الاحد 1 رمضان 1442 هـ
آخر تحديث منذ 1 دقيقة
×
تغيير اللغة
القائمة
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو Hausa
الاحد 1 رمضان 1442 هـ آخر تحديث منذ 1 دقيقة

نموذج طلب الفتوى

لم تنقل الارقام بشكل صحيح
×

لقد تم إرسال السؤال بنجاح. يمكنك مراجعة البريد الوارد خلال 24 ساعة او البريد المزعج؛ رقم الفتوى

×

عفواً يمكنك فقط إرسال طلب فتوى واحد في اليوم.

المكتبة المقروءة / دروس / دروس العقيدة / رسالة العبودية / الدرس (11) من شرح رسالة العبودية

مشاركة هذه الفقرة

الدرس (11) من شرح رسالة العبودية

تاريخ النشر : 4 ذو القعدة 1434 هـ - الموافق 09 سبتمبر 2013 م | المشاهدات : 2459


فصل: في الفرق بين الخالق والمخلوق.



وأما إبراهيم وآل إبراهيم الحنفاء من الأنبياء والمؤمنين بهم فهم يعلمون أنه لا بد من الفرق بين الخالق والمخلوق، ولا بد من الفرق بين الطاعة والمعصية، وأن العبد كلما ازداد تحقيقاً لهذا الفرق ازدادت محبته لله وعبوديته له وطاعته له، وإعراضه عن عبادة غيره ومحبة غيره وطاعة غيره، وهؤلاء المشركون الضالون يسوّون بين الله وبين خلقه، والخليل-عليه السلام- يقول:﴿ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ(77)﴾([1]).



قوله -رحمه الله-:(وأما إبراهيم وآل إبراهيم الحنفاء من الأنبياء)إبراهيم -عليه السلام- أبو الأنبياء فإنه ما جاء بعده نبي إلا من ذريته –عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ- فهو إمامهم: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾([2]). وآل إبراهيم المقصود بهم الأنبياء من ذريته، وأيضاً من سار على هديه من ذريته، قال: (من الأنبياء والمؤمنين بهم). (من الأنبياء) واضح؛ لأن الأنبياء كلهم من ذرية إبراهيم بعده(والمؤمنين بهم) سواء كان من ذرية إبراهيم أو من غير ذريته، ويمكن أن يقال: وأما إبراهيم وآل إبراهيم أي أتباع إبراهيم؛ لأن الآل تطلق على الأتباع، وهم أخص من مجرد الذرية؛ لأن الذرية قد يكون فيها الصالح وقد يكون فيها غير الصالح، قال الله -جل وعلا- لما قال إبراهيم:﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾،قال الله -جل وعلا-:﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾([3]).فدل ذلك على أن النافع هو الاتباع، ولا شك أنه إذا كان من الذرية ومتبعاً زاد فضلاً إلى فضل.



والمقصود من هذا الفصل تقرير ما تقدمت الإشارة إليه من معنى العبودية التي جاءت بها الرسل، والرد على من ضلّ في هذا من الصوفية، فإنهمضلوا في هذا ضلالاً كبيراً وأخطؤوا خطأً عظيماً يبينه الشيخ -رحمه الله-، يقول -رحمه الله-: (هؤلاء كلهم يعلمون أنه لا بد من الفرق بين الخالق والمخلوق). وبهذا جاءت الرسل، ومن ضل في هذا فقد تخبط وأضاع نصيبه. يقول -رحمه الله-: (وهؤلاء المشركون الضالون يسوون بين الله وبين خلقه ). وهؤلاء هم الذين يقابلون الحزب الأول حزب الله ،حزب إبراهيم عليه السلام في قوله:(وأما إبراهيم وآل إبراهيم): (هؤلاء المشركون الضالون يسوون بين الله وبين خلقه، والخليل يقول: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾). وجه الدلالة في هذه الآية قوله:﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ(77)﴾. ففرّق بين معبودات المشركين وبين ما يعبده الموحدون الحنفاء، فإن ما يعبده الموحدون الحنفاء هو الله -جل وعلا- الذي لا إله غيره، وأما هؤلاء فإنهم يعبدون من لا يستحق العبادة، من لا ينفع ولا يضر، من لا يسمع ولا يبصر.



ثم قال -رحمه الله-:(ويتمسكون بالمتشابه من كلام المشايخ كما فعلت النصارى). هذا فيه بيان أن من غاب عنه التفريق بين الخالق والمخلوق وهم غلاة الصوفية، حيث جعلوا الخالق هو المخلوق، فكل شيء في الوجود هو الرب، جعلوا الله والعبد، الرب والعبد شيئاً واحداً، هؤلاء هل لهم حجة؟ هل لهم مستند؟ ليس لهم مستند إلا التمسك بالمتشابه من كلام من؟ من كلام الله ورسوله؟ لا، يقول:(من كلام المشايخ)، والمقصود بالمشايخ مشايخ الصوفية الذين كما قال الشيخ رحمه الله:(قد لا يثبت عنهمهذا): إما أن يكون كذباً عليهم، وإما أن يكون كلاماً قالوه ثم تابوا عنه في حالة غياب واندهاش،أو أنه خطأ وحملوا كلامهم ما لا يحتمل، وإلا فإنه لا يقوله أحد من أهل الإسلام العالمين بالكتاب والسنة، لكن ابن عربي وأشباهه فرحوا ببعض المنقول عن المتقدمين من أهل التعبد والتنسك فجعلوه حجة لهم فيما ذهبوا إليه من أي شيء؟ من التسوية بين الخالق والمخلوق، وهم الملاحدة أهل وحدة الوجود . نعم. يقول -رحمه الله-في مثال لما حصل به الضلال لهؤلاء :



(ويتمسكون بالمتشابه من كلام المشايخ كما فعلت النصارى.



مثال ذلك اسم الفناء، فإن الفناء ثلاثة أنواع:



·       نوع للكاملين من الأنبياء والأولياء.



·       ونوع للقاصدين من الأولياء والصالحين.



·       ونوع للمنافقين الملحدين المشبهين).



طيب، يقول -رحمه الله-:(مثال ذلك اسم الفناء). أولاً اسم الفناء لم يرتِّب الله -جل وعلا- عليه في الكتاب والسنة مدحاً ولا ذمّاً، فليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله بل ولا في كلام سلف الأمة تعليق المدح أو الذم على هذا الاسم، وهو اسم محدث لم يكن في سلف الأمة.



والفناء مصدر فني يفنى فناءً، ومعناه تلاشى واضمحل، فمعنى الفناء في اللغة التلاشي والاضمحلال، والتلاشي والاضمحلال الذي تفيده هذه الكلمة نوعان:



 نوع تذهب معه العين؛ يعني: لا يبقى شيء، وذلك بأن يستحيل الشيء الفاني.



والنوعالثاني يذهب نفعه وتذهب قواه مع بقاء عينه ويسمى فانياً، ومنه كلام الفقهاء في كتاب الجهاد: ولا يقتل في المعركة شيخ فانٍ. فالعين موجودة لكن لما كانت القوة ذاهبة والنفع غائباً صار حكمه حكم الفاني المعدوم. هذا من حيث معنى هذه الكلمة في اللغة.



أما من حيث معناها عند الصوفية، فمعناها الغياب، الاستغراق فيما يفنى به الإنسان، في محبوبه وفي مراده وفي مطلوبه.



الشيخ -رحمه الله- يقول: (فإن الفناء ثلاثة أنواع). هذا التقسيم تقسيم مستفاد من كلامهم، ولا بأس بالاصطلاح الحادث إذا كان لا يتضمن معنىً فاسداً، أما إذا كان المعنى المترتب أو المتضمن في الاصطلاح الحادث فاسداً فإنه يُرد، فهذا المصطلح لا يرد مطلقاً ولا يثبت مطلقاً؛ لأن منه ما هو معنى صحيح:



يقول الشيخ -رحمه الله-: (نوع للكاملين من الأنبياء والأولياء. ونوع للقاصدين)يعني المتوسطين (من الأولياء والصالحين. ونوع للمنافقين الملحدين المشبهين). والأخير هو المشهور عند غلاة الصوفية، وسيأتي بيانه في كلام الشيخ.



(فأما الأول فهو الفناء عن إرادة ما سوى الله، بحيث لا يحب إلا الله ولا يعبد إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه ولا يطلب من غيره. وهو المعنى الذي يجب أن يقصد بقول الشيخ أبييزيد حيث قال: أريد أن لا أريد إلا ما يريد. أي المراد المحبوب المرضي، وهو المراد بالإرادة الدينية.



وكمال العبد أن لا يريد ولا يحب ولا يرضى إلا ما أراده الله ورضيه وأحبه، وهو ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب، ولا يحب إلا ما يحبه الله كالملائكة والأنبياء والصالحين، وهذا معنى قولهم في قوله: ﴿إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾([4]).  قالوا: هو السليم مما سوى الله، أو مما سوى عبادة الله، أو مما سوى إرادة الله، أو مما سوى محبة الله. فالمعنى واحد، وهذا المعنى إن سمي فناء أو لم يسم هو أول الإسلام وآخره، وباطن الدين وظاهره).



وهو التوحيد الذي كان عليه صفوة الخلق...، وهو أوثق عرا الإيمان: أن تحب في الله وأن تبغض في الله، وأن تعطي في الله وتمنع في الله، كما قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-، هو ما أمر الله به الخلق: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ([5]). ثمبعد أن ذكر الشيخ -رحمه الله- هـٰذا النوع قال: (وهذا المعنى إن سمي فناء أو لم يسم)يعني: بغض النظر عن التسمية، وكأنه يقول: لا حاجة لنا بهذه التسمية، أو لا نناقش في هذه التسمية، إنما نناقش في المعنى الذي تضمنته، فإنه (هو أول الإسلام وآخره) لا إشكال، أول الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وهذا يقتضي إفراد الله -جل وعلا- بالحب والخوف والرجاء والعبادة وسائر ما هو حقه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، (وآخره )؛ لأن من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة، يقول:(وباطن الدين وظاهره)أي إن هذا هو لب الدين، فالدين كله دائر على تحقيق هذا المعنى، وهو إخلاص العبادة لله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، فسموه فناءًأو لم يسموه فناءً هذا هو المطلوب من كل أحد، وهو الدرجة العليا التي كان عليها الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، وكان عليها صفوة الأمة: الصحابة، وأهل القرون المفضلة.



فالواجب على المؤمن الاجتهاد في تحصيل هذه الحال، وهو أن يكون قلبه مخلصاً لله خالصاً له، ليس فيه شائبة لأحد، لا يخاف إلا الله، ولا يحب إلا الله، ولا يرغب ولا يرهب ولا يعبد إلا الله -جل وعلا- في كل شأن وفي كل حال وفي كل حين، وإذا حقق الإنسان هذا وفق إلى سبيل المتّقين الأولين، ووُفّق إلى الصراط المستقيم الذي من سلكه سهّل الله له جواز الصراط المضروب على متن جهنم.



(وأما النوع الثاني: فهو الفناء عن شهود السِّوَى، وهذا يحصل لكثير من السالكين، فإنهم -لفرط انجذاب قلوبهم إلى ذكر الله وعبادته ومحبته، وضعف قلوبهم عن أن تشهد غير ما تعبد، وترى غير ما تقصد- لا يخطر بقلوبهم غير الله، بل لا يشعرون إلا به، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا ﴾([6]). قالوا: فارغاً من كل شيء إلا من ذكر موسى. وهذا كثيراً ما يعرض لمن دهمه([7]) أمر من الأمور إما حب وإما خوف وإما رجاء، يبقى قلبه منصرفاً عن كل شيء إلا عما قد أحبه أو خافه أو طلبه، بحيث يكون عند استغراقه في ذلك لا يشعر بغيره، فإذا قوي على صاحب الفناء هذا فإنه يغيب بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن معرفته، حتى يفنى من لم يكن، وهي المخلوقات -العبد فمن سواه- ويبقى من لم يزل وهو الرب تعالى.والمراد فناؤها في شهود العبد وذكره، وفناؤه عن أن يدركها أو يشهدها).



طيب، هذا الكلام، هذا البيان المتقدم لهذا النوع الذي يعده الصوفية من المقامات العظيمة التي يسعون إلى إدراكها، وهو الفناء عن شهود ما سوى الله -جل وعلا-، هذا معنى قوله:(الفناء عن شهود السوى) بمعنى أنه يفنى فلا ينظر إلى غير الله، وهذه حال تستغرق القلب حتى لا يدرك ويغيب عنه الشعور، ويصدر عنهم في هذه الحال من المخالفات ما سيذكر الشيخ –رحمه الله- شيئاً منه، فإنه في هذه الحال يغيب عن الشعور، وهذا الغياب عن الشعور وفقده يرجع إلى أسباب ثلاثة:



 السبب الأول: قوة الوارد، يعني: الوارد على قلوبهم.



 الثاني:ضعف المورود إليه أو المورود عليه، وهو القلب.



 الثالث: نقص العلم.



 فإذا اجتمعت هذه الثلاثة كان الإنسان غائباً بما يشاهد، لا يدرك ما يقول، ويبلغ به الفناء والإغلاق أن لا يشعر بنفسه، فيصدر عنه من الأقوال والأعمال ما لا يَحسن ولا يجمل به؛بل ما يستغفر الله منها إذا أفاق، وهذه الحال ليست حال كمال؛ بل هي حال ناقصة ولم ينقل عن أحد من سلف الأمة ولا من العلماء والأئمة أنه نزلت به هذه الحالة، أو نالته هذه المنزلة؛ لأنها إنما تنال من ضعف قلبه وقلّ علمه، يقول الشيخ -رحمه الله-:



 (وإذا قوي هذا ضعُف المحب حتى يضطرب في تمييزه).



يعني قد يفقد تمييزه، وهو إحدى درجات ومراتب السكر؛ لأن السكر له مرتبتان:



·       تحصيل اللذة.



·       وفقد التمييز.



قد تجتمعان، وقد تحصل إحداهما دون الأخرى.



 (فقد يظن أنه هو محبوبه، كما يذكر أن رجلاً ألقى نفسه في اليمّ، فألقى محبه نفسه خلفه، فقال: أنا وقعت فما أوقعك خلفي؟ قال: غِبْتُ بِكَ عَنِّي فَظَنَنْتُ أَنَّكَ أَنِّي).



يعني: هذا رمى نفسه في البحر فلشدة غياب الذي يحبه به ألقى نفسه وراءه، (فقال له: أنا وقعت فما أوقعك خلفي؟ قال: غبت بك عني فظننت أنك أني).



وهذا لا إشكال أنه ناشئ عن فقد الشعور، وهذا الذي يسميه هؤلاء فناء ويجعلونه من مراتب الكمَّل من الخلق. نعم.



 (وهذا الموضع زلت فيه أقوام وظنوا أنه اتحاد، وأن المحب يتحد بالمحبوب حتى لا يكون بينهما فرق في نفس وجودهما، وهذا غلط، فإن الخالق لا يتّحد به شيء أصلاً، بل لا يمكن أن  يتحد شيء بشيء إلا إذا استحالا وفسدت حقيقة كل منهما وحصل من اتحادهما أمر ثالث لا هو هذا ولا هذا، كما إذا اتحد الماء واللبن، والماء والخمر ونحو ذلك.



ولكن يتحد المراد والمحبوب والمراد والمكروه، ويتفقان في نوع الإرادة والكراهة، فيحب هذا ما يحب هذا ويبغض هذا ما يبغض هذا، ويرضى ما يرضى ويسخط ما يسخط ويكره ما يكره، ويوالي من يوالي ويعادي من يعادي، وهذا الفناء كله فيه نقص).



لماذا؟ لأنه ينشأ إما عن نقص في الشخص أو نقص في علمه.



ومما يدل على أنه نقص ما يذكره الآن الشيخ.



(وأكابر الأولياء كأبي بكر وعمر والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار –رضي الله عنهم- لم يقعوا في هذا الفناء، فضلاً عمن هو فوقهم من الأنبياء، وإنما وقع شيء من هذا بعد الصحابة).



ومنشؤه بعض عبّاد أهل البصرة: غلب عليهم ما كانوا فيه من التعبد، حتى إنه كان أحدهم إذا قُرئ عليه القرآن يغشى عليه، وبعضهم يصعق ويموت، وهذه ليست حالاً كاملة، هم لا يلامون بهذا، لا سيما إذا كان لضعف قلوبهم وليس بكسب منهم، لكنها حال ناقصة، فالحال الكاملة التأثر بالقرآن والعمل به لا الصعق والموت، فإنه لم ينقل هذا عن أحد من أئمة المسلمين ولا من الصحابة السابقين، فضلاً عمن فوقهم كما قال الشيخ -رحمه الله- من الأنبياء.



(وكذلك كل ما كان من هذا النمط مما فيه غيبة العقل وعدم التمييز لما يرد على القلب من أحوال الإيمان، فإن الصّحابة -رضي الله عنهم- كانوا أكمل وأقوى وأثبت في الأحوال الإيمانية من أن تغيب عقولهم، أو يَحصل لهم غشي أو صعق أو سكر أو فناء أو وله أو جنون، وإنما كان مبادئ هذه الأمور في التابعين من عبَّاد البصرة، فإنه كان فيهم من يُغشى عليه إذا سمع القرآن، ومنهم من يموت، كأبي جهير الضرير وزُرارة بن أوفى قاضي البصرة.



وكذلك صار في شيوخ الصوفية من يعرض له من الفناء والسُّكر ما يضعف معه تمييزه، حتى يقول في تلك الحال من الأقوال ما إذا صحا عرف أنه غالط فيه، كما يحكى نحو ذلك عن مثل أبي يزيد وأبي الحسين النوري وأبي بكر الشبلي وأمثالهم.



بخلاف أبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي والفضيل بن عياض، بل وبخلاف الجنيد وأمثاله ممن كانت عقولهم وتمييزهم يصحبهم في أحوالهم، فلا يقعون في مثل هذا الفناء والسكر ونحوه، بل الكُمَّل تكون قلوبهم ليس فيها سوى محبة الله وإرادته وعبادته، وعندهم من سعة العلم والتمييز ما يشهدون به الأمور على ما هي عليه، بل يشهدون المخلوقات قائمة بأمر الله مدبرة بمشيئته، بل مستجيبة له قانتة له، فيكون لهم فيها تبصرة وذكرى، ويكون ما يشهدونه من ذلك مؤيداً وممدّاً لما في قلوبهم من إخلاص الدين وتجريد التوحيد له والعبادة له وحده لا شريك له.



وهذه هي الحقيقة التي دعا إليها القرآن، وقام بها أهل تحقيق الإيمان، والكمَّل من أهل العرفان، ونبينا -صلى الله عليه وسلم- إمام هؤلاء وأكملهم، ولهذا لما عرج به إلى السماوات وعاين ما هنالك من الآيات، وأُوحي إليه ما أوحي من أنواع المناجاة أصبح فيهم وهو لم يتغير حاله، ولا ظهر عليه ذلك، بخلاف ما كان يظهر على موسى من التغشي صلى الله عليهم وسلم أجمعين).



وقد ذكر الله -جل وعلا- الثناء على رسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في رباطة جأشه وثبات فؤاده ورسوخ قدمه، مع عظيم ما شاهده في تلك الليلة، حيث قال -جل وعلا-: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾([8]).يعني: التي توجب ما تقدم، لكن حفظه الله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى([9]). كل هذا يدل على رباطة الجأش وثبات اليقين وثبات الفؤاد الذي منّالله به على رسوله، لم يحصل له غشي ولا صعق، وهذا حال الكمّل من الناس.



وما ذكره الشيخ -رحمه الله-في قوله: (بخلاف ما كان يظهر على موسى من التغشي صلى الله عليهم وسلم أجمعين). هذا نحتاج إلى إثباته فهو ثابت في موقف واحد، وهو لما طلب رؤية الله -جل وعلا- فقال الله-جل وعلا-:﴿لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا﴾([10]). وهذه الحال التي نزلت بموسى عليه السلام لا لنقصه، لكن لعظم الأمر وشدته فهي ليست نقصاً في ثباته ويقينه وقوة قلبه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- لكن كان ذلك بسبب عظم الوارد، وذكرنا لكم أن هذا يحصل عند عظم الوارد.



فمن يحقق هذه المسألة -مسألة التغشي-(ما كان يظهر على موسى من التغشي)؟ لا، في غير هـذه الحالة؛ لأن الظاهر من كلام الشيخ أنها ليست في موضع واحد، من يبحث هذا؟ الأخ بلال وأيضاً من شاء منكم أن يبحثها، طيب([11]).  



(وأما النوع الثالث مما قد يسمى فناءً: فهو أن يشهد أن لا موجود إلا الله).



هذا النوع الثالث نوع كامل أو ناقص؟ نوع ناقص،  الثالث كفر صراح.



(وأما النوع الثالث مما قد يسمى فناءً فهو أن يشهد أن لا موجود إلا الله، وأن وجود الخالق هو وجود المخلوق، فلا فرق بين الرب والعبد، فهذا فناء أهل الضلال والإلحاد الواقعين في الحلول والاتحاد.



 وهذا يبرأ منه المشايخ المستقيمون، فإذا قال أحدهم: ما أرى غير الله، أو: لا أنظر إلى غير الله ونحو ذلك، فمرادهم بذلك: ما أرى ربّاً غيره ولا خالقاً غيره ولا مدبراً غيره ولا إلهاً غيره، ولا أنظر إلى غيره محبة له أو خوفاً منه أو رجاءً له، فإن العين تنظر إلى ما يتعلق به القلب).



هذا إشارة إلى ما سبق ذكره في قوله -رحمه الله-: (ويتمسكون بالمتشابه من كلام المشايخ كما فعلت النصارى). فإن هذا من المتشابه الذي تمسك به ابن عربي وأشباهه في إثبات هذا النوع من الفناء: ما أرى غير الله، أي إن كل شيء هو الله، هكذا فسره، بينما مراد من قال ذلك من مشايخ الصوفية الذين هم من أهل السنة، وإن كان عندهم خطأ في بعض الأمور، لكنهم لا يخرجون عن طريق أهل السنة والجماعة، فمرادهم بذلك أني ما أرى ربًّا غيره ولا خالقاً، ولا مدبراً غيره ولا إلهاً لي غيره وما أشبه ذلك من المعاني الصحيحة.



فهذا الكلام متشابه يحتمل معنىً صحيحاً ويحتمل معنىً فاسداً، فلا نثبت المعنى الفاسد؛ إحساناً للظن بهم، وحملاً لكلامهم على ما فسرته بقية أقوالهم، وبينته سائر المنقولات عنهم. نعم.



(فمن أحب شيئاً أو رجاه أو خافه التفت إليه، وإذا لم يكن في القلب محبة له ولا رجاء له ولا خوف منه ولا بغض له ولا غير ذلك من تعلق القلب به لم يقصد القلب أن يلتفت إليه، ولا أن ينظر إليه ولا أن يراه، وإن رآه اتفاقاً رؤية مجردة، كان كما لو رأى حائطاً ونحوه مما ليس في قلبه تعلق به.



والمشايخ الصالحون -رضي الله عنهم- يذكرون شيئاً من تجريد التوحيد وتحقيق إخلاص الدين كله، بحيث لا يكون العبد ملتفتاً إلى غير الله ولا ناظراً إلى ما سواه، لا حبّاً له ولا خوفاً منه ولا رجاءً له، بل يكون القلب فارغاً من المخلوقات خالياً منها، لا ينظر إليها إلا بنور الله، فبالحق يسمع وبالحق يبصر وبالحق يبطش وبالحق يمشي، فيحب منها ما يحبه الله، ويبغض منها ما يبغضه الله، ويوالي منها ما والاه الله، ويعادي منها ما عاداه الله، ويخاف الله فيها ولا يخافها في الله، ويرجو الله فيها ولا يرجوها في الله.



فهذا هو القلب السليم الحنيف الموحد المسلم المؤمن المحقق العارف بمعرفة الأنبياء والمرسلين وبحقيقتهم وتوحيدهم.



فهـٰذا  النوع الثالث: الذي هو الفناء في الوجود هو تحقيق آل فرعون ومعرفتهم وتوحيدهم، كالقرامطة وأمثالهم.



وأما النوع الذي عليه أتباع الأنبياء فهو الفناء المحمود الذي يكون صاحبه به ممن أثنى الله عليهم من أوليائه المتقين وحزبه المفلحين وجنده الغالبين).



الفناء المحمود هذا النوع الأول الذي تقدم، وهو إخلاص العمل لله-عز وجل- بأن لا يحب إلا إياه، ولا يرجو إلا إياه، ولا يخاف إلا إياه، ولا يريد إلا إياه، -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-.



(وليس مراد المشايخ والصالحين بهذا القول أن الذي أراه بعيني من المخلوقات هو رب الأرض والسماوات، فإن هذا لا يقوله إلا من هو في غاية الضلال والفساد، إما فساد العقل وإما فساد الاعتقاد، فهو متردد بين الجنون والإلحاد).



إما أن يكون مجنوناًلا عقل له، وهذا مرفوع عنه التكليف.



وإما أن يكون ملحداً كابن عربي وأشباهه. نعم.



(وكل المشايخ الذين يقتدى بهم في الدين متفقون على ما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها من أن الخالق سبحانه مباين للمخلوقات، وليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته.وأنه يجب إفراد القديم عن الحادث، وتمييز الخالق عن المخلوق، وهذا في كلامهم أكثر من أن يمكن ذكره هنا).



وهذا مما أجمع عليه أهل السنة والجماعة واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، ولا خلاف فيه بين الأمم أن الله -جل وعلا- بائن من خلقه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- ليس فيه شيء من خلقه، ولا في خلقه شيء منه، إلا من انحرف عن سبيل الأنبياء والمرسلين من النصارى ومن شابههم من أهل الحلول والاتحاد الذين جعلوا الله -جل وعلا- يحلّ في المخلوقات أو تحل فيه بعض المخلوقات، بل الله -جل وعلا- بائن من خلقه ليس فيه شيء منهم، ولا فيهم شيء منه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-. نعم.



 (وهم قد تكلموا على ما يعرض للقلوب من الأمراض والشبهات، فإن بعض الناس قد يشهد وجود المخلوقات، فيظنه خالق الأرض والسماوات؛ لعدم التمييز والفرقان في قلبه، بمنزلة من رأى شعاع الشمس فظن أن ذلك هو الشمس التي في السماء، وهم قد يتكلمون في الفرق والجمع، ويدخل في ذلك من العبارات المختلفة نظير ما دخل في الفناء).



يعني المشتبه، الذي يشتبه فيحتمل معنىً صحيحاً ومعنىً فاسداً،(في الفرق والجمع ) يعني: في الفرق بين الخالق والمخلوق، والجمع بين الخالق والمخلوق.



فيشتبه على هؤلاء هذا الكلام، وهم في أصل قولهم أهل فساد، وإلا لما اشتبه عليهم هذا الاشتباه الذي لا يقوله أحد، ولا يقره عقل، ولا يعتقده قلب سليم تلقى عن الكتاب والسنة، لكن ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ([12]).



(فإنّ العبد إذا شهد التفرقة والكثرة في المخلوقات يبقى قلبه متعلقاً بها متشتتاً ناظراً إليها متعلقاً بها إما محبةً وإما خوفاً وإما رجاءً، فإذا انتقل إلى الجمع اجتمع قلبه على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فالتفت قلبه إلى الله بعد التفاته إلى المخلوقين، فصارت محبته لربه وخوفه من ربه ورجاؤه لربه، واستعانته بربه، وهو في هذا الحال قد لا يسع قلبه النظر إلى المخلوق ليفرق بين الخالق والمخلوق، فقد يكون مجتمعاً على الحق معرضاً عن الخلق، نظراً وقصداً، وهو نظير النوع الثاني من الفناء ).



الجمع والفرق، المراد بالجمع أن يجمع قلبه على أن الخير كله في يد الله -عز وجل-، وأنه ما من فضل ولا بر ولا إحسان ولا نعمة ولا رحمة تصل إليه إلا من قبل الله -عز وجل-، ويغيب بهذا عن الأسباب التي قدّرها الله -جل وعلا- توصل إلى المقصود ويحصل بها هذه المقدرات، فيلغي النظر إلى الأسباب ويجمع نظره فيما عند الله -جل وعلا-، وهذا كما قال الشيخ -رحمه الله-: (نظير النوع الثاني من الفناء)الذي هو نوع نقص. والكمال أن يعتقد العبد أنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، وأن الخير كله في يديه، وأنه جل وعلا قد قدّر الأشياء بأسبابها، فلا بد من أخذ الأسباب في تحصيل المطالب والمقدَّرات. نعم.



(ولكن بعد ذلك الفرق الثاني: وهو أن يشهد أن المخلوقات قائمة بالله ومدبرة بأمره، ويشهد كثرتها معدومة بوحدانية الله -سبحانه وتعالى-، وأنه –سبحانه- رب المصنوعات وإلهها وخالقها ومالكها، فيكون مع اجتماع قلبه على الله إخلاصاً ومحبةً وخوفاً ورجاءً واستعانةً وتوكلاً على الله وموالاةً فيه ومعاداةً فيه، وأمثال ذلك، ناظراً إلى الفرق بين الخالق والمخلوق، مميزاً بين هذا وهذا.



ويشهد تفرق المخلوقات وكثرتها، مع شهادته أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، وأنه هو الله لا إله إلا هو، وهذا هو الشهود الصحيح المستقيم، وذلك واجب في علم القلب وشهادته وذكره ومعرفته، وفي حال القلب وعبادته وقصده وإرادته ومحبته وموالاته وطاعته.



وذلك تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، فإنها تنفي عن قلبه ألوهية ما سوى الحق وتثبت في قلبه ألوهية الحق، فيكون نافياً لألوهية كل شيء من المخلوقات، ومثبتاً لألوهية رب العالمين رب الأرض والسماوات.



وذلك يتضمن اجتماع القلب على الله وعلى مفارقة ما سواه، فيكون مفرّقاً -في علمه وقصده، في شهادته وإرادته، في معرفته ومحبته- بين الخالق والمخلوق، بحيث يكون عالماً بالله تعالى ذاكراً له عارفاً به، وهو مع ذلك عالم بمباينته لخلقه وانفراده عنهم، وتوحده دونهم، ويكون محبّاً لله معظماً له، عابداً له، راجياً له، خائفاً منه، محبّاً فيه، موالياً فيه، معادياً فيه، مستعيناً به، متوكلاً عليه، ممتنعاً عن عبادة غيره، والتوكل عليه، والاستعانة به، والخوف منه، والرجاء له، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، والطاعة لأمره، وأمثال ذلك، مما هو من خصائص إلهية الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-. وإقراره بألوهية الله تعالى دون ما سواه يتضمن إقراره بربوبيته، وهو أنه رب كل شيء ومليكه وخالقه ومدبره، فحينئذ يكون موحداً لله).



الشيخ -رحمه الله- في هذا المقطع يرد على المبتدعة من الصوفية الذين جعلوا الغاية في تحقيق توحيد الربوبية، جعلوا الغاية والمنتهى مما يطلب من العبد أن يحقق توحيد الربوبية، وذلك بأن يشهد أن الله هو الخالق وأنه هو الصانع، وأنه ما من شيء إلا بخلقه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-.



لا شك أن هذا يجب اعتقاده، لكن هذا ليس هو الغاية، بل هذا هو المنطلق الذي انطلق منه النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- والرسل في دعوتهم إلى إفراد الله بالعبادة.



يقول الشيخ -رحمه الله-:(وإقراره بألوهية الله تعالى دون ما سواه) أي: بأنه المستحق للعبادة دون غيره(يتضمن إقراره بربوبيته، وهو أنه رب كل شيء ومليكه)؛ لأنه لا يستحق أن يُعبد إلا من كان ربّاً مالكاً خالقاً مدبِّراً، فالإيمان بأنه لا إله إلا الله، لا معبود حق إلا الله يثمر ماذا؟ يثمر، بل يتضمن الإيمان بأنه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- خالق كل شيء، لكن لا يجوز أن نجعل الوسيلة أو مبدأ الطريق هو المنتهى، بل المنتهى تحقيق العبادة لله-عز وجل-، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ([13])فالمأمور به هو إخلاص العمل له–جل وعلا-. نعم.



يقول -رَحِمَهُ اللهُ-:



(ويبين ذلك أن أفضل الذكر لا إله إلا الله كما رواه الترمذي وابن أبي الدنيا وغيرهما مرفوعاً إلى النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-أنه قال: ((أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله))([14]).



 وفي الموطأ وغيره عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-قال: ((أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير"))([15])).



هذه الكلمة لها تأثير عجيب إذا استحضر الإنسان معناها وصدق في طلب فضلها، فإنه لا يعدلها شيء؛ لأنها تتضمن إثبات منتهى الكمال وغايته للرب -جل وعلا-، ففيها من الخير والفضل ما لا يعدله شيء، ولذلك كانت أفضل الذكر كما قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((أفضل الذكر لا إله إلا الله)).



(ومن زعم أن هذا ذِكر العامة، وأن ذِكر الخاصة هو الاسم المفرد، وذِكر خاصة الخاصة هو الاسم المضمر فهم ضالون غالطون.



واحتجاج بعضهم على ذلك بقوله: ﴿قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ(91)﴾([16]). مِن أبين غلط هؤلاء، فإن الاسم (الله) مذكور في الأمر بجواب الاستفهام في الآية قبله، وهو قوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللّهُ﴾([17]) أي: الله الذي أنزل الكتاب الذي جاء به موسى، فالاسم ﴿الله﴾ مبتدأ، وخبره قد دل عليه الاستفهام كما في نظائر ذلك، تقول: من جاره؟ فيقول: زيد).



سبحان الله! هؤلاء إنما أتوا من جهلهم وقلة علومهم، وإلا واضح: كل من قرأ الآية علم أنه جواب سؤال، وأن لفظ الجلالة (الله) مبتدأ لخبر محذوف علم من الاستفهام السابق المتقدم، لكن سبحان الله: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)([18]). وهؤلاء إنما أتوا من قبل جهلهم، وإلا لو كان عندهم أدنى علم لما وقعوا في هذا، حيث يستدلون بقوله:﴿قُلِ اللّهُ﴾أن الأفضل في الذكر الاسم المجرد، وهو أفضل من لا إله إلا الله، الله الله الله ماذا يعني؟ لو خاطبك أحد وقال لك: علي علي علي محمد محمد محمد زيد زيد وكرر عليك، تقول له: ماذا تريد؟ لا يقدم طلباً، ولذلك من البدع ذكر الله بالاسم المفرد، نص على هذا شيخ الإسلام رحمه الله؛ لأنه لا معنى له، ماذا تريد؟ لا تثبت كمالاً ولا تثبت ثناءً ومدحاً، إنما تذكر اسماً مجرداً دون طلب ولا سؤال ودون ثناء ولا مدح، هذا عبث، أشد منه الذي بعده:



(وأما الاسم المفرد مظهراً أو مضمراً فليس بكلام تام ولا جملة مفيدة، ولا يتعلق به إيمان ولا كفر، ولا أمر ولا نهي).



الاسم المفرد: (الله)، والمضمر: (هو)، والذي ذكرناه أشد في الإضمار. ومراد الشيخ بالاسم المفرد لفظ الجلالة اسم الله والمضمر (هو)، وبعدها يصل بهم الحال إلى التأوهات التي سمعتم.



فليس بكلام تام، إذاً رد ذِكر الله -جل وعلا- بالاسم المفرد المظهر أو المضمر من أوجه:



واحد أنه ليس بكلام تام، ولا جملة مفيدة، ولا يتعلق به إيمان ولا كفر، ليس فيه إشكال، لا يثبت به الإيمان ولا يثبت به الكفر، ولا أمر ولا نهي، فلم يأمر الله به ولم ينه عنه، لم يتعلق به أمر؛ يعني المقصود أي إن الله -جل وعلا- لم يعلق به شيئاً من الشرع أمراً أو نهياً، بخلاف لا إله إلا الله، فإنه علق عليها أحكاماً شرعية أوامر ونواهي.



قال أيضاً في أوجه رد هذا:



(ولم يذكر ذلك أحد من سلف الأمة، ولا شرع ذلك رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ولا يعطي القلب بنفسه معرفة مفيدة ولا حالاً نافعاً، وإنما يعطيه تصوراً مطلقاً لا يحكم عليه بنفي ولا إثبات، فإن لم يقترن به من معرفة القلب وحاله ما يفيد بنفسه، وإلا لم يكن فيه فائدة، والشريعة إنما تشرع من الأذكار ما يفيد بنفسه، لا ما تكون الفائدة حاصلة بغيره).



هذه قاعدة مهمة في الأذكار الشرعية: أنها تفيد بنفسها تفيد معنى يحصل به زكاء القلب، ويحصل به نماء الإيمان، ويحصل به المعنى الكامل والمعنى الصالح، بذات اللفظ لا بأمر خارج.



فإن هؤلاء الذين يقولون: نجد سعادة وانشراحاً بقول: الله الله الله أو هو هو هو، فهذا ليس من اللفظ نفسه، إنما مما يقارن هذا اللفظ من التصورات التي في أذهانهم التي قد تفيدهم، لكن نفس اللفظ لا يحصل به فائدة سوى التصور العام. نعم.



(وقد وقع بعض من واظب على هذا الذكر في فنون من الإلحاد وأنواع من الاتحاد، كما قد بسط في غير هذا الموضع. وما يذكر عن بعض الشيوخ من أنه قال: أخاف أن أموت بين النفي والإثبات. حال لا يُقتدى فيها بصاحبها).



يعني يخاف أن يموت بعد (لا إله) يعني يخاف بعد النفي وقبل الإثبات. لكن ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ([19]). أنت لا تتعامل مع من لا يعلم الخفايا؛ بل هو -جل وعلا- يعلم السر وأخفى، هذه من الشبه، ثم إنه  لو قال: الله ليلاً ونهاراًما دخل في الإسلام، لا يدخل في الإسلام إلا بقول:أشهد أن ل

مواد تم زيارتها

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف