الاربعاء 14 صفر 1442 هـ
آخر تحديث منذ 15 دقيقة
×
تغيير اللغة
القائمة
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو Hausa
الاربعاء 14 صفر 1442 هـ آخر تحديث منذ 15 دقيقة

نموذج طلب الفتوى

لم تنقل الارقام بشكل صحيح
×

لقد تم إرسال السؤال بنجاح. يمكنك مراجعة البريد الوارد خلال 24 ساعة او البريد المزعج؛ رقم الفتوى

×

عفواً يمكنك فقط إرسال طلب فتوى واحد في اليوم.

مرئيات المصلح / برامج المصلح / الدين والحياة / الحلقة (115) المداومة على الأعمال الصالحة بعد مواسم الخير

مشاركة هذه الفقرة

الحلقة (115) المداومة على الأعمال الصالحة بعد مواسم الخير

تاريخ النشر : 10 صفر 1440 هـ - الموافق 21 اكتوبر 2018 م | المشاهدات : 746

المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم مستمعينا الكرام في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نحييكم تحية طيبة عطرة مباركة عبر أثير نداء "إذاعة الإسلام" من "مكة المكرمة" في هذه الحلقة من برنامج "الدين والحياة"، والتي نستمر معكم فيه على مدى ساعة كاملة -بمشيئة الله تعالى-.

 في البداية اسمحوا لي أن أنقل لكم تحيات الزملاء من إخراج هذه الحلقة الزميل "ماهر ناظرة"، ومن استقبال وتنسيق المكالمات الزميل "عبد المجيد الحربي"، ومن الإخراج في استديو الهواء الزميل "مصطفى الصحفي" وتقبلوا أجمل تحية مني محدثكم "وائل حمدان الصبحي".
مستمعينا الكرام في حلقات برنامجنا هذا من "الدين والحياة"، نسعد بأن يكون ضيفنا الدائم فضيلة الشيخ "خالد المصلح" أستاذ الفقه في "جامعة القصيم"، وعضو "لجنة الإفتاء في القصيم".

 فضيلة الشيخ خالد أهلا وسهلا، السلام عليكم وحياكم الله وكل عام وأنت بخير، وتقبل الله منا ومنك صالح القول والعمل.
الشيخ:- حياك الله، أهلًا وسهلًا وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، نسأل الله لي ولكم القبول، وجعله الله تعالى عاما سعيدًا مباركًا عائدًا علينا بكل خير يا رب العالمين.
المقدم:- اللهم آمين، حياك الله فضيلة الشيخ خالد.

 بمشيئة الله تعالى سيكون حديثنا وعنواننا عن المداومة على العمل الصالح بعد مواسم الخير، مرَّ بنا جميعًا موسم شهر رمضان المبارك وأيامه الكريمة ولياليه الشريفة الفاضلة، وفي موسم رمضان أقبل المسلمون على العبادة وشمَّروا وجَدُّوا في طاعة الله –تبارك وتعالى- وأبواب الخير وأعمال الصلاح كلها، لذلك وجب على المؤمن ألا يغفل بعد انتهاء شهر رمضان ومواسم الطاعة عن العبادة والذكر والطاعة، وأن يتذكر قول الله –تبارك وتعالى-: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ الحجر: 99 من هنا جاء حديثنا مستمعينا الكرام لهذا اليوم عن المداومة على العبادة وعلى العمل الصالح بعد مواسم الخير، نسعد بمشاركاتكم مستمعينا الكرام معنا عبر كتابتكم في تويتر على حساب الإذاعة، سنقرؤها -بمشيئة الله تعالى- في ثنايا هذه الحلقة، أيضًا استفساراتكم عبر "واتس آب" ورقم "واتس آب" البرنامج.
فضيلة الشيخ أبدأ بالحديث معك عن موضوعنا هذا على المداومة على العمل الصالح، في البداية ماذا ينبغي على المسلم فعله بعد انتهاء مواسم الخير والطاعة كموسم رمضان الذي انقضى قبل أيام؟
الشيخ:- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تحية طيبة لك أخي وائل وللإخوة والأخوات المستمعين والمستمعات، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من المسددين والموفقين والمباركين في القول والعمل.
هذه القضية التي تدور عليها كلماتنا في هذه الحلقة هي من المهمات التي ينبغي أن يوليها كل واحد منا عناية واهتمامًا، عندما نتحدث عن العمل الصالح، ودوام العمل الصالح، نحن نتحدث عن قضية أساسية رئيسية في حياة الإنسان، وذلك أن الله تعالى خلق الناس ليعبدوه، وأول نداء في القرآن كان موجَّهًا للناس بالأمر بعبادته وحده لا شريك له، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ البقرة: 21 ، وهذا الأمر الإلهي الذي وجهه الله تعالى لكافة بني آدم وهو خطاب عام لكل أحد يبين أن المطلوب الأول من بني آدم في دنياهم تحقيق العبودية لله –عز وجل- عندما نقول تحقيق العبودية لله –عز وجل- فنحن نقصد بذلك أن يكون الإنسان في سره وإعلانه، في ظاهرة وباطنه، على نحو مما يحبه الله تعالى ويرضاه، فليس ثمة خروج عن شرعه ولا محادة لأمره -جل في علاه-، والأمر المتعلق بهذه القضية يحقق غاية الوجود، والله تعالى خلق الناس ليعبدوه، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ الذاريات: 56 والعبادة لا تعرف زمنًا تُقصر عليه، ولا موسمًا تنحصر فيه، إنما هي وظيفة العمر، ومطلوبة من الإنسان في كل أحواله، في ليله ونهاره، في سرِّه وإعلانه، قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ الحجر: 99 ، قال أهل التفسير: اعبد ربك دائمًا حتى يأتيك الموت، فاليقين هنا هو الموت، كما قال ذلك أهل التفسير.

 والله تعالى لم يرض من المؤمن عبادة مؤقتة بوقت يُقلع بعدها عن تحقيق العبودية لله، بل يقول الحسن البصري: ليس للمؤمن وقت ينتهي إليه حتى يأتيه الموت.
والعجيب أن العبادة المأمور بها ليست مقتصرة على زمن، بل هي مع جري الأنفاس، وهذا معنى يا أخي يغيب عن الناس؛ لأن كثيرًا من الأحيان عندما نذكر الطاعة والعبادة، فنحن نتصور أن العبادة هي صلاة أو هي زكاة أو هي صوم أو هي حج تنقضي العبادة بانقضائها، والواجب أن العبادة لا تنقضي بهذه، بل هذه عبادات وأنواع من الطاعات إذا انتهى منها الإنسان فإنه يشرع في عبادة أخرى، ومنها ما يكون ملازمًا لها أثناء هذه العبادات يقول الله –جل وعلا-: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ * فَانصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ الشرح: 7- 8 فالله –عز وجل- يخاطب النبي –صلى الله عليه وسلم- في هاتين الآيتين في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ الحجر: 99 .

 إذًا الطاعة والعبادة دون فتور ولا انقطاع حتى يأتيك الموت.
وفي الآية الأخرى في سورة الشرح يقول الله –جل وعلا-: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ الشرح: 7- 8 إذا فرغت من أي شيء قال المفسرون: إذا فرغت من طاعة وعبادة فافرغ إلى أخرى، فمِن عملٍ صالح لعمل صالح آخر، ونحن عندما نستوعب أن المؤمن مع تردد نَفَسه هو عبد لله –عز وجل- بتوحيده الذي قرَّ في قلبه يتبين لنا أننا في كل أوقاتنا، فنحن عبيد لله –عز وجل- يعني عندما يكون الإنسان محقِّقًا لتوحيد الله منشرحَ الصدر بالإيمان بالله –عز وجل- أنه عابد لله بهذا الاعتقاد، وبهذا اليقين الذي عمَّر قلبه بمحبة الله وتعظيمه، ولو لم يكن هناك عمل يمارسه من طاعة أو فعل مأمور به لأنه ملتزم بتوحيده ومُقِرٌّ بخبره وما يجب الإيمان به من أصول الإيمان.
وكذلك هو مُنْتَهٍ عما نهاه الله تعالى عنه، فهو محتسب عند الله –عز وجل- باجتناب كل ما حرمه عليه من السرقة، من النظر المحرم، من الزنا، من أكل المال بالباطل، من عدم أداء الأمانة، من العقوق، كلها أعمال كفَّ نفسَه عنها اكتسابًا للأجر، فهو متعبَّد بحفظ بصره وتردد نفسه، هذا المعنى يبين لنا كيف أن العبادة هي موضوع الحياة, وكيف أن العبادة لا يخلو عنها المؤمن في لحظة من اللحظات، ولهذا حتى هذا الذي أُصيب بما أصيب به من الأمراض التي حالت دونه ودون العمل، الذي هو امتثال الطاعة يجري عليه ما كان يعمله صحيحًا مقيمًا كما قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «إذا مَرِضَ العَبْدُ، أوْ سافَرَ، كُتِبَ له مِثْلُ ما كانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا» صحيح البخاري (2996) .
أخي الكريم، أيها الإخوة والأخوات، إدراك أن ذاك الشخص الذي كان موحدًا لله ممتلئًا قلبه بمحبة الله وتعظيمه، ومشتغلًا بما فرضه الله عليه من الواجبات، هذا الشخص إذا فرضنا أنه أصيب بمرض غيَّب عقله كالجلطة على سبيل المثال، نسأل الله أن يشفيَ مرضى المسلمين، وأن يقينا وإياكم منكرات الأخلاق والأهواء والأدواء، إذا أصيب بجلطة وغاب مدة غيابه ولو امتدت سنوات هو داخل في قول النبي –صلى الله عليه وسلم-: «خيرُكُم مَن طالَ عُمرُهُ، وحسُنَ عملُهُ» سنن الترمذي (2330)، وقال: هذا حديث حسن صحيح ؛ لأنه كل هذه المدة يجري عليه أجرُ ما كان يعمله صحيحًا معافى سليمًا، من توحيد الله، من الإيمان به -جل في علاه- والإيمان بما يجب الإيمان به من الصلوات وسائر الطاعات التي تُقرِّب إلى الله بفعلها في وقت صحته وسلامته، وأيضًا بالأجر بترك ما حرم عليه من المحرمات.
لهذا العبادة ليست محصورة في رمضان، ولا في ذي الحجة، أو الحج ولا في موسم من المواسم، إنما هي مشروع العمر ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ الحجر: 99 ، لهذا يبرز سؤال إذا كان هذا هو الأمر الذي ينبغي أن يُستحضر في شأن العبادة، فما مِيزةُ هذه المواسم التي تكون فيها العبادات مندوبًا إليها، تكون فيها العبادات لها من الفضائل ما ليس للعبادات في غيرها؟
المقدم:- صحيح فضيلة الشيخ عفوا عن المقاطعة، قد يقول قائل: إذا كان المسلم مأمورًا بالعمل والمداومة على العمل الصالح في كل وقته وفي كل حياته وطيلة عمره.
إذًا ما مِيزة هذه المواسم التي تأتي مواسم الطاعة، مواسم شهر رمضان، العشر الأول من ذي الحجة وغيرها، ما مِيزتُها على سائر الأيام؟
الشيخ:- هذا السؤال متبادَر ويحتاج إلى تنبيه أن هذه المواسم هي مِنح، هي هِبات وعطايا، هي رحمة من الله –عز وجل- بعباده أن أتاح لهم مواسم تتضاعف فيها أجورهم على العمل الصالح، يُعانون فيها على ألوان من الطاعات والقرب، يتزودون فيها بخير زاد التقوى، يدخلون فيها موسمًا يعطون فيه حطًّا لخطاياهم، وعفوا عن سيئاتهم وإكرامًا لهم بجزيل الأجر والثواب.
إذًا هذه المواسم هي منح، مواسم تجارة مع الله –عز وجل- تزيد بها الأرباح وتعظم فيها العطايا، ويجزي الله تعالى فيها الهبات لعباده تنشيطًا لهم وإعانة، فتكون أشبه ما يكون بمواسم استدراك لما فرطوحصل من تقصير أو قصور فيما مضى من الزمان، وهذا جانب، جانب التلافي لما كان من تقصير.
الجانب الثاني التزود بالخيرات، وهنا تأتي المعاني التي ذكرها النبي –صلى الله عليه وسلم- في بعض هذه المواسم من الإعانة على البر، تفتح أبواب الجنة، الإعانة على ترك المعصية، تُغلق أبواب النيران، كفُّ كل ما يكون سببا للتورط في السيئات، تُصفَّد أو تُسَلسل الشياطين، الدافع الذاتي للعمل الصالح في قلب العبد استجابة لنداء المنادي: يا باغي الخير أَقْبِل، ويا باغي الشر أقصر.

 في أشبه ما يكون بموسم يربِّي فيه الإنسان نفسه على الإقبال على الله، يعان فيه من ربه، يعطى فيه جزيل الأجر والثواب، يكفُّ عنه ما يكون سببًا لإشغاله وانشغاله عن طاعة ربه.
لذلك في الحج الله –عز وجل- عندما ذكر التلبُّسَ بالحج وما يترتب عليه من أحكام ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ البقرة: 197 .
إذًا هذه المواسم غرضها وغايتها الاستزادة من الخيرات، الاستكثار من تحقيق طاعة الرحمن -جل في علاه-، وليس معنى هذا أنه في غيرها يكون الإنسان غافلًا أو بعيدًا عن تحقيق الطاعة لرب العالمين.
سؤالك في أول الحديث ما الذي يستحضره المؤمن بعد انقضاء هذه المواسم؟
الذي يستحضره المؤمن بعد انقضاء هذه المواسم أنه تفضَّل الله عليه بَمِّنه ونعمته، وهي ألوان من العمل الصالح، فجدير به أن يحمد الله تعالى على ذلك، فإنه والله لولا الله ما اهتدينا، والله لولا الله ما صمنا ولا تصدقنا ولا صلينا ولا قمنا ولا أحسنَّا ولا قرأنا القرآن، ولا فعلنا بقية صالح الأعمال التي فتح الله تعالى بها على كل واحد منا في هذا الموسم الكريم، فيجد الإنسان في قلبه شهودًا لمِنَّة الله عليه أن يستغل الصالحات.
وجانب آخر أنه يحمد الله على ما فتح له من الطاعات، جانب آخر ومهم، يُلحُّ على الله بالقبول، ويسأله –جل وعلا- مزيدًا من فضله بأن يقبل ما كان من صالح عمله.

 إن استحضار هذه المعاني يفتح للإنسان أُفُقًا في المستقبل، وهو أن يستزيد من الصالحات، فتح الله لك في الصالح، تقدَّمتَ إليه، اقتربتَ منه -جل في علاه-، تركتَ شيئًا من الخطايا والسيئات بما مَنَّ الله به عليك في هذا الموسم المبارك، وفتح عليك بفتوحات الطاعة والإحسان، ينبغي أن تحافظ على هذه المكتسبات.
ولهذا إدامة الحسنة هي من نعمة الله على عبده؛ لأن الحسنة تجلب أختها، فعنوان السعادة فعل الحسنات بعد الحسنات والمعافاة من السيئات، ولهذا كان من دلائل التوفيق وعلامات القبول أن يُتبِع الإنسان الحسنةَ حسنةً وإدامة الحسنة لو لم يكن فيها إلا أنها تذهب السيئات لكانت مكسبًا كيف وهي سببٌ للزيادة في الخير.
الله –عز وجل- يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ هود: 114 إذهاب السيئات أي مغفرتها، إذهاب السيئات أي عدم التورط فيها، وهو الهداية التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ محمد: 17 وفي قوله: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ مريم: 76 والتي قال فيها: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ النساء: 66 يعني لو أنهم فعلوا، أنا وأنت ما أمرنا الله تعالى به الآن ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ النساء: 66- 67 هذا كله فيما يجريه الإنسان من امتثال الطاعة الحاضرة وفي المستقبل ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ النساء: 68 .
إذًا نحن بحاجة إلى استحضار هذه المعاني بعد موسم الطاعة، أننا بما يسَّر الله لنا من الطاعات وبما تعاملنا به من شهود مِنَّة الله علينا والفرح بنعمة الله فيما وفَّق من الصالحات، وسؤال الله والإلحاح عليه أن يتقبل ما كان من صالح العمل أن ذلك أيضًا يتم بأن يُتبع الإنسان الحسنة حسنة بعدها، وقد قال النبي –صلى الله عليه وسلم- لأحد أصحابه: «يا عبد الله بن عمرو لا تكن مثل فلان كان يقيم الليل فترك قيامَ الليل» صحيح البخاري (1152)، وصحيح مسلم (1159) الله أكبر، ولهذا لما سئلت عائشة -رضي الله تعالى عنها- عن عمل النبي –صلى الله عليه وسلم- هل كان يخص شيئًا من الأيام؟ يعني يعمل وينقطع عنه في سائر العمر؟ فقالت: "لا، كان عمله ديمة" صحيح البخاري (1987)، وصحيح مسلم (783) ومعنى ديمة أنه إذا عمل عملًا أثبته، ودوام العمل الصالح هو من مِنَّة الله تعالى على أوليائه وأصفيائه.
هذا عيسى بن مريم -عليه السلام- يقول وهو في المهد صبيًّا: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُوَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ مريم: 30- 31 وقد أثنى الله تعالى على المؤمنين بدوام صلاح أعمالهم في شأن أشرف العبادات وأجلِّها وهي الصلاة، فقال: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ المعارج: 23 أي مديمون لهذه العبادة الجليلة هي أهم العبادات والتي غيرها تبعٌ لها مديمون عليها في أوقات بشروطها ومكمِّلون لها فيما يحقق رضا الله –جل وعلا-.
فالمداومة على الطاعات وعلى رأسها الصلاة من صفات عباد الله الموفَّقين، هذه معاني يستحضرها الإنسان ويُسرُّ بها ويسعد فتُعينُه على مواصلة الخير والاستمرار في طريق البر والصلاح.
المقدم:- فضيلة الشيخ أيضًا في هذا المعنى في معنى المداومة على العمل الصالح في الحديث الذي ثبت عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «أحبُّ الأعمالِ إلى اللَّهِ تعالى أدومُها، وإن قلَّ» صحيح البخاري (6464)، وصحيح مسلم (783) في هذا الحديث دلالة على محبة الله –تبارك وتعالى- للمداومة على العمل الصالح، وإن دل على شيء فإنما يدل على فضل المداومة على العمل الصالح، ويجب على المسلم أن يداوم على هذه الأعمال الصالحة خاصة بعد موسم مثل ما ذكرنا موسم الطاعة والفضل والمنحة الإلهية موسم شهر رمضان المبارك.
الشيخ:- هو بالتأكيد دوام العمل الصالح سنة نبوية وفيه من الفضائل ما أشرت إلى بعضه فيما تقدم من حديث وما تفضلت به من قوله –صلى الله عليه وسلم-: «أحبُّ الأعمالِ إلى اللَّهِ تعالى أدومُها، وإن قلَّ» إلا أن هذا لا يحمي هذا الإنسان، يكون في اجتهاده على نفس المستوى الذي يكون في مثل العشر الأواخر من رمضان، ولهذا جاء عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- "أن النبي –صلى الله عليه وسلم- كان إذا دخل العشر شدَّ المئزر وجد وأحيى ليله وأيقظ أهله" صحيح مسلم (1174) ، وهذا مخصوص بهذه الأيام معناه أنه بعد ذلك حاله ليست كحاله في هذه الأيام على وجه الدوام، لكن كان –صلى الله عليه وسلم- مديمًا للعمل الصالح حتى أنه –صلى الله عليه وسلم- قيل له في طول قيامه –صلى الله عليه وسلم- وما يجده من مشقة ذلك بتورم قدميه وساقيه وتفطر قدميه أي تشققهما؟ فكان يقول: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» صحيح البخاري (1130)، وصحيح مسلم (2819) ، لذلك دوام الطاعة مهمٌّ وليست العبادات والطاعات محصورة في زمان دون زمان، بل هي في كل الزمان، وقد ندبنا النبي –صلى الله عليه وسلم- إلى المبادرة إلى العمل الصالح، بل الله –عز وجل- يقول: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ آل عمران: 133 تكون لشيء يخشى فواته، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة يقول النبي –صلى الله عليه وسلم-: «بادروا بالأعمال فِتَنًا كقِطَعِ اللَّيلِ المُظلِمِ يُمِسي الرَّجُلُ فيها مُؤمِنًا ويُصبِحُ كافرًا ويُصبِحُ مُؤمِنًا ويُمِسي كافرًا يبيعُ أقوامٌ دِينَهم بعَرَضٍ مِن الدُّنيا» صحيح مسلم (118) إذا العمل الصالح جاءت النصوص متوافرة وكثيرة في الحث عليها والاجتهاد في الاستكثار منها لأجل ما فيها من خيرات الدنيا والآخرة، فهي صلاح القلوب، وهي طمأنينة، وهي سعادة الدنيا وهي فوز الآخرة.
المقدم:- فضيلة الشيخ اسمح لي أن نذهب إلى فاصل أول في هذه الحلقة بعدها سنكمل الحديث معكم عن الأسباب المعينة التي تساعد المسلم على الاستمرارية والمداومة على العمل الصالح -بمشيئة الله تعالى- بعدها سنتكلم عن بعض الاستفسارات التي وصلت بخصوص الستِّ من شهر شوال، استفسارات عديدة عن صيام الست من شوال، لكن -بمشيئة الله تعالى- بعد الفاصل.
مستمعينا الكرام سنذهب إلى فاصل أول في هذه الحلقة بعدها نعاود الحديث فابقوا معنا.
أهلا وسهلا بكم مستمعينا الكرام مجددًا في هذه الحلقة المباشرة من برنامج "الدين والحياة" عبر أثير إذاعة "نداء الإسلام" من مكة المكرمة، والتي نتحدث فيها بعنوان المداومة على العمل الصالح.

 ضيفنا الكريم فضيلة الشيخ خالد المصلح أستاذ الفقه في جامعة القصيم وعضو لجنة الإفتاء في القصيم، فضيلة الشيخ أهلا وسهلا ومرحبا.
الشيخ:- حياك الله مرحبا بك أخي وائل أهلا وسهلا.
المقدم:- حياك الله فضيلة الشيخ كنا نتحدث عن المداومة على العمل الصالح، وفضل المداومة على العمل الصالح، وذكرنا أيضًا مجموعة من النصوص القرآنية، وعن النبي -عليه الصلاة وأفضل التسليم- عن فضيلة العمل الصالح، لكن نريد أن نتحدث عن الأسباب التي تعين المسلم على المداومة على العمل الصالح بعد شهر رمضان وبعد مواسم الخير والطاعة والمنح الإلهية بشكل عام.
الشيخ:- هو الكلام المتقدم في ضرورة وأهمية العمل الصالح، موضوع الحياة ومقصود الوجود، وهو الذي من أجله خلقه الله تعالى سببا من أسباب إدامة العمل الصالح، نحن نديم العمل الصالح في كل لحظاتنا؛ لأنه غاية وجودنا ومقصود خلقنا ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ الذاريات: 56 يديم العمل الصالح؛ لأن الله تعالى أمرنا بذلك فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ البقرة: 21 .
نديم العمل الصالح؛ لأن ذلك من أسباب سعادتنا وانشراح صدرونا وطمأنينة أفئدتنا، ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ الرعد:28 ، نديم العمل الصالح؛ لأن بالعمل الصالح ندرك الحياة الطيبة التي وعد الله تعالى بها من عمل صالحًا قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ النحل: 97 نديم العمل الصالح؛ لأن ذلك سبب فوزنا في الآخرة، قال الله –جل وعلا-: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ الواقعة: 10 وقال –جل وعلا-: ﴿تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الأعراف: 43 ، فالفوز في الآخرة إنما هو بما يكون مع الإنسان من العمل الصالح، نديم العمل الصالح؛ لأن العمل الصالح هو الذي سيرافقنا بعد موتنا، فبعد موتنا لن نخرج بمال، لن نخرج بجاه، أو وظيفة، أو منصب، لن نخرج بأصحاب أو أولاد أو زوجات أو عشيرة وأقارب، إنما نخرج بأعمالنا.
جاء في الصحيح من حديث أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: إذا مات ابن آدم «يَتْبَعُهُ أهْلُهُ ومالُهُ وعَمَلُهُ فَيَرْجِعُ اثْنانِ ويَبْقى معهُ واحِدٌ: فَيَرْجِعُ أهْلُهُ ومالُهُ ويَبْقى عَمَلُهُ» صحيح البخاري (6514)، وصحيح مسلم (2960) عملك هو قرينك، هو ما ستخرج به من هذه الدنيا، وأنت في غاية الضرورة إلى أن يكون عملك على وجه تُسرُّ به في لقاء ربك؛ لأنك يوم القيامة تأتي والعمل قد أنيط بعنقك كما قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا﴾ الإسراء: 13 .
فتحتاج إلى أن تستكثر من الصالحات حتى يكون ذلك موجبًا لرفعة درجتك عند ربك ورضاه عنك، نشتغل بالعمل الصالح؛ لأن الحياة فرصة وإذا متنا انقطع عملنا ولا سبيل إلى الزيادة في العمل بعد الموت إلا بما كان سببًا تقدم في حياتنا، جاء ذلك فيما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا مات ابنُ آدم انقطع عمله إلا من ثلاثٍ» هذه الثلاث كلها يجمعها أن سببها كان في حياة الإنسان، هي نتاج عمل كان في الحياة امتدَّ بعد موته «علم نافع، صدقة جارية، ولد صالح يدعو له» صحيح مسلم (1631) وهذه ثمار ونتائج لعمل تقدم في حياتك، نديم العمل الصالح لأنه بالعمل الصالح تنشرح صدورنا.
فالإنسان إذا اشتغل بالصالحات أفاض الله عليه من السعادة والبهجة والسرور والانشراح ما يكون عونا له على تجاوز ضغوط هذه الدنيا، كدر هذه الدنيا، ضيق هذه الدنيا، فإن العمل الصالح يوسِّع على الإنسان ما ضاق من دنياه، ولهذا كان الإعراض عن العمل الصالح موجب لضيق الكدر، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ طه: 124 .
نديم العمل الصالح؛ لأن العمل الصالح بركة على الإنسان في نفسه، وبركة عليه في ذريته، واقرأ في ذلك قول الحق -جل في علاه- في قصة موسى مع الخضر لما جاء إلى القرية التي بني فيها جدار، وكان قد امتنع أهلها عن إطعامه، قال في شأن بناء الجدار: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ الكهف: 82 فكان صلاح الأب موجبًا لحفظ ذريته من بعده بما يسرُّه من بناء السور الذي تهاوى وكان قد حفظ فيه كنزًا أو وضع فيه كنزًا لولديه.
هذه كلها أسباب توجب الاشتغال بالعمل الصالح، إذا سمحت لي أضيف سببًا أخيرًا أن العمل الصالح نديمه؛ لأنه حصن يقينا أعداءنا، كل واحد له أعداء نحن في حرب الأعداء متنوعون، من أعظم الأعداء الذين يحصنك منهم عملك الصالح العدوُّ الذي لا يفتر في عداوته وهو الشيطان، الذي قال الله تعالى في شأنه: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ الأعراف: 16- 17 فالعمل الصالح حصن يحميك من أعدائك من الشياطين، من أعدائك من الكائدين والماكرين من شياطين الإنس أو شياطين الجن، وأيضًا يقيك الفتن ومُضِلَّاتها، كما قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الْعِبادَةُ في الهَرْجِ» يعني في زمن الفتنة «كَهِجْرَةٍ إلَيَّ» صحيح مسلم (2948) فهي صيانة ووقاية وحماية من أن تتورط في شيء من المضلات أو المزلات أو الفتن، الاشتغال بالعمل الصالح لأن نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل ولابد.
والإنسان لا يمكن أن يكون فارغًا، إما أن يشتغل بصالح وخير، وإما أن يشتغل بفساد وشر، يديم العمل الصالح لأنه عندما نعجز عن العمل الصالح، يثبت الله تعالى لنا أجر أعمالنا الصالحة، ونحن لم نعملها لكن لأننا كنا نشتغل بها في وقت صحتنا، في وقت إقامتنا، في وقت نشاطنا، يثبت الله تعالى لنا ما كان في صحتنا وفي إقامتنا وقت وجود العذر الذي يشغلنا عن القيام بتلك العبادات، «إذا مَرِضَ العَبْدُ، أوْ سافَرَ، كُتِبَ له مِثْلُ ما كانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا» سبق تخريجه .
هذه جملة من الأسباب والمسوغات والحوافز التي تحفزنا أن نديم العمل الصالح، وأن تكون أعمالنا الصالحة في كل أحياننا وأوقاتنا.
المقدم:- فضيلة الشيخ سآخذ بعض المشاركات من الإخوة الكرام، هذا أبو عبد الله يسأل عن معنى الآية الكريمة عند قوله –تبارك وتعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ فصلت: 30 هل الاستقامة في الآية هنا تكون بمعنى المداومة؟
الشيخ:- طبعا الاستقامة لا تكون إلا بمداومة، ولهذا نحن في كل صلاة نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ﴾ الفاتحة:6 ، يعني لو كانت الهداية والاستقامة لحظة لما احتجنا أن نسألها في اليوم في ركعات عديدة أقل ما يكون سبع عشرة ركعة نقول: اهدنا الصراط المستقيم، هذا في الفرائض غير النوافل، فلا تكون استقامة إلا بدوامها، ولا تكون استقامة إلا باستمرارها.
والنبي –صلى الله عليه وسلم- أمره الله تعالى بقوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ هود: 112 مع أنه –صلى الله عليه وسلم- قائم بأمر ربه، ومع ذلك أمره بالاستقامة أي بإدامتها والثبات عليها والمواصلة في تحقيقها، فلا تكون استقامة إلا بدوام العمل الصالح، أسأل الله أن يمنَّ علي وعليكم بالاستقامة ظاهرًا وباطنًا.
المقدم:- اللهم آمين، أيضًا فضيلة الشيخ السؤال عن الأيام الست مجموعة من الاستفسارات من صيام ست أيام شوال لو أردنا أن نتحدث ابتداء فضيلة الشيخ عن المداومة على العمل الصالح بعد شهر رمضان المبارك، وهذا المعنى قد يكون في أذهان كثير من الناس وهو صيام ستة أيام من شهر شوال، أسألك عن مشروعية صيام الست من شهر شوال، وعن فضلها؛ لأنه في مجموعة من الاستفسارات تسأل أسئلة تتعلق بصيام الست من شهر شوال.
الشيخ:- صيام الست من شوال هو من العمل الصالح الذي ندب إليه النبي –صلى الله عليه وسلم- وثبت عنه كما في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «مَن صام رمَضانَ ثمَّ أتبَعَهُ بسِتٍّ مِن شوّالٍ، فكأنَّما صام الدَّهْرَ» صحيح مسلم:ح1164/204 أي كافيًا صيام السنة، وجاء بيانه في حديث ثوبان «صيامُ رمضانَ بعشرةِ أشهرٍ وصيامُ ستَّةِ أيّامٍ بشَهرينِ فذلِك صيامُ سنةٍ» مسند أحمد (22412)، والنسائي في الكبرى (2873)، وصححه الألباني أي من حيث الأجر والمثوبة.
وهذه الستة أيام يدرك الإنسان فضل صيامها بعد رمضان في شهر شوال، سواء كانت هي أول الشهر أو في أوسطه أو في آخره، كانت متتابعة أو كانت متفرقة، سواء صامها في الاثنين والخميس، أو صامها في الأيام البيض فأدرك الفضيلتين كل ذلك مما يتحقق به هذه السنة، وإذا كان هناك ما يمنعه من صيامها في شوال، إما لاشتغال بمرض، أو لسفر، أو لغير ذلك من الموانع فصامها بعد شوال أرجو أن يدرك الأجر بناء على ما دل عليه حديث ثوبان، لكن إن كان يتمكن من المبادرة إليها، فإن المبادرة إليها أولى وأوضح وأظهر في إدراك السنة التي نص عليها رسول الله  –صلى الله عليه وسلم- في قوله: «مَن صام رمَضانَ ثمَّ أتبَعَهُ بسِتٍّ مِن شوّالٍ، فكأنَّما صام الدَّهْرَ«.
المقدم:- فضيلة الشيخ أيضًا هذا يدفعنا إلى سؤال عام وهو هل يجوز تقديم التطوع على القضاء؟يعني هذا السؤال عادة ما يطرح في صيام الست من شهر شوال؛ لأنه بعض الناس عليهم قضاء من صيام شهر رمضان المبارك، وبالتالي يكثر الإشكال عن تقديم صيام التطوع على صيام القضاء في شهر شوال.
الشيخ:- فيما يتعلق بأصل المسألة تقديم التطوع، الاشتغال بالتطوع قبل الفريضة، لا خلاف بين العلماء أن الأولى بالعابد المشتغل بطاعة الله –عز وجل- الأولى بالإنسان أن يبدأ بما فرض الله تعالى عليه، هذا هو الأولى والأحرى به وذلك أن الإنسان يشتغل بإبراء ذمته فيما فرض الله تعالى عليه، وقد قال النبي –صلى الله عليه وسلم- فيما جاء في الصحيح: «وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممّا افْتَرَضْتُ عليه» فأحب ما تتقرب به إلى الله –عز وجل- أن تؤدي الفرائض، الواجبات، ثم تأتي بعد ذلك بالنوافل المستحبات، كما قال –صلى الله عليه وسلم-: «وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتّى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ به» إلى آخر الحديث صحيح البخاري (6502) .
فالأصل البداءة بالفرائض، وهو أعظم أجرًا ومثوبة عند الله –عز وجل- من الاشتغال بالنوافل، لكن لو أنه صام نفلًا قبل الفريضة مثل: إنسان عليه خمس أيام من رمضان وصام يوم عرفه بنية التطوع، جمهور العلماء على أن ذلك صحيح، ويدرك به الفضيلة المتعلقة بصيام يوم عرفه، من أهل العلم وهو مذهب الإمام أحمد أنه لا يصح تقديم صوم التطوع على صوم الفرض، بل يجب البداءة بالفرض، ثم بعد ذلك يأتي بالتطوع، وبالتالي هذه أصل المسألة، يأتي بعد ذلك مسألة صيام الست التي ذكرتها أخي الكريم هل يصلح أن يصوم الست قبل القضاء؟
الحديث فيه طبعا بناء على ما تقدم مذهب الحنابلة لا يصح أن يقدم صيام الست على القضاء؛ لأنهم يرون أنه لا يتطوع قبل الفريضة، الجمهور للعلماء من بقية المذاهب، بل حتى من الحنابلة للعلماء في ذلك قولان:

 من أهل العلم من قال: إنه يجب البداءة بالقضاء ثم بعد ذلك يصوم الست لقوله –صلى الله عليه وسلم-: «مَن صام رمَضانَ ثمَّ أتبَعَهُ بسِتٍّ مِن شوّالٍ، فكأنَّما صام الدَّهْرَ»، قالوا: ثم تفيد التعقيب والترتيب، وبالتالي إذا صام الست قبل القضاء لم يدرك الفريضة.
قال جماعة من أهل العلم: إن صيام الست قبل القضاء تدرك به الفضيلة؛ لأن (ثم) هنا ليس المقصود بها التعقيب والترتيب الزمني، إنما المقصود بها التعقيب والترتيب الذكري؛ لأن شهر رمضان يسبق شهر شوال، ومن صام رمضان وأفطر بعض أيامه ثم قضاها في أيام أخر فقد صام رمضان، فيدرك بذلك الفضيلة وهذا ما ذهب إليه ابن مفلح من الحنابلة، وذهب إليه جماعات من أهل العلم في بقية المذاهب، والأمر في هذا واسع، الأصل أن يبادر الإنسان إلى القضاء، لكن لو أن أحدهم صام الست قبل القضاء لكون القضاء كثيرا، ثم بعد ذلك قضى فأرجو أن يدرك الفضيلة -إن شاء الله تعالى-، لكن إن تمكن من البداءة بالقضاء ثم صيام الست فهو أولى وأجدر وأحرى.
أنا كنت أريد أن أنبِّه إلى أنه ما يتعلق بالست، وما يتصل بها لما نتحدث عن إدامة العمل الصالح فنحن نذكر صورة في الصوم، ولكن تلاوة القرآن، قيام الليل، المحافظة على الفرائض والعناية بها، ارتياد المساجد والرباط فيها أعمال صالحة كثيرة، الإحسان، والصدقة، والجود، الذي تعودت عليه النفوس أو اشتغلت به النفوس في زمان رمضان، ينبغي ألا ينقطع فلا تنحصر أذهاننا فيما يتعلق بإدامة العمل الصالح أنها فقط في عمل محدَّد، بل هي في كل العمل الذي يقربنا إلى الله –عز وجل-.
المقدم:- فضيلة الشيخ ذكرنا صيام الست من شوال؛ لأنه عادة يكون هذا في أذهان الناس أن مداومة العمل الصالح بعد شهر رمضان تكون بصيام الست من شوال، وبدليل أن أغلب الاستفسارات تتعلق بصيام الست من شوال، وإلا فالأمر واسع في قضية المداومة على العمل الصالح بكل صنوف العبادة من قراءة للقرآن، وصلاة، وصدقة، وإحسان وغيرها كل هذه من العمل الصالح التي ينبغي على المسلم أن يداوم على العمل بها وفيها أيضًا.
فضيلة الشيخ أيضًا أبو أنس يسأل في قضية الصيام الست من شوال عن الجمع بين النيتين بين القضاء وصيام الست من شوال أو صيام الست من شوال مثلا والأيام البيض.
الشيخ:- فيما يتعلق بالجمع بين القضاء والست لا يمكن أن يجمع بينهما، لأن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «من صام رمضان ثم أتبع». ففرَّق بين صيام رمضان وبين الست، وأيضًا يؤكد هذا المعنى حديث ثوبان أنه قال:«صيام رمضان بعشرة أشهر، وصيام الست بشهرين» [تقدم] . فمعنى هذا أنه لما يصوم القضاء ستة أيام مثلا عليه يصومها في شوال فهو لم يصم ستًّا من شوال وإنما صام رمضان، وبالتالي يبقى من السنة شهران لم يبلغ أجرهما بصيام الست، فلا يجتمع القضاء مع صيام الست على الصحيح، بمعنى أنه لما يصوم قضاء ما يجزئه عن صيام الست، إذا أراد أن تحصل هذه الفضيلة فليصم مع القضاء ثم يصم الست، أو إذا صام الست ثم صام ما عليه من قضاء أو على نحو ما تقدم قبل قليل في بيان سؤال الأخ السائل، فيما يتصل بالجمع بين صيام الست وفضائل الصيام في الأشهر والأيام كصيام الاثنين مثلا والخميس أو صيام ثلاثة أيام من كل شهر بصيامها في البيض على سبيل المثال كل ذلك يدركه، فإذا صام الاثنين والخميس أدرك فضيلتين:

 صيام ست مع فضيلة صيام يوم الاثنين والخميس، إذا صامها في الأيام البيض أدرك فضيلة صيام ستة أيام أو ثلاثة أيام التي صامها يدرك الفضيلتين: فضيلة صيام ستة أيام من شوال، وفضيلة صيام الأيام البيض.
المقدم:- فضيلة الشيخ بودي أن نختم بنقطة أخيرة وهي نريد أن نوجه نصيحة لمن أقلع عن الذنوب وتاب وأناب في شهر رمضان المبارك وفي موسم الطاعات ثم بعد انتهاء شهر رمضان مثلا عاد إلى ما كان عليه، وعاد إلى سيرته الأولى، ما هي النصيحة التي تقدم لمثل هؤلاء؟
الشيخ:- نحن بحاجة إلى أن نعي أننا في هذه المواسم المباركة فتح الله تعالى علينا من أنواع الطاعة ما يسَّره في صيام وقيام وسائر صالح الأعمال، فمن المهم أن يحافظ الإنسان على هذه المكتسبات، والمحافظة على المكتسبات تكون بإدامة العمل الصالح، وتكون أيضًا بالمحافظة على هذه الصالحات من أن تحبط أو تذهب أو تنقص بما يكون من سيء العمل، ينبغي أن يحافظ الإنسان على حسناته ويعرف أن العودة إلى السيئات بعد الصالح من العمل تنقض ما كان من خير تقدم به، كما قال الله –جل وعلا-: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ النحل: 92 يحرص الإنسان على إدامة العمل الصالح، على الاستغفار لا يعني أن يكون معصومًا بعد رمضان أو بعد العمل الصالح، إنما المقصود أن يجتهد في التخفُّف من السيئات، البعد عن الخطايا، عدم الرجوع إلى ما تاب منه من الذنوب، فإن ذلَّت به قدم أو وقع في خطأ فليبادر العودة والتوبة والأوبة إلى الله –عز وجل-.
أختم بقضية مهمة وهو أن بعض الناس يقول: ساعة وساعة كما جاء في الحديث أن حنظلة رضي الله تعالى عنه قال: يا رسول الله: «نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، يُذَكِّرُنا بالنّارِ والْجَنَّةِ، حتّى كَأنّا رَأْيُ عَيْنٍ» يعني أي نراها بأعيننا «فَإِذا خَرَجْنا مِن عِندِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، عافَسْنا الأزْواجَ والأوْلادَ والضَّيْعاتِ، فَنَسِينا كَثِيرًا» فقال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «والَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ لو تَدُومُونَ على ما تَكُونُونَ عِندِي، وفي الذِّكْرِ، لَصافَحَتْكُمُ المَلائِكَةُ على فُرُشِكُمْ وفي طُرُقِكُمْ وَلَكِنْ يا حَنْظَلَةُ ساعَةً وَساعَةً» صحيح مسلم (2750) .
قوله: «يا حَنْظَلَةُ ساعَةً وَساعَةً»، ليس المقصود ساعة طاعة وساعة معصية، حاشا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أن يأذن بالمعصية، لكن حنظلة يذكر شيئًا طبيعيا في النفوس، أنه في وقت الذكر، وقت النشاط، وقت مواسم البرِّ يكون هناك إقبال ونشاط، هذا الإقبال والنشاط قد يفتُر في وقت أو في زمن، هذا الفتور لا يلام عليه الإنسان ما لم يوقعه في معصية وخطيئة.
عند ذلك لابد أن يتوب، ولقد قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «ولكلِّ عملٍ شِرَّةٌ، ولكلِّ شرةٍ فترةٌ، فمَن تكونُ فترتُه إلى سُنَّةٍ فقد اهتَدى، ومَن تكونُ إلى غيرِ ذلك فقد ضلَّ» مسند أحمد (6477)، وحسن الألباني إسناده على شرطهما في "صفة الصلاة" ولذلك أنا أقول لإخواني وأخواتي:«ساعة وساعة»حقيقة نحن بحاجة إلى ذلك، لكن ينبغي ألا تكون الساعة طاعة والأخرى معصية، بل ساعة طاعة وساعة بما تقتضيه النفس من أن يقل النشاط عن الطاعة لا أن يتورط في الخطأ والمعصية، نسأل الله أن يستعملني وإياكم في طاعته وأن يعيننا على ما يحب ويرضى.
المقدم:- شكر الله لك، فضيلة الشيخ خالد المصلح أستاذ الفقه في جامعة القصيم وعضو "لجنة الإفتاء في القصيم" شكر الله لك وكتب الله أجرك وشكرًا جزيلا فضيلة الشيخ.
الشيخ:- الله يحفظك وأنا أشكرك، وأشكر الإخوة والأخوات المستمعين والمستمعات، وأسأل الله أن يسددنا في الأقوال والأعمال، وأن يحفظ بلادنا وولاتنا وجنودنا الذين يحرسون أمننا ويدافعون عن حدودنا، وفق الله الجميع إلى ما يحب ويرضى وصلى الله وسلم على نبينا محمد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.555

مواد تم زيارتها

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف