الاحد 20 صفر 1443 هـ
آخر تحديث منذ 1 ساعة 37 دقيقة
×
تغيير اللغة
القائمة
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو Hausa
الاحد 20 صفر 1443 هـ آخر تحديث منذ 1 ساعة 37 دقيقة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأعضاء الكرام ! اكتمل اليوم نصاب استقبال الفتاوى.

وغدا إن شاء الله تعالى في تمام السادسة صباحا يتم استقبال الفتاوى الجديدة.

ويمكنكم البحث في قسم الفتوى عما تريد الجواب عنه أو الاتصال المباشر

على الشيخ أ.د خالد المصلح على هذا الرقم 00966505147004

من الساعة العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهرا 

بارك الله فيكم

إدارة موقع أ.د خالد المصلح

×

لقد تم إرسال السؤال بنجاح. يمكنك مراجعة البريد الوارد خلال 24 ساعة او البريد المزعج؛ رقم الفتوى

×

عفواً يمكنك فقط إرسال طلب فتوى واحد في اليوم.

مرئيات المصلح / برامج المصلح / الدين والحياة / الحلقة (99) من غش فليس منا

مشاركة هذه الفقرة

الحلقة (99) من غش فليس منا

تاريخ النشر : 14 صفر 1440 هـ - الموافق 25 اكتوبر 2018 م | المشاهدات : 3476

المقدم: حياكم الله نرحب بفضيلتكم، ونرحب بكل المستمعين والمستمعات الذين يسمعون إلى هذه الحلقة من برنامج "الدين والحياة"

مستمعينا الكرام حديثنا في هذه الحلقة متعلقٌ بما يمس حياة الناس وكل الناس، لا شريحة من المجتمع، بل كل أطياف وأطراف هذا المجتمع وكل المجتمعات، حديثنا في التحذير من الغش وأيضًا تجلية طرقه، وكذلك أيضًا الآثار، وقبل ذلك نصوص الشريعة الواردة في تحريمه، وكذلك أيضًا الصور المختلفة التي تندرج تحت هذا الغش، فالغش ليس من أخلاق المؤمنين الذين وصفهم الله -سبحانه وتعالى-بالرحمة بينهم،والتعاون على البر والتقوى، وجعلهم كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وكالجسد الواحد، والمؤمن يحب لأخيه ما يُحب لنفسه، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الغش بجميع صوره في كثيرٍ من أحاديثه الشريفة المباركة المطهرة.

 حديثنا مستمعينا الكرام في هذه الحلقة عن: الغش، مع فضيلة الشيخ: الدكتور خالد المصلح.

شيخ خالد، في البداية رُبما يُتبادَر إلى الذهن سؤال قبل أن نتعمق في هذا الحديث، السؤال حول مفهوم هذا الغش الذي حُذِّرْنا منه، وما هو المقصود من هذا الغش؟ حتى نتحدث بعد ذلك في الصور التي تدخل ضمن هذا الغش.

الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على البشير النذير، والسراج المنير نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن اتبع سنته واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

مرحبًا بك أخي عبد الله، وحيا الله الإخوة والأخوات المستمعين والمستمعات في هذا اللقاء المتجدد في برنامجكم "الدين والحياة" في هذه العجالة التي نقضيها في ظهيرة هذا اليوم نتحدث عن موضوع كما ذكر أخونا عبد الله، موضوع لا يخصُّ فئةً من الناس، بل هو يمس حياة الجميع، فالكل له اتصال إما بنوعٍ من التأثر بموضوع الغش، وما ينبغي أن تكون الصورة في هذا الموضوع في أذهاننا واضحة وجلية حتى لا ينحصر مفهوم الغش الذي جاءت الشريعة بالتحذير منه، والنهي عنه في صورةٍ من الصور أو في نوعٍ من الأنواع أو في جانب من الجوانب.

بل الغش مفهوم واسع، وهو مبدأ يتنافى مع الإيمان، فالإيمان يقتضي النصح؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» والنصيحة ضد الغش «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» [صحيح مسلم :ح55] ، وضد النصح الغش؛ إذ إن الغش هو: خلط الرديء بالجيد، فالغش يدخل في علاقة الإنسان بنفسه، علاقة الإنسان بربه، علاقة الإنسان بمن حوله من سائر الكائنات التي تحيط به، وبالتحديد أو على وجه الخصوص بصلته بالناس الموافقين له في الجنس، وإن كان الغش أوسع مفهومًا، وأوسع دائرة من أن ينحصر في جانب من الجوانب.

ولهذا من المهم أن يعتني المؤمن بهذا الموضوع تجليةً وفهمًا؛ ليتجنب ما يُمكن أن يكون مندرجًا في الغش وصوره التي نهت الشريعة عنها.

 النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بَيَّن مرتبة النصيحة، فالنصيحة هي بذل الخير والتوجيه إلى الصالح، والتنقية والتخلية من كل الشوائب، فالنصيح هو الخالص من الشوائب، والمغشوش والغش هو خلط الرديء بالجيد، وبالتالي هما وجهان متقابلان، أو هما ضدان، فالنصح ضد الغش، وبقدر ما يكون الإنسان متحليًّا بالنصح والأمانة والصدق بقدر ما يَسْلَم من الغش بصوره كلها، سواء كان الغش المتعلق بصلة الإنسان بنفسه، الغش المتعلق بصلة الإنسان بربه، الغش المتعلق بصلة الإنسان بالخلق.

قد يقول الإنسان: كيف يغش الإنسان نفسه؟ وهذا سؤال وجيه؛ لأنه المتبادر في الذهن عند إطلاق الغش أن يكون الغش في معاملة الإنسان لغيره، لكن الحقيقة أن الغش من أخطر صوره غش الإنسان لنفسه؛ ولهذا ينبغي أن يَحْذَر الإنسان أن يقع في هذا الغش الذي يموِّه فيه الحقيقة على نفسه فتخلط عنده الأمور؛ ولهذا جاء النهي في السنة عن أن يَظهَر الإنسان بخلاف حقيقته سواءً كان ذلك في اعتقاده، أو في عمله، أو في حاله، وفي شأنه فالنبي صلى الله عليه وسلم صح عنه أنه قال، وهذا في الصحيحين «الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ» [صحيح البخاري:ح5219 ] ، وهذا يبين أنَّ مَنْ تحلى بما ليس فيه، منْ غَشَّ نفسه فأظهرها على خلاف حقيقتها وواقعها، إنما يُزوِّر الأمر على نفسه «كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ».

لا شك أن الثوب تقع عليه أعين الناس، لكن ثمة جانب فيما يتعلق بهذا الأمر، وما يتصل بالإنسان نفسه أنه يُصوِّر لغيره، وقد يصوِّر لنفسه أنه مكتفٍ وأنه مستغنٍ، وأنه على حال والأمر على خلاف ذلك، وبذلك هو لا يغش غيره، إنما يغش نفسه، وأعلى صور الغش النفاق الذي حذَّرَه الله تعالى ورسوله؛ إذ إن المنافقين يُظهِرون خلاف ما يبطنون، فيظهرون الخير والصلاح والبر والاستقامة، ويبطنون الغش والنفاق والكفر والمحادة لله ولرسوله.

ولتوضيح هذا الأمر أنهم إنما يغشون أنفسهم، ولا يغشون غيرَهم، قال الله تعالى في مخادعة المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء:142] ، وهذه المخادعة التي تحلَّى بهم هؤلاء هي نمط وصورة من الغش الذي غشوا فيه أنفسهم، ثمة علاقة بالنفاق في ما يتعلق بحق الله تعالى، لكن مآل ذلك عائدٌ إليهم، فهم في الحقيقة يخادعون الله، لكن هذه المخادعة لا يعود ضررها ولا شرها وفسادها إلا إليهم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء:142] .

 فلما كان إخفاؤهم لشيءٍ مما حوتْه قلوبهم وأكنَّته صدورهم خلاف ما أظهروه في الصورة، وخلاف ما أبرزوه للناس بين الله -جل وعلا- حقيقة الأمر  بأنه ليس خادعًا لأحد سوى أنهم يخدعون أنفسهم، هذه هي الحقيقة، وهذا هو الواقع، وهذا هو المآل؛ ولذلك فإن من اهتدى فإنها يهتدي لنفسه، ومَنْ ضل فإنما يضل عليها.

لذلك يكون هذا النوع من الخداع هو أخطر ما يكون من أنواع المخادعة؛ لأن الإنسان يظن سلامته، وهو في الحقيقة يبني هلاكه ويخطو إلى موطن ضره؛ ولذلك قال الله تعالى:﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾  [البقرة:9] ، فخداعهم لأنفسهم هو بسوء اختيارهم لهذا المسلك الذي تظاهروا فيه بالصلاح والاستقامة، وتظاهروا فيه بخلاف الواقع فخلطوا ظاهرًا سليمًا بباطنٍ رديء فكانوا غَشَشَة، وكانوا على هذا الوصف الذي ذكره الله من سوء الحال أي أنهم غشوا أنفسهم وهم يظنون أنهم يصيبون نجاتها، أو أنهم يدركون فلاحها ونجاحها.

 هذه صورة من صور الغش التي جاءت الشريعة بالتحذير منها، وبدأنا بها حتى يُفهم أن الغش ليس محصورًا، وليس مقصورًا على معاملة أحد من الناس، بل هي في الحقيقة شاملة لغش الإنسان نفسه بخديعته لها حيث يخلط لها الرديء بالجيد، والصلاح بالفساد، والهدى بالضلال؛ لإدراك مصالح قريبة مع الغَيْبة والغفلة عن المصالح الكبرى، والفوز العظيم الذي يكون في الآخرة.

المقدم: جميل، أحسن الله إليكم، نتواصل معكم مستمعينا الكرام في هذه الحلقة مباشرة من برنامجكم "الدين الحياة"، وحديثنا مستمر في هذه الحلقة عن: الغش وخطورته.

نتحدث في هذه الحلقة -بإذن الله- حول العديد من المحاور في هذا الموضوع، لمن أراد أن يشاركنا، فإن هذا الأمر متاح بالتواصل معنا على الرقم 0126477117 وعلى الرقم الآخر: 0126493028 أو إرسال الرسائل النصية عبر الواتس آب عبر الرقم: 0500422121 ، ويمكنكم التغريد على هشتاج البرنامج "الدين والحياة" على توتير في موضعنا الذي نتحدث عنه في هذه الحلقة عن: الغش.

وكنا قد حدثنا في بداية هذه الحلقة عن معنى الغش ومفهومه، وكذلك أيضًا عن بعض الصور التي تندرج تحت مفهوم الغش، لكن ما هي الصور الأكثر شيوعًا وخاصةً التي تلامس حياة الناس بشكل دائم ومستمر؟ وكيف يُمكن لنا أن نوضح صور الغش فيها؟ خاصةً وأن عندما مثلًا يكون الأمر في صور الغش في الاختبارات، قد يقول قائل: إن الحديث «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» [صحيح مسلم:ح101/164]  لا يتحقق في الصورة التي تكون في الغش في امتحان، أو تكون هناك نوع من التحايل في الاختبارات، قد لا تنطبق على هذه الصورة بالتحديد، أو تندرج تحت هذا الحديث الذي حذَّر من الغش بشكل عام، ربما البعض يكون لديه بعض الحيل التي يُخرِج منها أفعاله من مفهوم الغش، وبالتالي فهو يعني يمارس هذه الأساليب الملتوية بهذه التأويلات الباطلة، كيف يُمكن أن نجلي هذه الصور التي ورد النهي عن إتيانها؟

الشيخ: يا أخي الكريم مثلما ذكرنا الغش ليس محصورًا في صورة، وإذا تأكدنا من هذا المقصود وأن الغش يتطرق لكل أحوال الإنسان في خاصته، وفي معاملته بربه، وفي معاملته للخلق توسعت الدائرة، وزال ذلك المفهوم الذي يُقْصِر الغش في صورة من الصور، أو يحصره في أمر من الأمور، عندما يُذكر الغش ينصرف الذهن إلى ما يتعلق بالغش في المعاملات المالية في البيع والشراء ونحو ذلك، ولا شك أن هذا من المواضع المهمة التي ينبغي الإنسان أن يتوقَّاها، وأن يَبعُد عنها، لكن من الخطأ أن نقصُر الغش على ما يُكون في البيوع والمعاملات.

الغش يكون في البيوع، ويكون في المعاملات، ويكون في غيرها، وإنما جاءت الأحاديث في سياق هذا التنبيه على صور وقع فيها بعض الناس، لكن ليس هذا حصرًا ولا قصرًا على هذه الصورة.

فما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم مر برجل عنده صُبْرَة طعام يعني كومة من طعام، عَرَضها للبيع فأدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فيها، فلما أدخل يده صلى الله عليه وسلم أصاب يدَه بَلَلٌ، فنالت أصابعه صلى الله عليه وسلم بللًا في هذه الصبرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل: «مَا هَذَا؟» يعني أيش هذا البلل؟ ولماذا كان على هذا النحو؟ فقال الرجل: أصابته السماء يا رسول يعني أصابه مطرٌ، فكان سببًا لهذا البلل الذي أصاب أصابعه صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم في كلمة مختصرة مُوجَزة بيِّنَة واضحة معالِجة جليةً لهذا المسلك، قال -صلى الله عليه وسلم-: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ» أي: أفلا جعلت هذا البلل فوق الطعام يعني: ليس في أسفله حيث لا يراه الناس، بل في أعلاه حيث يراه الناس ويكونون على بصيرة فيما يُقْدِمون عليه من شراءٍ وعدمه «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي». [صحيح مسلم:ح102]

 هذه الكلمة جاءت في هذا السياق الذي هو خبرٌ عن حال النبي صلى الله عليه وسلم مع هذا الرجل الذي وقع هذا الإخفاء لهذا العيب بهذه الطريقة حيث جعل ما فيه بلل من الطعام في أسفله، ورفع الطيب الذي لا بلل فيه في أعلى الطعام، فخلط الرديء بالطيب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ لِيَرَاهُ النَّاسُ؛ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي» فالحديث وَرَدَ على سبب.

 لكن معلوم أن العبرة في الأحاديث النبوية والنصوص الشرعية بالعموم لا بخصوص السبب، العبرة بما دلَّ عليه عموم اللفظ لا بخصوص ما ورد فيه من سبب.

 وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم التحذيرُ من الغش في غير سياق هذا الخبر الذي فيه قصة صاحب الطعام فيما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَمَل عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا» ثم قال: «وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» [سبق] ، وهذا تحذير نبوي من هذا المسلك الذي يُورِدُ الإنسان الهلاك، ويفضي به إلى أن يتبرَّأ منه النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا من المهم أن نعرف أيها الإخوة والأخوات أن الغش من كبائر الذنوب ومن عظائم الإثم التي ينبغي للمؤمن أن يُبعِد نفسه عنها؛ لأنه الكبيرة هي ما ورد فيه عقوبة دنيوية كالحدود، أو عقوبة أُخْرَوِيَّة بذكر نوع العقوبة في الآخرة كالنياحة مثلًا: «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ». [صحيح مسلم:ح934/29]

 فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبَرَ عن عقوبة معينة من أنواع الكبائر، وكذلك إذا ورد في الذنب لَعْنٌ فإنه كبيرة، «لَعَنَ اللَّهُ الوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ» [صحيح البخاري:ح5933]  «وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ» [صحيح مسلم:ح1978/43]  كذلك إذا تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم من الفاعل لعملٍ من الأعمال فإن هذا يدل على أنه من كبائر الذنوب؛ لأن براءة النبي صلى الله عليه وسلم هي خروج عن الولاية التي تكون بين المؤمن، والصلة التي تكون بين أهل الإسلام، وهذا يدل على عظيم ما كان من ذنبٍ، وكبير ما كان من إثم بين ربه وبين الخلق.

لهذا قال: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» المقصود أن الغش لا يقتصر فقط على الجانب المادي، الآيات والنصوص في التحذير من الغش في باب المعاملات كثيرة منها قول الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين:1] ، فالتطفيف هو ما بيَّنَهُ الله تعالى في قولهم: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ*الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ [المطففين:1-2] ، يعني يأخذون كل الذي لهم عند غيرهم ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ [المطففين:3] ، وإذا جاء المقام في إعطاء الحقوق ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ [المطففين:3] ، وأيضًا قال الله تعالى: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ [الأعراف:85] ، والآيات في هذا كثيرة بما يتعلق بصنوف البياعات والمعاملات.

المقدم: عفوًا يا شيخ خالد هناك بعض الصور التي تتعلق نراها الآن، وهذه الأوضاع هنا ربما يكون هناك مثلًا زيادة في بعض الأسعار، أو في بعض المكونات وغيرها، قد يعمد بعض التجار إلى رفع الأسعار وغير ذلك، هل رفع الأسعار دون مبرر، ورفع الأسعار الفاحش كذلك هل يُعتَبر أو يدخل ضمن هذا الغش المنهي عنه؟

الشيخ: طبعًا أكيد أن هذا نوع من الغش، لا سيما إذا كان هذا يتضمن عدم علم المشتري بالحقيقة، يعني عدم علم المشتري بالحقيقة بحقيقة السعر، ومع الرفع الذي يخرج عن سعر المثل والسعر المعتاد، فهو نوع من الغش الذي يعاقب عليه الإنسان؛ ولهذا ينبغي للمؤمن أن يتقي الله -عز وجل-، وأن يبيع بالقسط وبالعدل، وكل شيءٍ لا ترضاه لنفسك في معاملة غيرك فإنك لا تعامل به غيرك؛ لأن هذا يتنافى مع الإيمان.

«لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» [صحيح البخاري:ح13] ، فالآن أحيانًا ما يجري من بعض الباعة من رفع أسعار، استغلالًا لظرف معين، أو لوضع معين مع أن السعر لم يوجد ما يوجِب رفعَه، يعني على سبيل المثال يعني من الأمثلة التي سمعناها حديثًا في أنواع الغش ما يفعله بعض أصحاب محطات البنزين من خلط البنزين الرديء بالجيد، بل يتجاوز الأمر إلى أن يُخلط مع البنزين ما ليس منه، مما يؤدي إلى تلف وتضرر، حتى لو لم يترتب عليه تلف ولا ضرر، لو قدر أنه لا ضرر على المستهلك في هذه الصورة من الخلط إلا أنه لا يجوز؛ لأنه يبذل ثمنًا على أن السلعة من النوع الفلاني بالسعر الفلاني، والواقع أنها على خلاف هذا، وقد خُلط فيها الرديء بالجيد، أو دُلس الأمر عليه على نحوٍ أُظهر أنه جيد، وليس الأمر على هذه الصورة.

 فهذا من الغش الذي يدخل فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا»؛ ولهذا أنا أقول يعني فيه قاعدة يسلم بها البائع من أي مؤاخذة في حق الله -عز وجل- هو أن لا يعامل الناس إلا بما يرتضيه لنفسه.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى» قال -صلى الله عليه وسلم-: «فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ» [صحيح مسلم:ح1844/46]  هذا الضابط من أسهل ما يكون، وأكمل ما ينبغي أن يعتنِي به الإنسان لتسليم نفسه من المؤاخذة، فإنَّ الله -جل وعلا- أمرنا بالعدلِ، والعدل أن يأتي الناس الذي يُحِبُّ أن يأتيه غيرُه إليه، أن يعامل الناس بما يحب أن يعامله به الناس، إذا حقق هذا فإنه يسلم من فسادٍ عظيم وانحرافٍ كبير، ويحقق بهذا استقامة في دينه وعدلًا في معاملاته الخلق.

المقدم: طيب، إن كان يقدم معلومات مغلوطة للحصول على قرض أو للحصول على بعض الاستحقاقات، هل هذا يدخل في باب الغش؟ حتى لو أنه يرى أنه فعلًا يستحق لكنه يقدم معلومات مغلوطة غير صحيحة، وفي الواقع هو وفقًا للشروط، الشروط هذه لا تنطبق عليه تمامًا، وإنما تحايل ببعض الحيل ليحصل على استحقاق معين، أو مال، أو مبلغ من المال.

الشيخ: بالتأكيد أن هذا نوع من الغش، ونأتي لقضية ثانية الآن، يعني تكلمنا قبل قليل؛ من الغش أن يغش الإنسان في معاملة غيره في المعاوضات المالية والمعاملات، البيع والشراء ونحو ذلك، لكن أيضًا من الغش ما ذكرت فيما يتعلق بمعاملة الحكومة على سبيل المثال، أو معاملة الجهات التي تمنح شيئًا وفق شروط معينة، إذا مَوَّه وأظهر أنه يستحق شيئًا، وهو في الحقيقة ليس أهلًا له فهذا من الغش الذي يتنافى مع ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن من الصدق والأمانة.

المقدم: والمال الذي اكتسبه يا شيخ، ما مصيره؟ وما حكمه؟

الشيخ: بالتأكيد حرام، لا يجوز مثل هذا؛ لأنه أخذه بغير حق، والمؤمن يجب عليه أن يتقيَ اللهَ -عز وجل-، وأن لا يدخل عليه شيءٌ إلا وهو متيقِّنٌ أنه مستحقٌّ لهذا الشيء، وإلَّا فالأصل أن لا يُسْمَح بدخوله، وأن لا يرضى بأن يصل إليه؛ لأن ذلك يُفضِي إلى أكل المال بالباطل، والله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [النساء:29] ، وهذا التحذير لأهل الإيمان ينبغي أن يكون حاضرًا في كل معاملاتهم، ونقول: الآن هل يرضى الإنسان أن يأتي أحد ويدلس عليه في تقديم شروط لا يستحقها، أو بتقديم أوصاف غير حقيقة لاستحقاق أمر لا يجوز أو لا يحل له؟! هذا إن مَوَّه على الناس فإنه لن يموه على الله -جل في علاه-، وسيختص بصاحب الحق، طبعًا هنا الحق في الغالب في المال العام، لكن لا فرق في الحرمة بين المال  العام والمال الخاص، بل المال العام ينبغي أن يُصانَ أكثر من المال الخاص؛ لأن المال الخاص له من يدافع عنه، والمال العام ينبغي أن نكون جميعًا في الدفاع عنه والمحافظة عليه لا سيما، وأن هذا المال نفعه لا يقتصر على شخص، بل نفعه مبذول للأمَّةِ جميعًا بكلِّ من استحق منه شيئًا.

المقدم: ربما تشترك أكثر من جريمة في هذه الواقعة، كذلك إضافةً إلى الغش أيضًا أنه يَحرِم غيره من المستحقين من هذا المال الذي كان أو كاد أن يذهب إليهم، لولا أن هذا قدَّم معلومات مضلِّلة ومغلوطة، وفي نفس الوقت حرم غيره بهذا السبب، وهذه نقطة أيضًا تُذكَر في هذا السياق.

شيخ خالد، أستأذنك في فاصل قصير، نستأذنكم فيه فضيلة الشيخ والمستمعين الكرام، نعود بعده لمواصلة هذه الحلقة في "الدين والحياة" وحديثنا مستمر عن موضوع هذه الحلقة عن: الغش.

حياكم الله من جديد مستمعينا الكرام، نتواصل معكم في هذه الحلقة المباشرة من برنامجكم "الدين والحياة" نرحب مجدَّدًا بفضيلة الشيخ: الدكتور خالد المصلح، حديثنا مستمر عن الغش في هذا اللقاء مع فضيلته.

 شيخ خالد حياكم الله، وقبل أن نسترسل في حديثنا عن الغش وقد أتينا إلى مفهومه، ثم إلى عددٍ من الصور التي تدخل ضمن مفهوم الغش، قبل أن نسترسل في بقية المحاور أستأذنك في أن نفتح بعض اتصالاتِ مستمعينا الكرام.

والاتصال الأول معنا من الأخ: عبد العزيز الشريف من الرياض، حياك الله أخ عبد العزيز، أهلًا وسهلًا فيك.

المتصل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله، حياك الله.

المتصل: حياكم الله يا شيخ عبد الله، كيف حالك؟

المقدم: حياك الله.

المتصل: أحييك وأحي فضيلة الشيخ، كيف حالك؟ وعساكم طييبن.

بالنسبة الآن للراعي على رعيته يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ رَاعٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» [صحيح مسلم:ح142/227]  ما معنى هذا الحديث وشرحه؟ حيث إن كثيرًا من الناس قد فهم هذا الحديث فهمًا خاطئًا، فنجده يجعل هذا الذي يفعل أشياء مِنْ غِشٍّ وغير ذلك أنه خالد مخلد في النار، أو أنه لا يزوره ولا يُسْأَل عنه، كم من يدخل إلى بيته دش فضائي أو قنوات فضائية يقولون: هذا الحديث منصب عليه، ويقولون: إن هذا الشخص لا خير فيه، وهو غاش مأواه النار، فكيف نفهم هذا الحديث على ضوء ما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله؟ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المقدم: شكرًا لك أخ عبد العزيز، مِن صور الغش - شيخ خالد - غش الراعي لرعيته، وهذه المسألة يعني ربما نحتاج إلى أكثر من تأكيد على هذه النقطة، خاصةً فيما يتعلق بأولياء الأمور وما ينبغي عليهم تجاه أبنائهم وبناتهم، وهذه نقطة جوهرية جدًّا ومهمة خاصة، فيما يتعلق بمسألة التربية ومراقبة الأبناء وتربيتهم والاهتمام بهم؛ هل هذا الأمر بمفهومه يعني أن أي تقصير يأتي من الأب أو الأم يكون هذا المقصر يدخل في هذا الحديث الذي ورد فيه هذا الوعيد؟

الشيخ: هذا الوعيد الشديد الذي جاء فيما رواه الإمام مسلم في صحيحه فيما رواه من حديث مَعقِل بن يسار المزني رضي الله تعالى عنه قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» [سبق]  وهذا الخبر المؤكد بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» يستوقف الحقيقة كل صاحب ولاية، وكل صاحب رعاية، ويستوقف كل راعٍ يرجو نجاة نفسه وسلامتها من هذا الوعيد العظيم الذي أخبر به من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم.

 فإن قوله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ رَاعٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» يستوجب التوقُّف للتفتيش عن النفس، هل سَلمت من غش رعيتي أولا؟ طبعًا عندما نقرأ هذا الحديث قد يحصر بعض الناس هذا الحديث في الرعاية العامة من رعاية أصحاب الولايات، وأصحاب السلطة، ولكن هذا الحديث لا يختص هذا الأمر بل يشمل كل من له ولاية، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [صحيح البخاري:ح893]  فقوله -صلى الله عليه وسلم- من حديث: «كُلُّكُمْ راَعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»  يدل على أن كل مَنْ له ولاية على أحد فإنه يجب عليه أن ينصح لذلك؛ لأجل أن لا يتناوله قوله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً». [سبق]

 وقد جاء في بعض روايات الحديث تقييد هذا العموم في بعض صوره، لكن هذا لا يقتصر على هذه الصورة.

ففي رواية «مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ لَا يَشْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ إِلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ» [صحيح مسلم:ح142]  هذه صورة من صور الولاية والرعاية التي تدخل في الحديث مما يستوجب النصح؛ ولذلك يعني المهم في مثل هذا الحديث، لا كما يفعله بعض الناس النظر إلى عمل غيره، كثير من الناس يسمع مثل هذه الأحاديث فيهتم وينصرف ذهنه إلى عمل غيره، وينسى أن هذا التحذير من الغش ليس مقصورًا على الناس الذين تحكم على فعلهم، بل هو حاكمٌ على كلٍّ، أو شاملٌ لكلِّ مَنْ له ولاية، ولكلِّ مَنْ له رعيَّة، فأنت راعٍ في بيتك مسؤول عن رعيتك، فاحذر أن تكون ممن يدخل في قوله: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» [سبق] ، فينبغي أن لا تنصرف أذهانُنا وهِمَمُنا إلى الحكم على أفعال الناس، ونغفُل عن الحكم على أفعالنا، ومدى سلامتها وقيامها بالواجب تجاه من ولَّانا الله تعالى إياهم، وجعلهم تحت رعايتنا.

فأقول: على سبيل المثال: الأب في البيت راعٍ للبيت يجب عليه أن يبذل النصحَ لهم، وأن يبعد عنهم كل سوءٍ وشرٍّ بما يستطيع ويقدر، الأم في البيت كذلك راعية في بيتها يجب عليها أن تبذل جهدها وطاقتها في النصح لزوجها، ولأولادها، ولأسرتها.

 الابن الأكبر أو البنت الكبرى كذلك هو مع كل واحد له كلمة على غيره في نوع توجيهٍ، أو رعاية هو في الحقيقة يدخل في عموم هذا الحديث.

أيضًا الذي يتولى المصالح العامة بشتى صورها ومراتبها، يعني لا يلزم أن يكون مدير مصلحة، أو مدير منطقة، أو وزيرًا، أو أميرًا، أو نحو ذلك، بل حتى لو كان في ولايةٍ خاصة بأن يكون عنده عمل؛ أنا موظف مثلًا في البلديات على سبيل المثال منوط بالتفقُّد سلامة الشوارع، نظافة الشوارع، هذه ولاية يجب أن أنصح فيها، هذه نوع من الرعاية التي وُكِلَت إِلَيَّ يجب أن أنصح بأن أقوم بما يجب بتحقيق النظام، بتحقيق المطلوب مني لأجل أن أدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ رَاعٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِه إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ». [سبق]

 ولهذا ينبغي أن يُفهَم الحديث بعمومه أن جميع أصحاب الولايات، جميع أصحاب المسؤوليات بشتى صور هذه المسؤولية؛ مسؤولية شرعية قد تكون مكتسبة من الشرع كولاية الرجل على بيته، وولاية المرأة في بيت زوجها وعلى أولادها، وقد تكون مستفادة من العُرْف، وقد تكون مستفادة من النظام، وقد تكون مستفادة من الوظيفة، فكلُّ من له رعاية بأي وجه اكتسبت هذه الرعاية والولاية ينبغي أن يحذَرْ أن يكون مفرِّطًا في النصح لمن تولى شأنهم؛ وذلك ليسلمَ مِنْ أن يطاله هذا الوعيد الشديد الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِه إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»، وقوله: «غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ» هذه يدل على أنه يقصد، ويعمل على خلط الرديء بالجيد على عدم القيام بالأمانة.

لكن لو أخطأ مثلًا وهو باذل النصح والجهد في التهديد والإصابة، وإدراك المطلوب فهنا لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ونقول كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» [صحيح البخاري:ح7352، ومسلم:ح1716/15]  فينبغي التفريق بين الخطأ الذي ينتج عن الطبع البشري والعمل الإنساني، وبين تعمد الإساءة أو عدم القيام بالأمانة، هناك تفريط وهناك إفراط، الغش الناتج عن تفريط أو عن تعدٍّ هو الذي يدخل في هذه العقوبة، وهو الذي يدل على أنه من كبائر الذنوب، هذا من الأدلة على أن الغش من كبائر الذنوب كما قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا». [سبق]

المقدم: نأتي على بعض الصور يا شيخنا لو كان بشكل مختصر، هذه يعني صور عديدة ربما يعني بعضها تثير إشكالات أو بعضها يكون هذا الأمر موجود في بعض المجتمعات، أحيانًا قد يكون أثناء التعامل مع غير المسلمين هناك من يقول: إنني إذا غششت هذا الذي أمامي فلن أكون مُذْنِبًا؛ لأنه غير مسلم مثلًا كيف يمكن أن نرد على هؤلاء؟

الشيخ: لا، هذا غير صحيح، عدم الإسلام لا يعني أن تبخس الحقوق، الله -جل وعلا- في معاملة غير المسلم جعلنا بين أمرين، هذا غير المسلم الذي لم يتعدَّ ولم يحارب، قال الله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ [الممتحنة:8] ، فمعاملة المسلم مع غير المسلمين الذين ليس بينهم وبين المسلمين حرب هي دائرة بين العدل والفضل، الفضل بالإحسان والبر، والعدل بإعطاء الحقوق ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة:8] ، ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْوهذا الفضل والإحسان، ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ﴾، وهذه مرتبة العدل وهو القسط الذي يجب لا النزول عنه، وقد قال الله تعالى حتى مع الأعداء قال: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة:8] ، فلا تحمل العداوة - حتى إذا كانت هذه العداوة يعني بحروب وغيرها - على أن يظلم الإنسان.

 ولذلك ينبغي أن لا يستبيح الإنسان حق أحدٍ من الخلق، فالظلم مُحرَّم في كل صوره: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمُ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا» [صحيح مسلم:ح2577/55]  لا في المال، ولا في النفس، ولا في العِرْض، وكونه لا يؤمن بالله واليوم الآخر، هذا لا يسوغ بحال من الأحوال أن يُبخَس حقُّه.

المقدم: وقد يساهم هذا الأمر يا شيخنا في التنفير إذا ما رأى هؤلاء غيرُ المسلمين هذا الرجلَ المسلم يغش في معاملاته، وبالتالي يعكس صورة غير صحيحة عن ديننا الإسلامي الحنيف، وهذه من الأمور يكثر الحديث عنها والتحذير منها خاصةً في دول الأقليات الإسلامية.

هناك نقطة أيضًا شيخنا تتعلق بالنظرة الشرعية أحيانًا قد يكون هناك نوع من التزين من المخطوبة إلى خطيبها مثلًا، هناك بعض الصور التي تقع أيضًا فيما يدخل في باب الغش، حبذا لو كان نتحدث عن هذا الجانب بشكل مختصر.

الشيخ: أخي الكريم هو فيما يتعلق بصور الغش مثل ما ذُكِرَ، صور الغش ليس لها حَدٌّ ولا حصر؛ لأنها تختلف وتتنوع، وتتشكل باختلاف وتنوع صنوف المعاملات وأنواعها، يعني لما نتكلم عن الغش في البيع نجد صورًا لا حصر لها، عندما نتكلم مثلًا عن الغش في العلاقات الزوجية سواء في ابتداء الزواج بأن تكون المرأة تُظْهِر خلاف الواقع من حقيقتها وجمالها، وكذلك الرجل يخفي عيوبًا، ويدلس في أمور ليستر عَيْبًا حتى يُقبَل، كل هذا من الغش الذي جاءت الشريعة بتحريمه.

المقصود أنه نحن نعرف أنه ينبغي في كل علاقتنا، في كل معاملاتنا، في كل أحوالنا أن نجتهد في إفراد الحقيقة، في أداء الأمانة، في تجنب التضليل والتغرير؛ ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-  في البيع قال: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» [صحيح البخاري:ح2079]  فذكر النبي صلى الله عليه وسلم المحق والمباركة.

المباركة كثرة الخير والبر والإحسان والفضل والخير في الدنيا والآخرة، طريقها البيان والصدق، وخلاف هذا الكذب والكتمان، وهما مدار كل صور الغش؛ لأن الغش يدور إما على كذب، وإما على كتمان، كذب بالإخبار بخلاف الحقيقة، أو كتمان وهو إخفاء العيب الذي تنقص به الرغبة في المعاملة. فينبغي أن يحقق الإنسان هذين المعنيين في كل معاملاته سواء كانت معاملات مالية، أو كانت معاملات اجتماعية، أو كان فيما يتعلق بصلة الإنسان بربه، أو في صلة الإنسان بولاة الأمر، أو صلة الإنسان بالناس، أو صلة الإنسان بولده وأولاده  وأزواجه، كل هذا ينبغي أن يكون مستحضرًا في هذا الأمر.

ومن النصح الذي ينبغي أن يُعتني به أيضًا النصح للأمة، النصح للوطن، النصح لولاة الأمر، فمن النصح لولاة الأمر يكون قائمًا على أمرين:

أولًا: بالذب عنهم، وعدم الخروج عليهم بقولٍ أو عمل.

الأمر الثاني: أن يكون بأداء الأمانة التي تحملها الإنسان تجاه هؤلاء الذين قلدوه أمانة الولايات أو الأعمال أو نحو ذلك، وبهذا يتحقق النصح لولاة الأمر، وكذلك في دلالتهم على الخير وتحذيرهم من الشر، وبيان طرائق الحق، والتحذير من طرائق الشر هذا كله مما يندرج في النصيحة لولاة الأمر.

المقدم: أحيانًا يا شيخ خالد يكون هناك استخدام لبعض البرامج التي تضيف تغييرات على الصور والمقاطع وغيرها، خاصة الصور الشخصية أحيانًا، وينسب هذا الشخص هذه الصورة، أو مثلًا: إذا كان هناك نوع من التجميل والتحسين ينسبه إلى نفسه باستخدام مثل هذه البرامج، هل هذا الأمر يدخل في باب الغش؟

الشيخ: إذا كان يظهر الأمر على خلاف حقيقته، ويستعمل في جذب لأمرٍ كترويج مثلًا سلعة، أو الترغيب في أمر من الأمور حتى  لو لم يكن سلعة، يعني هذا بعض أصحاب السنابات يذهب للمحل يسوي له دعاية، وتجده يصور الأمر على أنه أكبر ما يكون مما يحقق نجاحًا للمستهلكين، وبالتالي يضروا أنفسهم بالمجيء، حتى لو جاؤوا ولم يشتروا، لَمَّا تدعوهم إلى مكان تقول: تعالوا شوفوا هذا المكان، هذا المكان جميل وما أدري أيش، وهو على خلاف الأمر. أنت في الحقيقة كلفتهم عناءً للمجيء إلى مكان ليس فيه ما وصفت، وهذا نوع من التغرير.

 فضلًا عما إذا كان هناك شيء زاد على هذا، كأن تُغَرِّر بشراء شيء، أو بالإقبال على شيء، كما أن الحقيقة نحن بحاجة إلى وعي، وأنه الصورة لا تكتمل بمقطع، أو بزاوية، صورة الأمر تُعلم بتفاصيل، وليس بطريقة العرض، إنما بحقيقة السلعة، وتحقيقها للمطلوب؛ لأنه أحيانًا العرض والتغليف وطريقة التسويق تُعمي الإنسان عن الجوهر، واليوم كما يُقال: التحدي في التسويق أكبر منه في جودة المنتج والسلعة.

المقدم: في دقيقة يا شيخ موضوع شهادة المحاكم؛ بعض الناس يعرضون أنفسهم للشهادة عندما يحتاجها أي شخص أمام أبواب المحاكم في مقابل أنهم يتقاضون أموالًا على هذا الأمر.

الشيخ: هذا لا يجوز بالتأكيد، كونه يشهد بهذا هذا من شهادة الزور، وسنتكلم -إن شاء الله تعالى- بشيء من التفصيل في قول الزور في حلقةٍ قادمة -إن شاء الله تعالى-، لكن هذا من الغش، بالتأكيد أن هذا من الغش الذي يترتب عليه أكل المال بالباطل «أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ» [صحيح البخاري:ح5976]  وكونه يتقاضى مقابل هذا لا يسوغ له أن يشهد بما لم يعلم.

المقدم: أحسن الله إليكم، بارك الله فيكم وفي علمكم، ونفع الله بكم الإسلام والمسلمين، شكر الله لكم فضيلة الشيخ الدكتور: خالد بن عبد الله المصلح أستاذ الفقه في كلية الشريعة بجامعة القصيم، المشرف على فرع الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء في منطقة القصيم.555

 

مواد تم زيارتها

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف