×
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو

نموذج طلب الفتوى

لم تنقل الارقام بشكل صحيح
مشاركة هذه الفقرة WhatsApp Messenger LinkedIn Facebook Twitter Pinterest AddThis

قوله - رحمه الله -: «بسم الله الرحمن الرحيم». بدأ المؤلف - رحمه الله - هذه العقيدة بالبسملة، تأسيا بكتاب الله، إذ كل سورة منه مفتتحة بالبسملة إلا سورة براءة، واتباعا لسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلقد كان يفتتح كتبه ورسائله بالبسملة كما في كتابه الذي بعثه إلى هرقل فإن فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبدالله ورسوله ... " +++ (أخرجه البخاري (7)، ومسلم (1773) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.)--- ، ومثله في كتاب صلح الحديبية الذي صالح فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - قريشا، فقد قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه -:"اكتب بسم الله الرحمن الرحيم" +++ (أخرجه مسلم (1784) من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه -.)--- . وسيرا على ما جرى عليه عمل أهل العلم - رحمهم الله - في مؤلفاتهم وكتاباتهم +++ (من هؤلاء الإمام مالك كما في «الموطأ»، والبخاري كما في «صحيحه» وغيرهما كثير)--- . والبسملة جملة اسمية، أو فعلية تامة مفيدة، متعلقها إما أن يكون اسما، وإما أن يكون فعلا مقدرا مؤخرا مناسبا لحال الذاكر؛ ففي بداية القراءة: "بسم الله أقرأ أو قراءتي"، وفي الكتابة:"باسم الله أكتب أو كتابتي"، وهلم جرا. وقد جاء كلا الوجهين في القرآن الكريم، قال الله تعالى: {باسم الله مجراها ومرساها +++ سورة هود: 41--- ، فتعلقت البسملة باسم مناسب مؤخر، وجاء تعلقها بفعل مقدم، في قوله تعالى: {اقرا باسم ربك الذي خلق +++ سورة العلق: 1--- ، لكن جاء هذا التقديم رعاية لمقصود الكلام، وهو القراءة تعريفا بالمطلوب من النبي - صلى الله عليه وسلم -. قوله - رحمه الله-: «هاذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة» افتتح المصنف هذه العقيدة ببيان موضوعها، والمشار إليه هو ما قدره في نفسه من المعاني أو ما زوره من الكلام على نحو ما سيأتي تفصيله في هذه العقيدة. وقوله: «ذكر بيان أهل السنة والجماعة» الذكر ضد النسيان، والمقصود به هنا الاستحضار والإظهار والإشاعة والتذكير به، والمعنى إظهار ما يبين ويوضح عقيدة أهل السنة والجماعة. والعقيدة في اللغة مأخوذة من العقد، وهو الشد والربط بإحكام؛ لأن ما يعتقده الإنسان يربط عليه قلبه ويشده +++ (ينظر: «الصحاح» (2/ 510)، و «لسان العرب» (3/ 296)--- ، فالعقيدة هي ما طوى الإنسان قلبه عليه من العلوم والمعارف ونحو ذلك. أما اصطلاحا: فالعقيدة ما أقر به الإنسان جازما وطوى عليه قلبه يقينا، مما يتعلق بأصول الإيمان. وقوله: «أهل السنة والجماعة» أهل الشيء: هم الملازمون له والمختصون به، والسنة هي الطريقة في اللغة، وهي هنا: ما كان عليه النبي  صلى الله عليه وسلم  قولا وعملا واعتقادا. والجماعة: هي العدد الكثير من الناس، والمراد بها هنا الاجتماع الذي هو ضد الفرقة، ثم صار لقبا للمجتمعين على الحق، الذين لم يفرقوا دينهم شيعا. فأهل السنة والجماعة هم المستمسكون بما كان عليه النبي  صلى الله عليه وسلم  وأصحابه في العلم والعمل، المجتمعون على ذلك. وهذان الوصفان، السنة والجماعة، متلازمان، فإنه لا يكون الشخص من أهل السنة إلا إذا كان من أهل الجماعة، ولا يكون من أهل الجماعة إلا إذا كان من أهل السنة. وإنما نصوا عليهما - مع أن أحد الوصفين يغني عن الآخر- لمزيد إيضاح وبيان وتمييز. فهم أهل سنة؛ حيث إنهم بالسنة مستمسكون، وإليها راجعون، وعنها صادرون، لا يعدلون بها شيئا، ولا يقدمون عليها شيئا، فهي الحاكم على أقوالهم وعقائدهم وأعمالهم وآرائهم، فما جاء في السنة أخذوا به، وما ردته السنة ردوه. وهم أهل جماعة؛ حيث إنهم أهل اجتماع، لا أهل فرقة، فإن الله - جل وعلا - ذم في كتابه الافتراق والاختلاف، وحث على الائتلاف والاجتماع، ونصوص ذلك كثيرة، وقد أوصى الله تعالى أولي العزم من الرسل بالاجتماع ونبذ الفرقة، فقال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} +++ سورة الشورى: 13---. وإنما تتحقق إقامة الدين بالقيام به عقدا وعملا من غير تفرق ولا اختلاف، والاجتماع الذي أمرت به الأمة ما كان على هدى لا على هوى، فهو اجتماع على الكتاب المبين، وعلى سنة النبي الكريم  صلى الله عليه وسلم ، ويشهد لذلك ما أخرجه الترمذي عن ابن عمر: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: «إن الله لا يجمع أمتي، أو قال أمة محمد  صلى الله عليه وسلم  على ضلالة ... » +++ ("سنن الترمذي" (2320) وقال:"غريب"، وللحديث شواهد من حديث أنس، وأبي بصرة الغفاري، وأبي مالك الأشعري، وابن عباس، جميعهم مرفوعا، وشاهد عن ابن مسعود موقوفا عليه.)--- ، وأخرج الإمام أحمد، عن أبي بصرة الغفاري: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: «سألت ربي - عز وجل - أربعا فأعطاني ثلاثا ومنعني واحدة: سألت الله أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها ... » +++ ("مسند أحمد" (6/ 396)،والطبراني (2/ 280)، قال الهيثمي في "المجمع" (7/ 147):" فيه راو لم يسم"، وله شواهد كما تقدم.)--- . قوله - رحمه الله-: «على مذهب فقهاء الملة» أي إن هذا البيان والإظهار لعقيدة أهل السنة والجماعة جار على طريقة فقهاء الملة، فالمذهب هو الطريقة، والمراد بالمذهب هنا المعتقد الذي يذهب إليه. ومراده بالفقهاء العلماء، والفقهاء جمع فقيه، وهو مأخوذ من الفقه، والفقه يطلق في استعمال المتقدمين على العلم بالشريعة وفهمها عقيدة وعملا، بخلاف اصطلاح المتأخرين؛ حيث يقصرون الفقه على العلم بالأحكام الشرعية العملية، من أدلتها التفصيلية. والملة هي الطريقة، وهي الدين، والألف واللام للعهد الذهني، وهي ملة الإسلام أو ملة النبي محمد  صلى الله عليه وسلم ، وهي ما دان به نبينا محمد  صلى الله عليه وسلم  ربه، فالملة تطلق على جملة الشرائع دون آحادها. ففقهاء الملة هم العلماء بالدين وأصوله وقواعده، العالمون بما جاء في الكتاب والسنة من العقائد والأعمال. فهذه العقيدة المباركة، تضمنت بيان ما كان عليه أهل العلم والبصيرة، الذين يتبعون ما جاء به النص والأثر. ولقب فقهاء الملة من أشرف منازل العلماء؛ وذلك أن العلماء ثلاثة أصناف: الأول: عالم ملة، وهو من يصدر في عقائده وأقواله وأعماله، عن دين رب العالمين. الثاني: عالم أمة، وهو الذي يتبع ما يريده الناس وما يحبونه، وما يميلون إليه، فيجعل الدين تابعا لأهوائهم. الثالث: عالم دولة أو سلطة، وهو الذي يتبع ما يريده أهل السلطة والغلبة، فيجعل الدين تابعا لأهوائهم. قوله - رحمه الله -: «أبي حنيفة النعمان وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني» سمى المؤلف ثلاثة من فقهاء الملة، الذين جرى في هذا المتن على عقدهم وسار على طريقهم، وهم أعلام أجلة لهم في الأمة لسان صدق وجميل ذكر. أولهم ومقدمهم أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، الإمام المقدم +++ (ينظر: ترجمته في «تاريخ بغداد» (13/ 323/7297)، «سير أعلام النبلاء» (6/ 390)--- ، وكانت وفاته عام خمسين ومائة، وهو من الفقهاء المحققين، والأعلام النابغين، وهو أول الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبوعة، وقد ذكر بعده صاحبيه، وهما تلميذاه وأشهر من أخذ عنه: الأول: أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وكانت وفاته عام ثلاثة وثمانين ومئة +++ (ينظر: ترجمته في «التاريخ» لابن معين: (680)، «التاريخ الكبير» (8/ 397)--- . والثاني: أبو عبد الله محمد بن الحسن الشيباني، وكانت وفاته سنة تسع وثمانين ومئة +++ (ينظر: ترجمته في «التاريخ» لابن معين (511)، «الجرح والتعديل» (7/ 227)--- . وسبب نصه على هؤلاء الأئمة دون غيرهم؛ لأنه أخذ عنهم وتتبع ما ذكروه في العقائد وأصول الدين، وليس أن هذه العقائد مما اختصوا به دون سائر علماء الأمة. فالعقائد لم تختلف الأمة في أصولها، ولا في أكثر فروعها وتفاصيلها، فهي أمور متفق عليها؛ فلا يقال: هذا حنفي العقيدة، أو شافعي العقيدة، ونحو ذلك. فإن الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وغيرهم مذاهب فقهية تضمنت اجتهادات وأقوالا في المسائل العملية لا العلمية. قوله - رحمه الله -: «وما يعتقدون من أصول الدين» هذا مزيد بيان وإيضاح لماتضمنته هذه الرسالة، وأنها بيان لمسائل الإيمان وأصول الاعتقاد؛ فهذا من باب عطف الخاص على العام، فالمذهب يشمل العقائد والأقوال والأعمال، لكن لما قال: وما يعتقدون من أصول الدين تبين المقصود. والمعنى أن هذه الرسالة تضمنت بيان ما يدين به أهل السنة والجماعة رب العالمين مما يتعلق بأصول الدين. والأصول: جمع أصل، وهي ما يبنى عليه غيره، ويطلق ويراد به الأساس. أما الدين فمصدر دان يدين دينا: إذا خضع وذل وانقاد واستسلم، والمراد به هنا الملة. وأصول الدين هي كل ما يجب اعتقاده في مسائل الإيمان؛ كمسائل التوحيد والصفات والقدر والنبوة والمعاد، ونحو ذلك. وتقسيم الدين إلى أصول وفروع، جرى عليه كثير من العلماء، ولاسيما في القرون المتأخرة. ومرادهم بمسائل الأصول العقائد، وأما مسائل الفروع فهي الأعمال. وفي هذا التقسيم نوع نظر؛ فإن مما يصنف ضمن فروع الدين أركانا يبنى عليها الدين، كالصلاة مثلا، فهي ثاني أركان الإسلام، وهي عمود الدين. ومهما يكن من أمر فإن تقسيم الدين إلى أصول وفروع، ليس مقصوده التقليل من شأن الفروع، وإنما المراد تمييز ما يتعلق بالاعتقاد مما يتعلق بالعمل. فلما كان غالب ما يتعلق بالعمل من الفروع سمي جميع ما يتعلق بالعمل فروعا، ولو كان من أركان الإسلام ودعائمه التي ينبني عليها. ويؤكد هذا المعنى أن من مسائل أصول الدين، ما هو دون كثير من مسائل الفروع، في الأهمية والرتبة في الديانة، لكن من حيث الجنس، لا ريب أن جنس مسائل الأصول أهم وأخطر من جنس مسائل الفروع. قوله-رحمه الله-: «ويدينون به رب العالمين» أي وما يتعبدون به لله تعالى خضوعا وانقيادا وقبولا وتسليما من العقائد +++ («لسان العرب» (13/ 164)--- . فالعقيدة ليست أقوالا مجردة، إنما هي دين يتعبد به لله - عز وجل -، ويتقرب به إليه. ولا عجب فالعقائد من أعمال القلوب، وبها صلاحها وفسادها، ومعلوم أن جنس أعمال القلوب أعظم عند الله من جنس أعمال الجوارح. فمبدأ الهداية والصلاح هداية القلب وصلاحه، قال الله تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا +++ سورة الأنعام: 125---. وفي "الصحيحين" من حديث النعمان بن بشير، أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» +++ (أخرجه البخاري (52)، ومسلم (1599)--- . وقوله: «رب العالمين» أي خالق الخلق ومالكهم ورازقهم ومدبرهم، فعلى هذه المعاني الأربع يدور معنى الربوبية، قال الله تعالى:{قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون +++ 31--- فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون} +++سورة: يونس: 31, 32---.

تاريخ النشر:12 جمادى آخر 1440 هـ - الموافق 18 فبراير 2019 م | المشاهدات:1585
قوله - رحمه الله -: «بسم الله الرحمن الرحيم».
بدأ المؤلف - رحمه الله - هذه العقيدة بالبسملة، تأسيا بكتاب الله، إذ كل سورة منه مفتتحة بالبسملة إلا سورة براءة، واتباعا لسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلقد كان يفتتح كتبه ورسائله بالبسملة كما في كتابه الذي بعثه إلى هرقل فإن فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبدالله ورسوله ... " (أخرجه البخاري (7)، ومسلم (1773) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.) ، ومثله في كتاب صلح الحديبية الذي صالح فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - قريشا، فقد قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه -:"اكتب بسم الله الرحمن الرحيم" (أخرجه مسلم (1784) من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه -.) . وسيرا على ما جرى عليه عمل أهل العلم - رحمهم الله - في مؤلفاتهم وكتاباتهم (من هؤلاء الإمام مالك كما في «الموطأ»، والبخاري كما في «صحيحه» وغيرهما كثير) . والبسملة جملة اسمية، أو فعلية تامة مفيدة، متعلقها إما أن يكون اسما، وإما أن يكون فعلا مقدرا مؤخرا مناسبا لحال الذاكر؛ ففي بداية القراءة: "بسم الله أقرأ أو قراءتي"، وفي الكتابة:"باسم الله أكتب أو كتابتي"، وهلم جرا.
وقد جاء كلا الوجهين في القرآن الكريم، قال الله تعالى: {باسم الله مجراها ومرساها سورة هود: 41 ، فتعلقت البسملة باسم مناسب مؤخر، وجاء تعلقها بفعل مقدم، في قوله تعالى: {اقرا باسم ربك الذي خلق سورة العلق: 1 ، لكن جاء هذا التقديم رعاية لمقصود الكلام، وهو القراءة تعريفا بالمطلوب من النبي - صلى الله عليه وسلم -.
قوله - رحمه الله-: «هاذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة» افتتح المصنف هذه العقيدة ببيان موضوعها، والمشار إليه هو ما قدره في نفسه من المعاني أو ما زوره من الكلام على نحو ما سيأتي تفصيله في هذه العقيدة.
وقوله: «ذكر بيان أهل السنة والجماعة» الذكر ضد النسيان، والمقصود به هنا الاستحضار والإظهار والإشاعة والتذكير به، والمعنى إظهار ما يبين ويوضح عقيدة أهل السنة والجماعة. والعقيدة في اللغة مأخوذة من العقد، وهو الشد والربط بإحكام؛ لأن ما يعتقده الإنسان يربط عليه قلبه ويشده (ينظر: «الصحاح» (2/ 510)، و «لسان العرب» (3/ 296) ، فالعقيدة هي ما طوى الإنسان قلبه عليه من العلوم والمعارف ونحو ذلك. أما اصطلاحا: فالعقيدة ما أقر به الإنسان جازما وطوى عليه قلبه يقينا، مما يتعلق بأصول الإيمان.
وقوله: «أهل السنة والجماعة» أهل الشيء: هم الملازمون له والمختصون به، والسنة هي الطريقة في اللغة، وهي هنا: ما كان عليه النبي  صلى الله عليه وسلم  قولا وعملا واعتقادا. والجماعة: هي العدد الكثير من الناس، والمراد بها هنا الاجتماع الذي هو ضد الفرقة، ثم صار لقبا للمجتمعين على الحق، الذين لم يفرقوا دينهم شيعا. فأهل السنة والجماعة هم المستمسكون بما كان عليه النبي  صلى الله عليه وسلم  وأصحابه في العلم والعمل، المجتمعون على ذلك. وهذان الوصفان، السنة والجماعة، متلازمان، فإنه لا يكون الشخص من أهل السنة إلا إذا كان من أهل الجماعة، ولا يكون من أهل الجماعة إلا إذا كان من أهل السنة. وإنما نصوا عليهما - مع أن أحد الوصفين يغني عن الآخر- لمزيد إيضاح وبيان وتمييز. فهم أهل سنة؛ حيث إنهم بالسنة مستمسكون، وإليها راجعون، وعنها صادرون، لا يعدلون بها شيئا، ولا يقدمون عليها شيئا، فهي الحاكم على أقوالهم وعقائدهم وأعمالهم وآرائهم، فما جاء في السنة أخذوا به، وما ردته السنة ردوه. وهم أهل جماعة؛ حيث إنهم أهل اجتماع، لا أهل فرقة، فإن الله - جل وعلا - ذم في كتابه الافتراق والاختلاف، وحث على الائتلاف والاجتماع، ونصوص ذلك كثيرة، وقد أوصى الله تعالى أولي العزم من الرسل بالاجتماع ونبذ الفرقة، فقال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} سورة الشورى: 13.
وإنما تتحقق إقامة الدين بالقيام به عقدا وعملا من غير تفرق ولا اختلاف، والاجتماع الذي أمرت به الأمة ما كان على هدى لا على هوى، فهو اجتماع على الكتاب المبين، وعلى سنة النبي الكريم  صلى الله عليه وسلم ، ويشهد لذلك ما أخرجه الترمذي عن ابن عمر: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: «إن الله لا يجمع أمتي، أو قال أمة محمد  صلى الله عليه وسلم  على ضلالة ... » ("سنن الترمذي" (2320) وقال:"غريب"، وللحديث شواهد من حديث أنس، وأبي بصرة الغفاري، وأبي مالك الأشعري، وابن عباس، جميعهم مرفوعا، وشاهد عن ابن مسعود موقوفا عليه.) ، وأخرج الإمام أحمد، عن أبي بصرة الغفاري: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: «سألت ربي - عز وجل - أربعا فأعطاني ثلاثا ومنعني واحدة: سألت الله أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها ... » ("مسند أحمد" (6/ 396)،والطبراني (2/ 280)، قال الهيثمي في "المجمع" (7/ 147):" فيه راو لم يسم"، وله شواهد كما تقدم.) .
قوله - رحمه الله-: «على مذهب فقهاء الملة» أي إن هذا البيان والإظهار لعقيدة أهل السنة والجماعة جار على طريقة فقهاء الملة، فالمذهب هو الطريقة، والمراد بالمذهب هنا المعتقد الذي يذهب إليه. ومراده بالفقهاء العلماء، والفقهاء جمع فقيه، وهو مأخوذ من الفقه، والفقه يطلق في استعمال المتقدمين على العلم بالشريعة وفهمها عقيدة وعملا، بخلاف اصطلاح المتأخرين؛ حيث يقصرون الفقه على العلم بالأحكام الشرعية العملية، من أدلتها التفصيلية. والملة هي الطريقة، وهي الدين، والألف واللام للعهد الذهني، وهي ملة الإسلام أو ملة النبي محمد  صلى الله عليه وسلم ، وهي ما دان به نبينا محمد  صلى الله عليه وسلم  ربه، فالملة تطلق على جملة الشرائع دون آحادها. ففقهاء الملة هم العلماء بالدين وأصوله وقواعده، العالمون بما جاء في الكتاب والسنة من العقائد والأعمال. فهذه العقيدة المباركة، تضمنت بيان ما كان عليه أهل العلم والبصيرة، الذين يتبعون ما جاء به النص والأثر. ولقب فقهاء الملة من أشرف منازل العلماء؛ وذلك أن العلماء ثلاثة أصناف:
الأول: عالم ملة، وهو من يصدر في عقائده وأقواله وأعماله، عن دين رب العالمين.
الثاني: عالم أمة، وهو الذي يتبع ما يريده الناس وما يحبونه، وما يميلون إليه، فيجعل الدين تابعا لأهوائهم.
الثالث: عالم دولة أو سلطة، وهو الذي يتبع ما يريده أهل السلطة والغلبة، فيجعل الدين تابعا لأهوائهم.
قوله - رحمه الله -: «أبي حنيفة النعمان وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني» سمى المؤلف ثلاثة من فقهاء الملة، الذين جرى في هذا المتن على عقدهم وسار على طريقهم، وهم أعلام أجلة لهم في الأمة لسان صدق وجميل ذكر. أولهم ومقدمهم أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، الإمام المقدم (ينظر: ترجمته في «تاريخ بغداد» (13/ 323/7297)، «سير أعلام النبلاء» (6/ 390) ، وكانت وفاته عام خمسين ومائة، وهو من الفقهاء المحققين، والأعلام النابغين، وهو أول الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبوعة، وقد ذكر بعده صاحبيه، وهما تلميذاه وأشهر من أخذ عنه: الأول: أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وكانت وفاته عام ثلاثة وثمانين ومئة (ينظر: ترجمته في «التاريخ» لابن معين: (680)، «التاريخ الكبير» (8/ 397) . والثاني: أبو عبد الله محمد بن الحسن الشيباني، وكانت وفاته سنة تسع وثمانين ومئة (ينظر: ترجمته في «التاريخ» لابن معين (511)، «الجرح والتعديل» (7/ 227) . وسبب نصه على هؤلاء الأئمة دون غيرهم؛ لأنه أخذ عنهم وتتبع ما ذكروه في العقائد وأصول الدين، وليس أن هذه العقائد مما اختصوا به دون سائر علماء الأمة. فالعقائد لم تختلف الأمة في أصولها، ولا في أكثر فروعها وتفاصيلها، فهي أمور متفق عليها؛ فلا يقال: هذا حنفي العقيدة، أو شافعي العقيدة، ونحو ذلك. فإن الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وغيرهم مذاهب فقهية تضمنت اجتهادات وأقوالا في المسائل العملية لا العلمية.
قوله - رحمه الله -: «وما يعتقدون من أصول الدين» هذا مزيد بيان وإيضاح لماتضمنته هذه الرسالة، وأنها بيان لمسائل الإيمان وأصول الاعتقاد؛ فهذا من باب عطف الخاص على العام، فالمذهب يشمل العقائد والأقوال والأعمال، لكن لما قال: وما يعتقدون من أصول الدين تبين المقصود. والمعنى أن هذه الرسالة تضمنت بيان ما يدين به أهل السنة والجماعة رب العالمين مما يتعلق بأصول الدين. والأصول: جمع أصل، وهي ما يبنى عليه غيره، ويطلق ويراد به الأساس. أما الدين فمصدر دان يدين دينا: إذا خضع وذل وانقاد واستسلم، والمراد به هنا الملة. وأصول الدين هي كل ما يجب اعتقاده في مسائل الإيمان؛ كمسائل التوحيد والصفات والقدر والنبوة والمعاد، ونحو ذلك. وتقسيم الدين إلى أصول وفروع، جرى عليه كثير من العلماء، ولاسيما في القرون المتأخرة. ومرادهم بمسائل الأصول العقائد، وأما مسائل الفروع فهي الأعمال. وفي هذا التقسيم نوع نظر؛ فإن مما يصنف ضمن فروع الدين أركانا يبنى عليها الدين، كالصلاة مثلا، فهي ثاني أركان الإسلام، وهي عمود الدين. ومهما يكن من أمر فإن تقسيم الدين إلى أصول وفروع، ليس مقصوده التقليل من شأن الفروع، وإنما المراد تمييز ما يتعلق بالاعتقاد مما يتعلق بالعمل. فلما كان غالب ما يتعلق بالعمل من الفروع سمي جميع ما يتعلق بالعمل فروعا، ولو كان من أركان الإسلام ودعائمه التي ينبني عليها.
ويؤكد هذا المعنى أن من مسائل أصول الدين، ما هو دون كثير من مسائل الفروع، في الأهمية والرتبة في الديانة، لكن من حيث الجنس، لا ريب أن جنس مسائل الأصول أهم وأخطر من جنس مسائل الفروع.
قوله-رحمه الله-: «ويدينون به رب العالمين» أي وما يتعبدون به لله تعالى خضوعا وانقيادا وقبولا وتسليما من العقائد («لسان العرب» (13/ 164) . فالعقيدة ليست أقوالا مجردة، إنما هي دين يتعبد به لله - عز وجل -، ويتقرب به إليه. ولا عجب فالعقائد من أعمال القلوب، وبها صلاحها وفسادها، ومعلوم أن جنس أعمال القلوب أعظم عند الله من جنس أعمال الجوارح. فمبدأ الهداية والصلاح هداية القلب وصلاحه، قال الله تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا سورة الأنعام: 125. وفي "الصحيحين" من حديث النعمان بن بشير، أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» (أخرجه البخاري (52)، ومسلم (1599) .
وقوله: «رب العالمين» أي خالق الخلق ومالكهم ورازقهم ومدبرهم، فعلى هذه المعاني الأربع يدور معنى الربوبية، قال الله تعالى:{قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون 31 فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون} سورة: يونس: 31, 32.
المادة السابقة
المادة التالية

الاكثر مشاهدة

6. كيف تعرف نتيجة الاستخارة؟ ( عدد المشاهدات63216 )
11. أعمال يمحو الله بها الذنوب ( عدد المشاهدات53272 )
13. قراءة سورة البقرة لجلب المنافع ( عدد المشاهدات53060 )

مواد مقترحة

369. Jealousy