آخر تحديث منذ 16 دقيقة

نموذج طلب الفتوى

لم تنقل الارقام بشكل صحيح
×

لقد تم إرسال السؤال بنجاح. يمكنك مراجعة البريد الوارد خلال 24 ساعة او البريد المزعج؛ رقم الفتوى

×

عفواً يمكنك فقط إرسال طلب فتوى واحد في اليوم.

مرئيات المصلح / برامج المصلح / الدين والحياة / الحلقة (44) الخمور والمخدرات وأثرها على حياة الفرد والمجتمع

مشاركة هذه الفقرة

الحلقة (44) الخمور والمخدرات وأثرها على حياة الفرد والمجتمع

تاريخ النشر : 27 صفر 1440 هـ - الموافق 07 نوفمبر 2018 م | المشاهدات : 2398

بسم الله الرحمن الرحيم
المقدم: السلام عليكم ورحمه الله وبركاته.
وأهلاً ومرحبًا بكم جميعًا مستمعين الكرام، إلى هذه الحلقة المباشرة من برنامجكم"الدين والحياة"والتي تأتيكم عبر أثير إذاعة "نداء الإسلام" من مكة المكرمة، نحييكم ونرحب بكم، ونسعد بصحبتكم خلال هذه الساعة من هذا البرنامج.

هذه تحيات محدثكم عبد الله الداني، وأيضًا من التنفيذ على الهواء الزميل المهندس الإذاعي/ محمد با صويلح.
في كل حلقة لنا موضوعٌ نتحدث حوله، ونطرح العديد من المحاور حول هذا الموضوع الذي نتحدث فيه.

 في هذا اليوم خصصنا عنوانًا نتكلم عنه، وكذلك أيضًا يكون لنا الكثير من المحاور التي ربما تندرج تحت هذا الموضوع، وتحت مظلته. موضوعنا في هذه الحلقة عن:
"
أضرار الخمور، والمخدرات، وأسباب انتشارها".
قبل أن أتكلم عن هذا الموضوع، وأُقدِّم حوله بالحديث أرحب بضيفي، وضيفكم الدائم في هذا البرنامج، صاحب الفضيلة الشيخ، الأستاذ الدكتور/ خالد بن عبد الله المصلح، أستاذ الفقه، والمشرف العام لفرع الرئاسة العامة للبحوث العلمية، والإفتاء في منطقة القصيم.
فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا شيخ خالد، وحياكم الله معنا.
الشيخ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته مرحبًا بك، وحياكم الله، وأهلاً وسهلاً بك يا أخ عبد الله، وحيا الله الإخوة والأخوات، والمستمعين والمستمعات.
المقدم: أهلاً وسهلاً بكم، ومرحبًا بكل المستمعين والمستمعات، الراغبين والراغبات، في التواصل معنا عبر هذه الحلقة، ويمكنهم من خلال الاتصال على الرقم [0126477117] التواصل معنا، كذلك يمكن عن طريق الرقم الأرضي الثاني [0126493028]، ويمكن كذلك المستمعين الكرام الراغبين في التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم 0582824040،
وكذلك يمكنكم التغريد على هشتاج البرنامج "الدين والحياة".
إذًا أهلاً ومرحبًا بكل المستمعين والمستمعات معنا عبر هذه الحلقة.
"
الدين والحياة" برنامجٌ يناقش النوازل، والمستجدات العصرية في القضايا القرآنية، والفقهية، والعقدية، والأسرية، وكل ما يتعلق بالأمور الشرعية.
"
الدين والحياة" برنامجٌ أسبوعي مع فضيلة الشيخ الدكتور/ خالد المصلح.
يأتيكم في الأوقات التالية مباشرةً الأحد عند الثانية ظهرًا، ويعاد عند الثانية عشر منتصف الليل.
إذاعة "نداء الإسلام" من مكة المكرمة أصلها ثابت، وفرعها في السماء.
المقدم: حيَّاكم الله من جديد المستمعين الكرام في هذه الحلقة، وبداية حديثنا في هذه الحلقة عن "أضرار الخمور، والمخدرات، وأسباب انتشارها"، وهذا الأمر الذي لا يخفى على أي إنسان على هذه البسيطة أنَّ المخدرات هي سبب لإهدار الأموال.
كم من بيتٍ صغيرٍ، وعشٍّ زوجيٍّ بسيطٍ كانت ترفرف على أروقته السعادة، وتهبُّ عليه رياح الحب والوفاء، فلمَّا دخلته المخدرات، وأصبح خرابًا، خرج منه الإيمان، ودخله الفسوق، والفجور والعصيان، عبثت فيه الشياطين، فأصبح وكرًا للحشيش والمخدرات، وفعل المنكرات.
في هذه الحلقة أسعد بضيفي، وضيفكم فضيلة الشيخ/ خالد المصلح، وأرحب بفضيلته.

شيخ خالد، عندما نتكلم في البداية عن مثل هذا الموضوع، لعلنا نحصل على تأصيلٍ شرعي لتحريم هذه المُسكِرات والمخدرات، ولماذا كان التحريم بالتحديد؟
الشيخ: أولًا السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ أهلاً ومرحبًا بك أخ عبد الله، وحيا الله الإخوة والأخوات، والمستمعين والمستمعات.
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم أجمعين.
أمَّا بعد،
فهذا الموضوع موضوع قد يتناوله بعض الناس، أو يعني يتعاطى معه بنوع من البرود، وأنه موضوع تقليدي، وما هو الجديد في موضوع الخمور والمخدرات؟ ولماذا الحديث عنها؟
والحقيقة أنه لا جديد من حيث بيان خطورة هذا الوباء في الكتاب والسُّنَّة، وفي كلام الأئمة، وأيضًا في التجارب البشرية الإنسانية على اختلاف الثقافات، وعلى تنوع حتى الديانات.
موضوع الخمور والمخدرات موضوع ذو بال، وهو من المواضيع الخطيرة التي ينبغي أن يُعتنى بمعالجتها، والتأمُّلِ في طريق الخلاص منها؛ لأنَّه الخمور والمخدرات وباء، هذا وباء يتسبب في عسرة الحياة الإنسانية من نواحي عديدة؛ من النواحي الأسرية، بل قبل النواحي الأسرية، من نواحي الفردية (حتى لو لم يكن له أسرة)، من نواحي عملية وظيفية، من نواحي اجتماعية، من نواحي صحية، ففساد الخمر وعظيم أثر الخمور على المسلك البشري، من أوضح ما يكون كالشمس في رابعة النهار، ومن لم يدرك هذه الحقيقة، فهو يتعامى عن شمسٍ في عزِّ النهار، وفي ضحى اليوم، وهذا بالتأكيد لا يفعله أصحاب العقول والبصائر؛ لذلك حتى الذين يتورَّطون في هذه البلايا والخبائث من المخدرات والخمور يعرفون أنهم على خطر لكن تغلِبُهم أنفسهم، بل تغلبهم أهواؤهم وشهواتهم، يغلبهم ما قد يدركونه من لذَّة عارضة في تعاطي هذه البلايا عن آثارها وعظيم أخطارها التي تترتب عليها.
 
الشريعة المطهرة، النور الذي جاء به سيد الورى -صلوات الله وسلامه عليه-، الإسلام لم يحرِّم الله – تعالى - فيه شيئًا وللناس فيه حاجة، لم يحرم الله - عزَّ وجلَّ - على الخلق شيئًا وهم يدركون منه مصالح ومنافع وخيرات، كل ما حرمه الله - تعالى- إنما هو ضررٌ، وشؤمٌ على الإنسان، وبه تفسد دنياه وأخراه.
هذه القاعدة يجب أن تكون واضحة وجلية؛ فالذي خلق السماوات والأرض وسخر لنا ما في السماء وما في الأرض، وخلق هذا الكون بسمائه وأرضه وجميع ما فيه، خلق ذلك للبشرية، وخلق ذلك لبني آدم لينتفعوا به، ولذلك يقول - جلَّ وعلا -: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ سخرها لمن؟ سخرها لمنافع الناس﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى [الزمر:5]. ، ويقول - جلَّ وعلا -: ﴿اللَّه الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَات رِزْقًا لَكُمْ [إبراهيم:32]. ، ثم يقول: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ * وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا سورة إبراهيم:32-34. .
هذا الذي سخر كل هذه الدنيا بما فيها، وسخر السماء والأرض والشمس والقمر وسائر المخلوقات لمصالح بني آدم، أيشح عليهم ويمنعهم من ما فيه مصلحة من بعض مخلوقاته؟ تعالى الله - جلَّ في علاه- عن أن يمنع الناس شيئًا لهم فيه حق، أو شيئًا لهم فيه مصلحة، إنما يمنعهم - جلَّ في علاه - لما فيه من المضارِّ، كل ما حرمه الله - تعالى - على البشرية، إنما حرمه عليهم لأنه ضارٌّ بهم، إنما حرمه عليهم لأنَّ به فسادَهم، إنما حرمه عليهم لأن دنياهم تفسد وتخرب بغشيانه وإتيانه، ولك أن تتأمَّل ذلك في كل ما منع الله - تعالى - عباده منه من المحرَّمات، ما في شيء محرم إلا وسببه أنه خبيث، خبيث في ذاته، أو خبيث في آثاره ومآله.
ولذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -  يصفه الله - جلَّ وعلا - بأنه ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157]
في القانون العام الذي ينتظم كلَّ المحرمات الشرعية، هو أنها خبائث، والقانون العام الذي ينتظم كل المباحات الشرعية هو أنها لا ضرر فيها، وأن القانون العام في كل ما أمر الله - تعالى - به عباده إنما هو لأجل ما فيه من مصلحة.
هذه قضية مُسلَّمة يجب على كل مؤمن أن يعتقدها، وأن تكون حاضرة في ذهنه؛ لأن حضروها في الذهن فيما يتعلق بالمحرمات، وفيما يتعلق بالمأمورات، وفيما يتعلق بالمباحات؛ يعطي الإنسان قناعة واطمئنانًا وانشراح صدر فيما يمتنع منه، وقناعة وانشراح صدر فيما يُقدم عليه، وسرورًا وهدوءًا فيما يأتيه من المباحات، بأن يعلم أنه لن يضرَّه، ولم يترتب عليه مما يسوؤه في دنياه أو في أُخراه.

 هذه القضية أساس وتأصيل يحتاجه كلُّ مسلم في كل المحرمات، وفي كل المأمورات، وفي كل المنهيات.
نأتي الآن في قضية الخمور، الخمور إذا تأمَّل الإنسان النصوص الشرعية، وما جاءت بخصوص هذه الموبِقة يجد أن هذا المعنى بارز وظاهر.

الله - جلَّ في علاه - يقول في محكم كتابه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [البقرة:219]. ، وهذا السؤال ممن كانوا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ممن طلبوا بيانًا وإيضاحًا بشأن هذين الأمرين اللذين لم يأتِ تحريمهما في أول التشريع، في أول التشريع لم تحرَّم الخمر، الخمر لم تكن حرامًا في أول بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل بقيت حلالاً شائعة بين الناس، ويتعاطونها، ولا يجدون في ذلك إشكالاً، ولا منعًا ولا غضاضة.
جاءت الشريعة بتحريم الخمر في إشارة، أول شيء في قول الله - تعالى - في سياق الامتنان في سورة النحل: ﴿وَمِنْ ثَمَرَات النَّخِيل وَالْأَعْنَاب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا [النحل:68]. ، فجعل السَّكَر، والرزق الحسن متغايرين؛ لأن (الواو) تقتضي المغايرة، وهذا فيه إشارة ولو بإلماحٍ إلى أنَّ السَّكَر ليس من الرزق الحسن؛ لأنَّه أفرده بالذكر على وجه الاستقلال، وقدَّمه حتى لا يقال أن هذا من باب عطف الخاص على العام، إنما هو مُستقلٌّ بالذكر ليتبين مغايرته للرزق الحلال.
بعد ذلك جاء التنبيه إلى أنَّ الخمر فيها من الأضرار، والمفاسد ما يزيد عن المنافع التي يدركها المتورِّطون في شربها، يقول - جلَّ وعلا -: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ [البقرة:219] ، قال: ﴿وَمنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ وهذا العدل، طيب.
الآن واضح الجواب، بما أن فيه إثمًا كبيرًا ومنافع، ففيه إذًا تغليب جانب السوء على جانب الخير؛ جانب المفسدة على جانب المنفعة، يقول الله - تعالى - بالنص: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا.
هذا فيه إشارة لكل ذي عقل أن يَكُفَّ نفسه عن هذه الممارسة، عن تعاطي الخمور، عن الإقدام عليها لماذا؟ لأنَّه يعني ما في إنسان يقدم على شيء إلا ويرجو من المنافع أكثر من المضار.
 
يعني الآن لما الإنسان يأخذ دواء على سبيل المثال: يمكن يكون مرًّا، يمكن يحتاج إلى حَقن بإبَر، ويمكن أن يحتاج إلى معالجة، ومعاناة معيَّنة حتى يحصُل هذا العلاج، لكنه يوازن بين الألم الحاصل بتعاطي العلاج وبين أثره، فالألم الحاصل بتعاطي العلاج يضمَحِلّ ويصغر أمام الفائدة المرجُوَّة (المنفعة المرجوة) المطلوبة، فَيُقدم على أخذ هذا العمل، ولو كان فيه مضارٌّ؛ لكن فيما يتعلق إذا كان الضرر أكبر من النفع، عند ذلك يتوقف لماذا؟ لأنه في الموازنة العقلية بين المضار والمنافع لا تُقدِم إلا على ما كانت مصلحته ومنفعته راجحة، أما إذا كانت المصلحة والمنفعة مرجوحةً هي الأقل، فعند ذلك العقل يقتضي أن تبتعد.
 
ولهذا يقول الله – تعالى - دون أن يذكر حكمًا: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا [البقرة:219]. ، لم يذكر الله تعالى حكمًا ،إنما نبَّه إلى أن هذا مما ينبغي تجنُّبه؛ لأنَّ إثمه أكبر من نفعه، ومضرُّته أكبر من مصلحته.
بعد ذلك جاء النهي عن الخمر المؤقت، وهو وقت الصلاة، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾، وهذا فيه حكم وتنبيهٌ لسرِّ الحكم، وغايته.
الحكم هو: لا تقرب الصلاة وأنت.
المقدم: غائب العقل.
الشيخ: في حال الخمر. لماذا؟ لأنه لا تعلم ما تقول، والصلاة أشرف الأعمال وأجلها؛ لأنها مناجاةٌ لرب العالمين، والإنسان لو يناجي صاحب مصلحة ومديرَ دائرة تجده يستحضر عند المناجاة والحديث كلَّ قُواه حتى يتكلم بما يوزَن؛ لأنه يتكلم مع صاحب شأن، يتكلم مع من يمكن أن يكون الكلام معه له آثار كبيرة عليه في مسألة أو مسلكه أو معاملته أو في شأنه، فكيف في الحديث مع رب العالمين؟ يحتاج إلى كمال عقل، وحضور ذهن، لذلك يقول الله - تعالى -: ﴿حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ هذا نهي مُقيَّد بعد أن تمكَّن الإيمان من صدور الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - جاء التحريم صريحًا؛ وذلك أن الخمر يا أخي لها منزلة في قلوب الناس في زمن التشريع.
المقدم: كانت متمكنةً من قلوبهم.
الشيخ: جدًا...جدًا؛ حتى إن أحدهم يقول في أبياتٍ له:
إذا أنا متُ فاكفنيني إلى جنب كرمةٍ

                               يروي عظامي بعد موتي عروقها
والكرمة هي التي يؤخذ منها الخمر، حتى إن "الأعشى"، وهو من الشعراء، وهو صاحب هذا البيت من الشعراء المشاهير، ركب ليأتي للنبي - صلى الله عليه وسلم - في آخر زمن النبي لُيعلن إسلامه، فقيل له إنَّ محمدًا يُحرِّم الخمر، فقال: أؤخر ذلك للعام القادم، لماذا؟ ليزيل قضية الخمر، وإنه يعني ما يتمكن من تركها، لتمكنها في نفسه، فما الذي كان؟ كان أنه قد مات قبل أن يُسلم، فحَرَمَته هذه الموبقة هذا النورَ المبين، فمات على الكفر.
لذلك أقول: من المهم أن يعرف المؤمن أن الله - عزَّ وجلَّ - تتدرَّج في الخمر؛ لأجل شدة تعلق الناس بها، شدة تعلق النفوس بها في ذلك الزمان الذي كان الخمر فيه شائعًا منتشرًا، الكؤوس تُدار، والأشربة منتشرة وشائعة، حتى قال قائلهم يوصي ابنته:
إذا مت فادفنيني إلى جنب كرمةٍ  

                               تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنيننـــي بالفــــــــلاة فإننـــــــــــــــــــي  

                            أخاف    إذا ما مـت ألا أذوقـــــها
وهذا من أعجب ما يكون، هذا التعلق الشديد للعرب بالخمر درَّج الله - تعالى - الحكم من أجله، فتهيأت النفوس للامتناع منه؛ حتى جاء النص الصريح في تحريم الخمر في قول الله - جلَّ وعلا -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ [سورة المائدة:90-91] .

تأمل! الآيتان وافيتان في التحريم، وبيان العلة والحكم والغايات، والأسباب للتحريم ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، يقول - جلَّ وعلا -: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ﴾ ثم يقول: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ [سورة المائدة:90-91] .

 هذه كانت جرس في نفوس أهل الإيمان ردعتهم عن أن يستمروا في الغواية، نادى منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في المدينة ألا إن الخمر قد حُرِّمت، فما كان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أن استجابوا "انتهينا ربنا انتهينا". يقول أنس: حُرِّمَت الخمر.
المقدم: وسالت طرقات المدينة.
أنس بن مالك يصف موضوعَ التحريم، ومكانةَ الخمر عندهم يقول: حرمت الخمر، ولم يكن للعرب عيشٌ أعجب منها، وما حرم عليهم شيءٌ أشد من الخمر، ومع ذلك كانت إجابتهم -رضي الله تعالى عنهم -: "انتهينا ربنا انتهينا ربنا". [أخرجه أبو داود في سننه:ح3049، وأحمد في مسنده:3101، وقال الحاكم:هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ "ووافقه الذهبي]
المقدم: استجابة فَورية.
الشيخ: استجابة فوريَّة، بل إنَّ أبا طلحة كان الناس قد اجتمعوا في بيت بعض أصحابه، وكان أنس بن مالك خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسقيهم الخمر في ذلك النداء، فلما سمع النداء قال أبو طلحة: أخرجه؛ حتى أراق الصحابة الشراب في الطرق، وكسروا الكؤوس والقُلل حتى سالت أَزِقَّة المدينة بالخمر [أخرجه البخاري في صحيحه:ح4617، ومسلم في صحيحه:ح1980/4] ، وتوقف الناس عن شربها، وقالوا: انتهينا ربنا انتهينا.
هنا يتبين، ويتجلَّى أنه أعظم ما يُرجِع الإنسان عن هذه اللوثة، وهذه الخطيئة هو أن يعمُر قلبه بالإيمان، فإن الإيمان أعظم وقاية، وأكبر حاجز يقع بين الإنسان وبين التورط في هذه الرذيلة، وهذه الموبقة.
النصوص الشرعية في بيان خطورة الخمر وكبير إثمها عديدة، إن شئت نتطرَّق لبعضها على وجه الإشارة.
 
المقدم: لعلنا يا شيخ قبل أن نتطرق إلى هذه الآيات، والأحاديث الشريفة نذكِّر المستمعين الكرام الذين يتابعوننا عبر هذه الحلقة المباشرة من برنامج "الدين والحياة" بأنَّ موضوعنا في هذه الحلقة هو عن "الخمور، والمخدرات، وأضرارها على الفرد، والمجتمع، وأسباب انتشارها"، ويمكنكم المستمعين الكرام التواصل معنا عبر هذه الحلقة على الرقم الأول [٠١٢٦٤٧٧١١٧-٠١٢٦٤٩٣٠٢٨- أو مراسلتنا عبر الواتساب على الرقم ٠٥٨٢٨٢٤٠٤٠]
لعلنا يا شيخ خالد نعطي إِلماحة بسيطة حول هذه الآيات الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة التي جاءت في تحريم هذه المخدرات، وهذه المسكرات، ومن قبلها الخمر، وأيضًا في ذات الوقت حتى لا تدع لأحدٍ مجالاً لأن يحتج، أو ربما يضع لنفسه الأسباب، أو الفرص، أو في ذات الوقت أيضًا الحُجَج حتى يستبيح مثل هذه الموبقات.
الشيخ: هو أخي الكريم يكفي في قبح الخمر التسميات التي سماها النبي - صلى الله عليه وسلم -  بها، فالخمر سماها النبي - صلى الله عليه وسلم - "بأمِّ الخبائث" كما جاء في المسند، وكما أخرج الدارقطني، وغيره من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي – صلى الله عليه وسلم - قال: «الخمرُ أمُّ الخبائث» أخرجه أيضًا: الطبراني في الأوسط:ح3667، والدارقطنى في سننه: (4/247)، والقضاعى (1/68، رقم 57) قال المناوي (3/508): فيه الحكم بن عبد الرحمن البجلي أورده الذهبي في الضعفاء، وقال: مختلف فيه. وقال العجلوني (1/459): رواه القضاع بسند حسن، وحسنه الألباني في صحيح الجامع:ح3344 ، وفي المسند في كتاب ابن ماجه في حديث أبي الدرداء، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تَشرِب الخَمرَ فإنها مِفتاح كلِّ شرٍّ» أخرجه  ابن ماجه في سننه:3371 ، والحاكم في مستدركه:ح7231، وقال:صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في الصحيحة:ح2798 هذا التوصيف ليس توصيفًا عارضًا، توصيف من لا يدرك عواقب الأمور، من ليس ممدودًا بالوحي من السماء، هذا التوصيف من لا ينطق عن الهوى - صلوات الله وسلامه عليه – يقول: «لا تشرب الخمر»
اسمعوها أيُّها الإخوة، والأخوات، وأَسْمِعُوها، هذا كلام سيد الورى - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا َتشرَبِ الخمرَ؛ فإنَّها مِفتاحُ كلِّ شرٍّ»، وأمام هذا التوصيف النبوي، هذا الكلام المعجز، فإن "مفتاح كل شر" تسقط كلَّ الدعايات التي تروِّج لهذه الموبقة، وتزينها في أعين الناس سواء كان ذلك بالتجميل، والترغيب.
المقدم: وتغيير اسمها.
الشيخ: كما يسمِّيها بعض الناس المشروبات الروحية، سواءً إظهارُها بثوب الحضارة، بثوب التقدم، التمدُّن، كل هذه البهرجة تزول وتنقشع عندما تسمع قوله - صلى الله عليه وسلم - «فإنها مفتاح كلِّ شرٍّ»، وفي الحديث الآخر حديث ابن عباس، الذي أخرجه الطبراني بإسناد لا بأس به قال - صلى الله عليه وسلم -: «الخمرُّ أم الفواحش، وأَكبَرُ الكبائر»، ثم يذكر من سوئها، وشؤمها يقول - صلى الله عليه وسلم -: «من شاربها وَقَع على أُمِّه، وخالته، وعمته» أخرجه الطبراني في الأوسط:ح3134، والدارقطني في سننه:ح4612، وحسنه الألباني في الصحيحة:1853 بطرقه. ، ولا غرابة فإنها تذهب العقول، ولذلك يقول فيها الشاعر:
إياك شربًــــــــــا للخمور فإنهـــــــــــــــا****تسوِّد وجهَ العبد في اليوم والغدِ
يعني: في الدنيا، والآخرة.
وكل صفات الذم فيها تجمَّعت**كذا سميت أم الفجور فأفسدي

وهذا يبين خطورة هذه الموبقة، يا أخي لو لم يكن في شرب الخمر من سيئة، وسوء عاقبة، وشؤم على صاحبها، إلا أنَّ صاحبها يوشِك أن يُسلب منه الإيمان لكان ذلك كافيًا؛ هذه من أكبر العقوبات، فشارب الخمر مهدَّد بنزع الإيمان، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَشرَبُ الخمرَ حين يشربُها، وهو مؤمن» حديث أبى هريرة: أخرجه البخاري في صحيحه:ح6425، ومسلم في صحيحه:ح 57. ، وهذه ما أظن أن مؤمنًا يخاف الله - عزَّ وجلَّ -، ويخشى عقابه يقدم عليه، وهذا الحديث حاضر في ذهنه؛ يا أخي كيف تقدم على شرب الخمر؟ أو ما شابها من المخدرات (الحشيش _ الهروين _ كوكايين)

المقدم: كلها داخلة في هذا الباب.
الشيخ: كل هذه القاذورات التي يتعاطها من يتعاطاها، كل هذه البلايا كيف تطيب نفس إنسان يرجو ما عند الله، يرجو سعادة الدنيا، يرجو فوز الآخرة، يرجو النجاة يوم القيامة، يقدم عليها؟ وهي التي قال فيها النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ولا يشربُ الخمرَ حين يشربُها، وهو مؤمن». يبين أبو هريرة –رضي الله تعالى عنه- عن معنى الحديث، فيقول: من زنى، أو شرب الخمر نزع الله منه الإيمان، كما يخلَع الإنسانُ القميص من رأسه.
وهذا يبين عظيم خطورة شرب الخمر، يعني: الإيمان يرتفع منك، ويكون على رأسك كالظُّلَّة، كما لو نزعت ثوبك، ووضعته بجوارك لا تدري أيرجع إليك، أو لا يرجع إليك، ومن عقوبتها يعني: حجم عقوبة شرب الخمر أنَّ أجر صلاة أربعين يوم تذهب عليك هباءً بسبب سيئةِ شرب الخمر، يقول النبي – صلى الله عليه وسلم - :كما في حديث عبد الله بن عمر، وحديث عبد الله بن عمرو، وحديث ابن عباس، عن ثلاثة من أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من شرِبَ الخمر وسَكِر لم تُقبل له صلاةٌ أربعين صباحًا» حديث ابن عمر: أخرجه الترمذي في سننه:ح 1862، وقال: حديث حسن، وصححه الألباني في صحيح الجامع:ح2383 هذا يبين أن خطورة حجم سيئة شرب الخمر بهذا القدر، فكيف بالذي لا يقصر عن شربها؟!.
المقدم: عفوًا شيخ خالد، البعض ربما يعني يحتج بأن يقول: أنا أستطيع أن أسيطر على نفسي، وغير ذلك من الحجج الواهية هذه، يعني أنه هل يدخل في مثل هذا الحديث، وهذا الوعيد الشديد؟
الشيخ: أي نعم بالتأكيد، كل الأحاديث الواردة في شرب الخمر من وعيد، وبيان عقوبة؛ ليست مقتصرة على درجة الخمر التي يغيب العقل، بل النبي – صلى الله عليه وسلم - الذي لا ينطق عن الهوى يقول – صلى الله عليه وسلم -: «ما أَسْكَرَ كثيرُه فقليلُه حرامٌ» رواه الترمذي في سننه:ح (1866)، وحسنه، وابن ماجه في سننه:ح3393، وابن حبان في صحيحه:ح5382 ، يعني: يدخل في النصوص المحرمة هذا ليس اجتهاد عالم، ولا اجتهاد مفتي، ولا قول فقيه، هذا قول من لا ينطق عن الهوى – صلى الله عليه وسلم - يقول: «ما أَسْكَر كثيرُه»، يعني: الذي يسكر الكثير منه إذا شربه الإنسان «فقليله حرام»، ومعنى حرام أنه يدخل في قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: «كُلُّ مسكرٍ خمرٌ، وكلُّ خمرٍ حرام» أخرجه مسلم في صحيحه:ح (2001) من حديث ابن عمر ، فيدخل في العمومات الواردة في أحاديث الخمر، والنهي عنها، والتحريم.
 
بالتأكيد إنه يعني درجات التحريم تتفاوت، لكن الجميع يشترك يعني: من شرب جرعة خمرٍ فقد أتى كبيرة من كبائر الذنوب، وكل الوعيد الوارد يتحقق فيه لكن هذا ليس كالذي يشرب مساء وصباح وكل وقت، هما يشتركان في الجرم والكبيرة، لكن النار درجات، والسيئات مراتب ودركات، وليست على درجة أو دركة واحدة، وبالتالي هذا التسويغ الذي يزيِّنه الشيطان لبعض الناس في المدخل، والله أنا أشرب شرب يعني ما يغيب العقل، بعضهم يقول: أنا ما أشرب إلا في المناسبات، والبعض يقول: أنا ما أشرب إلا مرَّةً في الأسبوع، وبعضهم يقول: ما أشرب إلا في الحفلات، وبعضهم يقول: أنا ما أشرب إلا إذا سافرت للخارج، وفي الأماكن التي يكون الخمر فيها كثير، وما أشبه ذلك من التبريرات التي لا تلغي.
المقدم: أو يُسوِّف التوبة يا شيخ.
الشيخ: قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: «لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن»؛ لذلك العاقل الرشيد هو من حزم نفسه، وأن يعرف أنه لن يرضى الله تعالى عنه، وهو متورِّط في هذه الموبقة.
الله أكرم الأكرمين، الله –جلَّ في علاه -: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [المائدة:64]. ، أتظن أن هذا الكريم يحجب الخير عن إنسان، إلا وأنه قد أتى ببلاءٍ عظيم، وموبقةٍ كبرى؟!  النبي – صلى الله عليه وسلم - يقول: «مَن شرِبها في الدنيا لم يشربها في الآخرة» أخرجه مسلم في صحيحه:ح (2003/73). .
المقدم: أو سقاه الله من طينة الخبال.
الشيخ: هذه عقوبة أخرى «من شَرِبها في الدنيا لم يشربْها في الآخرة»، وهذا معناه: أنه يمنع شيئًا من نعيم الجنة حتى لو دخلها بعد ما يشاء الله تعالى من العقوبة والمؤاخذة، من شرب الخمر في الدنيا، فمات وهو يدمِنُها أي: مقيمٌ على شربها هذا معنى الإدمان، وليس الإدمان إنه ما يفتر عنها، لكن لا يتركها لن يشربها في الآخرة.
 
وهذا غير الأحاديث الأخرى التي فيها عقوبة شارب الخمر بأنه: «لا يَدخُل الجنَّةَ مُدمِن خمرٍ» أخرجه ابن ماجه في سننه:ح 3376، وأحمد في مسنده:ح27484 قال البوصيري في مصباح الزجاجة (4/39): هذا إسناد حسن. وحسنه الألباني في الصحيحة:ح675 ، «لا يدخل الجنة عاق، ولا مُدْمِن خَمرٍ» أخرجه النسائي في المجتبى:ح5672وأحمد في مسنده:ح6537، وابن حبان في صحيحه:ح3383 من حديث عبدالله بن عمرو، وهو حسن بشواهده و«مُدِمن الخَمر إذا مَات لقيَ اللهَ كعابِدِ وَثَنٍ» [أخرجه ابن ماجه في سننه:ح3375، وابن أبي شيبة في مصنفه:ح24070، وصححه الألباني في الصحيحة:2/288] ، والأحاديث الكثيرة الواردة في ذلك.
المقصود أن المؤمن يردعه إيمانُه، وتردَعُه نفسه من الإقبال على هذا البلاء، والتورط فيه، لعلمه بأن الله لم يحرِّمْه عليه إلا لما فيه من المفاسد، والمضارِّ.

يكفي أن رجلاً جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، حديث طارق الجعفي، وهذا طبيب أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الخمر فنهى عنها، وقال: يا رسول الله، إنما أصنعها للدواء، يعني: أنا ما أصنعها للإسكار والتلذُّذِ بشربها، إنما أصنعها للدواء، فقال: «إنها ليست بِدَوَاءٍ، ولكنها داءٌ» أخرجه مسلم في صحيحه:ح1984/12. .

فهل تطيب نفس عاقل أن يأخذ كوب الداء، ويصبه في جوفه؟ وبذلك يؤذى نفسه، ويُغضِب ربَّه، ويدرك من البلايا والشرور ما الله به عليم.

هذه بعض النصوص التي جاءت في هذا الشأن يكفي فيها «لا تشرب الخمر، فإنها مفتاح كل شر». [تقدم]
المقدم: ويكفي أيضًا أنَّ الخمر ربما لم يجتمع في أي معصية ما اجتمع فيها من أنواع العقوبة على شاربها، وحاملها، وساقيها، والمحمولة عليه كلها ملعونة على لسان المصطفى - صلى الله عليه وسلم - عشرة ملعونون في هذه الموبقات، وخاصة فيما يتعلق بالخمر. [روى أبو داود في سننه:ح3674من حديث ابن عمر أن النبيrقال:«لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ، وَشَارِبَهَا، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَهَا، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ»، وصححه الألباني في إرواءالغليل:ح2385]
أُذكِّر مستمعينا الكرام إنَّا نتواصل معهم في هذه الحلقة، ما زلنا نتواصل معهم في هذه الحلقة عبر برنامج "الدين والحياة" ويمكنهم التواصل معنا عبر الاتصال برقم [0126477117 –0126493028، وأيضًا إرسال الرسائل النصية على الواتسآب على الرقم (0582824040] وموضوع حلقتنا في هذا اليوم عن "أضرار المخدرات والخمور وأسباب انتشارها".
نأخذ الاتصال الأول من عماد عسيلي من الرياض، تفضل أخ عماد.
المتصل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، تفضل عماد.
المتصل: مساكم الله بالخير جميعًا، والمستمعين الكرام.
المقدم: مساك الله بالنور، وحياك الله مرحبًا تفضل.
المتصل: شيخنا الفاضل.
المقدم: تفضل عماد أسمعك.
المتصل: أسعدك الله يا شيخ، أولاً الخمر، والله ما رأيت أسوأ من عقوبة لفاعلها، ومتعاطيها، الله - سبحانه وتعالى - كرم بني آدم، ويأتي شارب الخمر ينزل نفسه بتعاطي هذا الخمر، وبهذه الجريمة الله – سبحانه وتعالى - الرأس هو سيد أو أمير الأعضاء، أو ملك الأعضاء هو الرأس يعني الخمر كما قال – عليه الصلاة والسلام-.
المقدم: صلى الله عليه وسلم.
المتصل: «أمُّ الخبائث» [تقدم] ؛ لأن شارب الخمر قد يقتل، قد يزني، قد يسرق، وتجتمع فيه كل هذه الأمور، نسأل الله العافية من كل هذا.
المقدم: نسأل الله أن يحميَنا ويحمي كل المسلمين من هذه المنكرات. شكرًا أخي عماد، أشكرك على هذه المداخلة.
نأخذ عبد العزيز الشريف من الرياض تفضل أخي عبد العزيز.
المتصل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أستاذ عبد الله.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلا وسهلا، مساك الله بالخير.
المتصل: مساك الله بالخير على برنامجك الطيب، نحيي شيخنا السلام عليكم يا شيخنا.
الشيخ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، مرحبًا.
المتصل: بارك الله فيك، وجزاك الله كل خير.
 
فضيلة الشيخ: يُذكر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أُتِيَ له برجلٍ كان كثير الشرب للخمر، وكان عنده ملأٌ من الناس فلعنوه. قال: - صلى الله عليه وسلم -: «لا تُعِينوا الشيطان على أخيكم، فوالله أنه ليحب اللهَ- عزَّ وجلَّ - ورسولَه» أخرجه البخاري في صحيحه:ح 6398 . هذا الحديث كيف نفهمه بارك الله فيك؟
السؤال الثاني: عقلاء الجاهلية لم يشربوا الخمر؛ لعلمهم أنها تودي بالإنسان، وأنها تذهب العقل، وتجعله - أكرمكم الله - كالبهيمة، لماذا للأسف الشديد في هذا الزمن تهافت الناس على هذه الآفة الخطيرة، وأصبحوا يتفنَّنون فيها، ويفتخرون بها، ويسافرون لأجل شرابها، ويأتون ويتحدثون عن ذلك فما نصيحتك لهم؟ وجزاك الله كل خير.
المقدم: جزاك الله خيرًا، شكرًا أخي عبد العزيز؛ شيخ خالد لعل السؤال الأول متعلق بهذه القصة التي وردت في الأثر عن ذلك الرجل الذي كان يعاقِر الخمرَ، وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا تجلِدُوه، أو لا تقيموا عليه الحدَّ فإنه يحب الله ورسوله» هل هناك من توضيح على هذا الحديث؟
الشيخ: لم يقل النبي -صلي الله عليه وسلم- لا تجلدوه، لا، لا، إنما قال: «لا تَلعَنُوه». أمَّا الجلد، فقد كان يجلد النبي - صلى الله عليه وسلم - من يشرب الخمر كما في الحديث الصحيح الإمام البخاري، من حديث عمر بن الخطاب، أن رجلاً في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -كان اسمه عبد الله، وكان يُلقَّب حمارًا - لقب مشهور به - كان يُضحك رسول الله، وكان النبي صلى الله عليه وسلم -  قد جلده في الشراب، فأُتِيَ به يومًا، فأمر به فجُلِد، فقال رجل من القوم: "اللهم العنه؛ ما أكثر ما يؤتى به!".
المقدم: يعني: كان كثير المعاقرة للخمر.
الشيخ: كان يكثر شربها، ويقعون عليه، ويأتون به للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فيجلده، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: «لا تلعنوه» هذا النهى عن لعنه؛ لأنَّه لا وجه للعنه، وهو يُطَهَّر بالحدِّ الذي يُنزَل عليه «لا تلعنوه فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله». [أخرجه البخاري في صحيحه:ح6780] يعني: هذا التوصيف النبوي خبرٌ عن هذا الرجل بأن عنده من محبة الله ورسوله، ما يمنع أن يُتوجَّه إليه باللعن، وهذا لكل مؤمن، وكل مسلم عنده في قلبه من محبَّة الله ورسوله ما يستحق معه أن يُصان عن عرضه، عن أن يُلعن، تقام عليه العقوبة، ويقام عليه الحد، لكن اللعن لا يُلعن، وقد طُهِّر بما طَهَّره الله تعالى به من الحدود، التي بها يجري التطهير، وإزالة آثار الذنوب التي تورَّط فيها، فالحد طُهرَة لصاحبه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أصاب من هذه القاذورات شيئًا، فأقيم عليه حدٌّ فهو طُهرَه له» يأتي تخريجه-إن شاء الله تعالى-قريبا
إذًا نحن نفهم هذا الحديث أنَّ شارب الخمر لا يخرج عن الإسلام، أنَّ شارب الخمر لا يُعتدي عليه بأكثر مما جاءت الشريعة به من إقامة الحد عليه، ولا يُزاد، أن شارب الخمر لا يُعيَّر إذا أُقيم عليه الحد؛ لأنَّه يكون قد طُهِّر بما جعله الله - تعالى - طُهرَةً له، وبالتالي يجب التوقف عن الطعن فيه، أو لعنه، أو سبِّه، أو
المقدم: أو ازدرائه.
الشيخ: أو التثريب عليه، أو تعييبه، أو رؤية النفس في مقام أعلى منه، واحتقاره؛ لأن هذا مما يحمد الله - تعالى - أن طهره، وأن عصمه من الوقوع في السوء، لكن لا يبرَّر له الوقوع في عرضه، والقاعدة في هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث عُبادة،  لما بايع الصحابة قال «بايعوني على ألَّا تُشرِكُوا باللَّهِ شيئًا ، ولا تَسرِقوا ، ولا تزنوا ، ولا تقتلوا أولادكُم ، ولا تَأتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بين أيديكم وأرجلِكُم ، ولا تَعصوا في معروفٍ»، ثم قال: «فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا، فهو كفارةٌ له» أخرجه البخاري في صحيحه:ح 3679، ومسلم في صحيحه:ح 1709. ، هذه قاعدة: من أصاب منكرًا، أو سوءًا، وعوقب به في الدنيا، فهو كفارة له لا يزاد على ذلك.
المقدم: نذكر مستمعينا بأرقام التواصل [0126477117 –0126493028 وعلى الواتساب على الرقم 0582824040]، وموضوع حلقتنا في هذا اليوم عن "أضرار المخدرات، والخمور، وأسباب انتشارها".
شيخنا السؤال الثاني الذي يتعلق بــ، لعله الذي ذكرني أيضًا بما سُئِلَ عنه خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - عندما سُئِلَ: هل شربتَ الخمر في الجاهلية؟ قال: أعوذ بالله. فقيل له ولمَ؟ قال: كنتُ أصون عرضي، وأحفظ مروءتي، فإن من شرِب الخمر كان مُضيَّعًا في عرضه، ومروءته. [ذكره المتقي في كنز العمال:35598, وعزاه لأبي نعيم في المعرفة] يقول: أن هناك أيضًا كان الكثير من كبار القوم في أزمنة الجاهلية لم يكونوا يعاقرون الخمر، لمعرفتهم بأضرارها، وأنها تُنزل الإنسان منازلَ لا تليق بالإنسان الذي كرَّمه الله - عزَّ وجلَّ -، ومع ذلك للأسف بعض الناس يخالفون هذه الفطرة السوية، فيذهبون للخارج، وبعض الناس يتعنَّتون بحثًا عن هذه الآفة، وهذه الموبقات.
الشيخ: ما في شك أخي أن أصحاب العقول الراجحة، حتى من كُفَّار هذا العصر وليس فقط من كفار الجاهلية، حتى من كفار هذا العصر، يرون النفس السويَّة بعيدةً عن التورُّط في هذا البلاء، هذه الآفة التي تفسد الدين، والدنيا.
أنا أقول: يعني الآن لو ذهب الإنسان إلى الطب، في كثير من القضايا التي يُعالج منها الناس، مباشرةً تجد في كثير من الأحيان سواء في العمليات، أو التحليلات يُسأل تشرب الخمر، أو لا تشرب الخمر، هذا إشارة إلى أن هذا الموضوع من أعظم أسباب الفساد التي ينبغي أن يُحتاط منها؛ لأنَّ لها تأثيراتٍ على صحة الإنسان، وعلى عقله، على بدنه، على حياته فمن العقل، والبصيرة أن يقي الإنسان نفسه هذه الموبقات.

أشرت إلى أن بعض الناس رغم كل هذه النصوص الواردة في الشريعة في تحريم الخمر، وملحقاته من المخدرات والمسكرات، أيضًا ورغم كل ما في الدنيا من النصوص التي تبين خطورة الخمور وأثرها على البشرية إلا أن الخمر شائع.
 
أولاً: انتشار الخمر هو مما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه في أشراط الساعة، ففي الصحيحين من حديث أنس - رضي الله تعالى عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم -  قال: «إنَّ من أشراط الساعة أن يُرفع العلم، ويثبت الجهل»، ثم قال: «ويُشرب الخمر، ويظهر الزنا» أخرجه البخاري في صحيحه:ح 6423، ومسلم في صحيحه:ح 2671. ، هذا من أشراط الساعة يعني: من علاماتها، وإنما تظهر هذا لفساد أحوال الناس، وكثرة الشرور فيهم، فيظهر فيهم هذه الموبقات؛ ولذلك الخمر تنتشر عندما يكثر الجهل، والجهل هنا ليس المقصود بعدم معرفة فنون الدنيا، وعمارتها، يعني هذا ليس المقصود به الجهل هنا، ولكن الجهل هنا  بما ينفع الإنسان في معاشه، وبما ينفعه بمعاده، وبما ينفعه في مسيره إلى الله - عزَّ وجلَّ - هذا هو الجهل المؤثِّر الحقيقي، وهو المراد بقوله: «لا تُقوم الساعة حتى يُرفع العلم، ويثبت الجهل، وتُشرب الخمر، ويظهر الزنا» فجدير بالمؤمن أن يسعى في بُعد نفسه عن هذه الموبقات.

 يعني: إذا أردنا أن نذكر الأسباب التي تجعل بعض الناس يتورَّط في مثل هذه الأشياء، ممكن أن نجملها في نقاط إذا أذنت.
المقدم: تفضل يا شيخ.
الشيخ: على وجه الإجمال يمكن أن نقول أسباب الوقوع في الخمر متعددة:
 
ثمَّة أسباب شخصية: وأبرزها ضعف الإيمان، هذا المتعلق بالسبب الشخصي، عندما يضعف الإيمان في قلب الإنسان، فإنه لن يتوانى عن مواقعة السيئات والشرور، ولا يبالي بأضرارها؛ لأن الشيطان يستحوذ عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ [المجادلة:19] ، ولذلك تجد بعض الذين يصابون بأمراض بسبب تعاطيهم للمخدرات والخمور لا يتوقفون مع معاناتهم الأمراض لكنهم لا يتوقفون.
المقدم: لأنها استحكمت.
الشيخ: السبب في هذا لأنها استحكمت عليهم، وأن كيد الشيطان استحوذ عليهم حتى أصبحوا لا يستطيعون الانفكاك، فلو كان عنده من الإيمان ما يردعه لامتنع «لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» [تقدم] هذا السبب الشخصي.

من الأسباب الشخصية أيضًا: الفراغ، فله تأثير بالغ إذا سلَّم الإنسان نفسه للفراغات كان ذلك من أسباب تسلط الشيطان عليه.

نفسك فإن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، أيضًا هناك اعتقادات تتعلق بتضخيم فوائد الخمر وهذه يكذِّبها خالقها الذي قال - جلَّ وعلا -: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا [المجادلة:19] .
المقدم: والله لم يجعل دواء هذه الأُمَّة فيما حرم عليها.
الشيخ: نعم، ولذلك قال النبي عنها أنها «داء وليست دواء» [تقدم] هذه بعض الأسباب المتعلقة بالشخص.

 هناك بعض الأسباب المتعلقة بالمجتمع أحيانا تكون مُسهلةً للوقوع في هذه الآفات: غفلة الوالدين والأُسر عن أولادهم، والغفلة هنا لا تعني عدم القيام بشؤونهم في المأكل والمشرب، بل الغفلة عن تربيتهم ومتابعتهم وتحذيرهم من الأخطار.

 مَن منا يتحدث مع أبنائه وبناته عن خطورة الخمور، عن خطورة المخدرات والتدخين، عن خطورة مقدِّمات هذه البلايا التي يتورَّط فيها الناس، قليل من الناس من يجد جِلسة أبوية، أو جلسة أسرية من الأب والأم والإخوة ويحدث، ليس لازم بحديث رتيب أو لا يتقبَّله الأبناء، بل من الممكن أن توصِّل الرسالة بقصة، أو بخبر، أو بتعليق أو تغريدة أو تدوينه، فثمة وسائل كثير لإيصال وتحذير الأبناء والبنات من هذه المغبَّة، وإن يمهى الشر فشره أعظم.
المقدم: ولكن بعض الناس يتجاهل هذا التحذير لمعرفته بأن هذا الشيء ربما هو من الأمور المعروفة التي لا يجب التحذير منها؛ لأنها معروف أنها مُضرَّة ويجب تجنبها، وغير ذلك من الأمور.
الشيخ: يا أخي هذا غير صحيح، أنت الآن لا عقلاً ولا شرعًا ولا حياتيًّا، الآن تجد مثل التحذير من بعض الأشياء التي يعرفها الناس، مثلاً التحذير على التدخين يؤدِّي إلى السرطان، ويكتب في الدعايات والإعلانات، وتحذير رسمي وهو ضروري؛ لأنَّ كون الإنسان يعرف الخطر لا يعني أن لا تُذكِّره به؛ لأنَّ هناك عوامل كثيرة تجعل هذا التحذير يتضاءل، يصغر أمام الدعاية التي تدعو الناس لمواقعه هذه القاذورات.

يعني

مواد تم زيارتها

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف