الخميس 10 صفر 1443 هـ
آخر تحديث منذ 36 دقيقة
×
تغيير اللغة
القائمة
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو Hausa
الخميس 10 صفر 1443 هـ آخر تحديث منذ 36 دقيقة

نموذج طلب الفتوى

لم تنقل الارقام بشكل صحيح
×

لقد تم إرسال السؤال بنجاح. يمكنك مراجعة البريد الوارد خلال 24 ساعة او البريد المزعج؛ رقم الفتوى

×

عفواً يمكنك فقط إرسال طلب فتوى واحد في اليوم.

مرئيات المصلح / برامج المصلح / الدين والحياة / الحلقة (92) تدابير السلامة في ضوء الكتاب والسنة

مشاركة هذه الفقرة

الحلقة (92) تدابير السلامة في ضوء الكتاب والسنة

تاريخ النشر : 27 صفر 1440 هـ - الموافق 07 نوفمبر 2018 م | المشاهدات : 1504

المذيع: بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم مستمعينا الكرام في مطلع هذه الحلقة من برنامجكم"الدين والحياة"، والتي تأتيكم عبر أثير إذاعة "نداء الإسلام" من مكة المكرمة، نحييكم ونرحب بكم ونسعد بصحبتكم في هذه الحلقة من الإعداد والتقديم محدثكم: عبد الله الداني، وينفذ هذه الحلقة على الهواء الزميل: مصطفى الصحفي، وحديثنا في هذه الحلقة عن "تدابير السلامة في ضوء الكتاب والسنة".

ضيفنا الدائم في هذا البرنامج هو فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور: خالد بن عبد الله المصلح؛ أستاذ الفقه بكلية الشريعة بجامعة القصيم، والمشرف العام على فرع الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء في منطقة القصيم، والذي نسعد أيضًا من جديد بالترحيب بفضيلته في حديثنا هذا الذي نستفيض فيه للحديث عن تدابير السلامة في ضوء الكتاب والسنة. حياكم الله من جديد شيخ خالد.

الشيخ: حياكم الله، مرحبًا بك، وأهلًا وسهلًا بالإخوة والأخوات المستمعين والمستمعات.

موضوعنا لهذه الحلقة موضوع السلامة، والسلامة هي في مراتب القضايا تعتبر من مهمات ما ينبغي للإنسان أن يعتني به، وهي من حيث دواعيها منها ما هو فطري جِبِلِّي، فكلُّ إنسان يسعى إلى سلامته من كل جهة؛ من جهة بدنه، ومن جهة صحته، ومن جهة عقله، ومن جهة مسكنه، ومن جهة مصالحه، فالسلامة دواعيها فطرية كما أن لها دواعي شرعية دينية، فالدين جاء بما تقتضيه الفطرة؛ ولذلك سنَّ الله تعالى من الأحكام والشرائع ما يحقق دواعي الفطرة ومتطلباتها، وكذلك من جهة فوز الآخرة، السلامة في الآخرة فرع عن السلامة في الدنيا؛ ولذلك يقول الله تعالى : ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ الشعراء:88- 89 ؛ فالسلامة سابقة قبل المجيء؛ قد أعد لها الإنسان عدتها، وهيأ لها أسبابها، وحصَّل موجباتها؛ فجاء بقلب سليم.

 ولذلك السلامة فيما يتعلق بمفهومها العام: هي مدار الشريعة وأحكامها، فالشريعة وأحكامها دائرة على تحقيق السلامة للناس في معاشهم، السلامة للناس في معادهم، السلامة بكلِّ معانيها العامة، والإجمالية، والخاصة، والتفصيلية؛ لذلك عندما نتحدث عن السلامة نحن لا نتحدث عن قضية هامشية، ولا نتحدث عن قضية تافهة، أو قضية فضولية من فضول الكلام، بل نتحدث عن قضية جاءت الشرائع بتقريرها وتأكيدها.

والمتأمل في النصوص؛ في الكتاب والسنة، بل في الشرائع السابقة أيضًا يجد أنها دائرة على تحقيق السلامة في الدين، تحقيق السلامة في العقل، تحقيق السلامة في النفس، تحقيق السلامة في المال، تحقيق السلامة في العرض، وكل هذه المقاصد الكبرى التي دارت عليها أحكام الشرائع، تلحظ أن أحكام الشرائع دائرة على صيانتها، وقايتها، تحقيق السلامة لها، سلامة الدين، سلامة النفس، سلامة المال، سلامة العرض، سلامة العقل؛ كلها مما جاءت الشرائع بتأكيده.

ونظرة عاجلة في الكتاب والسنة على سبيل المثال: النصوص الواردة في القرآن والسنة تجد أن الشريعة المطهرة جاءت بتحقيق السلامة إجمالًا وتفصيلًا، فإجمالًا: يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ البقرة: 195 ؛ وهذه عامة في كل ما تقتضيه السلامة بأخذ أسباب الوقاية من موجبات الهلاك.

 والتهلكة نوعان: تهلكة حاضرة عاجلة؛ وذلك بتعطيل أسباب الدنيا التي تحصل بها السلامة.

 وتهلكة آجلة، وذلك بمخالفة أوامر الله ورسوله التي إذا خالفها الإنسان وفد يوم القيامة بقلب فاسد هالك؛ فكان بعيدًا عن السلامة في ذلك اليوم الذي تُرجى فيه السلامة.

وكذلك يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ النساء: 29 ؛ وهذا بيان وجوب حفظ النفس، وأن حفظ النفس من الشرائع التي أمر الله تعالى بها، والنهي عن قتل النفس هو نهي عن تعريضها لكل ما يكون سببًا لهلاكها، أو فسادها، أو تلفها؛ صغيرًا كان أو كبيرًا؛ وهذا من رحمة الله -عزَّ وجلَّ- بعباده أن الله -سبحانه وتعالى- نهى عن قتل النفس، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا النساء: 29 .

 ومقتضى هذا البعد عن كل ما يكون سببًا للتلف والهلاك والأذى، حتى ولو كان ذلك في العبادات، فإن هذه الآية استدل بها عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنه- على ترك الغسل في الليلة الباردة خوفًا من الهلاك، وقد جاء فيما ثبت في المسند وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بعثًا وأمَّر عليهم عمرو بن العاص، فلما أقبلوا سألهم عنه، فأثنوا عليه خيرًا إلَّا أنهم قالوا: إنه صلى بنا جُنبًا، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عمرو: أصابتني جنابة فخشِيت على نفسي من البرد، وقد قال الله تعالى : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا النساء: 29 . فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله، ولم يعنفه، ولم يتعقبه بشيء؛ تقريرًا له على ما استنتجه أو استنبطه من الآية [مسند أحمد:ح17812، وقواه الحافظ في الفتح:1/454] .

المقصود أن الشريعة في كل أحكامها دائرة على هذا المعنى؛ ولهذا أباح الله تعالى في حالة الضرورة من المحرمات ما تندفِع به الضرورة، قال الله تعالى : ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ الأنعام: 119 ، وأباح -جلَّ وعلا- أكل الميتة مع تأكيد حرمتها في الكتاب والسنة عندما تدعو إلى ذلك الضرورات التي تبيح أكل الميتة، يقول الله تعالى في ذلك على سبيل المثال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ المائدة: 3 ، ويقول -سبحانه وتعالى-: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ البقرة: 173   بعد أن ذكر الله -جلَّ وعلا- تحريمات؛ المحرمات في المطاعم والمآكل ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ البقرة: 173   بعد ذكر هذه المحرمات في المطاعم قال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ البقرة: 173 ، لماذا؟ لأنه هنا طلب لسلامة النفس من الهلاك بأكل ما هو محرم؛ لِما فيه من المضرة، لكن هذه المضرة في هذه الحال اضمحلت أمام الضرر الأكبر الذي هو ذهاب النفس وزوالها.

ويقول الله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ الأنعام: 119 ، والآيات في هذا واضحة وجلية

المذيع: شيخ خالد، لعلنا في أثناء هذا اللقاء نوضح ونجلِّي ما جاء في هذه الشريعة السمحة التي جاءت بأهمية السلامة في حياة الإنسان، وفي كل مناحي حياته، سواء فيما يتعلق بحياته الدينية، أو كذلك حياته الدنيوية، ولم تفرق بين هذا أو ذاك، وإنما هذا الإسلام جاء في صورة شمولية، يبرهن للعالم أجمع أنه دينٌ كامل، وقد سبق العالم كله بهذه التعاليم التي من شأنها أن ترسخ لهذه التدابير؛ تدابير السلامة، وقد سبق كل الشرائع، وقد سبق كل القوانين بما جاء به من تدابير في ضوء الكتاب والسنة؛ وهو ما نتحدث عنه في هذا اللقاء، إن شاء الله سوف يكون هناك أيضًا ذكر لهذه المعاني التي جاءت في ضوء الكتاب والسنة، والتي لا تتعلق فقط بشيء ما، وإنما تشمل كلَّ ما يتعلق بحياة الإنسان، وفيما يتعلق بدينه، أو بعقله، وكذلك أيضًا بماله وبنفسه.

نتواصل مع المستمعين الكرام ومع فضيلة الشيخ الدكتور: خالد المصلح في هذه الحلقة من برنامج: الدين والحياة، وحديثنا أيضًا عن السلامة في ضوء الكتاب والسنة.

 مستمعينا الكرام، نسعد دائمًا وأبدًا بكم وبتواصلكم في هذه الحلقة ونرحب بمشاركاتكم ومداخلاتكم في موضوعنا اليوم عن "السلامة في ضوء الكتاب والسنة"، فاصل قصير نعود بعده لمواصلة هذه الحلقة من برنامج: الدين والحياة، تفضلوا بالبقاء معنا

من جديد نحييكم مستمعينا الكرام في هذه الحلقة من برنامج: الدين والحياة، وحديثنا مستمر ومتواصل عن تدابير السلامة في ضوء الكتاب والسنة مع فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور: خالد بن عبد الله المصلح، حياك الله من جديد شيخ خالد، وقد تحدثنا في بداية هذه الحلقة عن مقدمة فيما يتعلق بحرص هذه الشريعة السمحة على ترسيخ تدابير السلامة، وأنَّ هذه الشريعة اعتنت بكل ما يتعلق بسلامة الإنسان في دينه، وفي عقله، وفي ماله، وكذلك أيضًا فيما يتعلق ببقية مناحي هذه الحياة، أيضًا إضافة إلى أنَّنا نوضح من خلال هذا الحديث أنَّ لهذا الدين الإسلامي السبق في تأصيل علم السلامة، وخاصة فيما يتعلق بسلامة الإنسان.

 قبل أن نستفيض في هذا الحديث إذا كان بالإمكان شيخ خالد نأخذ بعضًا من الاتصالات، ثم ننطلق لذكر بقية المحاور معنا في هذا اللقاء.

السائل: السلام عليكم.

المذيع: وعليكم السلام ورحمة الله.

السائل: الله يمسيكم بالخير، ويصلح حال الجميع أنت وأبو مصلح والمستمعين، أسأل شيخنا أنا أرى أن تطبيق النظام من السلامة، وأرى فيه تقصيرًا؛ يعني جزء في مجتمعنا، في مجالسنا، في تعليمنا، مع أنه -ولله الحمد- أنظمتنا أكثرها تأخذ من الكتاب والسنة، ومن سلامة نفسكم، ومن احترام حقوق الآخرين، لا عندنا أصنام، ولا عندنا تبدي تحية بصورة كذا، ولا صورة كذا؛ هذا من فضل الله، تغلق وقت الصلاة، تضع حزام الأمان، السرعة المناسبة التي لا تتعدى على حقوق الآخرين، أنا أرى تقصيرًا بهذا الجانب مع أنَّنا ما نطبق من الأنظمة ... رحِم الله امرأً عرف قدرَ نفسه.

المذيع: شكرًا جزيلًا لك، الاتصال الثاني: من عبد العزيز، تفضل.

السائل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المذيع: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

السائل: حياكم الله أستاذ عبد الله، كيف حالكم؟ شكر الله لك البرنامج، وجزاك الله عنا كل خير، أحييك وأحيي فضيلة الشيخ، السؤال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ التحريم: 6 ؛ هذه الآية نرى أنها باب من أبواب تدابير السلامة، أن الإنسان مطلوب منه أن يقي نفسه ومن هم تحته؛ وذلك بالتربية، والإشراف وغير ذلك، كثير من الآباء والأمهات خاصة هذا الزمان يظن أن بقاء ابنه في البيت لصلاة الفجر وخاصة في هذه الأيام الباردة أن هذا من سلامته، فهل بهذا يكون الأب قد قام بتدابير السلامة تجاه ابنه؟ فما هو توجيه الشيخ للآباء والأمهات الذين يرون أبناءهم ينامون عن الصلاة، ويظنون أنَّ في منامهم وعدم قومتهم سلامةً وتدابيرَ لهم؟ 

الأمر الثاني: القرآن الكريم والسنة النبوية تبينان أنَّ القرآن ينهى ويبين أنَّ السلامة في البعد عن المحرمات، فيقول: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى الإسراء: 32 ، ولا يقول: لا تزنِ؛ فهو يبعدك عن الوسيلة التي توصل إلى هذه الفاحشة، وإلى هذا المنكر؛ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «العينانِ تَزنِيانِ وزِناهما النظرُ» [صحيح مسلم:ح2657/20] ، وهكذا، فالإسلام؛ قرآن وسنة يجعلان الوسيلة ويبينان سببها، ويحذران من الوقوع فيها حتى ما يقع في الشيء الكبير، فما هو رأي الشيخ في الذين يقعون في المعاصي، ويذهبون إليها، ولا يتدبرون ما في القرآن ولا ما في السنة، ويقولون: هذا قدَّره الله علينا، والله -عزَّ وجلَّ- في القرآن نبههم، وبيَّن لهم أن السلامة في كذا وكذا، فما هو رأي الشيخ في هؤلاء الذين إذا وقعوا في المعصية وفي الذنب يقولون: هذا ما قدَّره الله علينا؟ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المذيع: شكرًا لك أخي عبد العزيز، نتواصل في الحديث شيخ خالد فيما بدأتموه من مقدمة حول هذه التدابير التي جاءت في الكتاب والسنة، ولعلكم كما تفضلتم بذكر بعض من هذه النصوص الواردة في الكتاب والسنة، التي جاءت بتأمين السلامة لهذا الإنسان الذي يعيش على هذه الأرض، إضافة إلى مسألة إتاحة بعض المحرمات في ضرورات معينة، وفي أضيق الحدود؛ لتأمين سلامة الإنسان إذا ما وصل هذا الأمر إلى هلاكه.

الشيخ: هو يا أخي الكريم بعد هذه المقدمة التي تكلمنا فيها عن منزلة السلامة وأهميتها، وأنَّ الشريعة دائرة على تحقيق السلامة للناس في معاشهم ومعادهم، كل ما جاء في الشرع من أحكام هو لسلامة الإنسان في دنياه وفي أخراه، وبالتالي كل من لزم الشرع فإنَّه محققٌ للسلامة، عاملٌ بها، وكلُّ من أعرض عنه فإنَّه مفرط بالسلامة بقدر ما ترك من شرع الله -عزَّ وجلَّ- ودينه.

عندما نتحدث عن السلامة ينصرف ذهن كثير من الناس إلى بعض التدابير التي هي سلامة جزئية؛ مثلًا: السلامة المتعلقة بالمراكب، بالسيارات، السلامة المتعلقة بالمساكن، السلامة المتعلقة باستعمال الأجهزة، وما أشبه ذلك؛ وكل هذا مما لفتت الشريعة النظر إليه، لكن نحن نتحدث عن المفهوم ... وسنتطرق إلى صور هذه السلامة بمفرداتها، الشريعة جاءت بحفظ النفس، وحفظ النفس: أي: تسليمها من كلِّ ما يكون سببًا لهلاكها، فقال الله تعالى : ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ النساء: 29 ؛ وبالتالي كل ما يكون سببًا لهلاك الأنفس، منها: المأكولات، أو المشروبات، أو التصرفات، أو الأعمال؛ محرم شرعًا، ولا يجوز لأحد أن يتجاسر عليه، ولا أن يأخذ به؛ لأن الله أمر بعدم إلقاء النفس إلى التهلكة، ونهى عن قتل النفس، كذلك فيما يتصل بالأموال، كل ما يكون سببًا لفساد المال فإنَّ الشريعة حرمته، ونهت عنه، كذلك العقل، كل ما يفسد العقل فإن الشريعة حرمته ونهت عنه، كذلك ما يتعلق بحفظ الأعراض، فكل ما يفضي إلى فساد العرض وانتهاكه، وفساد الأنساب، فإن الشريعة نهت عنه.

 وما يتصل بالديانة أيضًا الشريعة دعت إلى السلامة في أمر الشرائع، فنهت عن الابتداع في الدين، وأمرت بالاستقامة على الصراط المستقيم ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ الأنعام: 153 .

فحققت السلامة في الأديان، وحققت السلامة في النفس، الشريعة حققت السلامة في الدين، في العقل، في المال، في العرض والنسب.

تفاصيل هذه السلامة، أيضًا الشريعة لم تغفل هذه التفاصيل، بعد التنبيه على عموم مراعاة السلامة في سائر حال الإنسان جاءت نصوص شرعية كأنها عما يفضي لهلاك النفس، هلاك المال، تسلط الشياطين؛ وذلك بأخذ تدابير شرعية، وأخذ تدابير عملية.

 التدابير الشرعية منها: الأدعية، والأوراد، والأذكار التي يحصن بها الإنسان حفظ ماله؛ كقراءة آية الكرسي في ليلة؛« فإنَّه لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح» [صحيح البخاري:ح3275] ، وكقول: «مَن نزل منزلًا، ثم قال: أعوذُ بكلماتِ اللهِ التاماتِ من شرِّ ما خلَق، لم يضرَّه شيءٌ حتى يرتحِلَ من منزلِه ذلك» [صحيح مسلم:ح2708/57] إلَّا حفظه الله -عزَّ وجلَّ- مما يكره، مما يتعلق بالمؤذيات، وكذلك فيما يتعلق بسائر التعاويذ التي يعوذ الإنسان بها نفسه وأهله؛ فإنَّه مما يقي به نفسه الشر.

والنبي صلى الله عليه وسلم كان يعوذ الحسن والحسين، ويقول: «أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللهِ التامَّةِ من كلِّ شَيطانٍ وهامَّةٍ، ومن كلِّ عينٍ لامَّةٍ» [صحيح البخاري:ح3371] ؛ كل هذه المعاني دائرة على تحقيق السلامة بالتوقِّي، والبعد عما يمكن أن يكون مؤذيًا للإنسان في نفسه، في قلبه، في بدنه، في ماله، في كل شأنه وحاله؛ هذه كلها تدابير شرعية؛ يعني منها: الأدعية والأذكار، وينبغي للإنسان أن يحافظ عليها، وأن يحرص عليها؛ فإنَّها من أسباب الوقاية، ودفع الشرور عن النفس، وعن المال، وعن الأهل، وعن البلد، وعن سائر ما يعلق بمعاش الإنسان، إضافة إلى أنَّها سنة يؤجر عليها الإنسان وينال بها أجرًا وثوابًا بكونها طاعة، وعبادة، والدعاء هو العبادة؛ هذا واضح.

الأمر الثاني: فيما يتعلق بالتدابير العملية، التدابير العملية جاءت النصوص الشرعية بكثير منها تفصيلًا فيما يتعلق بتوقِّي مواضع الخطر، فمثلًا: فيما يتصل بالنار على سبيل المثال، وهي مما يلابسه الإنسان ويتعامل معه في كثير من المواضع، جاءت الشريعة بالتنبيه إلى ضرورة توقِّيها، ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ هذه النارَ عدوٌّ لكم، فإذا نمتم فأَطفِئوها، ولا تَترُكوا النارَ في بيوتِكم حينَ تنامونَ». [صحيح البخاري:ح6294]

هذا ذكر تفصيلي لما يكون من أسباب السلامة فيما يتصل بالأموال، والبيوت، والأنفس، فإنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- نبه إلى النار، وهي وسيلة مستعملة في زمنه صلى الله عليه وسلم استعمالًا واسعًا فيما يتعلق بأوجه من المنافع؛ من المآكل، ومن الإضاءة، وغير ذلك، فقال: «إنَّ هذه النارَ عدو لكم، فإذا نمتم فأطفئوها».

ولها نظير في معاشنا اليوم فيما يتعلق بوسائل التدفئة، ونحن مقبلون على فصل الشتاء، تجد من الناس من يشعل نارًا للتدفئة، أو للاستمتاع، وقد يتركها دون إطفاء فينام، أو يخرج من المكان دون إطفاء، أو ينام عندها فيكون هذا سببًا لهلاكه وتلفه؛ وبهذا يكون قد خالف شرعًا، وأوقع نفسه في هلاك دنيوي «إن هذه النارَ عدوٌّ لكم، فإذا نمتم فأَطفِئوها، ولا تترُكوا النارَ في بيوتِكم حينَ تنامون».

ومن أمثلة ذلك؛ من أمثلة مجيء الشريعة بالتفاصيل فيما يتعلق بالسلامة «غَطُّوا الإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقاءَ، وَأَغْلِقُوا الْبَابَ، وَأَطْفِئُوا السِّرَاجَ» [صحيح مسلم:ح2012/96] ؛ هذا نصٌّ نبوي كريم في صحيح الإمام مسلم وجَّه فيه النبي صلى الله عليه وسلم إلى عدد من وسائل السلامة واحتياطها وتدابيرها المتعلقة بالمطاعم، والمشارب، والمساكن، والذي يفضي التفريط في هذه الأمور يفضي إلى تلف، أو هلاك، أو تعثر في الأنفس، أو في الأموال؛ ولهذا ينبغي مراعاة مثل هذه التدابير النبوية.

واليوم نحن نعيش في بيئة مليئة بالأخطار فيما يتعلق بوسائل الترفيه، أو وسائل المصالح المعيشية من أجهزة، وكهرباء، وما إلى ذلك؛ كلُّ هذه الأمور تحتاج إلى أن يراعى فيها التدابير التي تقي الأخطار؛ وهذا ليس مسؤولية الفرد نفسه فقط، ليس مسؤولية الشخص نفسه، إنما مسؤولية الشخص نفسه، ومسؤولية المجتمع بأسره، ومسؤولية جهات ذات اختصاص تراعي تحقيق السلامة للناس في أموالهم، وفي أنفسهم، وفي أهليهم؛ فلذلك من المهم أن تتضافر الجهود لتوقي الأخطار في هذه الجوانب؛ تحقيقًا لأمر الله عزَّ وجلَّ ، وتحقيقًا لما جاء في سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- من أخذ الأسباب التي تقي الناس المهالك.

نحن يا أخي نفترض السلامة في كثير من أحوالنا، وإن شاء الله -عزَّ وجلَّ- نقدم افتراضًا من حسن الظن، لكن حسن الظن والفعل الحسن لا يعني التفريط في موجبات السلامة، أنا أسأل على سبيل المثال عندما تخلو بيوت كثير منا من طفاية الحريق، هل هذا من الفعل الحسن؟ ومن حسن الظن؟ الجواب: هذا من التفريط، نفترض السلامة في بيوتنا، وأنَّ الله يسلمها من الحرائق، وما إلى ذلك، لكن لا يمنع هذا أن يحتوي البيت على ما يكون سببًا لتدارك الأخطار عند حصولها، وهي أخطار موجباتها قريبة، لا سيما في كثير من البيوت التي تستعمل أجهزة كثيرة، وقد تكون وسائل الاستعمال في هذه الأجهزة ليست مراعية للسلامة، فموجبات حصول الخطر كثيرة في حياة الناس؛ وهذا يستوجب أن يراعِيَ الإنسان هذا بالتدابير الواقية التي تحقق السلامة.

مثل ما ذكر أحد الإخوان قبل قليل، أننا نفترض السلامة ونفرط في أشياء كثيرة مع توافر أسباب أخذ السلامة، لا سيما مع هذا الوعي المرتفع الذي حصل في المجتمع بسبب الحوادث التي حصلت من وقائع كثيرة ذهبت بسببها أنفس، وأموال، وحلَّت مصائب وبلايا على فئات وعائلات لأجل أنَّهم فرطوا في أسباب لا تكلفهم، أسباب يسيرة، سواء كان ذلك من خلال اختيار جهاز مناسب، توقي الأجهزة التي تكون رخيصة الثمن تسبب الاشتعال والحرائق، وما إلى ذلك، كذلك من خلال التفريط في أسباب السلامة من معرفة كيف يتعامل مع الحريق؟ كيف يتعامل مع الغريق؟ كيف يتعامل مع أصحاب الحوادث الطارئة؟ 

لو أخذنا نموذجًا واحدًا يمكن أن نجعله صورة لكل التعاملات التي نخل فيها بالسلامة في حياتنا، قيادة السيارات على سبيل المثال، من منا يحرص على ربط الحزام؟ من منا يحرص على سلامة المركبة من الأسباب التي تكون موجبة لعطبها، أو حصول حوادث؟ من منا يحرص مثلًا على مراعاة أنظمة المرور التي غرضها وغايتها هي تحقيق السلامة للناس؟ كثير منا يتحين فرصة المواضع التي يغيب فيها الرقيب، أو لا يكون فيها أجهزة رصد لسرعة، أو غير ذلك، وتجده يمارس أنواع من المخاطر بناء على أنه لا ما يوجد رقيب، إن ما يوجد ساهر، ما توجد أجهزة ترصد؛ ولذلك أنت أحيانًا تجد الفرق في الإشارات التي عندها الأجهزة التي ترصد المخالفين، والإشارات الثانوية التي قد لا تكون مزودة بهذه الأجهزة، فتجد المخالفات في تلك الإشارات العارية عن أجهزة الرصد أكثر، والسبب هو غياب الوعي، لو كان ثمة وعي لكان الرادار الذي يمنع الإنسان من تجاوز الإشارة والمخالفة لأنظمة المرور على سبيل المثال هو ما في نفسه من وعي وفكر وفهم لمخاطر التجاوز، ومخاطر المخالفة، عندما تخطئ تخسر سلامتك، فإن الخطأ هو أول بذور الهلاك، وهو أول خطوات حصول الضرر، وبالتالي من الضروري أن نبادر إلى البعد عن كل سبب من أسباب الهلاك.

 فالنصوص النبوية عالجت الأمر بمنع ما يكون موجبًا لمظنة الخطر، فقد جاء في الصحيحين أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يُشِرُ أَحَدُكُمْ إلى أخيهِ بالسِّلاحِ؛ فإنَّه لا يَدرِي لعلَّ الشيطانَ ينزِع في يده» [صحيح البخاري:ح7072، صحيح مسلم:ح 2617/126] ؛ هذا نموذج من النماذج التي تحتاط بافتراض وجود الخطر لترك تصرف يمكن أن يترتب عليه خطر، فعندما تخطئ، عندما تخالف النظام، عندما تفرط في أسباب السلامة لا تفترض أنك ستخرج سالمًا، بل العكس مظنة الهلاك، والعطب، وحصول الضرر أعلى بكثير من معدل حصول السلامة

المذيع: لعل من المناسب أن نذكِّر أيضًا في هذا الإطار بالدور الواجب على الآباء والأمهات فيما يتعلق بالأخذ بتدابير السلامة أيًّا كان الموقع، سواء داخل البيت، أو في خارج البيت، وحتى فيما يتعلق أيضًا بالطرقات وتمكين الأبناء من قيادة السيارات أحيانًا إذا لم يكن الابن متمكنًا، أو ممكنًا على الأقل من ناحية النظام وغير ذلك، أن يكون هناك أيضًا انتباه لهذا الأمر؛ لأنه ربما من تدابير السلامة أن ينتبه الأب، أو تنتبه الأم إلى خطورة التساهل في مثل هذا الأمر، وبالتالي يعرض هذا الابن نفسه إلى الهلاك، والآخرين كذلك أيضًا، كون أن هذا الإنسان مثلًا فيما يتعلق بموضوع قيادة السيارة أنَّه لن يقود السيارة بمفرده، بل سيكون هناك من يشاركه في هذا الطريق.

حديث مستفيض ومتواصل مع فضيلة الشيخ الدكتور: خالد المصلح، في هذه الحلقة المباشرة من برنامج: الدين والحياة، عن تدابير السلامة في ضوء الكتاب والسنة.

شيخ خالد، أستأذنك في هذا الفاصل القصير بعده نعود لمواصلة هذه الحلقة، مستمعينا الكرام فاصل قصير نعود بعده لمواصلة هذه الحلقة من برنامجكم: الدين والحياة، تفضلوا بالبقاء معنا

نتواصل معكم مستمعينا الكرام في هذه الحلقة من برنامجكم: الدين والحياة، وحديثنا مستمر عن تدابير السلامة في ضوء الكتاب والسنة مع فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور: خالد المصلح.

شيخ خالد، تحدثتم عن السلامة في ضوء الكتاب والسنة،، ولعله من المناسب أن نذكِّر بأن هذه السلامة لا يُقصد بها صورة معينة، وإنما كل الصور التي تتطلب فيها السلامة ينبغي الأخذ بها حتى ربما في أماكن التجمعات العامة، أو أماكن الترفيه، وحتى في أماكن العمل، وفي المنزل، أو في الطريق كذلك أيضًا لم يغفل هذا الشرع المطهر أهمية التوقِّي والسلامة حتى يكون الإنسان -بإذن الله- سالمًا من المخاطر والأضرار، لكن نقطة مهمة جدًّا وهي: تساهل البعض، والفهم الخاطئ للتوكل، يفرط، ثم يقول: أنا أتوكل على الله -سبحانه وتعالى-، أو يفرط كيفما اتفق، ثم يكون هناك آثار سلبية لهذا التفريط، ويظن أنه لن يلحقه الإثم بهذا التفريط الذي يتسبب في هذا الدمار، أو هذا الضرر.

الشيخ: التوكل لا يتنافى مع أخذ التدابير التي من خلالها يتوقَّى الإنسان الخطر في نفسه، وفي أهله، وفي ماله، لا يتنافى، ذلك أن التوكل هو صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع، ودفع المظالم؛ هذا معنى التوكل؛ اعتماد قلبي، لكن لا يعني هذا أن تترك ما يجب عليك أخذه لحصول الغرض والمقصود؛ فإنه لا منافاة بين التوكل وأخذ الأسباب، الجائع لن يشبع إذا ترك توكله على الله دون أن يبذل السبب الذي يدرك به الشبع؛ من إعداد طعام، من اكتساب طعام، من رفع الطعام إلى فمه ليأكله، لا بد، أنت الآن لو كان أمامك كوب ماء وعطشان، وقلت: أتوكل على الله في ذهاب العطش دون أن تأخذ الكأس بيدك وتضعه في فمك تدخله إلى جوفك لن يحصل لك مقصودك دون هذا العمل، وبالتالي من الغلط، وسوء الفهم، وقلة العقل، والبعد عن فَهم الشرع أن يفعل هذا إنسان، ويقول: أنا والله متوكل على الله.

إذا توكلت على الله فاصدق في أخذ الأسباب المؤدية لذلك، لا تعلق قلبك بالسبب، فالسبب قد لا يأتي بالنتيجة، لكن لا بد أن تأخذ السبب لتحصل على المقصود، قد يأخذ الإنسان العلاج ولا يشفى، لكن لا يقال له: توكل على الله، لا تأخذ علاجًا، أو لا تأكل طعامًا لتشبع، قد يشرب ولا يروى، لكن هذه الأسباب هي من مقدمات، وهي من الأشياء التي ينبغي أن يأخذها الإنسان ليحصل المقصود، فأسباب السلامة من الضرورات التي ينبغي للإنسان أن يأخذها، وقد أمر بها الشارع.

النبي صلى الله عليه وسلم سيد المتوكلين، وهو الذي أمرنا بإطفاء السراج، وإغلاق الباب، والتعاويذ التي وجه إليها صلى الله عليه وسلم كلها من أسباب التي تحصل بها المقاصد، وفي نفسه صلى الله عليه وسلم كان يدخر قوت أهله سنةً؛ يعني يشتري ويعد من الطعام ما يكفي أهله لسنة؛ وهذا من التوكل، وهذا لا يتنافى مع التوكل.

 وكان في مواطن القتال -صلى الله عليه وسلم- يلبس الْمِغْفَر التي يغطي رأسه لتوقي ما يكون من أسباب التلف في القتال، ويظاهر بين درعين، فأخذُ أسباب السلامة دين، وليس أمرًا معارضًا للشرع أو منافيًا للتوكل؛ وهذا من الفهم المغلوط، وهذا يبرر به كثير من الناس تفريطهم، وقصورهم، وعجزهم، وكسلهم، يقول: والله أنا متوكل على الله؛ خذ بالسبب لتحقيق التوكل، يركب السيارة ولا يربط الحزام، ويقول: متوكل على الله.

إذا كنت متوكلًا على الله فلا تركب السيارة وانظر هل تصل إلى المكان الذي تريده، أو لا؟! لماذا ركبت السيارة ولم تتوكل على الله في وصولك إلى الجهة التي تذهب إليها بمجرد توكلك وأنت في محلك، عملت وركبت السيارة إذن كمِّل توكلك في حصول السلامة بربط الحزام، ومراعاة الأنظمة، والبعد عن أسباب الهلاك والتلف.

المذيع: والإنسان مأجور على ذلك يا شيخ خالد عندما يتبع الأنظمة، ويتبع ولي الأمر؛ يعني لا يتساهل ويقول: إنَّه ليس هناك من يرصد هذه المخالفة مثلًا، أو إنَّني سوف أصل إلى منزلي وهو قريب وغير ذلك، لكن في المقابل النظرة المعاكسة عندما يكون الإنسان في الطريق الصحيح، ويلتزم بهذه الأنظمة امتثالًا لأمر الله -سبحانه وتعالى- الذي أمرنا بطاعة ولاة الأمر، وهذه التنظيمات التي رُتبت لسلامة الناس، وهو مأجور على هذا الفعل.

الشيخ: بالتأكيد هو مأجور على ذلك، ولو ترتب على هذا تأخير مصالح، أو يمكن أن يصل بمخالفة الطريق ولا أحد يشوفه، لكنه يراعي أمر الله -عزَّ وجلَّ- بالمحافظة على النظام طاعة لله، وطاعة لرسوله، حيث أمره بطاعة ولاة الأمر، ومراعاة الأنظمة التي بها يصلح الناس، يا أخي لا يصلح الناس فوضى بدون نظام يحكمهم، ويرتب أمورهم، وينظم مصالحهم، الآن بعض الناس إذا ذهب إلى بلاد يحتفظ الناس فيها بالنظام أُعجب، ورجع مشِيدًا بما رآه من تنظيم، ومن محافظة على النظام، أولئك حفظوا النظام لما أدركوه من مصالحهم، ولقوَّة المؤاخذة في حال مخالفة الإنسان للنظام، فنحن ينبغي أن نتعاون جميعًا لتحقيق السلامة.

هذه الأنظمة سواء كانت الأنظمة فيما يتصل بالمرور، أو أنظمة ما يتصل بالصحة، أو أنظمة ما يتصل بالبلديات، أو أنظمة ما يتصل بسائر أوجه حياة الناس، غرضها الأساس، مقصودها الأول هو تحقيق مصالح الناس، تأمين الناس في أنفسهم، وأموالهم، أن نبعدهم عن كل ما يكون سببًا لهلاكهم، وتلفهم؛ هذه قضايا أساسية، وإذا اقتنعنا بهذا سنجد في أنفسنا باعثًا على حماية هذه الأنظمة، والمحافظة عليها.

المذيع: فضلًا عن أن ما يميز أنظمة هذه البلاد المباركة أنها مستمدة من الكتاب والسنة، وهي متميزة في هذا الجانب على سائر الدول، وبالتالي أيضًا هذا جانب مهم ينبغي التذكير به، والتأكيد عليه.

نقطة مهمة جدًّا يا شيخ خالد ربما نختم بها هذا اللقاء وهي سلامة الفكر، وسلامة المنهج، خاصة أن كثيرًا من الآباء أحيانًا يكونون في غفلة عن أبنائهم، وما يرتادونه من بعض مواقع التواصل، وشبكات الإعلام الجديد، وغير ذلك، فيقع أبناؤهم في براثن الفكر المنحرف دون أن يعوا ذلك، سواء فيما يتعلق بالفكر المنحرف الضال التكفيري الإرهابي، أو في المقابل الفكر المنحل الذي يقوده إلى الإلحاد، يعني الكثير من الأفكار التي خارج عن هذا الدين الحنيف، وعن تعاليمه.

الشيخ: النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كلُّكُمْ راعٍ، وكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عن رَعِيَّتِهِ» [صحيح البخاري:893] ، والله -عزَّ وجلَّ- يقول: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا طه: 132 ، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ التحريم: 6 ؛ مسؤوليتنا تجاه أنفسنا وأبنائنا ومن تحت أيدينا مسؤولية عظيمة، وهي لا تقتصر فقط على الوالدين، الأسرة مسؤولة، والمدرسة مسؤولة، والإعلام مسؤول، والخطباء وأئمة المساجد مسؤولون، جميع أجهزة التأثير مسؤولة في وقاية النشأ وحفظه من المهددات التي تحيط به، فسلامة الفكر هي من أولويات، وأسس السلامة التي إذا تحققت للناس تحقق لهم خير الدنيا والآخرة.

سلامة الفكر مفهومها واسع يبتدئ بسلامة الديانة، وسلامة الفهم الشرعي، والبعد عن أصحاب الانحراف بكل أوجههم، ولزوم الصراط المستقيم هو الذي يقي الناس كل هذه الانحرافات، فحق على الآباء والأمهات، كل من له ولاية في تربية النشء، فلا بد من حماية هذه النوابت المباركة من كل ما يضرها حتى تنشأ وتنبت نبتًا حسنًا يعود نفعها على نفسها في دنياها وفي أخراها، وأيضًا يعود نفعها إلى أسرتها، وإلى المجتمع، وإلى الوطن بأسره.

المذيع: لعل من المناسب أيضًا نذكِّر بأن الإسلام؛ هذا الدين الحنيف؛ هذا الدين الخاتم عني بمسألة علم سلامة الإنسان، هذا العلم الذي ما زال الغرب حتى الآن يهتم به وربما ليس هناك إدراك، وأنَّ هذا الدين الحنيف أتى به من أكثر من أربعة عشر قرنًا، وهذا العلم علم أصيل من علوم الإسلام الأصيلة التي سبق بها غيره في وضع أصول هذا العلم، وقواعده، ومبادئه، وضوابطه منذ تلك القرون الطويلة، وهو يندرج تحت حماية الضرورات الخمس إضافة إلى ما كان في صلة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وفي صحابته -رضوان الله عليهم- ما كانوا يأتون به في أحاديثهم في المحافل، وغير ذلك من المناسبات التي كان فيها التحذير والتنبيه وتأصيل هذا العلم.

 شكر الله لكم فضيلة الشيخ، وبارك الله فيكم على ما تفضلتم به في هذا اللقاء، وجزاكم الله خيرًا على هذا الحديث الذي كان عن السلامة في ضوء الكتاب والسنة.

الشيخ: آمين، نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا وإياكم السلامة في ديننا، وأنفسنا، وأهلينا، وأموالنا، وبلادنا، وولاتنا، وأن يوفق هذه البلاد إلى كل خير، ويحفظها من كل سوء وشر، وأن يرزقنا البصيرة في الدين التي بها نفهم شرعنا، ونتميز بها عن سائر البشر، صلى الله وسلم على نبينا محمد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المذيع: شكرًا لكم فضيلة الشيخ، وشكرًا لكل المستمعين الذين كانوا معنا في هذا اللقاء، تقبلوا تحياتي معكم عبد الله الداني، وزميلي مصطفى الصحفي، لقاؤنا يتجدد بكم في مثل هذا الوقت من الأسبوع المقبل، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته555

 

مواد تم زيارتها

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف