الاحد 12 جمادى آخر 1442 هـ
آخر تحديث منذ 3 ساعة 23 دقيقة
×
تغيير اللغة
القائمة
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو Hausa
الاحد 12 جمادى آخر 1442 هـ آخر تحديث منذ 3 ساعة 23 دقيقة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأعضاء الكرام ! اكتمل اليوم نصاب استقبال الفتاوى.

وغدا إن شاء الله تعالى في تمام السادسة صباحا يتم استقبال الفتاوى الجديدة.

ويمكنكم البحث في قسم الفتوى عما تريد الجواب عنه أو الاتصال المباشر

على الشيخ أ.د خالد المصلح على هذا الرقم 00966505147004

من الساعة العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهرا 

بارك الله فيكم

إدارة موقع أ.د خالد المصلح

×

لقد تم إرسال السؤال بنجاح. يمكنك مراجعة البريد الوارد خلال 24 ساعة او البريد المزعج؛ رقم الفتوى

×

عفواً يمكنك فقط إرسال طلب فتوى واحد في اليوم.

مرئيات المصلح / برامج المصلح / الدين والحياة / الحلقة (46) وقفة مع قول الله تعالى{لقد خلقنا الإنسان في كبد}

مشاركة هذه الفقرة

الحلقة (46) وقفة مع قول الله تعالى{لقد خلقنا الإنسان في كبد}

تاريخ النشر : 27 صفر 1440 هـ - الموافق 07 نوفمبر 2018 م | المشاهدات : 1307

المقدم:بسم الله الرحمن الرحيم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلًا وسهلًا بكم جميعًا مستمعينا الكرام عبر هذه الحلقة المباشرة من برنامجكم "الدين والحياة"، والتي تأتيكم عبر أثير إذاعة "نداء الإسلام" من مكة المكرمة .

نرحب بكم ونحييكم في هذه الحلقة، وأسعد بصحبتكم من الإعداد والتقديم محدثكم عبد الله الداني ومن التنفيذ على الهواء الزميل محمد باصويلح، وأيضًا في هذه الحلقة وكما عودناكم في كل حلقة نستعرض موضوعًا نخصص عنه الحديث بالإضافة إلى أننا نستعرض أبرز محاوره للنقاش نستعرضها مع ضيفنا وضيفكم الدائم في هذا البرنامج صاحب الفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور خالد بن عبد الله المصلح أستاذ الفقه بكلية الشريعة في جامعة القصيم والمشرف العام على فرع الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء في منطقة القصيم، والذي نسعد بالترحيب بفضيلته فالسلام عليكم ورحمة الله وحياكم الله يا شيخ خالد معنا.

الشيخ:- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته مرحبًا حياك الله أخي عبد الله وأهلا وسهلًا بالإخوة والأخوات.

المقدم:- حياكم الله وحيا الله جميع المستمعين والمستمعات الراغبين والراغبات في التواصل معنا في هذه الحلقة والتي نتحدث فيها عن قول الله –سبحانه وتعالى-: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: 4] شاركونا وأيضًا أرسلوا ما لديكم من استفسارات أو أسئلة عبر الأرقام التالية 0126477117 والرقم الثاني 0126493028 ويمكنكم مراسلتنا عبر الواتس أب على الرقم 0582824040 وبالتغريد كذلك على هاشتاج البرنامج "الدين والحياة".

إذًا مستمعينا الكرام نحييكم ونرحب بكم في مطلع هذه الحلقة فأهلًا وسهلًا بالجميع.

نحييكم مجددًا مستمعينا الكرام عبر هذه الحلقة المباشرة من برنامج الدين والحياة، وحديثنا عن قوله –سبحانه وتعالى-: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: 4] خلق الله الإنسان لهذه الشدائد والآلام التي هي من طبيعة هذه الحياة الدنيا، والتي لا يزال يكابدها وينوء بها ويتفاعل معها حتى تنتهي حياته، ولا فرق في ذلك بين غنيٍّ أو فقير أو صالح أو طالح، فالكل يجاهد ويكابد ويتعب من أجل بلوغ الغاية التي يبتغيها.

 هنا أيضًا نستذكر قول الصحابي الجليل عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- عندما قال: يكابد الشكر على السراء ويكابد الصبر على الضراء. [ تفسير القرطبي:20/62]

 وقيل في نفس الوقت في هذه الآية: لقد خلقناه منتصب القامة واقفًا ولم نجعله مُنكبًّا على وجهه، وقيل: جعلناه منتصبًا رأسه في بطن أمه، فإذا أذن له في الخروج قلب رأسه إلى قدمي أمه. [هذا قول كيسان. تفسير القرطبي:20/62]

وطبعا مثل هذه الأقوال التي يمكن ألا يعوَّل عليها، لكنه في هذا الإنسان وفي هذه الحياة يعيش الإنسان المزيد من الهموم والمشاق التي يواجهها في طريقه في هذه الحياة، وهذا الكبد وهذه المشاق والمتاعب هي من سنة الحياة ومما يمكن أن يندرج تحت معنى هذه الآية الكريمة التي نتحدث عنها برفقة شيخنا وضيفنا في هذه الحلقة فضيلة الشيخ الدكتور خالد المصلح.

شيخ خالد عندما نتحدث في البداية عن قوله –سبحانه وتعالى-: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: 4] في البداية نود أن يكون هناك تفسيرٌ مبسط حول معاني هذه الآية ثم ننطلق إلى بقية محاورنا.

الشيخ:- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أولًا مرحبا بك أخي عبد الله وأهلا وسهلا بالإخوة والأخوات وأسأل الله تعالى أن يكون هذا اللقاء نافعًا ماتعًا.

فيما يتصل بهذه الآية الكريمة وهي قول الله –جل وعلا-: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: 4] هي خبر إلهي عن حال الإنسان وما يكون عليه من طبيعة خلقه ومعاشه، فالإنسان خلق في هذه الدنيا وكان خلقه على نحو مشترك في قواسم يتفق فيها كلُّ بني آدم سواء من كان مؤمنًا ومن لم يكن مؤمنًا على نحو ما يختلف فيه الإنسان من حيث الأصل، لكن الاختلاف يأتي من حيث العمل بمعنى أن الله تعالى جَبَلَ الإنسان على خلالٍ وصفات، هذه الخلال وهذه الصفات وهذه الأحوال يشترك فيها الناس، لكنهم يفترقون في طريق التعامل معها وفي طريق النجاة والسلامة من آثار تلك الجِبِلَّات وتلك الطبائع التي خلقوا عليها.

فعلى سبيل المثال يقول الله –جل وعلا- في محكم كتابه: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا [المعارج: 19] هذا الوصف وصفٌ لكل إنسان على هذه الأرض سواء كان مؤمنًا أو كان غير مؤمن من حيث أصل الخلقة ومن حيث طبيعتها كل إنسان خلق على هذا الوصف، ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا [المعارج: 19- 21] ثم بعد ذلك ذكر الله تعالى السبيل الذي يَسْلم به الإنسان من هذه الصفة الخلقية التي يشترك فيها جميع البشر ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ [المعارج: 22- 23] إلى آخر ما ذكر الله تعالى من الصفات التي ينجو بها الإنسان من هذه الخصلة.

هذا فيما يتعلق بطبيعة الإنسان وجِبِلَّته وصفة خلقه في الآية التي عُنون بها هذا اللقاء ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: 4] هذا بيان لطبيعة الخلق طبيعة خلق الإنسان التي تَحتفُّ به منذ أن كان في رحم أمه إلى أن يستقر في مآله ومقرِّه، فإن كان مستقره في الجنة فستنقشع تلك الأكبال ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى [طه: 118- 119] وأما إذا كان مستقره النار نعوذ بالله من الخذلان وحال أهلها، فهذا ينتقل من شقاء إلى أشقى، وعذاب الآخرة أشد وأبقى، فينتقل من كبد الدنيا إلى كبد الآخرة، ويلقى بذلك من العناء والبلاء والمشقة ما لا يدركه إلا الله جل في علاه.

إذًا الرحلة البشرية الرحلة الإنسانية يحتفُّها هذا الكبد الذي لا يخلو كما تفضلت منه أحد من الناس صغيرٌ، كبير، ذكر، أو أنثى، غني، فقير، صحيح، مريض فالجميع كلهم في كبد كما أخبر الله –جل وعلا- والكبد المذكور في الآية أنت أشرت في مقدمتك إلى نوعين من التفسير في الكبد:

 منهم من فسر الكبد بصفة الخلق وأن الإنسان خلق في كبد أي قائمًا مستقيمًا منتصبًا، وهذا يتعلق بصفة الخلق: [قال بهذا التفسير ابن عباسt، وعكرمة، وإبراهيم النخعي. انظر تفسير الطبري:24/434]

 والثاني من المعاني هو: المكابد بمعنى لقد خلقنا الإنسان في كبد أي في مكابدة أمر الدنيا والآخرة، وهذه المكابدة لا يخلو منها إنسان، فكل بني آدم في مكابدة ومعاناة لشئون معاشهم وما يستقبلونه من أحوال آخرتهم إلى أن يستقر الأمر كما ذكرت في فريق في الجنة وفريق في السعير. [فسر الكبد بهذا المعنى ابن عباسt، وقتادة، والحسن وغيرهم. انظر تفسير الطبري:24/433]

هذا الأمر يتطلب نظرًا يعني الآن عرفنا أنه الكبد يتناول معنيين؛ معنى الاستواء وانتصاب القامة كما نقل ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين، والمعنى الآخر كبد أي مكابدة يكابد ما يكابده من أمر الدنيا يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة، يكابد أمر الدنيا والآخرة فلا تلاقيه إلا في مشقة، فتلاقيه إلا في معاناة، لا تلاقيه إلا في تعب كما قال الله تعالى في الآية الأخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ [الانشقاق: 6] .

فهذا الكدح هو صورة من صور المكابدة التي ذكرها الله –جل وعلا- في قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: 4]

 المكابدة تشمل المعنيين ولا معارضة بين التفسيرين؛ لأن انتصاب القامة والاستواء هذا لا يعارض المعنى الآخر، فيمكن أن تفسر الآية بهذا وبهذا، لكن الذي يقرب والله تعالى أعلم في مطابقة الآية للواقع هو أيضًا للمعنى المتبادر من الآية أن الإنسان في معاناة، في شدة، في عناء، هذه الشدة وتلك المعاناة ينجو الإنسان منها بأسباب، وقد تشتد عليه هذه الشدة ويعظم عليه هذا البلاء بأسباب أيضًا، فالناس يختلفون أمام هذه الحقيقة، يختلفون أمام التعامل والنظر في هذه الحقيقة.

وهي حقيقة أن الدنيا دار مكابدة، دار معاناة، دار مشقة، وينقسمون إلى فريقين؛ فريق يحسن التعامل مع هذه الأكباد، هذه المشاق، هذه الشدائد، فيخرج منها سالمًا من أوزارها وآثامها، فائذًا بأجورها وما رتب الله عليها من الأجور.

 بخلاف الصنف الثاني من الناس الذي تتناوشه هذه الأكباد، وتحيط به هذه المشاق، ويعاني ما يعانيه من أمر الدنيا ثم يزداد إلى ذلك ما يتعلق بالوزر والإثم المرتب على سوء التعامل مع هذه الأكباد سيخرج بأضرار وإشكالات تتعلق بمعاشه وتتعلق بآخرته.

المقدم:- كيف يكون سوء التعامل يا شيخ خالد؟

الشيخ:- مبدأ هذا هو أن الإنسان عندما يطلب الكمال في معاشه، ويظن أن الدنيا دار قرار ستختلف نظرته يعني إذا لم يحسن يعني هو مبدأ الإشكالية في نظرة الإنسان للدنيا، من كان ينظر إلى الدنيا على أنها منتهى الآمال وغاية المرام، وأنها لا دار بعدها، فبالتأكيد سيكون تعامله مع أوصابها وأنصابها ولأوائها على نحو مختلف عن ذاك الذي يرى أنها دار عبور.

فالمبدأ في حسن التعامل مع أكباد الدنيا ومشاقها وشدائدها ونظرتك لها هو معرفتك لحقيقتها، هو إدراكك لغايتها وأنها ليست دار قرار، إنما هي دار عبور، دار امتحان، دار اختبار، وبالتالي ستتعامل معها على نحو مختلف.

الله –جل وعلا- اختصر لنا حال الإنسان في طريق نجاته من بلايا هذه الدنيا وإشكالاتها في سورة العصر التي قال فيها الإمام الشافعي –رحمه الله-: "لولا أنزل الله تعالى على الناس إلا هذه السورة" [قال رحمه الله:لَوْ تَدَبَّرَ النَّاسُ هَذِهِ السُّورَةَ لَوَسِعَتْهُمْ. تفسير ابن كثير:8/456] .

الإمام الشافعي صاحب فقه ونظر وبُعد فكرٍ وتأمُّلٍ مميز بين علماء الأمة، رحمه الله ورفع درجته في المهديين، فكلامه هذا لا ينبغي أن يؤخذ بظاهرة دون تأمل في دقائقه وأسراره.

الإمام الشافعي –رحمه الله- يذكر أن هذه الآية هي كافية في حصول النجاة للإنسان، وليس المقصود بذلك أنه لا يحتاج غيره لا، هي تعطي التصور الإجمالي والطريق العامة التي بها ينجو الإنسان من الهلال تفاصيل ذلك في الكتاب والسنة وفي قول الله –عز وجل- وفي قول النبي –صلى الله عليه وسلم- وما نقل عنه من أعمال وأفعال، كل ما نقل في الكتاب، كل ما جاء في السنة النبوية إنما هو تفصيل لطريق النجاة فهذه السورة كافية في بيان طريق النجاة الإجمالي يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر: 2] بعد أن أقسم بالعصر الذي هو الزمان ومحل الأعمال ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [العصر: 2- 3] هذه السنة الأولى فطابت أفئدتهم وحسنت بواطنهم وعملوا الصالحات واكتفى ظاهرهم بالصالح من العمل في الفعل وفي القول، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ [العصر: 3] أي أوصى بعضهم بعض بالحق، ولو كان ذلك مع الإنسان نفسه فيما يوصيه نفسه بالمثابرة على الحق وبذل الوسع في إقامة ما أمر الله تعالى ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر: 3] أي الصبر على كل ما يترتب على تحقيق تلك الخصال صلاح الباطل، صلاح الظاهر، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهداية الخلق.

هذه الخصال هي خصال السلامة من أكابد الدنيا، طبعا عندما يكون الإنسان غائبًا عن هدي القرآن، غائبًا عن نور الرسالة، غائبًا عن ما جاء به النبي –صلى الله عليه وسلم- من أمثال السعادة فإنه سيتورط في كل ما يكون سببًا للشقاء حتى لو نجا في جانب من الجوانب، أو سلم بمقتضى نوع من الهدايات التي يسوقها الله تعالى إليه، فيسلم في جانب  وتبقى جوانب كثيرة هو في غاية العطش لسد الظمأ فيها والسلامة من أكابد الدنيا فيها.

ثمة أكابد يا أخي طبيعية يشترك فيها الناس مثل ما يتصل بطبيعة الخلق، يعني المفسرون ذكروا في أكابد هذه الدنيا ما يعانيه الإنسان في رحم أمه، ثم إذا خرج ما يعانيه من ألم الخروج، ثم بعد ذلك ما يكون من قطع يعني هما ذكروا تفاصيل ما يتصل بصور الأكابد التي تحتكم الإنسان وتعتريه منذ أن كان في رحم أمه إلى أن يؤويه لحده، ثم بعد ذلك في بعثه ونشوره إلى أن تنتهي القصة بالمستقر إما في الجنة، وإما في النار.

هذه الصور يشترك فيها الناس تقابل بعضها فيما إذا بلغ الإنسان حدَّ التنبيه، وجرى عليه قلم التكليف إذا بلغ الرشد والعقل هنا يطلب منه التعامل مع هذا بما تقتضيه الشريعة من حسن النظر فيها والصبر عليها واحتساب الأجر فيها، وعدم الاستسلام لما يكون من هذه الأنصاب والأوصاب والأتعاب التي يلاقيها ولهذا يدرك بعض السلامة فيما يتعلق بأكباد الدنيا.

أما ذاك الذي استسلم لها ولم يرجُ آخرةً، ولم يرج ثوابًا من الله –عز وجل- على ما يلاقيه فإنه سيعيش في نوع من التيه؛ لأنه قد لا يدرك سرًّا ولا غاية، وليس له ما يأوي إليه في هذه الآلام وتلك المصائب التي تحيط به.

وقد أشار القرآن إلى الفرقان بين أهل الإيمان الذين تنزل بهم الآلام والمصائب، والكوارث وبين أهل الكفر الذين تنزل بهم نفس الآلام والمصائب والكوارث قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ [النساء: 104] هذا خطاب للمؤمنين في مقاتلة الكفار، إن كانت المقاتَلة والجهاد لإقامة دين الله والدفاع عن الحق يؤلمكم ويصيبكم به ما يصيبكم مما تكرهون في أنفسكم وفي أموالكم وفيمن تحبون فإن خصومكم وأعداءكم يصيبهم ما يصيبكم، فما يجري من مصائب الدنيا على البشرية سواء ولا يختلف الألم فيه من شخص إلى آخر، لكنهم يختلفون في المآلات، يختلفون في العواقب، يختلفون في النهايات وهذا الذي أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ [النساء: 104] أي تطمعون من الله بسبب هذه البلايا، بسبب هذه المصائب، بسبب هذه النوازل ما لا يرجوه أولئك الذين نزلت بهم نفس النوازل، هنا يتبين على وجه واضح جليٍّ المورد واحد كلنا نرد موردًا واحدًا، ولكننا نصدر مصادر مختلفة كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل: 4] فهذا الاختلاف والافتراق في الصدور إنما هو نتاج ما في القلوب من إيمان وكفر، نتاج ما في القلوب من معرفة حقيقة الحياة وعدم العلم بذلك، أو الغفلة عنه، أو الانهماك في الحياة الدنيا على أنها غاية الأماني ومنتهى المطالب.

المقدم:- وهذا ما يفسره حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها عندما روت عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قوله عليه الصلاة والسلام: «عجبًا لأمرِ المؤمنِ إنَّ أمرَه كلَّه خيرٌ إنْ أصابَتْه سرّاءُ شكَر وإنْ أصابَتْه ضرّاءُ صبَر وكان خيرًا له» [صحيح مسلم:2999/64] فهو في كلا الحالتين في خير يتقلب من خير إلى خير مهما اختلفت الأحوال عليه.

الشيخ:- صحيح هذا الحديث رواه الإمام مسلم من حديث صهيب -رضي الله تعالى عنه- أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «عجبًا لأمرِ المؤمنِ إنَّ أمرَه كلَّه خيرٌ» التعجب هو أن اختلاف الأحوال على المؤمن لا يجعله خاسرًا في كلها، بل هو يصبح للجميع هذا وجه التعجب لما يقول: «عجبًا لأمرِ المؤمنِ إنَّ أمرَه كلَّه خيرٌ» أي في المعاملة والمنتهى والعاقبة ليس معنى ذلك أن ما يصيبه ما يكره لا، الله –عز وجل- يجري مصائب الدنيا على البرِّ والفاجر والمسلم والكافر والعدل والمائل، على الجميع تجري هذه الأقدار هذا طبيعي، كلنا لنا قدر من بطون أمهاتنا، خرجنا باكين، قطعت يعني جرى علينا ما يجري على الجميع في كثير من الأحيان، نصاب بالمرض، نصاب بالغنى، نصاب بالفقر، نصاب بفقد الأحبة ما في أحد منا إلا وله بلاء ونزل به ما يكره، ما في أحد سالم، لكننا نختلف في التعامل مع هذه الوقائع والحوادث بناء على ما في قلوب الناس ونظرتهم لهذه الدنيا

     جُبِلَت على كدر وأنت         *****             تريدها صفوًا من الأقدار والأقذار

     ومُكلِّف الدنيا ضد طباعها    *****           متطلِّبٌ في الماء جذوى نار. [الأبيات من رثاء التهامي لولده. انظر غذاء الألباب شرح منظومة الآداب:2/775]

فالتمايز بين الناس والاختلاف ليس في وقوع الحوائج والمكاره، فالكل يقع عليه ما يقع، لكن كيف نقابل تلك الوقائع، كيف نتعامل مع أسباب الضيق وأسباب الكدر وأسباب الإنكاد والأقدار التي تحيط بنا، هذا هو الذي يختلف.

أخي الكريم هنا مسألة مهمة وهي أن الله –جل وعلا- عندما ذكر الحياة الدنيا وأحوال الناس فيها، قسم أحوال الناس إلى قسمين:

 قسم لهم معيشةٌ ضنكا، وقسم لهم حياة طيبة هذا الانقسام هو انقسام وفق ما يكون من الأعمال وليس انقسامًا يشبه أن يكون عضوضًا عميقًا تَسْلُب هذا وتخطيء هذا بلا مقدمات ولا أسباب، بل لها أسباب ولها مقدمات أفضت إلى تلك النتائج، وقد نصَّ الله تعالى على مقدمات هاتين الحياتين في الآيتين اللتين ذكر فيهما هذين النوعين من المعاش.

يقول الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل: 97] هذا في المعاش ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: 97] هذا في الميعاد في المقابل يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه: 124] هذه النتيجة في الدنيا يعني الله –عز وجل- يذكر مقدمات الأعمال في الحياتين، ويذكر نتيجتها في الحاضر والآجل في الحال وفي المآل.

فجدير بالإنسان عمومًا وبالمؤمن على وجه الخصوص الذي منَّ الله عليه بإدراك حقيقة الدنيا وغاياتها أن يستحضر هذه المعاني ما في إنسان لا يضر به كدر، ولا إنسان لا تنزل به ضائقة، ولا مجتمع ولا فرد تحيط به أزمات وضوابط، الجميع يحيط بهم من المكروهات ما لا يختلف فيه هذا عن ذاك.

      إذا أنت لم تشرب مرارًا على القذى  *****      ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه؟ [البيت لبشار بن برد. انظر رسائل الجاحظ:1/37]

 مَن مِن الناس من لا يصيبه ما يكره؟، ما في أحد تصفو مشاربه، كل من لاقيت يشكو دهره، الغني والفقير، الصغير والكبير، المسلم والكافر، الحاكم والمحكوم، الشريف والوضيع ما أحد يخلو من همٍّ، وهذا من حكمة الله في خلق البشر، لكن الفارق هو كيف يتعاملون مع هذه الهموم؟ وكيف يتعاملون مع هذه الحوادث والوقائع؟

المقدم:-شيخ خالد نستمر ونتواصل معكم ومع المستمعين الكرام عبر هذه الحلقة المباشرة من برنامج الدين والحياة وحديثنا عن قول الله –سبحانه وتعالى-: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾[البلد: 4] شاركونا مستمعينا الكرام بالاتصال على الرقم 0126477117 والرقم الآخر 0126493028 وكذلك بإرسال رسالة نصية على الرقم 0582824040 أو بالتغريد على هاشتاج البرنامج "الدين والحياة".

شيخ خالد نستأذنكم في اتصال أول من المستمع عبد العزيز الشريف من الرياض حياك الله عبد العزيز أتفضل

المتصل:- حياك الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المقدم:- عليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

المتصل:- حيا الله الأستاذ عبد الله مساك الله بالخير.

المقدم:- مساك الله بالنور.

المتصل:- حيا الله شيخ خالد عساك بخير يا شيخ.

الشيخ:- حياك الله مساك بالخيرات أخي الكريم.

المتصل:- فضيلة الشيخ دخل عمر رضي الله عنه على النبي –صلى الله عليه وسلم- متكأ على أريكته وتؤثر في جنبه الشريف فعمر رضي الله عنه قال يا رسول الله: ألا تدعو الله يوسِّع عليك ألا ترى إلى فارس والروم؟ قال يا ابن الخطاب: ألا ترى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟ أولئك أقوام عُجِّلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا؟ [صحيح البخاري:2468، صحيح مسلم:1479/34]

 هل يفهم من هذا الحديث أن الإنسان يرضى بالفقر والتعب حتى يلاقى الله –عز وجل- فيدخله الجنة؟ أم أن هناك معنى آخر لهذا الحديث؟.

السؤال الثاني: بارك الله فيك فقراء المهاجرين يعني عندنا في المدينة في زمن النبي –صلى الله عليه وسلم- كانوا بلا عمل وكان يُتصدق عليهم فأتى للنبي –صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله ذهب أهلُ الدثور بالأجور يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم أموال يتصدقون ولا نتصدق فدُلَّنا على عمل نعمله حتى نلحقهم قال: عليكم بالتسبيح والتحميد وغير ذلك [ صحيح البخاري:843، مسلم:595/142. واللفظ لمسلم، وسيأتي نصه قريبا] ، فهل يفهم من هذا الحديث أن الإنسان إذا اشتغل بعبادة الله وطاعته من تسبيح وتحميد يكفي عن التكسب؟ وجزاكم الله كل خير.

المقدم:- شكرا لك وإياك، شيخ خالد إذا كان بالإمكان يعني نجيب على السؤال الأخ عبد العزيز حول ما قاله المصطفى –صلى الله عليه وسلم- لعمر رضي الله عنه عندما قال: «ألا ترضى بأن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟» هل هذا يعني أن يرضى الإنسان بما هو عليه من حال بائسة مثلا أو فقرٍ أو ربما مشقة؟

الشيخ:- هذا الخبر الذي ذكره أخونا هو في صحيح الإمام مسلم من حديث عمر -رضي الله تعالى عنه- في قصة دخوله على النبي –صلى الله عليه وسلم- في مَشْرُبته دخل عليه –صلى الله عليه وسلم- وكان متكأً على حصير وقد أثر الحصير في جنبه يقول عمر: فنظرت في خزانة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يعني مستودعه الذي في ذلك المكان فإذا في قبضة من شعير نحو الصاع، يعني شيء قليل من الشعير يبلغ ثلاثة كيلو مثلا ومثله قَرَظا في ناحية الغرفة، والقرض مما كانوا يستعملون في التنظيف وما إلى ذلك.

قال: فلم أملك عيناي عمر -رضي الله تعالى عنه- لما رأى حال سيد البشر على هذه الحال ابتدرت عيناه بدمعها فقال له النبي –صلى الله عليه وسلم-: «ما يبكيك يا ابن الخطاب؟» قلت: يا نبي الله: ومالي لا أبكي؟ يعني وما الذي يجعلني لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار، وأنت رسول الله وصفوته وهذه خزانتك؟ يعني أنا مستودعك الذي أنت فيه.

قال يا ابن الخطاب: «ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟» قلت: بلى، قال -رضي الله تعالى عنه-: مستجيبًا لما نبهه إليه النبي –صلى الله عليه وسلم- من أن متاع الدنيا مهما طال مهما جمل هو في الآخرة لا شيء لا يقارن بما أعد الله لأوليائه الصالحين وعباده المتقين، وإذا قال:« ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا». [سبق تخريجه]

الأخ الكريم يسأل يقول: هل هذا معناه الرضا بالفقر، الرضا بالمسكنة؟

الجواب:- لا، إنما النبي –صلى الله عليه وسلم- نبه إلى وجوب الرضا بما قسم الله تعالى من شأن الدنيا، والتطلع إلى الآخرة، وأن ما فاته من متاع الدنيا لا يعتبر خسارة مادام أن الدين سالم والإيمان قائم والصلاح ظاهر، فإنما يفوت الإنسان من متع الدنيا لا ينقصه والله –جل وعلا-.

 قد ذكر ذلك في محكم  كتابه كما في سورة الزخرف قال: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الزخرف: 33- 35] الله –عز وجل- يقول في محكم كتابه لولا أن يفتن الناس ليكونوا أمة واحدة أي جماعة واحدة على الكفر، وعلى عدم الإيمان بالله لكان قد نشأ لأهل الكفر من العطاء في الدنيا ما وصف الله تعالى في قوله: ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ* وَزُخْرُفًا [الزخرف: 33- 35] ثم يقول الله تعالى منبهًا لأمر مهم ينبغي ألا يغيب عن المؤمن ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف: 35] فمهما فات المؤمن في الدنيا من متعها فإنه لا يؤثر عليه وأن كل تلك المتعة التي يلقاها في الدنيا لا تمثل شيئا في الآخرة، كما أنها لا تدفع عنه الشقاء الذي يسكن قلبه ويغمُر حياتَه وتتساقط معه كل تلك الملذات التي فتح عليه فيها من أمر الدنيا؛ ولذلك الآية التالية لهذا الاضطراب الذي ذكره الله –عز وجل- قال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف: 36- 37]

 المقصود أن هذه الآية ليست دعوة للفقر، بل هذه الآية تنبيهٌ ولفت للنظر إلى أن ما فات الإنسان من متع الدنيا لا يستوجِب أن يحزن ولا أن يضيق، بل يبذل وسعه في كفاية نفسه كان –صلى الله عليه وسلم- يدخر قوت أهله لسنة، لكنه –صلى الله عليه وسلم- خيَّره الله بين أن يكون ملكًا رسولًا، وبين أن يكون عبدًا رسولًا فاختار –صلى الله عليه وسلم- أن يكون عبدًا رسولًا.

وحاله –صلى الله عليه وسلم- كاملة من حيث أن الله منَّ عليه بثقة قلبية أدرك بها من السعادة ما لم يدركه غيره –صلى الله عليه وسلم- فهو أسعد البشر بأبي هو وأمي –صلى الله عليه وسلم-.

المقدم:- طيب السؤال الثاني الذي سأله المستمع عبد العزيز يسأل عن فقراء المهاجرين وما كانوا فيه من حال في تلك الأيام، وكان الأغنياء الصحابة يتصدقون عليهم، وفي ذات الوقت كانوا الأغنياء يعني يمتازون بفضل هو أكثر مما كانوا يقدمون عليه ويمتاز به هؤلاء الفقراء المهاجرين كانوا يتصدقون وكان لهم مزيد فضل كانوا يحدثون النبي –صلى الله عليه وسلم- بهذه الحال وكانوا يقولون: إنه ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أو بفضل أموالهم.

الشيخ:- في الحديث هو عن خبر واقع جرى في زمن النبي –صلى الله عليه وسلم- «أنَّ فُقَراءَ المُهاجِرِينَ أَتَوْا رَسولَ اللهِ ، فَقالوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بالدَّرَجاتِ العُلى، والنَّعِيمِ المُقِيمِ، فَقالَ: وَما ذاكَ؟ قالوا: يُصَلُّونَ كما نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كما نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلا نُعْتِقُ»ذكروا من الأعمال المشتركة الصلاة والصوم، وذكروا من الأعمال الصالحة التي أدركوا بها درجات وفضل الصدقة والعتق «فقالَ رَسولَ اللهِ : أَفلا أُعَلِّمُكُمْ شيئًا تُدْرِكُونَ به مَن سَبَقَكُمْ وَتَسْبِقُونَ به مَن بَعْدَكُمْ؟ وَلا يَكونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنكُم إلّا مَن صَنَعَ مِثْلَ ما صَنَعْتُمْ» يعني بين لهم النبي –صلى الله عليه وسلم- إذا أغلق عنهم باب أو لم يتمكنوا وعجزوا عن باب من أبواب البر لعدم قدرتهم عليه فإنهم يمكن أن يدركوا الفضل والسبق بأبواب أخرى حسب ما يتيسر لهم من العمل «قالوا: بَلى، يا رَسولُ اللهِ قالَ: تُسَبِّحُونَ، وَتُكَبِّرُونَ، وَتَحْمَدُونَ، دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ مَرَّةً» لما فعلوا ذلك سمع ذلك إخوانهم أصحاب الأموال بما كان ففعلوا مثل فعلهم «فَقالَ رَسولِ اللهِ : ذلكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ» [صحيح البخاري:843، مسلم:595/142. واللفظ لمسلم] يعني هذه المسابقة من الخير إذا أدركها غيركم فذاك فضل الله.

المقصود أن هذا في بيان أن العمل الصالح لا يقتصر على باب، فإذا أغلق على إنسان باب من أبواب الخير فإنه لا ينبغي يقعد ويقول: ليس ثمة ما أتقرب به إلى الله –عز وجل-، بل يطرق أبواب الخير بما يستطيع ومن صدق الله صدقه الله، وفتح له من أبواب الخير ما يدرك به فضل الدنيا والآخرة.

المقدم:- وهذا لا يعني أن يستغني الإنسان مثلا إذا كان لديه قدرة في أن يفتح له باب مثلا في ذكر الله –عز وجل- أو في الصيام وغيره من العبادات أن يستغني مثلا بالصدقة بما لديه من مال ويقول: يكفيني أن أتصدق فقط دون أن أقوم بهذه العبادات الجليلة وهو قادر على ذلك.

الشيخ:- بالتأكيد أن هذا لفت نظر إلى عظيم ما كان عليه الصحابة من المسابقة في الخيرات، وأنه ينبغي أن يضرب الإنسان في أبواب الخير بكل باب من الأبواب وألا يقتصر على باب من الأبواب، بل يطلب الخير في كل أبواب البر والخير.

نحن يمكن هذه الأسئلة تدور في صولات حديثنا، لكن نحتاج إلى أن نعود إلى صلب الموضوع الرئيسي.

المقدم:- نذكر فقط يا شيخ خالد بأرقام التواصل لمن أراد أن يسأل أو يشاركنا في هذا البرنامج الرقم الأول 0126477117 و 0126493028 أو بإرسال رسائل نصية عبر الواتس أب على الرقم 0582824040.

حديثنا متواصل عن قوله –سبحانه وتعالى-: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: 4] ربما يا شيخ خالد يتبادر إلى ذهن الإنسان عندما يستمع إلى هذه الآية الكريمة أنه ربما يحرم عليهم مسألة التضجر أو التأفف التي هي ربما من طبع الإنسان وجبلته الشيء الاعتيادي والطبيعي الذي لا يزيد عن حده هل هذا يدخل في باب السخط بأقدار الله أو في أقدار الله –عز وجل- وعدم الرضا عنها؟

الشيخ:- على كل حال الدنيا بمعنى مجهول على قدر فإن النجاح هو في طريقة التعامل مع هذه الأكدار، هذه الأكدار إذا أدرك الإنسان طبيعة الحياة كما تقدم من قليل كان عونًا له مع حسن التعامل معها، وأطيب ما تقابل به المصائب والمكروهات هو أن يزيل الإنسان وحشةَ تلك المصائب التي تغشى قلبه وتناله أن يتقرب إلى الله –عز وجل- بالصبر، الصبر الذي به يدرك الإنسان خيرات عظيمة ويدرك به نجاةً من الأهوال.

ولهذا ذكره الله –جل وعلا- في كتابه الكريم في نقاط عديدة، أن يتقرب إلى الله –عز وجل- بالصبر، الصبر له من الأجر ما ليس لغيره كما ذكر الله –عز وجل-: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: 10] ، والإنسان نحن عندما نتكلم عن الدنيا قد يتصور الإنسان أن الأكابد فقط في المصائب في حين أن الأكابد حتى في النعم؛ لأن من نعمة إذا لم تشكر كانت نقمة إذا لم يطاع الله –عز وجل- فيها كانت بلاءً عليه تدِرُّ عليه نكدًا وكدرًا وشرًّا في الحاضر والآجل.

ولذلك النبي –صلى الله عليه وسلم- لم يذكر حال المؤمن في الضراء فقط، بل ذكرها في السراء والضراء، في السراء شكرًا، وفي الضراء صبرًا وجعل ذلك هو الذي يقتضي تعجب الحال من حال المؤمن. [في ذلك يقول النبيr:«عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ». صحيح البخاري:2999/64]

 أنا أقول نحن نحتاج إلى الصبر عند النعمة إلى الصبر عند النقمة عند البلاء، وعند العطاء يصبِّر الإنسان نفسه كيف يصبر نفسه؟ يصبر نفسه بالطاعات فيما يتعلق بأمر الله –عز وجل- بالصبر على المكاره بوضع النعم وشكرها على النحو الذي أمر به وبه يدرك ما يؤمِّل.

فالصبر قال الله –عز وجل- فيه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: 10] وقال فيه النبي –صلى الله عليه وسلم-: «وما أَعْطى اللهُ أحدًا من عطاءٍ أوسعَ من الصبرِ» [صحيح البخاري:1469، مسلم:1053/124] فهو خير ما يعطاه الإنسان للسلامة من أكابد الدنيا بتلونها وتنوع صنوفها.

المقدم:- أيضًا ربما يا شيخ خالد عندما يستمع الإنسان المسلم إلى هذه الآية الكريمة أيضًا كما ذكرنا أنه يأتي إلى ذهنه أو يتبادر إلى ذهنه أنه ينبغي عليه أن يكون راضيًا تمام الرضا وأنه عندما يحزن مثلا أو لدرء نصبه لشرٍّ ربما تعرض إليه أن هذا الحزن البسيط أو الطبيعي والجِبلِّي هذا الشيء مما يمكن أن يدخل في باب الاعتراض على القضاء والقدر، أو السخط على أقدار الله –عز وجل- هل هذا الشيء يا شيخ صحيح؟

الشيخ:- الشريعة يا أخي الكريم جاءت بمراعاة حال الإنسان بمعنى أن الشريعة لا تعارض ما تقتضيه الجِبِلَّة لكنها تهذبه وتقوِّمه، وتخرج به من إطار المفاسد التي يمكن أن تكون بسبب إطلاق العنان للنفس تعطي الشريعة الحظ الكافي فيما يتعلق بالسرور، تعطي الحد الكافي فيما يتعلق بالحزن، ولذلك الحزن في ذاته إذا كان في الحد الطبيعي الذي لا يخلص الإنسان إلى جذع وضجر وضرب خدود وشقِّ جيوب طبيعي وما إلى ذلك مما يمكن أن يفعل الإنسان بقدر المصيبة من جذع وضجر، فإنه مأذون فيه وقد اعترى سيد البشر أرضى الناس بالله –عز وجل- وبقضائه وبقدره.

فهذا نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم عندما فقد ابنه إبراهيم قال –صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، والقَلْبَ يَحْزَنُ»  يعني على هذه المصيبة «ولا نَقُولُ إلّا ما يَرْضى رَبُّنا» إعلان الرضا «وإنّا بفِراقِكَ يا إبْراهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» [صحيح البخاري:1303، صحيح مسلم:2315/62] ولذلك ينبغي أن يدرك الإنسان أن الحزن إذا كان في إطاره الشرعي الذي لا يأخذ الإنسان إلى ضجر، الذي لا يفضي الإنسان إلى ما يكون سببًا لفساد دينه ودنياه فإنه لا بأس به.

ولهذا البكاء على الميت، وهو صورة من صور ترجمة الحزن من مصيبة، قد يكون مأجورًا عليه الإنسان وقد يكون مباحًا، وقد يكون محرمًا، يكون محرمًا إذا كان جذعًا وضجرًا لقضاء الله وعدم رضاه بقدره جل في علاه، يكون مباحًا إذا كان لفوات نصيبك من الميت، يعني أنت تبكي لفوات حبيبك وفقدك ما تحب، وهذا جائز وليس محرمًا، يكون مأجورًا عليه الإنسان مثابًا إذا كان هذا البكاء رحمة للميت، وأنه انقطع أجله وارتحل بعمله وما إلى ذلك مما يتعلق بالبكاء رحمة للميت.

وهذا الذي جرى من النبي –صلى الله عليه وسلم- في قوله: «إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، والقَلْبَ يَحْزَنُ وإنّا بفِراقِكَ يا إبْراهِيمُ لَمَحْزُونُونَ».

فالمقصود أن الحزن يصيب النفس وأذنت فيه الشريعة بالحد الذي لا يُخرجِ الإنسانَ إلى ضجر، ولهذا قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «لا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ، تُحِدُّ على مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ إلّا على زَوْجٍ» [صحيح البخاري:1280، صحيح مسلم:1486/58] فهذا نوع من ترجمة الحزن لكنه حتى وبحزم أعطى فيه النفس حقها وحظها في أن تترجم المصيبة أو الانفعال للمصيبة دون أن يكون في ذلك محذور شرعي.

المقدم:- شيخ خالد لعله هنا سؤال وهو عندما نستعرض الحديث الشريف الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي –صلى الله عليه وسلم- عندما قال: «ما يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِن نَصَبٍ ولا وصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حُزْنٍ ولا أذًى ولا غَمٍّ، حتّى الشَّوْكَةِ يُشاكُها، إلّا كَفَّرَ اللَّهُ بها مِن خَطاياهُ» [صحيح البخاري:6541] هل هذا يا شيخ خالد يعم الفرد والجماعة ربما المجتمعات أو الدول وغير ذلك، ربما عندما تنزل بهم مصيبة أو تضيق بهم الحال؟

الشيخ:- المجتمعات الأمم والشعوب هو مكونة من أفراد، إذا اجتمع أهل هذه البلد هذه المحلة على هذا المعنى أكيد أنه سينالهم من ثمرة صبرهم واحتسابهم لما أصابهم ما يكون حسن العاقبة كما قال الله تعالى في بيان عمل المجموع ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا [الأعراف: 96] مجموع أعمال أهل القرى إذا كانوا على هذا ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الأعراف: 96] فإذا اجتمع الناس على ما أوصى النبي –صلى الله عليه وسلم- فيما يتصل بالصبر على المصائب، ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه، هذا فيما يتعلق بالأفراد إذا فعل كل واحد منا هذا كان ذلك يكفر خطاياه، لكن إذا فعل ذلك الجميع أيضًا أدركوا من البر والخير وتحقيق الموعود بالآية التي ذكرت ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الأعراف: 96] قصدوا بذلك خيرًا عظيمًا وفضلًا عامًّا، فإن الطاعة تعود على طاعة الله –عز وجل- إذا اجتمع عليها الناس كانت سببًا لفتوحات وخيرات وبركات لا نقتصر على الأفراد، بل عامة الجميع الصغير والكبير، والذكر والأنثى.

المقدم:- رسالة من أبو الحسن عبر الواتس أب يسأل عن بعض المصائب التي تحل بالإنسان واختلاف الناس في تفسيرها هل هي ابتلاء أو بلاء مثلا ابتلاء مثلا لخير قد يأتي للإنسان إذا ما صبر على هذه البلاءات التي يتعرض لها الإنسان، وفي المقابل البلاء الذي يتعرض له الإنسان نتيجة تقصيره في جنب الله –عز وجل-.

الشيخ:- والله يا أخي ما أصاب مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب فالجميع بقدر الله –عز وجل- هذا مبدأ ماينبغي اعتقاده، هذا القدر قد يكون له أسباب من ابتلاء، وقد يكون له أسباب ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: 30] الآية الكريمة هذه تخبر أن ما يصيب الإنسان مما يكره إنما هو بسبب نفسه وما يكون من تقصيره.

ولذلك يشير الله –عز وجل- إلى معنى مهمٌّ وهو أنه يعفو عن كثير- جل في علاه- مما يقع للإنسان قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: 30] قد يقول قائل:- كسبت أيدينا ما هي؟ كسبت أيدينا هي أعمالنا، هي ما تكون من تقصيرنا وأيضًا ما يكون من قصورنا وهو عدم قيامنا، عدم بلوغنا الحد الذي يجب في حق الله تعالى.

المقدم:- يعني ممكن يا شيخ خالد نجمع بين الأمرين نقول: إن الإنسان يرجو الخير من الله عندما يصبر على هذه المصيبة، وفي ذات الوقت لا يفتش في نفسه ولا يحاسب نفسه أولًا بأول بكل ما يأتي ويذر

الشيخ:- أنا أقول يا أخي بالتأكيد أنه الشأن كل الشأن ليس في معرفة سبب النازلة بقدر ما هو في طريقة التعامل مع الناس يعني الذي نحن أحيانًا نقول: هذا ابتلاء أو هذه مصيبة أو هذا سبب ذنب ويشتغل الإنسان بهذا عما يجب عليه تجاه المصيبة من الصبر والاحتساب، وتقويم المسار، وإصلاح الخلل وتلافي النقص.

هذا الذي يجب على المؤمن أما أن يشتغل الإنسان بتشخيص السبب لما يقع عليه أو ما يقع على غيره قد يكون في هذا قد لا يصل إلى جواب الفصل في التمييز بين هذا وذاك، لكن في الجملة كل ما ترتب على الطاعة من بلاء فهو في رفعة الدرجات وهو ابتلاء، وكل ما نتج عن المعصية من بلاء فهو بما كسبت أيديكم ويعفو عنكم.

المقدم:-آخر سؤال من منيرة كيف يكابد الإنسان من مصائب التي يبتلي بها في هذه الحياة هل للعبادة وخاصة الذكر دور في ذلك؟

الشيخ:-الذكر مما يفتح للإنسان مخارج البلاء ويكشف عنه الضيق، ولذلك ذكر الله تعالى في قصة يونس ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَلَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الصافات: 143- 144] وذكر الله –عز وجل- بالقول وباللسان وقد قال الله –عز وجل-: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء: 87] فالإنسان إذا صدق كان ذكره ليس المقصود ذكر اللسان إنما ذكر اللسان الموافق للقلب الحافظ الخاشع المقبل فإنه يدرك خيرًا كثيرًا إن شاء الله.

مواد تم زيارتها

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف