الاثنين 19 رجب 1442 هـ
آخر تحديث منذ 24 دقيقة
×
تغيير اللغة
القائمة
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو Hausa
الاثنين 19 رجب 1442 هـ آخر تحديث منذ 24 دقيقة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأعضاء الكرام ! اكتمل اليوم نصاب استقبال الفتاوى.

وغدا إن شاء الله تعالى في تمام السادسة صباحا يتم استقبال الفتاوى الجديدة.

ويمكنكم البحث في قسم الفتوى عما تريد الجواب عنه أو الاتصال المباشر

على الشيخ أ.د خالد المصلح على هذا الرقم 00966505147004

من الساعة العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهرا 

بارك الله فيكم

إدارة موقع أ.د خالد المصلح

×

لقد تم إرسال السؤال بنجاح. يمكنك مراجعة البريد الوارد خلال 24 ساعة او البريد المزعج؛ رقم الفتوى

×

عفواً يمكنك فقط إرسال طلب فتوى واحد في اليوم.

مرئيات المصلح / برامج المصلح / الدين والحياة / الحلقة (54) يقلب الله الليل والنهار

مشاركة هذه الفقرة

الحلقة (54) يقلب الله الليل والنهار

تاريخ النشر : 27 صفر 1440 هـ - الموافق 07 نوفمبر 2018 م | المشاهدات : 2298

المقدم: من جديد نُحييكم، ونرحب بكم في بدأ هذه الحلقة مستمعينا الكرام من برنامجكم ''الدين والحياة''، وموضوعنا الذي نتحدث فيه في هذه الحلقة عن ''تقليب الليل والنهار'' انطلاقًا من قوله -سبحانه وتعالى-: في سورة النور ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ [النور:44] .

هذا هو موضوعنا مستمعينا الكرام سنتحدث -إن شاء الله- عن هذا الموضوع، وعن أبرز محاوره، ونتعرف أيضًا على معنى هذه الآية الكريمة، وما يمكن أن يُستفاد من معانيها، ومن دلالاتها -إن شاء الله- مع ضيفنا وضيفكم فضيلة الشيخ الدكتور/ خالد المصلح.

شيخ خالد عندما نتحدث في البداية عن هذه الآية لعل البعض يعني العبارات قد تكون أحيانًا خافية على مستمعينا الكرام في البداية لو يعني تتفضلون بتوضيح، وتفسير هذه الآية الكريمة في سورة النور.

الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد...

فأفضل ما صُرفت فيه الأوقات، وأعظم ما اشتغل به الإنسان في معاشه؛ ليعمر معاده، وليصلح دنياه أن يتأمل كلام الله -جل في علاه-، وأن يتفكر في دلالات هذا الكتاب المبين الذي جعله الله تعالى هدايةً للأولين من هذه الأمة والآخرين، فهو الكتاب المبين الذي أخرج الله تعالى به الناس من الظلمات إلى النور، الله -جل وعلا- أقام في هذا الكتاب العظيم ما تحيا فيه القلوب، وتستبصر به النفوس، وتُدرك به القلوب مصالحها وما ينفعها في معاشها وفي معادها، وقد بثَّ الله تعالى في كونه من الآيات والعبر ما يتعظ به أولوا البصائر كما قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ [يوسف:105] .

فكثير من الآيات بثَّها الله تعالى، وقد لَفَت القرآن الأبصار، والبصائر إلى هذه الآيات في كثيرٍ من آيات الكتاب الحكيم، بثَّ الله تعالى الآيات في الآفاق، ونبَّه إليها -جل في علاه- في آيات الكتاب فمن ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ [النور:43] .

بعد ذلك قال -جل وعلا-: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ [النور:44] .

أخبر الله تعالى عن آياتٍ عظيمة فيما يتعلق بإنزال الأمطار، وما يتصل بذلك من رعد وبرق، وهو الذي ذكره الله -جل وعلا- في قوله: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ [النور:43] .

ثم بعد ذلك أشار إلى تحول أحوال الزمان، وأن الزمان ليس على حالٍ واحد بل هو على أحوال ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ [النور:44] ، أي: يُعقِّب الله بين الليل والنهار، ويُصرِّفُهما وهو -جل وعلا- الذي يُولج الليل في النهار، ويُولج النهار في الليل، فتقليب الليل والنهار المقصود به ما جاء بيانه في آياتٍ عديدة من تقليب الله تعالى، وتصريفه الليل والنهار؛ بإدخال الليل في النهار، وإدخال النهار في الليل، وكذلك اختلافهما من آيات الله -عز وجل- كما ذكر الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ [آل عمران:190] .

فالمقصود بتقليب الليل والنهار: هو تصريفُهما من حيث إيلاج الليل في النهار ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ [الحج:61] .

ومن حيث اختلافهما وتعاقبهما يكوِّر الليل على النهار ويكور النهار على الليل، ومن حيث أيضًا اختلاف أَمَد الليل والنهار باختلاف الفصول، واختلاف الأوقات، فإن الله -جل وعلا- لا يولِج الليل والنهار من حيث الطول والحال على حالٍ واحد، بل يطول الليل طولًا حتى يتناهى في طوله ثم يرجع فينقص نقصانًا حتى يتناهى إلى نقصانه، ففي كل يوم، وفي كل ليلة ثمة تغيرٌ في هذا الكون في ليله ونهاره يدل على عظيم تدبير الذي قام عليه -جل في علاه-، والذي يُقلِّبه -سبحانه وبحمده- فله في ذلك العبرة، وله في ذلك الحكمة، فله -جل وعلا- الشكر والحمد على ما يُجريه من هذا التقليب؛ ولهذا لمَّا ذكر الله تعالى التقليب؛ تقليبَ الليل والنهار، قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ [النور:45] .

فذكر الزمان أولًا ثم ذكر الخلق، وأحوالهم فيما يجري من خلقه متنوع إمكاناتهم كل ذلك يبين عظيم صنع الله تعالى، وإتقانه.

وبالتأكيد أن مما يندرج في تقليب الليل والنهار هو ما ذكره الله تعالى في سورة المزمل حيث قال -جل وعلا-: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [المزمل:20] .

جاء ذلك عقب ما ذكره الله -جل وعلا- من تقدير الليل والنهار قال: ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ [المزمل:20] ، يُقدِّر الليل والنهار أي؛ طولًا، وقِصرًا، وسائر ما يكون من أحوال الليل والنهار هو بتقدير الله -جل وعلا-، فلا يخرج عن تقديره المحيط بالخلق -جل في علاه- شيءٌ من خلقه -سبحانه وبحمده-، ومن ذلك ما نشهده في ليالي الشتاء من الطول، وفي ليالي الصيف من القِصر.

المقدم: جميل شيخ خالد أيضًا عندما يعني نسترسل في قراءة هذه الآية الكريمة نجد أن الله -سبحانه وتعالى- قال في ختم هذه الآية: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ [النور:44] ، هل يمكن أن نفهم من هذه الآية الكريمة أن في تقليب الليل والنهار الكثير من العبر التي على المؤمن أن يتبصَّرها، وأن يُدرِك ما فيها حتى يتعلَّمَها، وأيضًا يطبِّق هذا الأمر، وينعكس على واقعه وسلوكه.

الشيخ: بالتأكيد؛ ولذلك من الجدير بالمؤمن أن يعتني بخواتيم السور والآيات، فإن خواتيم السور والآيات لها من الدلالات، والإشارات ما ينبغي للمؤمن أن يقف عنده، ويعتبر بما فيه.

ذلك أن الله تعالى أجرى هذا الكون على نظام دقيق، هذا النظام الدقيق يدل على قدرة الربِّ -جل وعلا-، فالله تعالى فيما ذكر في هذه الآية ذكر آيةً من آياته، وهي تقليب الليل والنهار قال: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ [النور:44] .

وذكرنا من التقليب هو: التحولات التي تجري في الليل والنهار طولًا، وقصرًا، حرًّا، وبردًا من إدخال الليل في النهار وإدخال النهار في الليل، ثم قال -جل وعلا- بعد أن ذكر هذه الآية التي يُدركُها كل أحد، يعني آية الليل والنهار ليست آيةً خفيَّة لا يُدركها الإنسان إلا بعناء وكُلفَةٍ بل يُدركها كل بني آدم حتى الحيوان يُدركون الليل، حتى الحيوانات تسكن في الليل، وتنتشر في النهار، فإدراك الليل والنهار، وما يكون فيهما من المصالح يُدركه كلُّ أحد لكن الانتفاع بهذه الآيات، الانتفاع بهذه المشاهدات الحسية التي يُدركها الناس بالاستزادة فيما يُقرِّب إلى الله -عز وجل- في الانتباه، لا يكون إلا لذوي البصر، وإذًا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ [النور:44] .

أي؛ لذوي البصائر، والعقول النافذة، ولذلك أن يتأملوا في هذا التقليب؛ للوصول إلى الأمور المطلوبة منهم كما تنفذ الأبصار إلى الأمور الحسية، وكذلك أولو البصائر ينفذون من هذه المبصرات إلى ما ورائها من معاني تُدرَك بالاعتبار والفكر، والتدبر، والتأمل، ويكون ذلك مُوصلًا إلى ما يحب الله تعالى ويرضاه.

المقدم: هذا الأمر يعني شيخ خالد يعني يستدعي أن نذكر الآية الكريمة في سورة آل عمران، في نهايات سورة آل عمران عندما قال الله -سبحانه وتعالى-: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ [آل عمران:190] .

وهذه الآية الكريمة التي لا يخفى على مسلمٍ ما كان فيها من أحداث حينما أُنزلت على النبي -صلى الله عليه وسلم- عندنا أُوحي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بهذه الآيات الكريمات، وكيف كان المصطفى -صلى الله عليه وسلم- يتلقَّى هذا الوحي؟ كيف كان حالُه؟ وكيف كان عندما كان يخاطِب عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها-؟ لعلنا يعني نسترسل إن شاء الله في هذا الحديث، ونربط أيضًا هذه الآية بموضوع حلقتنا في هذا اليوم عن تقليب الليل والنهار.

المتصل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

المتصل: حياكم الله يا أستاذ عبد الله، مساك الله بالخير.

المقدم: مساك الله بالنور، يا مرحبا.

الشيخ: حياكم الله يا شيخنا يا شيخ خالد، مساك الله بالخير.

الشيخ: الله يمسيك بالخير، أهلًا وسهلا، حياك الله.

المتصل: يقول الله -عز وجل-: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ [النور:44] ، ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ [الزمر:5] ، ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ [آل عمران:27] هل  بين هذه الآيات الكريمة تعارض؟ وهل تقليب الليل مثل تكوريه أو إيلاجه أم لكل معنى؟

السؤال الثالث: أيهما أفضل الليل أم النهار؟ وهل في تقديم الليل على النهار مزيَّة؟

يقول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: «إنَّ في الليل لساعةً» هل تدلُّ أن العمل بالليل أفضل منه في النهار؟ جزاكم الله كل خير.

المقدم: وإياكم، شكرًا لك يا أخ عبد العزيز، طيب شيخ خالد إذا في إمكانية رغم أن يعني الإجابة على أسئلة الأخ عبد العزيز أو السؤالين الذين طرحهما الأخ عبد العزيز وربما يقعان في صلب موضوعنا ومحاورنا في هذه الحلقة يعني في البداية فيما يتعلق من آيات التي تُورد هذه الآيات العظيمة التي يعني التي ذكرها الله -سبحانه وتعالى- في كتابه الكريم من تقليب الليل والنهار، وتكوير النهار، وأيضًا كثير من الآيات التي تَرِد في هذا الجانب إضافة إلى إيلاج الليل في النهار، والنهار في الليل، وغيرها من الآيات، هل هناك تعارض أو أنها يفسِّر بعضُها بعضا؟

الشيخ: لا ليس ثمة تعارض، ذكرنا قبل قليل في معنى التقليب أنه كل ما يُجريه الله تعالى من التصريف في هذين الزمانين في الليل والنهار، وفي تعاقبهما، واختلافهما على البشر، والمعنى كله واحد فتقليب الليل والنهار يدخل فيه إيلاج الليل بالنهار، وإيلاج النهار في الليل يدخل فيه تقدير الليل والنهار طولًا وقصرًا، وحرًّا وبردًا، ويدخل فيه أيضًا ما يتعلق بسائر ما يجريه الله تعالى مما يتعلق بحدوث هاتين الآيتين العظيمتين آية الليل، وآية النهار، فالتقليب هنا شامل لكل هذه المعاني، والقرآن لا يمكن أن يأتي في القرآن تعارض أبدًا، يستحيل أن يكون في شيءٍ من كلام الله تعالى تعارضٌ أو تقابل، بل التعارض هو في الأفهام والأذهان، وأما الكتاب الحكيم فلا يمكن أن يتطرَّق إليه شيءٌ من التعارض قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء:82] ، فلـكونه من الله -جل وعلا- كان يستحيل أن يرد إليه شيءٌ من التعارض أو أن يتطرق إليه أيُّ شيء من الاختلاف.

المقدم: طيب السؤال الثاني فيما يتعلق بهل هناك مزية لزمنٍ على آخر فيما يتعلق بالليل والنهار، وتقديم ذكر الليل على النهار في كثيرٍ من الآيات في القرآن الكريم؟

الشيخ: الله -جل وعلا- خلق هذا الخلق بإتقان وحكمة، وقد ذكر ربنا -جل وعلا- أنه يخلق ما يشاء ويختار -سبحانك وبحمدك- ما ذكر في محكم كتابه قال -جل وعلا-: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ [القصص:68] ، ومعنى هذا أن الله -جل وعلا- له فيما يخلقه اختيارات، وهذه الاختيارات هي الاصطفاءات التي يصطفيها الله -عز وجل- من خلقه كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [الحج:75] .

وقد قال في آية الاختيار قال: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ [القصص:68] أي؛ مما خلق ما يشاء ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [القصص:68] .

فالله -عز وجل- يصطفي من الزمان ما يشاء، وقد خصَّ الله تعالى كل زمانٍ بمزيَّة، وخصه بنعمة ومنحة، وفاضل بين الزمان بما فاضل فيه، فالله تعالى جعل في النهار من المصالح ما لا تُدرك إلا بوجوده، كما أنه جعل -جل وعلا- من المصالح في الليل ما ما لا يمكن أن تُدرك إلا بوجوده، ولذلك ذكر الله تعالى في محكم كتابه أنه -سبحانه وتعالى- أجرى هذا الكون على نحوٍ من الاختلاف فقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا [القصص:71] ، أي؛ ممتدًّا لا ينقطع إلى يوم القيامة ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ [القصص:71] ، أي؛ فتدركون مصالح الضياء فلا تسمعون.

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [القصص:72] ، أي؛ ممتدًّا إلى يوم القيامة، ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ [القصص:72] .

فذكر الله هاتين الآيتين، وذكر حكمتَه في عدم امتداد هذه الأوقات على طول المدى؛ لأن امتدادها يُفوِّت مصالح ما قضاه الله تعالى في الطرف الآخر، فمصالح الليل لا يُدركها الإنسان بالنهار، ومصالح النهار لا يُدركها بالليل، ولذلك قال في الإشارة إلى المنافع: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [القصص:71] ، الليل: وقت الظلام، وانطماس الأنوار ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ [القصص:71] ، ثم قال: ﴿أَفَلا تَسْمَعُونَ [القصص:71] ؛ لأن حاسة السمع هي التي تعمل في الليل أكثر منها في النهار.

وفيما يتعلق بالنهار قال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ [القصص:72] ، قال: ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ [القصص:72] ؛ لأنه الموضع الذي تُساق به الأشياء بالبصر، إعمال البصر نهارًا أكثر منه في الليل، وكذلك إعمال السمع ليلًا أكثر منه في النهار، وفي كل ذلك لله رحمةٌ وحكمة، ولذلك عقب الله تعالى هاتين الآيتين بقوله: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ [القصص:73] ، أي بعباده.

﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [القصص:73] .

فالليل له مصالح ومنافع لا يمكن أن يُدرِك الإنسان تلك المصالح والمنافع إلا بوجوده، كذلك النهار؛ فلذلك من رحمته -جل وعلا- جعل لنا الليل والنهار؛ لإدراك مصالح هذا، ومصالح هذا.

لكن فيما يتعلق بأيهما أفضل من حيث العبادة.

العبادة في النهار خصَّها الله تعالى، نعم الله تعالى خص النهار بجملة من العبادات، كما أنه خص الليل بجملة من العبادات، فالصلاة في الليل والنهار، وموزَّعة على الأوقات ليلًا ونهارًا، والصوم خصَّه الله تعالى بالنهار دون الليل، القيام خصه الله تعالى بالليل دون النهار فثمة أعمال تكون خاصة في هذا وفي هذا، وهناك هبات الله تعالى لأوليائه بإجابة الدعاء ثمة ما يكون نهارًا، وثمة ما يكون ليلًا.

جاء فيما رواه مسلم في الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «في كُلِّ ليلة ساعة لا يوافقها عبدٌ مسلم يسأل الله تعالى شيئًا إلا أعطاه الله تعالى إياه» [أخرجه مسلم في صحيحه:ح757/167]--، وهذه الساعة ليست محددة بزمان في أول الليل أو في آخره لكن مظانُّها أن تكون في آخر الليل في وقت التنزُّل الإلهي الذي قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة: «ينزِل ربُّنا في الثلث الآخر من الليل، فيقول: هل من سائلٍ فأُعطيَه؟ هل من داعٍ فأُجيبَه؟ هل من مستغفرٍ فأغفرَ له؟ »+++[أخرجه البخاري في صحيحه:ح1145، ومسلم:ح758/168] ، وهذه تكون في الثلث الأخير من الليل لكن هذه الساعة التي أخبر عنها النبي -صلى الله عليه وسلم- لحديث جابر يحسم من أن تكون في هذا الوقت الفاضل وقت التنزل الإلهي، ويحتمل أن تكون في غيره من الأوقات، وفضل الله واسع فإنها ساعة لا يُوافقها عبدٌ مسلمٌ يسأل الله تعالى شيئًا إلا أعطاه الله تعالى إياه قال النبي -صلى الله عليه وسلم: «وذلك كلَّ ليلة».

 هذا من فضل الله -عز وجل- أن هذا الفضل ليس محدودًا في وقت أو محصورًا في ليالي محددة بل في كل الليالي، فإن فضل الله -عز وجل- واسع، وعطاءه جزيل -سبحانه وبحمده-، والمؤمن إذا صدق في إقباله على ربه طالبًا ما عنده فإن الله لا يُخيِّبُه ولا يرده عما سأل وطلب.

فيه مسألة أيضًا يُنبَّه إليها أنه حتى في النهار ثمة ساعة إجابة أشار إليها النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما صح عنه في فضائل الجمعة كما في الصحيح من حديث الأعرج، عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر الجمعة فقال: «فيه ساعةٌ لا يُوافقها عبدٌ مسلمٌ، وهو قائمٌ يصلي يسأل الله تعالى شيئًا إلا أعطاه الله إياه» [أخرجه البخاري في صحيحه:ح935، ومسلم:852/13] ، وأشار بيده يُقلِّلُها.

المقدم: جميل.

الشيخ: فالليل فيه فضائل، والمؤمن له في كل زمانٍ وظيفة، وله في كل وقتٍ عمل يشغله به، فاشتغاله بذلك الوقت بذلك العمل، وتلك الوظيفة التي تكون في زمانه هو الذي يُبلِّغه المراتب العالية أن يكون عبدًا لله في كل أحواله، في قيامه، في ليله، وفي نهاره، في منشطه ومكرهه، في صحته ومرضه، في غناه وفقره، فبذلك يُحقِّق تمام العبودية لله -عز وجل-، وأما عندما نذكر بعض الفضائل في أوقات محددة، معنى هذا إنه يُعطل نفسه عن الخير في بقية الأوقات، فمثلًا عندما يُذكر فضل رمضان، فضل ذو الحجة، فضل يوم الجمعة لا يعني هذا أنه في بقية الأيام، وفي بقية الزمان أنه معطَّلٌ عن الصالح.

كذلك لما يُذكر فضل الليل فيما يتصل فيه من خيرات وعطايا، وهبات لا يعني أن يعطِّل الإنسان نفسه عن وظائف، وأعمال النهار.

فنحن عبيدٌ لله ليلًا ونهارًا كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162] ﴿لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:163] .

المقدم: طيب نتواصل معكم مستمعينا الكرام عبر هذه الحلقة المباشرة من برنامج ''الدين والحياة''، وضيفنا هو فضيلة الشيخ/ الدكتور خالد المصلح نسعد بتلقي اتصالاتكم على الرقم ٠١٢٦٤٧٧١١٧، ٠١٢٦٤٩٣٠٢٨، وأيضًا عبر وسم البرنامج ''الدين والحياة'' على توتير.

 موضوع حلقتنا في هذا اليوم عن ''تقليب الليل والنهار'' اتصال آخر نستأذنك فيه يا شيخ خالد من حمدان اتفضل يا أخ حمدان.

المتصل: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

المتصل: أسعد الله مساكم جميعًا.

المقدم: ومساك يا رب.

المتصل: كيف حالك يا شيخ خالد؟

الشيخ: الله يسلمك، حياكم الله يا أخ.

المتصل: عساك طيب.

المقدم: الله يحييك، اتفضل يا أخي.

الشيخ: بخير الله يسلمك، حياكم الله.

المتصل: شيخنا أنا سمعت محاضرة قبل فترة فكان الشيخ الأخ طارق يتكلم عن الليل والنهار مظاهر لقدرة الله تدلنا على الله فتكلم وترصد كلامه عن عظمة الله عن قدرة الله وكم الناس  من الصباح إلى المساء مشغولين بالدنيا، وهذا عمَّر، وهذا بنا، وهذا زوج ولدًا، ونسينا عظمة الله وقدرة الله، فلعلك تعلق على أمر الشيخ حلقة الليل والنهار جزاكم الله خير.

المقدم: إن شاء الله بإذن الله شكرًا لك أخ حمدان.

المتصل: سلام عليكم.

المقدم: سلام ورحمة الله، شيخ خالد إذا في إمكاننا نعلق أيضًا سؤال الأخ حمدان.

يكون انشغال الناس أحيانًا في يعني مُلهيات الدنيا دون أن يتبصروا في تقليب الليل والنهار، وما يمكن أن يخرج به الإنسان من تدبرٍ من آيات الله الكونية الكثيرة التي ينبغي علينا أن نقف عليها، أو يقف ناحيتها أو اتجاهها وقفة تأمل وتدبر وتبصُّر حتى يكون من أولي الألباب أو أولي الأبصار الذين وصفهم الله -سبحانه وتعالى- في ختم هذه الآية.

الشيخ: ما في شك يا أخي يعني مما يُفقِد الإنسان كثيرًا من الخير، ويمنعه كثيرًا من نفحات الإيمان أن يُعرِض عن آيات الله تعالى.

الإعراض عن آيات الله تعالى من أعظم ما يحجب الإنسان عن الوصول إلى الانتفاع بهذه الآيات التي بثَّها الله تعالى في الآفاق، وفي الأنفس حتى يعتبر الناس، الناس بحاجة إلى التذكر، كل واحدٍ منا يحتاج إلى أن يتذكر، ومن رحمة الله -عز وجل- بنا أن ذكَّرنا -جل في علاه-، وجعل لنا من الآيات ما تُحيي قلوبَنا وما تُوقظ أفئدتنا، وما تُبصِّرُنا.

وقد قال الله تعالى عن حال بعض الناس في محكم الآيات: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ [يس:46] .

هكذا هو حال هؤلاء في إعراضهم عما جاءت به الآيات سواءً كانت الآيات الآفَاقيَّة التي بثَّها الله تعالى في الكون أو كانت الآيات التي جاءت بها الرسل كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا [الشورى:48] .

فالآيات سواءً كانت الآيات الكونية التي بثَّها الله تعالى أو الآيات الشرعية الدينية، ينبغي للمؤمن أن ينتفع بها، وأن يتذكر قد قال الله تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ [المؤمنون:71] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ [الشعراء:5] .

فالإعراض عن هذه الآيات شيء يُفقد الناس الانتفاع بأسماعهم، وأبصارهم، وما منَّ الله تعالى عليهم به من الآيات التي يُدركون بها الخيرات، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ [الأنفال:22] ، صُمٌّ بُكم لماذا؟ لأنهم لا يتكلمون بالحق، ولا يسمعون الهدى، ولا يبصرون الخيرات، بل هم عن هذا كله معرضون؛ لذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال:23] .

وقد قال الله تعالى في الآيات الآتية الآفاقية التي بثَّها الله تعالى في الكون ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ [يوسف:105] .

وترجمة التدبر، والاتعاظ، والاعتبار قائمة في هدي سيد المرسلين -صلوات الله وسلامه عليه-، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا استيقظ من الليل مَسح النومَ عن وجهه، ثم قرأ قول الله -جل وعلا-: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ*الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:190-191] ، إلى آخر ما ذكر الله تعالى في أواخر سورة عمران، وقد قص ابن عباس -رضي الله تعالى عنه- ما رآهم للنبي -صلى الله عليه وسلم- في قراءة هذه الآيات الكريمات بما يدل على عناية النبي -صلى الله عليه وسلم- بترجمة القرآن، بالعمل به، بالقيام به -صلى الله عليه وسلم- حيث إنه كان يتأمل في اختلاف الليل والنهار الذي لفتت إليه الآية الكريمة؛ لأجل أن يتنبه.

قال ابن عباس -رضي الله تعالى عنه- كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا استيقظ من الليل إستاك ثم يتوضأ، ويقرأ ﴿إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ [يونس:6] إلى آخر الآيات ثم يصلي -صلى الله عليه وسلم-، ويكرر هذا ليس مرةً واحدة بل كان -صلى الله عليه وسلم- حتى إذا قام مرةً أخرى كرر ذلك [سنن أبي داود:ح58، وصححه الألباني في صحيح أبي داود] ؛ امتثالًا لما أمر الله تعالى به من الاعتبار، والاتعاظ بهذه الآيات التي بثها الله في الآفاق والأنفس.

المقدم: جميل.

الشيخ: فينبغي للمؤمن أن يعتبر يعني يتعظ بهذا الذي يراه من آيات الله في نفسه، في خلق الله في السموات وفي الأرض؛ ليستدل به على عظمة هذا الرب الذي يدبر هذا الكون  ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن:29] سبحانه وبحمده ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ [الزمر:5] .

يا أخي عندما يُدرك الناس اليوم بما فتح الله عليهم من علوم دنيوية دقيقة مما يتعلق بالكون كالغروب، والشروق في بعض المناطق، وسائر ما يكون من تقلبات الأجواء، وما أشبه ذلك عندما يعلمون ذلك بالدقة قد يشعرون بإيش؟ بنوع من الزهو، بنوع من الافتخار، بنوع من القوة، والقدرة أنهم توصَّلوا إلى معرفة هذه الأمور على هذا النحو الدقيق الذي لا يختل ولا ينخرم فيعرفون متى تغرب الشمس، ومتى تُشرق، ومتى تتوسط كبد السماء، يُتابعون سيرها بنحوٍ من الدِّقة المتناهية الذي يُحسب فيه في بعض الأحيان الثانية لكن يُقال لهم: ما توصلتم إليه بالتأكيد أنه إنجاز، وهذه المعارف التي توصلتم إليها هي معارف لكن ما دوركم فيها؟ دور الإنسان فيها الاكتشاف، قد توصل لكن من الذي دبَّر ذلك؟ من الذي أجرى هذا الكون على هذا النظام الدقيق الذي لا يختلُّ، ولا ينخرم إنه الله، إنه الرحمن الذي قال في محكم الكتاب، وما نزله من آيات القرآن: ﴿الرَّحْمَنُ*عَلَّمَ الْقُرْآنَ*خَلَقَ الإِنسَانَ*عَلَّمَهُ الْبَيَانَ [الرحمن:1-4] .

ثم يقول -جل وعلا-: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ [الرحمن:5] .

بحسبان أي؛ بحسابٍ دقيق لا يختل، ولا ينخرم عن نحو دقيق في أجزاء ما يُحسب به الزمان من الثواني وما وراء ذلك، ولهذا ينبغي للمؤمن ألا تُدهشه إنجازاته في الاكتشافات،إن ما ينبغي له أن ينظر إلى عظيم صنع الله تعالى الذي أتقن كل شيء -سبحانه وبحمده-، فهذا الإتقان يدل على عظمة الله -عز وجل- يدل على أن ربًّا عظيمًا مدبِّرًا -جل في علاه- هو الذي يرى هذا الكون، هو الذي دبَّره على هذا النحو من الإتقان

الذي يدل علي عظمته يقول الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ [يس:38] ، ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ [يس:37] .

انظر كيف التعبير القرآني ﴿اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ [يس:37] ، والنسخ هو نزع الجلد من الدابة على نحوٍ يتميز فيه الجلد عن اللحم، يعني انسلاخ في غاية الدقة لا يبقى في الليل من النهار شيءٌ، ولا يبقى في النهار من الليل شيءٌ، ولذلك قال: نسلخ، ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ [يس:37] .

ثم يقول الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [يس:38] .

وانظر إلى ختم الآية بهذين الاسمين العظيمين الدالين على إتقان هذا الصنف، فهو عزيز لا يختلُّ أمره، ولا يُضام في حكمه، ولا يُجار عليه -جل في علاه-، وهو العليم بما يجري في كونه، فهو الذي أتقن كل شيءٍ، قال - جل في علاه-: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس:39] ، ثم يقول: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ [يس:40] .

ثم قال: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس:40] .

كل يُسبِّح لله - عز وجل- يعظمه -جل في علاه- ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [الإسراء:44]

 ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء:44]

المقدم: شيخ خالد يعني موضوع شيق، وربما يتشعَّب بنا الحديث إذا ما أردنا أن يعني أن نذكُر الكثيرَ من المحاور التي ينبغي طرحُها في مثل هذا النقاش، في هذا الموضوع المهمّ جدًّا يعني أيضًا ربما هناك بعض المتصلين الذين أو بعض المستمعين الذين يودُّون أن يتداخلوا معنا في هذه الحلقة، ويطرحوا استفساراتهم.

أذكِّر قبل أن نأخذ هذه الاتصالات بأرقام التواصل معنا ٠١٢٦٤٧٧١١٧، ٠١٢٦٤٩٣٠٢٨، وأيضًا عبر وسم البرنامج ''الدين والحياة'' على توتير.

نأخذ اتصالًا أم عبد الرحمن اتفضلي يا أم عبد الرحمن، طيب انقطع الاتصال بأم عبد الرحمن.

أم ماجد اتفضلي يا أم ماجد.

المتصلة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

المتصلة: يا شيخ كيف عندنا إحساس بتبلُّد الوقت، وقيمة الوقت ورَّثناه حتى لأولادنا، يصحى الصباح أيام الدراسة يهتموا، ويقوموا يصحوا، أيام غير الدراسة تقلب الليل والنهار عندهم عادي بين نوم، وأكل، وشرب كيف نصحي هذا؟ يعني حاصل عندنا التبلُّد، ما حاسين بنعمة ربنا -سبحانه وتعالى-.

المقدم: طيب، فيه سؤال تاني؟

المتصلة: الله يسعدك.

المقدم: شكرًا لك أم ماجد.

طيبفي سؤال الأخت أم ماجد تسأل عن إضاعة الأوقات، وأيضًا تعاقب الليل والنهار دون أن يستفيد من هذا التعاقب المسلم أيَّشيءٍ من وقته الثمين.

الشيخ: بالتأكيد أن العبد المؤمن يغتنم زمانه في تحقيق طاعة الله -عز وجل-، ولهذا أخي الكريم يعني ما أشارت إليه الأخت هو إحدى الفوائد التي تُرجى من تعاقب الليل والنهار والاعتبار، وتذكر مُضيّ الزمان وأن الزمان يمشي.

أنت الآن يا أخي لو كان النهار ممتدًّا ما شعرت بالتحوُّلات والتغيُّرات، وبالتالي ما كان هذا مُوقِظًا لك ولا منبِّهًا لك الله -تعالى- يقول: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً [الفرقان:61:62] ، يعني يخلف الليلُ النهار ويخلف النهارُ الليل ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [الفرقان:62] .

فتعاقُب الليل والنهار آية يومية يشهدها الصغير والكبير، والحاضر والبادي، العالم والجاهل، الذكر والأنثى، المُبصر والأعمى، السميع والأصم كلهم يشهدون هذه الآية ويرونها لكن من الذي ينتفع بها؟ هم القِلَّة.

هذا التعاقب لليل والنهار ليس لأمرٍ لا يعنينا، إنه يهدم أيامَنا، إنه ينقص آجالنا، فكل لحظةٍ تمضي عليَّ وعليك هي دنوٌّ من الأجل، هي قربٌ من الرحيل، وبالتالي البصير العاقل صاحب النظر الذي يَنفُد ببصره إلى حقائق الأمر يجد قيمة الوقت في مثل هذا التعاقب، يجد ضرورة العناية بزمانه في مثل هذا التعاقب، ولذلك فالله -جل وعلا- نبَّهنا إلى عمارة الليل والنهار بعبادته، فجعل في النهار عباداتٍ، وجعل في الليل عبادات، وجعل الصلاة في مَبثوثَةً على هذه الأوقات كما قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ [الإسراء:78] ، الشمس تكون في النهار.

﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ إلى شدة ظلمته.

و﴿قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ وهو البرزخ بين الليل والنهار.

﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾.

﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ [الروم:17: 18] .

انظر إلى استيعاب الأوقات التي تجعل المؤمن يُبصِر أهمية الوقت فيما يصلح به دينه وفيما تصلح به دُنياه، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114] .

﴿طَرَفَي النَّهَارِ﴾ قيل: الفجر والعصر. [قاله مجاهد، والضحاك، وغيرهما.انظر تفسير الطبري15/305]

قيل: الفجر والمغرب. [قاله ابن عباس، والحسن، وابن زيد.انظر تفسير الطبري15/305]

وقيل أقوال كثيرة المقصود أن العبادة مستوعبَة بكلا الزمانين ليلًا ونهارًا لينشط الناس فيها بما يقرب إلى الله -عز وجل-.

المقدم: لعل هذا أيضًا يجرنا على مقولة الإمام الحسن البصري -رحمه الله- عندما قال: "يا ابن آدم إنما أنت أيام فإذا ذهب يومُك ذهبَ بعضُك" [أبو نعيم في الحلية:ح2/148] جميل أن يتبصَّر الإنسان في مُضيّ الأيام وفي تعاقب الليل والنهار حتى يُدرك قدر الإمكان ما يُمكن أن يستفيد منه من هذه الساعات الثمينة التي تمرُّ عليه، ينبغي أيضًا أن يدركها وأن يستفيد منها؛ لأن الإنسان أيضًا مسؤولٌ عن هذا الوقت الذي يُمضيه، كما هو مسؤولٌ كذلك عن ماله وعن علمه.

الشيخ خالد قبل أن نختم ربما محورٌ مهمٌّ جدًّا وهو الحديث عن الفصل الذي نعيش فيه هذه الأيام، (فصل الشتاء)، وما ينبغي فيه على المسلم من الاستفادة كما ذكرنا أن للإنسان هناك عباداتٍ خُصَّ بها الليل، وهناك عباداتٍ خُص بها النهار، هناك عبادات ربما يُفضَّل الإتيان بها في مثل هذه الأيام خاصةً عندما نتحدث عن المُدن أو المناطق أو البلدان التي يشتد فيها أو تشتد فيها البرودة وتنخفض فيها درجات الحرارة إلى أقصى مدى، ما الذي يمكن أن نذكره في هذا الجانب؟ وكذلك أيضًا دور كل مسلم تجاه هذا الأمر؟

الشيخ: فيما يتعلق بتقلب الفصول لله حكمة في تقليب الفصول، وهذا الذي أشار إليه قوله -تعالى-: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا [الفرقان:61] ، البروج هي الأشهر، وهي مقسومة على فصول السنة قسمةً رباعية، ثلاثة فصول للربيع، ثلاثة فصول للصيف، وثلاثة فصول للخريف، وثلاثة فصول للشتاء، وفي كل زمانٍ من هذه الأزمان لا تُدرَك منافعه إلا بوجوده، فإذا لم يوجد لم يُدرِك الناس المنافع في هذا الفصل ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [القصص:68] .

فالشتاء من مزاياه أنه زمنٌ يقصُر نهاره ويطول ليله، ومعلوم أن قصر النهار وأن طول الليل مما يحصل به للناس منافع عدة فيما يتصل بالعبادات، فيسهل عليهم قيام الليل، كما يسهل عليهم صيام النهار، ولذلك أنا أُنبِّه أخواني وأخواتي الذين عليهم شيءٌ من قضاء رمضان أن يستغلِّوا هذا الموسم المبارك، هذا الزمان هذا الذي فيه خيرٌ كثير بالصيام في أداء ما فرض الله -تعالى- عليهم من قضاء رمضان، ومن كان قد صام ولا قضاء عليه فيغتنمه بالصيام المشروع؛ فإن فيه خيرًا عظيمًا، كذلك صلاة شيء من الليل فيه خير عظيم وفضل كبير ويدُرك به الإنسان أجورًا كبيرة كما قال الله -تعالى-: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [السجدة:16] .

ثم قال: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17] .

قيام الليل من أسباب قُرَّة العين في الدُنيا وفي الآخرة، ولذلك ينبغي للمؤمن أن يحرص على أن يأخذ من ذلك بنصيب، وليل الشتاء يُعين العبد على ذلك بطوله وامتداده، فيما يتعلق بجوانب البرِّ الآخر التي تكون في هذا الأصل...

المقدم: الغوث والإعانة نعم.

الشيخ: الإعانة والغوث وتفقد ذوي الحاجات، ونقول هذا مهم أن نستشعره أحيانًا، نحن قد يضيقنا شيءٌ من البرد فيحس بيده بهذه البرودة ما يعانيه أولئك الذين لا يجدون كِساءً، ولا يجدون خباءً، ولا يجدون مأوى ولا مسكن، هم في العراء تتخطفهم النوازل وتصلاهم الريح بما فيها من حرٍّ وقُرٍّ ما ينبغي للمؤمن أن يستشعر حاجة إخوانه وتفقدهم في بلده ومن حوله تباعًا، ثم من بلغه عنهم نبأ أو خبر لذوي الحاجات من إخوانه المسلمين في كل مكان فإن البر يهديه الجنة كما قال النبي -r- «الصِّدق يهدي إلى البِرِّ، والبرُّ يهدي إلى الجنة» [أخرجه البخاري في صحيحه:ح6094، ومسلم:2607/103] وهذا في كل أبواب البر والخيرات.

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [آل عمران:92] .

المقدم: جميل شيخ خالد طبعًا كنت أخذت أحد الاتصالات واعتذرت عن بقية الاتصالات صراحة لكثرتها، وطبعًا نشكر مستمعينا في هذه الحلقة في تفاعلهم معنا، كان سؤال الأُخت أم محمد تسأل عن حساب الليل والنهار كيف يمكن أن يعرف الإنسان بدأ الليل؟ وحتى يعين ذلك الإنسان على عبادة الله -سبحانه وتعالى- خصوصًا فيما يتعلق بقيام الليل، ومعرفة أيضًا طول النهار وقصره، وكذلك الليل وقصره؟

الشيخ: فيما يتعلق بحساب الليل والنهار يعني الليل مبدوء بغروب الشمس، وينتهي بطلوع الفجر، وهذا يعني ما يتعلق بالغروب آية مشاهدة الدرك وهو بسقوط قرص الشمس في الأُفق، وأما طلوع الفجر فهذا يعني في هذه الأجواء التي أو في هذه الظروف التي نعيش فيها في مُدن مُضاءة لا يتمكنون من رؤية الفجر الصادق من غيره فيعتمدون في ذلك على الحساب، والحساب في تحصيل المقصود في معرفة الأوقات.

المقدم: هل يُمكن الشيخ خ<

مواد تم زيارتها

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف