السبت 9 ربيع أولl 1442 هـ
آخر تحديث منذ 4 ساعة 6 دقيقة
×
تغيير اللغة
القائمة
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو Hausa
السبت 9 ربيع أولl 1442 هـ آخر تحديث منذ 4 ساعة 6 دقيقة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأعضاء الكرام ! اكتمل اليوم نصاب استقبال الفتاوى.

وغدا إن شاء الله تعالى في تمام السادسة صباحا يتم استقبال الفتاوى الجديدة.

ويمكنكم البحث في قسم الفتوى عما تريد الجواب عنه أو الاتصال المباشر

على الشيخ أ.د خالد المصلح على هذا الرقم 00966505147004

من الساعة العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهرا 

بارك الله فيكم

إدارة موقع أ.د خالد المصلح

×

لقد تم إرسال السؤال بنجاح. يمكنك مراجعة البريد الوارد خلال 24 ساعة او البريد المزعج؛ رقم الفتوى

×

عفواً يمكنك فقط إرسال طلب فتوى واحد في اليوم.

مرئيات المصلح / برامج المصلح / الدين والحياة / الحلقة (101) الغيرة من أخلاق الكرام.

مشاركة هذه الفقرة

الحلقة (101) الغيرة من أخلاق الكرام.

تاريخ النشر : 27 صفر 1440 هـ - الموافق 07 نوفمبر 2018 م | المشاهدات : 1041

المقدم: حياكم الله مستمعينا الكرام مرحبًا بكم إلى هذه الحلقة المباشرة من برنامجكم "الدين والحياة"، وحديثنا اليوم عن الغيرة.

 مستمعينا الكرام! إن من محاسن ديننا الإسلامي الحنيف الاهتمام بمكارم الأخلاق، قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «إنَّما بُعِثْتُ لأُتممَ صالحَ الأخلاقِ» مسند أحمد (8952)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد ،  ولما بعث النبي –صلى الله عليه وسلم- أقرَّما كان عليه الجاهليون من أخلاق حسنة، وألغى ما كانوا عليه من أخلاق، رديئة وهذب ما كان يحتاج إلى تهذيب.
ومن مكارم الأخلاق التي أقرها الإسلام غيرة الرجل على أهله. حتى حديثنا في هذه الحلقة بشكل عام عن موضوع (الغيرة) مع فضيلة الشيخ الدكتور خالد المصلح! حياكم الله الشيخ خالد من جديد، وفي البداية حبذا لو نعرف موضوع (الغيرة)، ومفهوم الغيرة قبل أن نتحدث عن بقية الجوانب التي تأتي معها، تفضل يا شيخ.
الشيخ:- الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد..
الأخلاق منظومة مكتملة بقدر ما يحقق الإنسان فيها رقيًّا وسموًّا، بقدر ما ينال من السكن والفوز، ذاك أن النبي –صلى الله عليه وسلم- أَجمَلَ ما بعث به فقال: «إنَّما بُعِثْتُ لأُتممَ صالحَ الأخلاقِ»، وصالح الأخلاق منها ما هو معروف بالفطرة، ومنها ما هو معروف بما توافق عليه الناس، كمعرفتهم مثلا بعيب الكذب وذمه، ومعرفتهم بطيب الصدق وفضله، معرفتهم بطيب الكرم والثناء على أهله، خصال من الأخلاق عديدة سواء منها ما كان محمودًا أو ما كان منها مذمومًا.
نجد أن النصوص الشرعية جاءت مقررة لها، وهي مما تدعوا إليها النفوس الكريمة، وتوافقت عليها البشرية، ومن الأخلاق ما يمكن أن يكون قد انحرف بزيادة أو بنقص، فجاءت الشريعة بتقويمه وتهذيبه، وجاءت فيه بالوسط الذي ميَّز الله تعالى به هذه الشريعة على سائر الشرائع، وعن سائر الأديان كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ البقرة: 143 .
الأخلاق المحمودة التي ركزت في فطر الناس، عمل الشريعة فيها من جهتين:
الجهة الأولى:- تقرير فضلها، وبيان أجرها ومحاسنها، وكريم ما أعد الله تعالى لمن تخلق بها.
الجانب الآخر:- تقويم هذه الأخلاق بالوسط الذي يخرجه عن قصد طرفي الأمور؛ فإن قصد طرفي الأمور ذميم، كما قال الشاعر، وبالتالي الوسطية هي في أن يكون الإنسان سائرًا على نحو من الاعتدال والاستقامة التي لا زيادة فيها ولا نقص، لا يجور فيها على جانب من جوانب النفس، ولا يميل فيها بإجحاف أو بتقصير، بإفراط أو تفريط فليس ثمة زيادة ولا نقص.
من تلك الخصال والأخلاق التي جاءت الشريعة بتقريرها وبيان فضلها مع تقويمها وتهذيبها والخروج بها عن الشطط والغلو، كذلك الخروج بها عن التفريط والتقصير (الغيرة).
الغيرة فطرة في نفوس الناس، فإن النفوس مفطورة على حب الانفراد ودفع المشارك في الشيء، وهذا مما تواطأت عليه نفوس البشرية، لاسيما فيما لا يقبل الشركة، ولذلك الغيرة التي نتحدث عنها في هذا اللقاء هي بهذا المفهوم: كراهية شراكة الغير فيما يختص به الإنسان، وهذا يُخرج ما تأذن به النفوس من الشراكة في التجارات، الشراكة في الأملاك، الشراكة في المصالح المشتركة التي تسع الناس.
نحن نتحدث عن الشراكة فيما يختص به الإنسان، هذه غريزة في الرجال والنساء، بل في الإنسان والحيوان، فإن الله تعالى فطر الإنسان على كراهية المشارك المنازع فيما يختص فيه الإنسان، فيما يختص فيه المخلوق.
ولهذا هذه الغريزة جاءت الشريعة بتقويمها حتى لا تطغى فتحمل الإنسان على الاعتداء والاستئثار والبغي والعدوان، وجاءت بتهذيبها وتقرير فضلها حتى لا يضيع نصيب الإنسان مما يختص به، فتقع بذلك المفاسد، وتقع بذلك المكروهات التي لا يستقيم بها معاش الناس، وينعكس هذا على ميعادهم وآخرتهم نقصًا وفسادًا.
إذًا الغيرة هي من حيث الأصل خصلة فطرية غريزية في بني آدم، جبلهم الله تعالى على ذلك والشريعة جاءت فيها بالتقويم، وإذا ما سُمِّيت الغيرة بهذا الاسم لأجل أن وجود المشارك فيما يختص به الإنسان يستثيره فيُغَيِّر قلبَه ومزاجه، ويخرجه من حال الاعتدال والسكون إلى حال الهيجان والغضب والكراهية.
ولهذا كانت هذه الخصلة عندما تزيد مبعثَ ومفتاحَ المشاكل، وعندما تنقص كذلك تكون حاملة على رذائل ونقائص، والعدل في أن يسير الإنسان في الغيرة على حال من الوسطية التي يتحقق له بها الكمال في دينه والطيب في معاشه، ويسلم من مساوئ ونقائص الغلو في الغيرة، في الزيادة أو الجفاء في الغيرة بالنقص، يسلم من الإفراط والتفريط.
ولنعلم أيها الإخوة الكرام أنه ما من خصلة من الخصال، إلا ويكتنفها طرفان؛ فالشجاعة خصلة محمودة، لكن عندما تكون في غير محلها تكون تهوُّرًا، وعندما تفقد في مكانها تكون جُبنًا، والمطلوب: هو الإقدام في مواطن الإقدام والقوة في مواطنها، لذلك كل من خرج عن هذا الصراط القويم والوسطية التي جاءت بها الشريعة في كل المناحي والأخلاق كذلك لابد أن يناله شيء من التعثر في مسيره.
وقد نبه النبي –صلى الله عليه وسلم- إلى أن الغيرة- وهي خصلة من الخصال الجبلِّيَّة الفطرية- منها ما يحبه الله، ومنها ما يبغضه الله، والذي يحبه الله هو ما كان موافقًا لشرعه، حاملًا على الفضائل محقِّقًا للمقاصد الشرعية داعيًا إلى المكرُمات، حاملًا للإنسان على الانكفاف عن كل الرزايا والنقائص، أما ما يبغضه الله تعالى من الغيرة فهي ما كان حاملًا للإنسان على الخروج عن الصراط المستقيم، سواء كان ذلك بزيادة أو بنقص.

 جاء في السنن والمسند من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله تعالى عنه- أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «إنَّ مِن الغَيرةِ ما يُحِبُّ اللهُ ومنها ما يُبغِضُ اللهُ»فقسم النبي –صلى الله عليه وسلم- هذه الخصلة الطبيعية الفطرية الغريزية إلى قسمين: محبوب لله، ومبغوض لله، فقال –صلى الله عليه وسلم- فأما الغيرة التي يحب الله، فالغيرة في الريبة، يعني الغيرة التي يكون باعثها وجود ما يريب،ما يدعو للاشتباه، ما يدعو للمبادرة لكف الشر ومنعه، ولذا قال: «الغيرة في الرِّيْبَة»، ليس المقصود في الريبة ما يكون شكًّا أو ظنًّا أو وهمًا، إنما المقصود بالريبة ما يكون داعيًا موجبًا للمبادرة بكف الشر وقصره، ثم قال –صلى الله عليه وسلم- «وأمّا الغَيرةُ الَّتي يُبغِضُ اللهُ فالغَيرةُ في غيرِ اللهِ» » [سنن أبي داود:ح2659، مسند أحمد:ح23747، وحسنه الألباني في الإرواء:ح1999] ، يعني الغيرة التي لا باعث لها، التي ليس لها سبب، وحتى نعرف نموذجًا من نماذج الإفراط والتفريط والعدل فيما يتعلق بالغيرة ننظر إلى ما كان عليه الجاهليون في زمن الجاهلية قبل الإسلام.
كانت غيرتهم على محارمهم تحملهم على أنواع من التصرفات الجائرة التي جاءت الشريعة بتحريمها والنهي عنها، وإن كان الباعث عليها هو هذا الباعث الغريزي الفطري، لكنه تَجَاوَزَ الحد، وخرج عن الصراط المستقيم، خرج عن العدل، خرج عن الوسطية، فجاءت الشريعة تنهى عنه بما يتعلق بوأد البنات، كان العرب في الجاهلية يئدون البنات، ويكرهون مجيء البنات، حتى كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ النحل: 58   وفي الآية يقول: ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾ النحل: 59   يعني على مَذَلَّة وكُره ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ بوأده، فيقع في هذه الحيرة، وفي هذين الاختيارين المذمومين.
والحامل على ذلك هو كراهية أن يلحقهم سوء من قِبَل بناتهم بمقارفة فاحشة، أو بالوقوع في سيئة، هذه غيرة تجاوزت الحدَّ فأوقعت في المذموم؛ فهي من الغيرة المذمومة التي يكرهها الله تعالى ويبغضها، ومن المعاني الرديئة في الغيرة التقصير بعدم وجود الغيرة، وغياب الغيرة بعدم حفظ المحارم، وعدم الكراهية لأن يطالهم شر أو أن يتورطوا في فساد وضر، وذاك ما كان عليه الجاهليون من صور الأنكحة التي كانت موجودة من البغايا، والرايات التي ترفع على البيوت الموبوءة بالبغاء ونحوه.
وهذا لا يُقَرُّ في مجتمع إلا لغياب الغيرة، فإن المجتمع الصحي السليم لا يقبل بارتفاع رايات البغاء فيه؛ لما في ذلك من منافاة الفطرة، ولما فيه من الفساد العريض الذي جاءت الشرائع جميعًا بالتحذير منه، والنهي عنه؛ ولما فيه من المفاسد المترتبة على هذا المسلك المذموم من فساد أنساب الناس، وشيوع أنواع من البلاء والمرض والشر بينهم بانتشار البغاء.
هذا نموذج لطرفي الأمور التي جاءت الشريعة بالنهي عنها، نحن نتحدث عن الوسط، فإن الغيرة صفة محمودة إذا كانت على الوجه الذي يرتضيه الله تعالى ورسوله، كما جاء ذلك في قول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ اللهَ تعالى يَغارُ» فأثبت لله تعالى هذا الفعل، وهذا الحديث في الصحيحين في البخاري، ومسلم، يخبر فيه النبي –صلى الله عليه وسلم- عن أن الله تعالى يغار، ومعلوم ما لله من الصفات ينبغي أن يُقرَّ على ما أخبر به النبي –صلى الله عليه وسلم- وما جاء به من القرآن من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل، ولا يماثِل ما أضيف له –جل وعلا- من حيث الكيفية ما يكون للمخلوقين«إن الله يغار»، ثم قال –صلى الله عليه وسلم- في بيان معنى غيرة الله قال: «وغَيرَةُ اللهِ أن يأتِيَ المؤمِنُ ما حَرَّمَ اللهُ عليهِ» صحيح البخاري (5223)، ومسلم (2761) .
انظر هذا الحديث العظيم الذي فيه عظيم ما للمؤمن من المكانة عند الله –عز وجل-، الله –عز وجل- لمحبته لعبده المؤمن يغار أن يقع فيما حرم؛ لأن وقوعه فيما حرم هو خروج عما اصطفاه الله تعالى به، وخصه به، واختصه من أن جعله من عباده المتقين وحزبه المفلحين، فيغار الله تعالى على عبده المؤمن أن يقع فيما حرم عليه، وهذا من معاني الغيرة الثابتة له -جل في علاه-، وهي مما ذكره النبي –صلى الله عليه وسلم- في حق الإنسان على وجه الحمد والمدح، فقد قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «الْمُؤْمِنُ يَغارُ، واللَّهُ أشَدُّ غَيْرًا» صحيح مسلم:ح2761/38 .
فأثبت للمؤمن غيرة، وأثبت أن الله تعالى أشد غيرة على محارمه -جل في علاه-، ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود «ما مِن أحَدٍ أغْيَرُ مِنَ اللَّهِ، مِن أجْلِ ذلكَ حَرَّمَ الفَواحِشَ، وما أحَدٌ أحَبَّ إلَيْهِ المَدْحُ مِنَ اللَّهِ» صحيح البخاري (4634)، ومسلم (2760) ، فالله –عز وجل- سبحانه وبحمده- يغار؛ ولذلك حرم على عباده الفواحش لما فيها من النقص عليهم، وإخراجهم عما اصطفاهم له، وكرمهم من أجله، وهو أنهم عباده -جل في علاه-.
هذا يفسر لنا ارتباط الغيرة بإقامة شعائر الله –عز وجل-، فالغيرة التي جاءت الشريعة بمدحها هي ما حمل الإنسان على الطاعة والإحسان، وكفِّه عن الخطأ والعصيان، هذه هي الغيرة المحمودة شرعًا، والتي أثبتها النبي –صلى الله عليه وسلم- للمؤمن في قوله: «المؤمن يغار»فيحمله هذا على أن يحفظ نفسه مما يغضب ربه، وذلك بحملها على الطاعة والإحسان وبكفها عن الخطأ والعصيان.
أما ما يتعلق بأوجه الغيرة الطبيعية التي ليس لها للإنسان فيها أجر، فهي انفعال طبيعي، هي ما كان فيه كارهًا للمشاركة لما يختص به، ولكن إن حمله هذا على ظلم أو اعتداء كان مذمومًا، وإن لم يحمله ذلك على ظلم ولا اعتداء، فإنه لا يكون بذلك مذمومًا.
إذًا الآن أخي عبد الله، أيها الإخوة والأخوات الكريمات! عرفنا ما هي الغيرة المحمودة التي أثبتها النبي –صلى الله عليه وسلم- للمؤمن بقوله: «المؤمن يغار»، يغار كما ذكرت على نفسه فيحمله على الطاعة، والقيام بما أمر الله تعالى والانتهاء عما نهى عنه –سبحانه وبحمده-، يغار على أهله من زوجة وولد، فتجده قائمًا بكل ما يقربهم إلى الله –عز وجل-، متألِّما إذا وقعوا فيما يكرهه الله –عز وجل-، يسعى آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، محبًّا للخير كما أمر الله تعالى في قوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ طه: 133   وكما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ التحريم: 6   يغار المؤمن عندما تنتهك حرمات الله –عز وجل-، فتجد منه من الكراهية والغضب والامتهان في نفسه على ما توجب الشريعة دون أن يكون في عودة لمحرم عندما تنتهك شعائر الله، عندما يمتهن دين الله –عز وجل-.
ولهذا من صفات النبي –صلى الله عليه وسلم- التي حفظها الصحابة عنه أنه –صلى الله عليه وسلم- ما انتقم لنفسه –صلى الله عليه وسلم- في موقف من المواقف، فإن النبي –صلى الله عليه وسلم- كان لا ينتقم لنفسه، وإنما إذا انتهكت حرمات الله وجد منه الانتقام لشرع الله.
في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «ما انتقم رسولُ اللهِ -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- لنفسِه قط إلا أن تُنتهكَ حرمةٌ من حُرُمِ اللهِ» صحيح البخاري (3560)، ومسلم (2327)   فينتقم لله، وهذا من غيرة النبي –صلى الله عليه وسلم- لربه، وقيامه بحقه -جل في علاه- أنه لا ينتقم لنفسه، إنما ينتقم –صلى الله عليه وسلم- لحدود الله وشعائر الله إذا انتهكت، أو امتهنت، أو لم يُقِمْها الإنسان على النحو الذي شرعه الله –عز وجل-؛ فلذلك ينبغي للمؤمن أن يعرف أن من مقتضيات الغيرة أن يغضب عندما يرى منكرًا، ويسعى في إزالته وفي تغييره، كما قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «من رأى منكم منكرًا فلْيغيرْه بيده، فإن لم يستطعْ فبلسانه، فإن لم يستطعْ فبقلبِه، وذلك أضعفُ الإيمان» صحيح مسلم (49) .
هذا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحامل عليه في الحقيقة هو ما يقوم في قلب المؤمن من الغيرة على شعائر الله وحدود الله، من تعظيم الله وتعظيم حرماته وشعائره، ولذلك قال النبي –صلى الله عليه وسلم- فيما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال –صلى الله عليه وسلم- «من رأى منكم منكرًا فلْيغيرْه بيده فإن لم يستطعْ فليغيره بلسانه فإن لم يستطعْ فلْيغيرْه بقلبِه، وذلك أضعفُ الإيمان» قوله: «أَضْعَفُ الإيمان»يبين أنه أدى المراتب التي يكون عليها الإنسان، ولهذا ينبغي أن يعرف الإنسان أن تغييره للمنكر هو من غيرته على حدود الله، وقيامه بشعائر الله –عز وجل-، وهذا فيما يتعلق بإقامته في نفسه وأهله، ومن له عليهم ولاية، بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وما يتعلق بالخارج عن ذلك هو يفعل  في ذلك ما يتمكن من دلالة الناس إلى الخير على نحو ما توجبه الشريعة، وتأمر به النصوص الشرعية.
ولهذا ينبغي أن يضبط ذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة، دون أن يَنْجَرَّ الإنسان إلى الوقوع فيما هو أعظم مفسدة أو أكثر شرًّا وفسادًا، فإن مقصود الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الإصلاح، فكلما خرج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن الإصلاح لم يكن معمولًا به، بل هو مما نُهي عنه، ولذلك قال ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- لما قيل له في صلاته وراء عثمان -مع كونه ينكر عليه رضي الله تعالى عنه ما كان من إتمام الأربع-: قال -رضي الله تعالى عنه- :"الخلاف شرٌّ" [أخرجه عبد الرزاق في مصنفه:4269، والطبراني في الأوسط:6637. وصححه الألباني في الصحيحة:1/444] ، فلم ينكر ولم يباين لأجل ما في ذلك من الشرِّالمترتب على الإنكار العملي في مثل هذا، حيث وافق عثمان مع مخالفته إياه في التوجيه.
المقصود أن الذي ينبغي أن يستحضره الإنسان فيما يتصل بهذا الأمر أن الغيرة تحمل على فعل المعروف وترك المنكر، هذا في المجال الشخصي تحمل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيما يتعلق بما يشهده الإنسان ويراه كما كان عليه عمل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
عندما تفرغ يا أخي عبد الله الغيرة ويتحدث عنها الناس، غالبًا يكون الحديث عن الغيرة المتعلقة بعلاقة الرجل بامرأته، علاقة الأزواجـ وهذا وإن كان هو المنصرف إليه الذهن في كثير من الأحيان عندما يُتحدَّث عن الغيرة، لكن الغيرة أوسع من ذلك وأشمل من هذا، ولا تقتصر على ذلك، الغيرة على محارم الله، على شريعة الله على دين الله توجب صيانة الشريعة وتعظيم شعائر الله وحدوده وتحقيق الإيمان وخصاله، صيانة الأعراض وحفظ الحرمات، نشر الفضيلة في المجتمع، وهي من خصال الكرم والفضل والشيم، ومن دواعي الفطرة.

 ما يتعلق بغيرة المرأة على زوجها أو العكس الرجل على امرأته، هي في الحقيقة منها ما هو طبيعي، ومنها ما يؤجر عليه الإنسان إذا كان ذلك حاملًا للشخص على القيام بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجاه زوجته أو الزوجة تجاه زوجها، وما إلى ذلك.
لكن ثمة ما يتعلق بالحظ الشخصي هذا من المأذون فيه مما لا حرج فيه، إلا أن يحمل الإنسان على الاعتداء، عند ذلك يكون هذا النوع وهذا النمط من الغيرة مذمومًا، فمثلًا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر بما يكون من غيرة الرجل على أهله التي تحمله على صيانتهم وحفظهم، والسعي لهم بكل خير، والدفع عنهم بكل شرٍّ، إليك هذا النموذج الذي ذكره البخاري ومسلم من حديث المغيرة قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلًا يقول: للنبي –صلى الله عليه وسلم- أو في مجلس النبي –صلى الله عليه وسلم-، في بعض الروايات هكذا، وبعض الروايات قالها في مجلس وبلغ ذلك النبي –صلى الله عليه وسلم- قال سعد بن عبادة- وهو من كبار الأنصار رضي الله تعالى عنهم- قال: "لو رأيت رجلًا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح" يعني ضربته ضربة قاتلة؛ لأن الضرب بالسيف إما بحده أو بالصفحة، الضرب بالحد يقتل، والضرب بصحفته وعرضه لا يحصل به قتل، إنما يحصل به إيلام وعقوبة.
بلغ ذلك النبي –صلى الله عليه وسلم- فقال: «تعجَبونَ مِن غَيرةِ سعدٍ فواللهِ لَأنا أغيرُ منه، واللهُ أغيرُ منِّي» صحيح البخاري (6846)، ومسلم (1499)   ومن أجل غيرة الله حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ثم بين النبي –صلى الله عليه وسلم- أن مع هذه الغيرة التي يتصل بها الله –عز وجل- إلا أن الله -جل في علاه- يحب العذر، فلا أحد أحب إليه من العذر من الله –عز وجل-، فهو –جل وعلا- يحب أن يَعذُر عبادَه، وأن يصفح عنهم، ويتجاوز بما يكون مما يوجب العفو والصفح والتجاوز.
المقصود أن النبي –صلى الله عليه وسلم- ذكر صورة بلغته، صورة غيرة سعد على أهله، فكان منه ما كان، وهذه الغيرة لا تختص المرأة الزوجة بل تكون للزوجة، وتكون للبنت، وتكون للأخت، وتكون لغير ذلك، لكن ذكر الزوجة؛ لأن حق الرجل فيها أعظم من حق غيره، ولذلك ذكرها سعد بالنص، وعلق النبي –صلى الله عليه وسلم- على ذلك لما بلغه من قوله: «تعجَبونَ مِن غَيرةِ سعدٍ، فواللهِ لَأنا أغيرُ منه، واللهُ أغيرُ منِّي»، ومن أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
هذه الغيرة غيرة محمودة، في غيرة الرجل على امرأته امتدحها رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بل أثبتها لنفسه قال: «والله لأنا أغير منه»أي من سعد -رضي الله تعالى عنه-، فكانت هذه الخصلة خصلة حمد، ومدح، وموجبة لكف الأهل عن السوء، وحفظهم عن كل ما ينقصهم أو يعيبهم.
المقدم:- بارك الله فيكم.
الشيخ:- هناك نوع من الغيرة تكون بين الأزواج هي في محبة الاستئثار، من حيث الطبيعة والأصل، الأمر طبيعي إلى حد ما، إلى الحد الذي لا يوقع في الغلط، وفي التجاوز، وفي الظلم، وفي الاعتداء، فيما يتعلق بعلاقة الزوجين، لكن عندما يخرج الأمر إلى حد الأذى بالاتهامات، والظنون، والتجسس، والتتبع، والحديث بما فيه ريبة عند ذلك يخرج الأمر عن حيز الغيرة المحمودة إلى حيز الغيرة المذمومة، ومنه ما يمكن أن يتجاوز، وهو فيما إذا بلغت الغيرة انفعالًا طبيعيًا لموقف من المواقف فهذا ينبغي أن يقابله كل طرف من الأطراف بنوع من التغافل وغضِّ الطرف الذي به تطيب الحياة، ويسلم المعاش في حياة الإنسان؛ لأن ثمة ما هو جِبلِّي طبيعي لو أن الإنسان تتبعه أو أراد أن يحاصره كان بذلك خارجًا عن الحدِّ المستقيم، ومكلفًا الناس ما لا يطيقون.
عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «ما رأيتُ صانعًا طعامًا مثلَ صفيَّةَ، صنعت طعامًا لرسولِ اللَّهِ ﷺ فبعثَتْ بهِ فأخذني» سنن أبي داود (3568)   أي الغضب «فكسَرتُ الإناءَ» وفي رواية قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «غارتْ أمُّكم» صحيح البخاري (5225)   يقصد أن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أصابتها الغيرة التي تكون بين الضرائر، فحملها ذلك على كسر الإناء، لكن النبي –صلى الله عليه وسلم- لم ينهِ المشهد على هذا الموقف الذي كان فيه تصرف عائشة على نحو ما ذكر الحديث، من أنها كَسَرت الصحفة، وهو الإناء الذي جاء فيه الطعام، وفي بعض الروايات أنها صفية، بل حبس النبي –صلى الله عليه وسلم- الخادم الذي جاء بالطعام حتى أتي بصحفة من التي هي في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كُسرت صحفتُها، وأمسك المكسورة في بيت التي كَسرَت.
عالج النبي –صلى الله عليه وسلم- الموقف بهذا التصويب الذي أزال به الغلوَّ والزيادة في الغيرة التي حملت على الكسر، تضمَن التي كَسَرَت ما جرى من إفسادٍ لمال الغير، ولكنه أيضًا لم يعنف -صلوات الله وسلامه عليه- تلك التي كسرت الصحفة، لم يعنفها لأن الباعث إلى حد ما مما يفسر ويفهم دافعه بقوله –صلى الله عليه وسلم- «غارَت أُمُّكُم»،والخطاب هنا فيه بيان سبب الفعل والاعتذار له، حيث بيَّن أن الحامل على هذا التطرف هو الغيرة.
ثم اعتذر بهذه الغريزة التي تكون بين الضرائر، فهي مما فُطر في قلوب البشر، قد يعجز الإنسان عن دفعها، لكنه ينبغي أن يعالج الموقِف بتهذيبها، والخروج عن الاعتداء الذي يوجب الظلم، فالنبي –صلى الله عليه وسلم- لم ينكر على الغيرة التي كانت موجودة، لكن عالج الموقف الذي ترتب على تلك الغيرة، وبه يُعلم أن الغيرة أن تبرم الأزواج من غيرة النساء، وتبرم الزوجات من غيرة الرجال إذا لم تتجاوز الحدَّ المعقول الذي يكون معتادًا بين الأزواج هو في الحقيقة تكليف ما لا يطاق، فينبغي أن يراعي هذا الجانب ويعطى للنفس حظَّها فيما يتعلق بالانفعال لرغبة الانفراد عن المشارك فيما يختص فيه الإنسان.
المقدم:- أحسن الله إليكم بارك الله فيكم نتواصل معكم مستمعينا الكرام من هذه الحلقة المباشرة من برنامجكم "الدين والحياة"، وحديثنا مستمر عن الغيرة مع فضيلة الشيخ الدكتور خالد المصلح.

 فاصل قصير نعود بعده أيضًا لمواصلة هذه الحلقة تفضلوا بالبقاء معنا.
المقدم:- الأخ عبد العزيز السلام عليكم حياك الله.
المتصل:- عليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا أستاذ عبد الله كيف حالك؟
المقدم:- أهلًا وسهلًا.
المتصل:- أحييك وأحيي فضيلة الشيخ، وبارك الله فيكم.
المقدم:- مرحبا بك حياك الله.
المتصل:- يُروي في الأثر أن الله –عز وجل- يحب بعضَ الغيرة ويكره بعضها، ولهذا قال –صلى الله عليه وسلم- «إن من الغيرة ما يحبه الله، ومن الغيرة ما يبغضه الله» [سبق] ، فما معنى هذا الكلام، وهل في الغيرة شيء مزموم؟
الأمر الثاني: بعض الناس للأسف تصل به الغيرة إلى حد الوساوس والهواجس، والبحث والتجسس، وغير ذلك، وأيضًا بعض الرجال مع زوجاتهم تجد غيرته غير مقيسة، تقلب البيت إلى جحيم، وإلى شرٍّ، وإلى سوء إذا رأى زوجته تكلم أو كذا، تكلمي من؟

 نريد من الشيخ أن يوصي الأزواج أن يتقوا الله في نسائهم؛ فهم أخذوهم من بيوت معروفة، ومن آباء معروفين، فلا تصل بهم الأمور إلى الهواجس، وإلى الوساوس، وإلى التجسس، نسأل الله السلامة والعافية، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المقدم:- عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، شكر الله لك أخي عبد العزيز.

 الشيخ خالد تفضل إذا كان هناك من تعليق من مداخلة الأخ عبد العزيز.
الشيخ:- هو فيما يتصل بالغيرة المحمودة والمذمومة التي يحبها الله في المحمود والمذموم، بيَّنا هذا: أن الغيرة المحمودة هي ما كان حاملًا على إقامة شرع الله –عز وجل-، كافًّا النفس عن المعصية والسوء والردى، كل ما يحمل الإنسان على هذا، فإنه من الغيرة التي يحبها الله.
أما المذموم فهو: كل ما يكره في المعصية، في الاعتداء، في الظلم، ما ذُكر من الصور في جانب غلوِّ بعض الناس في الغيرة، سواء رجال أو نساء، فيما يتعلق بالتتبع والتجسس والاتهام وسوء الظن، وما إلى ذلك كل هذا مما ينبغي أن يهذَّب، وأن يقوَّم، وأن يخرج الإنسان عن هذه الأفكار الرديئة التي تعكِّر صفوَ معاشه، وتثبت السُّبَّة له أو لأهل بيته، لأنه مَن أَكثَرَ الغيبة لبيته اتهموا لأجله، أي وقعت التهمة عليهم بسبب كثرة شكوكه، وهذا الذي يذكره أخي عبد العزيز هو صورة من صور الخروج عن الوسطية فيما يتعلق بالغيرةن وهو الزيادة التي تحمل الإنسان على الظلم، تحمل الإنسان على منع الحقوق، تحمل الإنسان على الاتهام بالسوء والشر، تحمل الإنسان على سوء الظن بالناس وأخذهم بالريب أو بالشكوك والأوهام، وما إلى ذلك مما يتبع هذا الهدي، الزيادة في الغيرة الخارجة عن حدود الشريعة تجد ثمة تجسسًا، تجد ثمة سوءًان كل ذلك مما ينتج عن زيادة الغيرة في بعض الصور، بل حتى يمنع من الحقوق، تجده يمنع مثلًا المرأة من حقوقها، أو المرأة تمنع الرجل من حقوقه بسبب الغيرة، يعني ترى موضوع مشترك يعني يخصه في الرجال وفي النساء.
والمرأة قد تأخذ أنماطا معينة من الغيرة، والرجل كذلك.

 لكن في المقابل ثمة من بردت قلوبهم وليس فيها من الغيرة والغضب لحقوق الله ومحارم الله في أهله ما يستغرب الإنسان، تجد بعض الناس يعني هو الذي يحمل أهله على التبرج، هو الذي يزين لهم مخالطة الرجال الأجانب على وجه لا تدعو إليه الحاجة، أو مُحرَّم، هو الذي يذهب بهم إلى مواطن السوء والشر والفساد، ولا يجد غضاضة في أن يراه الناس مع أهله أو يرى الناس أهله على حال من التكشف والابتزاز تخالف ما جاءت به الشريعة.
من موت الغيرة في نفوس بعض الناس أيضًا أن تجده يطلب من زوجته أن تخالط إخوانه، وأن تصافحهم، ألا تمتنع من الاختلاط المحرم، كل هذا صورة مقابلة للصورة السابقة، وليس هذا محمودًا، كما أن ذاك مذموم، فينبغي التوسط والخروج من هذه الأطراف التي توقع الإنسان في مخالفة الشريعة بوجه من الوجوه.
الاعتدال هو المطلوب، والوسط هو المطلوب، وقد جاءت الشريعة بذم الزيادة في الغيرة التي توقع في المحرم، وجاءت أيضًا بذم غياب الغيرة على المحارم والغفلة عن صيانتها.

 فالنصوص التي جاءت في ذم الدَّيُّوث، وبيان سوء عاقبته وأنه «لا يدخل الجنة دَيُّوثٌ» [بهذا اللفظ أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده:ح677، من حديث عمار، وضعف إسناده البوصيري في إتحاف الخيرة:5/431، وله شاهد صحيح من حديث ابن عمر، وفيه:«ثَلَاثَةٌ قَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَالْعَاقُّ، وَالدَّيُّوثُ "، الَّذِي يُقِرُّ فِي أَهْلِهِ الْخَبَثَ». أخرجه أحمد في مسنده:ح5372] ،هيفي الحقيقة لغياب الغيرة التي تحمل الإنسان على صيانة أهله وحفظهم من مواقع الردى والسوء والشر.
هذا وذاك كلاهما ينبغي أن نتخلَّى عنه، وأن نبعد عنه، وأن نطهِّر سلوكنا منه، وأن نجتهد في أن نكون على الوسط.

 غيرة محمودة، غيرة يحبها الله، غيرة تحملنا على الطاعة، تحملنا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحملنا على التحلي بالفضائل، والتخلي من الرذائل، وبهذا نحقق ما جاء في مدح هذه الخصلة في الكتاب والسنة.
ونتقي ما جاء من النصوص الدالة على ذم الزيادة والنقص والغلو، أو الجفاء في هذا الأمر.
المقدم:- أيضًا نأخذ اتصالًا آخر من المستمع محمد بن مسعود، تفضل أخي محمد.
المتصل:- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المقدم:- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله، تفضل.
المتصل:- حياكم الله جميعًا، الشيخ -جزاه الله خيرًا- ذكر أمورا مهمَّة، أولها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يعني يكون حديثنا ليس الإنكار فقط، الحديث حتى صار يغيره يعني لو ركزنا على المعني فليغيره مثل ما تقدم الشيخ، وقال حتى النبي –صلى الله عليه وسلم- المنكر هو كان هدفه الإصلاح، وأيضًا معالجة الموقف، فإذا ركزنا على الشيء هذا فإننا نتسنن بالطرق الحديثة، أما الأمر الآخر الذي ذكره شيخنا الفاضل قال: «غارَتْ أُمُّكُم»، يعني بيَّن العلَّة فيما يقولون، وبعدين قال: «أُمُّكُم»أكيد ما أحد بحال الأم.
المقدم:- العبارة أيضًا التي يعني اختارها النبي –صلى الله عليه وسلم- للتعبير عن الحادثة، شكرًا جزيلًا أخي محمد، تفضل الشيخ خالد إذا كان هناك تعليق على مداخلة الأخ محمد.
الشيخ:- أخي الكريم هو الأمر عائد إلى ما ذكرنا من وجوب مراعاة النصوص الشرعية في هذه الخصال الكريمة التي يكتنفها طرفان، يمكن أن يخرجا بها عن الاعتدال، ويخرجها من المدح إلى الذم، مثل ما ذكرنا في الشجاعة، مثل ما نذكر في الكرم، الكرم قد يزيد فيكون إسرافًا، وقد يغيب فيكون بخلًا، سائر الصفات كذلك، الغيرة قد تزيد فتكون بغيًا، وقد تنقص فتكون دياثة، وبالتالي لابد من الاعتدال هذا فيما يتعلق بالغيرة العبادة، الغيرة على الشرائع، على حرمات الله –عز وجل-، على دين الله –عز وجل-.
الجانب الآخر في الغيرة: الجانب الطبيعي الذي يكره أن يشترك الإنسان معه غيره فيما يختص به، كغيرة المرأة على زوجها، وغيرة أيضًا أحيانًا الرجل على امرأته، أحيانًا بعض الرجال يغار على زوجته غيرة مذمومة فتجده مثلا ما يبغاها تروح لأهلها، يقول خلاص أنتِ ما تروحي لأهلكِ.
المقدم:- أو إذا رآها يا شيخ خالد تبرُّ أباها أو أمَّها غار من ذلك مثلا.
الشيخ:- أباها وأمها أحيانا، إخوانها أحيانا، يقول لا تتواصلي مع عمك، لا تراسلي خالك، طيب يا أخي هؤلاء ما يجوز لك أن تأمرها بالقطيعة.
المقدم:- وفي المقابل أيضًا للطرف الآخر يعني تحصل الحالة العكسية.
الشيخ:- وفي المقابل أيضًا تجد المرأة تغار من أم زوجها، أو من أخواته، أو من قراباته، يعني التمادي مع هذه المشاعر إذا أوقع الإنسان في ظلم ينبغي أن يعالج نفسه، وأنا أعرف أن أحيانًا بعض هذه المشاعر تصل إلى نمط مرضي، يعني صورة مرضية يحتاج فيها الإنسان إلى تدخل طبي للمعالجة، أخصائي طب نفسي للمعالجة، يعني أنا مرة حدثني رجل قال: أنا تعبان من زوجتي، لو أن امرأتي علمت أن امرأة مرت من أمام بيتنا، وأنا ما شفتها صار مشكلة، هذا شيء من الإفراط الذي يضيق على الإنسان نفسه، ويعكر معشيته، ويوقعه في أنواع من الضيق والكدر، هو في غنى عنها وسعة.
المقدم:- كذلك يا شيخنا مسألة الحماسة الزائدة، أحيانًا تكون فيما يتعلق في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الغيرة بضوابط الشرع، الغيرة غير المنضبطة التي قد يكون فيها أحيانًا أيضًا اعتداء، أو يكون فيها ربما أحيانًا تجاوز لحدود الشريعة.
الشيخ:- وهذا الحقيقة لا يقل الخطر عن الأول، ولذلك الخوارج يبررون ما يفعلون من سفك الدماء وتكفير الناس وأذية الخلق بأنه غيرة لله ولشرعه، وهم في ذلك خارجون عن حدود الشرع.
ولذلك أنا قلت في حديثي قبل قليل: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابد أن يكون وفق ما توجبه الشريعة، لا ما تقتضيه الانفعالات أو تمليه العواطف والعواصف التي تموج في القلوب فتحمله على تصرفات خارجة عن حدود الشريعة.
المقدم:- أحسن الله إليكم، وبارك الله فيكم، وشكر الله لكم الشيخ الدكتور خالد المصلح أستاذ الفقه بكلية الشريعة في جامعة القصيم، والمشرف العام على فرع الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء في منطقة القصيم.

 أسأله تعالى أن يجعل ما تفضلتم به في هذا اللقاء في ميزان حسناتكم.
الشيخ:- بارك الله فيكم، وأسأل الله أن يرزقنا الفضائل، وأن يجنبنا الرذائل، وأن يحفظ بلادنا وولاتنا وجنودنا من كل سوء وشرٍّ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
المقدم:- اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد، الله يعطيك العافية يا دكتور، شكر الله لك وكتب الله أجرك فضيلة الشيخ ، شكرًا جزيلًا فضيلة الشيخ على ما أجدت به وأفدت في هذه الحلقة.
الشيخ: بارك الله فيكم، وأسأل الله لي ولكم القبول والتسديد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.555

مواد تم زيارتها

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف