الاربعاء 4 رمضان 1442 هـ
آخر تحديث منذ 1 ساعة 25 دقيقة
×
تغيير اللغة
القائمة
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو Hausa
الاربعاء 4 رمضان 1442 هـ آخر تحديث منذ 1 ساعة 25 دقيقة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأعضاء الكرام ! اكتمل اليوم نصاب استقبال الفتاوى.

وغدا إن شاء الله تعالى في تمام السادسة صباحا يتم استقبال الفتاوى الجديدة.

ويمكنكم البحث في قسم الفتوى عما تريد الجواب عنه أو الاتصال المباشر

على الشيخ أ.د خالد المصلح على هذا الرقم 00966505147004

من الساعة العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهرا 

بارك الله فيكم

إدارة موقع أ.د خالد المصلح

×

لقد تم إرسال السؤال بنجاح. يمكنك مراجعة البريد الوارد خلال 24 ساعة او البريد المزعج؛ رقم الفتوى

×

عفواً يمكنك فقط إرسال طلب فتوى واحد في اليوم.

المكتبة المقروءة / دروس / دروس العقيدة / الأصول الثلاثة / الدرس الأول من الأصول الثلاثة

مشاركة هذه الفقرة

الدرس الأول من الأصول الثلاثة

تاريخ النشر : 27 شوال 1434 هـ - الموافق 03 سبتمبر 2013 م | المشاهدات : 4880

بسم الله الرحمن الرحيم

وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

ففي هذا الدرس سنقرأ إن شاء الله رسالةً من مؤلفات الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وهذه الرسالة رسالة عظيمة، كثيرة الفوائد، ألفها رحمه الله لبيان ما يحتاج إليه كل مسلمٍ ومسلمة، وسمى هذه الرسالة ( ثلاثة الأصول ) وهي معروفة بهذا الاسم، أو باسم ( الأصول الثلاثة ) بين فيها ما يجب معرفته فيما يتعلق بالله عز وجل، ومما يتعلق بالنبي r، ومما يتعلق بدين الإسلام، وأكثر من ذكر الأدلة في ثنايا هذه الرسالة المباركة، ليتبين بذلك أن ما يدعو إليه منبثق من الكتاب والسنة معتمدا عليهما، ولاسيما أن الشيخ رحمه الله واجه في دعوته خصوماً ألداء، شنوا عليه وعابوا ما جاء به من دعوة المرسلين، وألصقوا به تهماً عديدة، ولكن الحق أبلج والباطل لجلج، فمهما كانت هذه الدعاوى فإنها تتساقط وتتلاشى أمام الحجج والبراهين، وليست المسألة بدعاوى فارغة عن مضمونها لا تستند إلاّ لهوى صاحبها أو انحرافه، فكل من ناوأ هذه الدعوة لم يأتِ بشيء يستند إليه ويعتمد عليه فيما ذهب إليه، المهم أن هذه الرسالة رسالة لطيفة موجزة، يحتاج إلى العلم بها كل مسلم، وقد رأينا أن نقرأها في هذه الليالي لعل الله عز وجل أن ييسر ختمها للإخوة الحاضرين هذه الدروس الصيفية، ويرجعوا بمتنٍ من متون العلم، ورسالة من الرسائل المتعلقة بما هو أهم ما هو مطلوب من المؤمن، وهو إفراد الله بالعبادة، فنبدأ بسم الله الرحمن الرحيم. . .

قال المؤلف رحمه الله تعالى :

اعلم رحمك أن لله أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل:

الأولى: العلم وهو معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة، الثانية: العمل به، الثالثة: الدعوة إليه، الرابعة: الصبر على الأذى فيه، والدليل قوله تعالى:] وَالْعَصْرِ `إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ `إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[([1]). قال الشافعي رحمه الله تعالى ((لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم)). وقال البخاري رحمه الله تعالى: ( باب العلم قبل القول والعمل )، والدليل قوله تعالى:]فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ[([2])فبدأ بالعلم قبل القول والعمل.

 

بسم الله الرحمن الرحيم افتتح المؤلف رحمه الله هذه الرسالة المباركة بالبسملة كسائر رسائل أهل العلم ومؤلفاتهم، وذلك تأسياً بكتاب الله عز وجل، واتباعاً لسنة النبي r، وجرياً على ما سلكه سلف هذه الأمة من التيمن بالبداءة بذكر الله جل وعلا واسمه سبحانه وتعالى، والبسملة والكلام عليها معروف متكرر، وجعل بين يدي رسالته ومقصوده من بيان الأصول التي يجب تعلمها مقدمتين: المقدمة الأولى بين فيها ما يجب على كل أحد تعلّمه، وهذه مقدمةٌ تمهيدية، يحثّ فيها مطالعَ هذه الرسالة على لزوم الصراط الذي يكفل له النجاة، فهي تمهيد وتوطئة لما يريد بيانه، في هذه الرسالة، فقال رحمه الله: (اعلم رحمك الله)وهذا من لطفه وحسن تأليفه ورفقه بمن يعلم، فدعا للمتعلّم والمستمع بالرحمة، وهذا منهج مهم وطريق لابد من التنبه إليه، وهي أن يكون المعلِّم والداعية إلى دين الله عز وجل شفيقاً رحيماً، وأن يشعر من يدعوه أنه يريد به الخير والهدى، ويريد أن يخرجه من الظلمات إلى النور، فإن هذا الأسلوب من أسباب قبول الدعوة، ومن أسباب قبول العلم، ولذلك قال الله جل وعلا في رسوله:  ] وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ[([3]).وينبغي أن يكون الداعية إلى دين الله عز وجل رؤوفاً رحيماً، كما قال الله جل وعلا في حق نبيّه e:]لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ[([4])هذا وصفه الذي وصفه الله به، ولذلك أسر القلوب rوانقادت له الأفئدة قبل الأبدان.

 

قال رحمه الله: ( اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل ) فهذه مسائل من العلم العيني الذي يجب على كل أحدٍ، لأن العلم ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: علم عيني يجب على كل أحدٍ تعلمه، والقسم الثاني: علم كفائي يجب على من تقوم بهم الكفاية تعلمه، وضابط العلم العيني هو ما لا يقوم دين المرء إلا به، سواء في العقائد، أو في الأعمال، أو في الأقوال، فما لا يستقيم دينك إلا به يجب عليك أن تتعلمه مما يتعلق بعلوم الاعتقاد أو مما يتعلق بالعمل أو مما يتعلق بالقول.

يقول رحمه الله في بيان هذه المسائل الأربع: ( الأولى العلم )ثم بين ما هو العلم الذي يجب تعلمه على كل أحد فقال: ( وهو معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة )

معرفة الله واجبة على كل أحد، وهي أمر جبلت عليه القلوب، وفطرت عليه الأفئدة، فالناس مفطورون مجبولون على التعبد لله عز وجل، ولا يمكن أن يعبدوه إلاّ إذا عرفوه، فبكمال المعرفة يحصل كمال العبودية، فكلما ازداد العبد علماً بالله عز وجل ومعرفةً به سبحانه وتعالى ازداد عبوديةً له سبحانه وتعالى، والعلم بالله والمعرفة به أصل العلوم والمعارف، لأن العلم به يتحقق مقصود الوجود، والمقصود من الخلق، كما قال الله جل وعلا: ] وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ[ ([5])وسيأتي تفصيل ذلك فيما يأتي إن شاء الله تعالى في كلام الشيخ.

 الثاني معرفة نبيه، والمقصود بالنبي هنا: هو نبينا محمد r، وذلك أن معرفة النبي rبها يعرف الشرع، لأنه الرسول الذي أرسله الله عز وجل للناس بشيراً ونذيراً، فيجب معرفة النبي r، ومعرفته تكون من خلال سنته، ومن خلال الدلائل الدالة على صدقه وعلى صحة ما جاء به.

الثالث من المعارف كما قاله المؤلف رحمه الله تعالى: ( معرفة دين الإسلام بالأدلة )والمقصود بدين الإسلام أي: العمل الذي جاء به الإسلام من أحكامه وشرائعه العينية، وذلك في الأصول التي يجب على كل أحدٍ أن يقرّ بها حتى يكون مؤمناً، وهي ما تضمنه حديث ابن عمر: (( بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله، وهذان تقدما، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً))([6]).هذه أصول الأعمال في دين الإسلام، فيجب معرفتها بالأدلة، ومعرفة هذه الأعمال تختلف درجتها باختلاف حال الناس، فالصلاة يجب معرفتها على كل واحدٍ من أهل الإسلام، وأما الحج فإنه لا يجب معرفته تفصيلاً إلاّ على من أراد أن يحج لمن استطاع، لأنه واجب على المستطيع فقط، فالمعرفة لدين الإسلام تتفاوت وتختلف باختلاف أحوال الناس.

 المسألة الثانية: ( العمل به )والضمير في قوله: ( به )عائد إلى العلم، وذلك أن العلم إنما يراد للعمل، فمن كان علمه عوناً له على العمل فقد حقق المقصود من العلم وطلبه، ومن كان مقصوده من العلم جمع المعلومات وتكثيرها لا للعمل به فيخشى أن يكون داخلاً في قول الله تعالى: ] ألهاكم التكاثر[([7])لأنه حجة على صاحبه كما قال النبي r: (( القرآن حجة لك أو عليك ))([8])وإنما يكون حجة عليك إما بالإعراض عنه وعدم رفع الرأس به، وإما بالإقبال عليه دون العمل بما تضمنه من الأحكام والتوجيهات، فهو حجة على من قرأه وحفظه ثم هجره في عمله وقوله واعتقاده.

الثالثة من المسائل التي يجب تعلمها على كل أحدٍ: ( الدعوة إليه )والضمير يعود إلى المتقدم من العلم والعمل، وذلك أن النبي rأرسله الله بالهدى ودين الحق، والهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح، وإليهما دعا رسول الله r، فدعا إلى العلوم النافعة، ودعا إلى الأعمال الصالحة التي هي ثمرة العلم، فالدعوة إليه تعود إلى الأمرين المتقدمين.

 المسألة الرابعة: ( الصبر على الأذى فيه )يعني في العلم والعمل والدعوة إليه، فالضمير يعود إلى جميع ما تقدم، فالإنسان بحاجةٍ إلى أن يصبر حتى يتعلم، وبحاجةٍ إلى أن يصبر ليعمل، وبحاجةٍ إلى أن يصبر ليدعو، والصبر في الأصل هو حبس النفس عن محبوباتها ومنعها من ذلك، والصبر أيها الإخوة شأنه عظيم، ولذلك أكثر الله جل وعلا من الأمر به والثناء على أهله في كتابه، فما من خلةٍ حميدةٍ ولا خصلةٍ فاضلةٍ ولا خلقٍ كريم ٍولا سجايا صالحةٍ ولا أعمال برٍّ وحسناتٍ إلاّ ومنشؤها الصبر، ولذلك كان الصبر أفضل ما يوفق إليه العبد، قال النبي r: (( وما أعطي أحد عطاء خيراً ولا أوسع من الصبر ))([9]).ومعلوم أن العلماء قسموا الصبر إلى ثلاثة أقسام:

الأول: الصبر على طاعة الله.

والثاني: الصبر عن معصية الله.

والثالث: الصبر على أقدار الله.

وأفضلها وأشرفها وأكبرها منزلةً: هو الصبر على طاعة الله، والفضل لها جميعاً ثابت، وكلاًّ وعد الله الحسنى، فينبغي للمؤمن أن يحرص على تحقيق الصبر في جميع هذه الأمور.

 بعد أن فرغ المؤلف رحمه الله من ذكر هذه المسائل الأربع التي يجب تعلمها على كل أحدٍ قال: والدليل قوله تعالى:] وَالْعَصْرِ`إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ `إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[ ([10]).

وهذا هو الدليل على وجوب تعلّم هذه المسائل، وهذه السورة هي سورة العصر، افتتحها الله جل وعلا بالقسم بالزمان الذي هو محل الأعمال، فقوله: ] وَالْعَصْرِ [ الواو للقسم، والعصر هو المقسم به، والله جل وعلا يقسم بما شاء من مخلوقاته، فهو سبحانه وتعالى يقسم بنفسه، ويقسم بصفاته، ويقسم بأفعاله، ويقسم بما شاء من مخلوقاته، ومن ذلك القسم هنا، حيث أقسم سبحانه وتعالى بالعصر وهو الزمان، لبيان شرفه وعظم مكانته، ثم أتى بجواب القسم بقوله: ] إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [ والإنسان هنا المراد به: جنس الإنسان، فيشمل كل من اتصف بهذا الوصف، وقوله:]لَفِي خُسْرٍ[ الخسر ضد الربح، أي لفي خسارٍ كخسار التجار في أرباحهم، وقال: ] لَفِي خُسْرٍ[ولم يقل خاسر ليبين إحاطة الخسر به من كل مكان، فإن ( في ) تفيد الظرفية، فالخسر محيط بالإنسان من كل جوانبه، وفي القسم على هذا الأمر وفي تأكيده ب ( إنَّ ) التي تفيد التوكيد في قوله: ] إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [ دلالة واضحة على عظم الأمر، وأن الله أراد من هذا القول: شحذ الهمم للانفكاك من أسباب الخسار، والأخذ بأسباب النجاة، فإن الله سبحانه وتعالى بعد أن أقسم على هذا الأمر وهو خسار جنس الإنسان بين السبيل والطريق الذي يتخلص به الإنسان من هذا الخسار، والخسار على درجات، فالخسار المطلق هو خسار من خسر الدنيا والآخرة نعوذ بالله من ذلك، ودونه دركات كبيرة وكثيرة من الخسار، لكن طريق النجاة موصوف وصفاً واضحاً بيناً في هذه السـورة الكريمة، في الاستثناء الذي ذكره الله عز وجل في قوله: ] إلا الَّذِينَ آمَنُوا [ آمنوا بأيِّ شيء ؟لم يبين في الآية ما الذي يجب الإيمان به، ليعم جميع ما يجب الإيمان به، فيكون المعنى: إلا الذين آمنوا بكل ما يجب الإيمان به مما يتعلق بالله عز وجل، ومما يتعلق بملائكته، وما يتعلق بكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وهل يمكن أن يتحقق الإيمان بلا علم ؟ لا يمكن أن يكون إيمان بلا علم، فالإيمان فرع العلم وثمرته، ولذلك قال المؤلف رحمه الله في المسائل التي تجب : الأولى العلم، ودليل العلم قوله تعالى: ] إلا الَّذِينَ آمَنُوا [ والدلالة على هذا باللاّزم إذا أتى الاستثناء، كالاستدلال باستثناء الذين آمنوا على وجوب العلم، فهذه دلالة باللاّزم، لأنه لا يمكن أن يحصل إيمانٌ إلاّ بعلم، فمن لوازم الإيمان أن يكون صاحبه عالماً، وقوله: ]وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ[ هذا الوصف الثاني من الأوصاف التي علق عليها النجاة من الخسار، وهذا يشمل كل عمل صالح ظاهرٍ أو باطن، واجبٍ أو مستحب، من حقوق الله أو من حقوق عباده، كل هذا يدخل في قوله: ]وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ[ وانظر كيف أخّر العمل عن العلم، لأنه لا يمكن العمل الصالح إلاّ بعد الإيمان الذي لا يحصل إلاّ بالعلم النافع، ثم بعد أن ذكر هذين الوصفين ذكر وصفاً ثالثاً وهو دليل المسألة الثالثة التي يجب علينا تعلمها، وهي الدعوة إليه، قال: ]وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ [ بالحق تواصوا أي: أوصى بعضهم بعضاً بالحق، والتواصي بالحق من صور وأنواع العمل الصالح، وإنما نص عليه وذكره لأهميته وأثره في حصول النجاة، ولئلاّ يظن الظان أنه باستكثاره من الأعمال الصالحة في نفسه يحصل له النجاة، وإن أهمل من يجب عليه نصحهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ولذلك جاء النص على التواصي بالحق مع أنه من الأعمال الصالحة.

والتواصي بالحق يشمل أن يوصي الإنسان نفسه بالحق، ويأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر، وكذلك يشمل أن يكون ذلك مع غيره ممن يعايشهم، سواء كانت له ولاية عليهم أم لم تكن له ولاية عليهم، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من حق أهل الإيمان بعضهم على بعض.

والوصف الرابع الذي تحصل به النجاة قوله: ]وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[  أي: أوصى بعضهم بعضاً بالصبر، يعني أنواع الصبر كلها، والتي هي الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله، والصبر على أقدار الله تعالى، وهذا الأمر في هذه الآية ]وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[ داخل في الذي قبله، فإن التواصي بالصبر من التواصي بالحق، وخصه بالذكر لأهميته وعظم أثره في تحقيق النجاة والسلامة من الخسار، وإن كان داخلاً مندرجاً فيما تقدم من العمل الصالح والتواصي بالحق، وبقدر ما يتصف الإنسان بما ذكر من الأوصاف في هذه السورة يحصل له بقدر ذلك من النجاة، والناس في هذا بين مستقل ومستكثر، وإذا علم العبد المؤمن ذلك حرص أن يستكثر من هذه الصفات وأن يزداد منها، لأن بها يحصل له الفوز والسلامة من الخسارة المذكورة في قوله: ] إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ[ وهذه الآية واضحة الدلالة على ما تقدم من وجوب تعلم هذه المسائل، ووجه ذلك: أنها نجاة للنفس من الخسارة، وقد بين الله سبحانه وتعالى طريق ذلك، وهو ما تضمنه الاستثناء في قوله: ] إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[ فدل ذلك على وجوب الصبر، وعلى وجوب تعلّم هذه المسائل الأربع التي يتحقق فيها للمرء السلامة في الدنيا والآخرة، قال الشافعي رحمه الله: " لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم"، وهذا لا يعني أن ما زاد على هذه السورة لا حاجة إليه، بل أراد الشافعي أن هذه السورة كافية شافية في بيان طريق النجاة، وإلا فأهل الإسلام بحاجةٍ إلى كل حرف نزل في كتاب الله عز وجل، ليس لهم عنه غنية ولا بهم عنه كفاية، بل هم محتاجون إلى كل حرفٍ في كتاب الله عز وجل، ولذلك كان من أعظم ما أصيبت به الأمة بوفاة النبي rهو انقطاع الوحي عن نبي الأمة، فمراد الشافعي رحمه الله: لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلاّ هذه السورة لكفتهم، يعني في بيان طرق النجاة والسلامة من الخسار الذي اتصف به الإنسان.

ثم قال رحمه الله: وقال البخاري رحمه الله: " باب العلم قبل القول والعمل "

فلابد من العلم قبل العمل، وأيّ عملٍ لا يبنى على علم فهو لا يزيد صاحبه من الله إلاّ بعداً، لأنه إحداث وابتداع وضلال.

ثمّ قال: والدليل - على وجوب تقديم العلم على العمل -قوله تعالى:] فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [ ([11]).سئل سفيان بن عيينة رحمه الله عن فضل العلم فقال: " ألم ترَ كيف بدأ الله بالعلم ؟ " يعني في قوله: ] فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إلا اللَّهُ[ فيكفي ذلك في بيان فضل العلم: أن الله بدأ به قبل العمل، فالواجب على المؤمن أن يحفل بالعلم، وأن يجتهد فيه، ويبذل فيه مهجته ووقته وعمره، وأن لا يبخل عليه بشيء، لأن العلم تزكو به الأخلاق، وتصلح به الأعمال، ويرفع الله به ذكر العبد في الدنيا والآخرة، كما جاء في الحديث عن النبي rأنه قال: (( إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين))([12]).

والمراد: أنه يرفع به من أقبل عليه وأخذ به حفظاً وعلماً وعملاً وتعلماً وتدبراً وغير ذلك مما يكون في كتاب الله عز وجل،

قال: ( فبدأ بالعلم قبل القول والعمل. . . )وبهذا يكون الترتيب الذي ذكر المؤلف رحمه الله ترتيباً دل عليه الكتاب وقول السلف، لأن قوله: وقال البخاري. . . ، هذا في موضع الاستدلال على ترتيب هذه المسائل، أما أصل هذه المسائل فقد دل عليها الدليل من سورة العصر، وأما الترتيب فإنه جاء من قوله تعالى: ] فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إلا اللَّهُ[ وقول البخاري رحمه الله تعالى.

 

اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم ثلاث هذه المسائل والعمل بهن: الأولى: أن الله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملاً بل أرسل إلينا رسولاً فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار، والدليل قوله تعالى:] إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً `فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً[([13]). الثانية: أن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته لا ملك مقرب ولا نبي مرسل والدليل قوله تعالى: ]وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً [([14]).

الثالثة: أن من أطاع الرسول ووحد الله لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب، والدليل قوله تعالى:  ]لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [([15]).

هذه هي المقدمة الثانية التي قدم بها الشيخ رحمه الله ذكر الأصول الثلاثة، وهو ذكْره رحمه الله لمسائل يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها، وهو أيضاً بيان لأولى المراتب، في قوله: ( الأولى العلم )يعني من أول ما يجب تعلمه على الإنسان هي هذه المراتب الثلاث التي ذكرها رحمه الله، حيث قال: ( اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم هذه المسائل الثلاث والعمل بهن. . . )

ليس مجرد العلم هو المطلوب فقط، بل العلم والعمل معاً، لأن العمل هو المقصود.

قال رحمه الله: (الأولى أن الله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملاً، بل أرسل إلينا رسولاً، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار). ثم ذكر الدليل على ذلك، أما أن الله خلقنا فلا يرتاب في ذلك مؤمن، بل هذا مما فطر الله عليه الناس، وهو من مستلزمات ومن أفراد توحيد الربوبية، فالواجب الإقرار بأن الله هو الخالق، ولا يوجد أحد يعارض في هذا، فإن الجميع مقرون بأن الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء، وكذلك الرزق، هذا مما يجب الإقرار به في توحيد الربوبية، فإن توحيد الربوبية: هو إفراد الله جل وعلا بالخلق والرزق والملك والتدبير، ودليل ذلك قوله تعالى: ] قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ [([16])هذه الآية هي الدليل على أن توحيد الربوبية لا يثبت ولا يقر إلاّ بالإقرار: بأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق، الرازق، المدبر، وهذا مما فطر الخلق عليه، وبدأ الشيخ رحمه الله به تمهيداً لما بعده، وإلاّ فلا معارضة ولا خلاف بين الناس في الإقرار بأن الله سبحانه وتعالى هو خالقهم ورازقهم ومالكم ومدبرهم.

ثم قال: ( ولم يتركنا هملاً ) - ثم بين وجه ذلك - فقال: ( بل أرسل إلينا رسلاً )

فإرسال الرسل دليل على عناية الله جل وعلا بخلقه، وأنه سبحانه وتعالى لم يتركهم هملاً لا يقصدونه بشيءٍ من العبادة، ولا يُطلب منهم شيء.

ثم بين ما الواجب فيمن أرسلهم الله عز وجل فقال: ( فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار )والطاعة هنا المراد بها: الطاعة بالجملة، أي: في أصل ما جاء به، وأما في أفراد ما جاؤوا به فمن أطاعهم دخل الجنة واستحقها، ومن عصاهم استحق النار، لكن قد يدخلها وقد لا يدخلها، أما في أصل ما جاؤوا به من التوحيد فإنه من أطاعهم فيه دخل الجنة، ومن عصاهم فيه دخل النار كما دلت على ذلك الأدلة.

قال: والدليل على هذا قوله تعالى: ] إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً [ ([17])وهذا دليل على أن الله لم يتركنا هملاً، بل أرسل إلينا رسولاً، فقال:  ] إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً[ والخطاب هنا لمشركي مكة الذين بعث فيهم النبي rوكذبوه وعاندوه، فخاطبهم الله بهذا الخطاب قائلاً: ] إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً[ فهذا أمر ليس بجديد ولا محدث، ولستم ببدعٍ ممن سبق، بل جرت على هذا سنة الله أن يبعث إلى الناس من يدعوهم ويبصرهم بما يجب عليهم، وإنما نظَّر بفرعون لمشابهة مشركي مكة، كفر فرعون، فإن فرعون كان كفره من جهتين: من جهة عبادة غير الله، ومن جهة الإباء والاستكبار، وكذلك الذين بُعث فيهم النبي rمن مشركي مكة، فإنهم كانوا يعبدون غير الله، وكانوا يأنفون ويستكبرون عن اتباع النبي r، حتى قال قائلهم: ] وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [([18])وذلك احتقاراً للنبي r، إذ لم يكن من أعلى أشرافهم فيما زعموا، ثمّ قال تعالى: ] فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً [([19])أي أخذاً شديداً ثقيلاً، وهذا فيه التهديد لهم، وأنهم لن يتركوا هملاً، ولو كانوا متروكين هملاً لما أرسل إليهم رسولاً، ولما هددهم بهذا التهديد، وهو تهديد لكل من خالف الرسل فيما جاؤوا به.

قال رحمه الله تعالى: ( الثانية )يعني من المسائل التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها (أن الله لا يرضى أن يشرك معه في عبادته أحد، لا ملك مقرب، ولا نبيّ مرسل، ودليل ذلك قوله تعالى:] وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً [ ([20])ووجه الدلالة على أن الله لا يرضى بالشرك كائناً من كان المشرك به: أن الله جل وعلا قال: ]وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ[ هذا من جهة، ومن جهة أخرى تأكيداً لهذا التوحيد قال: ]فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً[ فإثبات المساجد وهي محال العبادة لله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له، و تعقيب ذلك بالنهي عن دعاء غيره دليل على أن الله سبحانه وتعالى لا يرضى أن يشرك معه غيره.

ويدل لذلك أيضاً قوله:]وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ [([21]). ودليل ذلك من السنة: أن النبي rقال: (( قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه ))([22]). وهذا دليل على أن سبحانه وتعالى لا يرضى أن يشرك معه أحد، لا ملك مقرب، ولا نبيّ مرسل، فضلاً عن أن يشرك معه الأشجار والأحجار والأصنام، فإذا كان لا يرضى أن يشرك به ملك وهو من أشرف الخلق من الخلق الغيبي الذي نعلمه، ولا نبيٌّ مرسل، وهم أشرف جنسنا من بني آدم فكيف بالإشراك معه غيره ممن هو دونه، لا شك أن الله سبحانه وتعالى لا يرضاه بل يبغضه، وقد قال الله جل وعلا في بيان عقوبة من وقع منه الشرك: ] إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ[([23])وهذا فيه التهديد البليغ البين على هذا العمل، وفيه بيان عظم الشرك، وأنه أمر خطير كبير لا يرضاه الله، وإلاّ لما توعد عليه بهذا الوعيد الشديد العظيم من تحريم الجنة والإخبار بدخول النار.

 ثم قال رحمه الله في بيان المسألة الثالثة: ( أن من أطاع الرسول ووحد الله فلا يجوز له موالاة من حادّ الله ورسوله، ولو كان أقرب قريب ).

وهذا من أصول الإيمان، فإن أوثق عرا الإيمان: الحب في الله والبغض في الله، وذلك أنه إذا وقر الإيمان في قلب العبد أحب ما يحبه الله، وأبغض ما يبغضه الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى يحب التوحيد وأهله، ويبغض الشرك والكفر وأهله، فمن أحب أهل الشرك ووادّهم وتقرّب منهم فإنه قد حادّ الله سبحانه وتعالى، لقوله تعالى: ] وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [([24]). والموالاة مأخوذة في الأصل من: ولي الشيء إذا قرب منه، والقرب يكون في الأصل بالقلب، ثم يتبعه قرب القول والعمل، والمنهي عنه هنا هو قرب القلب في المودة والمحبة، وقرب القول والعمل،]إلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً[([25])وإلا من استثناهم الله عز وجل في قوله:  ]لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ[([26])لأن هذا من جملة الإحسان الذي كتبه الله على كل شيء، فليس هذا من الموادّة، فالبر والقسط مع الكفار ليس من الموادّة والموالاة التي حرمت، وهذه مسألة مهمة يجب التنبه لها لأن المنهي عنه هو موالاة القلب لا البر والإحسان فيمن استثناه الله عز وجل في هذه الآية. ثم قال المؤلف رحمه الله في الاستدلال على هذه المسألة: ( والدليل قوله تعالى – أي الدليل على أنه لا يجوز موالاة من حادّ الله ورسوله ولو كان أقرب قريبٍ -قوله تعالى: ] لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[([27]).

قوله: ] لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [ وافتتاح الآية بهذا النفي فيه التشويق إلى معرفة ما تضمنه قوله: ] لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ والمحادّة هي: الممانعة والمضادة لله جل وعلا ولرسوله، ]وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ[  أي ولو كان أولئك المحادون آباءهم، أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم، وهؤلاء متفاوتون في الصلة، إلا أنهم من أقرب من يتصل بهم، وبدأ بمراتبهم الأقرب فالأقرب، أولئك المشار إليه هم الذين لا يوادّون هؤلاء إذا كانوا محادّين لله ورسوله، ] أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ[  أي ثبت ورسخ في قلوبهم الإيمان،] وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [ أي قواهم وأمدهم ]بِرُوحٍ مِنْهُ [أي بوحيٍ منه سبحانه وتعالى به تثبت قلوبهم، و بعونه الذي يستطيعون به مواجهة هؤلاء.

فقوله: ] بِرُوحٍ مِنْهُ [ يشمل المدد بالوحي من الكتاب والسنة، ويشمل أيضاً العون والتأييد والتقوية والنصر، وقوله: ] وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا [ هذا جزاؤهم، لأنهم قدموا محاب الله على ما تقتضيه طبائعهم،]رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُأُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ[ فأضافهم إليه تشريفاً وتكريماً وإجلالاً لفعلهم، وكل ما يضيفه الله سبحانه وتعالى لنفسه مما ليس من صفاته إنما المقصود به التشريف والتكريم، وقد يضاف الشيء إضافة خلقٍ، ولكن هذا قليل ] أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[ والفلاح أجمع كلمةٍ للخير في لسان العرب، وهي حصول المطلوب والأمن من المرهوب، فيحصل لهؤلاء مطلوبهم ويأمنون مما يهابونه ويرهبونه ويخافونه في الدنيا والآخرة.

الأصل الأول: معرفة الإنسان لربه، اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم أن تعبد الله مخلصاً له الدين وبذلك أمر الله جميع الناس وخلقهم لها كما قال تعالى: ]وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ [([28]) ومعنى يعبدون يوحدون، وأعظم ما أمر الله به التوحيد: وهو إفراد الله بالعبادة، وأعظم ما نهى عنه الشرك: وهو دعوة غيره معه، والدليل قوله تعالى: ]وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً[([29]).

هذا التمهيد أيضاً للأصول الثلاثة هو بيان لدين الإسلام في الجملة، فإن دين الإسلام هو ملة إبراهيم،

فقال رحمه الله: (اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم)الحنيفية التي كلٌ يتمنى الانتساب إليها وكلٌ يسعى إلى الاتصاف بها: هي ملة إبراهيم، وهي التي من رغب عنها فقد سفه نفسه، كما قال الله جل وعلا: ] وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [([30])أي خسرها وأهملها، والدليل على أن ملة إبراهيم هي الحنيفية قوله تعالى: ] قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ[([31])وقوله تعالى: ] إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ[([32])فملة إبراهيم هي الحنيفية التي جاء بها النبي rمجدداً لها وداعياً إليها.

 والحنيفية في الأصل مأخوذة من: حنف، وهو الميل من الضلال إلى الاستقامة، ويقابلها الجنف، وهو الميل من الاستقامة إلى الضلال.

ثم قال في بيان ملة إبراهيم: ( أن تعبد الله وحده مخلصاً له الدين )والدليل قوله تعالى:      ]وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ[ لا قولاً ولا عقداً ولا عملاً ولا حالاً ولا مآلاً، فإنه ليس منهم في شيء، ولذلك قال في بيان ملة إبراهيم: ( أن تعبد الله وحده ) وأكد ذلك بقوله: ( مخلصاً له الدين )أي مخلصاً له العمل من كل شائبة شرك تجعل فيه لغير الله نصيباً، فقوله: ( مخلصاً له الدين )أي: العمل، والعمل عمل القلب والجوارح، وليس الجوارح فقط.

قال: وبذلك أمر الله جميع الناس وخلقهم لها، كما قال تعالى: ] وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ [ ([33])وهذا دليل على الغاية من الخلق، وبدأ في الاستدلال بالغاية لأن كون الله جل وعلا أخبر الخلق بأنه إنما خلقهم ليعبدوه يدل على أنه يجب عليهم أن يعبدوه وحده لا شريك له، وإلاّ لما حققوا ما من أجله خلقوا، فهو دال على الأمرين: على أن هذا هو الغاية من الخلق، وعلى أن الله أمرهم بعبادته وحده سبحانه وتعالى، وأما كون ذلك أمراً لجميع الناس فلأن هذا هو الغاية من خلق جميع الناس، قال تعالى: ] وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ [ أي إلاّ من أجل عبادته وحده، واللام هنا لام التعليل وليست لام العاقبة والصيرورة، لأنه من المعلوم أن أكثر الخلق ليسوا على هذا الأمر، ولم يحققوا هذه الغاية، قال تعالى: ] وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [([34])وقال تعالى: ] إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ [([35])وقال تعالى:]وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ[([36])كل هذه الأدلة تدل على أن اللاّم هنا لام التعليل الغائية، وليست لام التعليل الفاعلة، أي التي هي للعاقبة والصيرورة، وانظر كيف جاء الخبر عن هذه الغاية بأسلوب النفي والاستثناء الذي يفيد الحصر، وأنه لم يخلقهم لشيء آخر، وإنما خلقهم لهذه الغاية.

 ثم قال رحمه الله: ( ومعنى يعبدون يوحدون )وذلك من تفسير ابن عباس رضي الله عنه، فإنه فسر قوله تعالى: ] ليعبدون [ بيوحدون، ولاشك أن أول ما يدخل وأولى ما يدخل هو التوحيد، لأنه هو غاية الوجود، وهو أصل العبادة الذي لا تصح إلاّ به، كما قال سبحانه وتعالى: ] فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً[([37]). فالشرك مفسد للعمل، مذهب للغاية من الخلق، مبطل لما قصده الله جل وعلا من خلق الجن والإنس.

قال رحمه الله تعالى: ( وأعظم ما أمر الله به التوحيد )ويدل على ذلك أن الله سبحانه وتعالى افتتح أول سورةٍ في كتابه بإثبات الإلهية بقوله: ] الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [ فذكر هذا الاسم في أول ذكرٍ له في كتابه جل وعلا في أم الكتاب دليل على أنه هو المقصود، وكذلك مما يدل على أن أعظم ما أمر الله به  هو التوحيد: أنه أول أمر في كتاب الله عز وجل، فإن أول الأوامر في كتاب الله عز وجل هو قوله تعالى: ] يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون [([38])والعبادة لا يمكن أن تثبت ولا يمكن أن يتصف بها الإنسان إلاّ إذا حقق التوحيد.

 ودلائل كون أعظم ما جاءت به الرسل هو التوحيد كثيرة، وليس هذا مقام التفصيل فيها.

قال رحمه الله تعالى: ( وهو إفراد الله بالعبادة )هذا بيان للتوحيد، وهو بيان لأشرف أنواعه وأعلاه، وهو توحيد الإلهية الذي وقعت فيه الخصومة بين الرسل وأقوامهم، ولهذا فسر التوحيد بهذا ولم يفسره بتوحيد الربوبية ولا بتوحيد الأسماء والصفات، ففسره بتوحيد الإلهية، لأنه أعظم أنواع التوحيد، ولأن من حققه فقد حقق توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، فتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات طريق وسبيل لتحقيق توحيد الإلهية، ولذلك استدل الله جل وعلا في كتابه على وجوب إفراده بالعبادة بأسمائه وصفاته، وبأنه سبحانه وتعالى الخالق المالك الرازق المدبر.

 وقوله رحمه الله: (وهو إفراد الله بالعبادة )العبادة هنا تشمل كل ما أمر الله به ورسوله من الأقوال والأعمال والاعتقادات الظاهرة والباطنة، أو نقول: من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فكل عبادة لا يجوز صرفها لغير الله، فكما أنه لا يجوز أن تصلي لغير الله فكذلك لا يجوز أن تذبح لغير الله، لأن الذبح عبادة، ولا يجوز أن تعتمد في جلب رزقك على غير الله، ولا أن تتوكل على غيره، بل يجب إفراده سبحانه وتعالى بأعمال القلوب والجوارح.

وقوله رحمه الله: ( وأعظم ما نهى عنه الشرك )ثم بين ما هو الشرك فقال: ( وهو دعوة غيره معه ) وعبر بالدعوة ليشمل نوعي الدعاء، دعاء المسألة، ودعاء العبادة، فمن قال: يا رسول الله أغثني، أويا علي أنقذني، أويا فلان ارزقني، فهذا يكون قد أشرك في دعاء المسألة، فسأل وطلب غير الله عز وجل، ومن ذبح لغير الله فإنه يكون قد أشرك بدعائه غير الله، ولكن الدعاء هنا دعاء عبادة، وذلك أن كل من صام وصلى وحج وتصدق وذبح لله سبحانه وتعالى لا يريد بهذه الأفعال إلاّ الجنة، فهو في حقيقته داعٍ وسائل، يسأل الله عز وجل أن يقبل منه العمل، وأن يجعله من الناجين بهذه الأعمال، فكل عمل هو من دعاء العبادة، فقول المؤلف رحمه الله: ( وهو دعوة غيره )يشمل صرف كل نوع من أنواع العبادة لغير الله سبحانه وتعالى، من الأعمال الظاهرة والباطنة.

ثم قال رحمه الله: والدليل قوله تعالى: ] وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [([39])اعبدوا الله، هذا فيه أمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والعبادة هنا تشمل كل ما أمر الله به ورسوله rمن الأقوال الظاهرة والباطنة، الواجبة والمستحبة، وقوله: ]وَلا تُشْرِكُوا بِهِ[ يتضمن النهي عن كل صرفٍ لعبادة لغير الله عز وجل كائناً من كان من صرفت له العبادة، ويشمل النهي عن الشرك الأصغر والأكبر، فيشمل النهي عن الحلف بغير الله، كما يشمل النهي عن السجود لغير الله، وكذلك يشمل النهي عن النذر لغير الله، والذبح لغير الله، وسؤال المقبورين ودعائهم، كل هذا داخل في قوله:]وَلا تُشْرِكُوا بِهِ[ وهذا أمر واضح جلي، ولكن الإشكال كل الإشكال في من يقرأ هذه الآيات الواضحات في كتاب الله عز وجل ثم يجيز سؤال المقبورين، والتوجه إليهم بقضاء الحوائج والذبح لهم والنذر لهم، وغير ذلك من العبادات التي تصرف لغير الله في كثير من البلاد، نسأل الله عز وجل أن يعيذنا وإياكم من الشرك دقيقه وجليله. . .


([1]) العصر: 1-3.

 &

مواد تم زيارتها

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف