الجمعة 11 صفر 1443 هـ
آخر تحديث منذ 12 ساعة 9 دقيقة
×
تغيير اللغة
القائمة
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو Hausa
الجمعة 11 صفر 1443 هـ آخر تحديث منذ 12 ساعة 9 دقيقة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأعضاء الكرام ! اكتمل اليوم نصاب استقبال الفتاوى.

وغدا إن شاء الله تعالى في تمام السادسة صباحا يتم استقبال الفتاوى الجديدة.

ويمكنكم البحث في قسم الفتوى عما تريد الجواب عنه أو الاتصال المباشر

على الشيخ أ.د خالد المصلح على هذا الرقم 00966505147004

من الساعة العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهرا 

بارك الله فيكم

إدارة موقع أ.د خالد المصلح

×

لقد تم إرسال السؤال بنجاح. يمكنك مراجعة البريد الوارد خلال 24 ساعة او البريد المزعج؛ رقم الفتوى

×

عفواً يمكنك فقط إرسال طلب فتوى واحد في اليوم.

مرئيات المصلح / خطب المصلح / خطبة الجمعة : وصايا لقمان

مشاركة هذه الفقرة

خطبة الجمعة : وصايا لقمان

تاريخ النشر : 8 رجب 1440 هـ - الموافق 15 مارس 2019 م | المشاهدات : 8183

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا.

وأشهد أن لا إله إلا الله، إله الأولين والآخرين، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، خِيرته من خلقه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله، واقبلوا بِشارة الله لكم وإنعامه عليكم بإنزال هذا القرآن العظيم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ يونس:57-58 .

أيها المؤمنون, هذا الكتاب العظيم، هذا القرآن المجيد، هذا الكتاب المبين، هذا الوحي القويم، هذا الصراط المستقيم، هذا حبل الله المتين الذي من استمسك به هُدي، ومَن أعرض عنه ضَلَّ وشَقِي، اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك يا ذا الجلال والإكرام.

عباد الله, هذا القرآن تضمن هداياتٍ عُظمى؛ فكل آية فيه فيها من الهدى ودين الحق ما يهدي إلى أقوم سبيل، ويدل على أقوم طريق؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ الإسراء:9 فاستمسكوا به، وأَقبلوا عليه، وخذوا بوصاياه، وأَقبلوا على ما فيه من هدايات؛ فإنه يخرجكم من الظلمات إلى النور، يهديكم سبل السلام، يدلكم على سعادة الدنيا وفوز الآخرة، فأَقبلوا على القرآن، وتدبروا آياته، وخذوا بوصاياه؛ فإن ذلك طريق النجاة.

ذَكَرَ الله تعالى في كتابه من الوصايا ما تستقيم به الأحوال، ويصلح به المعاش والمعاد، ويستقيم به ما بين العبد وربه وما بين العبد والناس، وسعادتك صلاحك نجاحك ابتهاجك فوزك إنما هو بصلاح ما بينك وبين الله، وبصلاح ما بينك وبين الخلق. وقد جمعهما القرآن لك في وصاياه، وفي أوامره ونواهيه، وفي توجيهاته، وجميع ما فيه كله يدعو إلى إصلاح ما بينك وبين ربك، وإصلاح ما بينك وبين الخلق.

وخذ لذلك مثالًا فيما ذكره الله تعالى من وصايا لقمان لابنه، فلقمان الحكيم كان رجلًا من الصالحين آتاه الله تعالى حكمةً وفصاحةً وبيانًا ونصحًا، ذكر الله تعالى وصيته لابنه في كتابه الحكيم، قال تعالى في ذكر وصية لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ لقمان:13 ، هذا صدر الوصايا وأولها؛ فإنه قد ذكر في سورة لقمان من وصايا لقمان لابنه ما فيه صلاح المعاش والمعاد، صدرُ ذلك وأصله وأساسه وأوله: إصلاح ما بينك وبين الله تعالى.

وإنما يكون صلاح ما بينك وبين الله عز وجل يكون ذلك: بتوحيده، وعبادته وحده لا شريك له، والسلامة من كل شرك ظاهر أو باطن؛ ذلك أن الله خلق الخلق لعبادته وحده لا شريك له، كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ الذاريات:56 ؛ فقد خلق الله تعالى الجن والإنس لهذه الغاية العظمى؛ وهي عبادته وحده لا شريك له؛ لذلك كان الفلاح والنجاح والنجاة إنما هي في تحقيق هذه الغاية، لذلك كانت هذه الوصية العظيمة التي أوصى بها لقمان ابنه: ﴿لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ لقمان:13 .

أشاد الله بلقمان بين يدي الوصايا؛ لفتًا للانتباه، ولفتًا لأهمية ما تضمنته هذه الوصايا من صلاح الدين والدنيا: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ 12 وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لقمان:13 أي: يجتهد في إصلاحه وإخراجه من كل سوء، وهدايته لكل خير ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ لقمان:13 نهاه عن الشرك وهو تسوية غير الله بالله، وهو نقضٌ للتوحيد الذي عليه تقوم الدنيا والآخرة، وبه صلاح المعاش والمعاد، وبيَّن له خطورة الوقوع في الشرك سواء كان في القول أو كان في القلب أو كان في العمل؛ فمن الشرك القلبي محبة غير الله وتعظيمه، ومن الشرك القولي الحلف بغير الله، والاستغاثة بغيره، ومن الشرك العملي النذر والذبح لغير الله عز وجل، نذر الأعمال الصالحة والذبح لغير الله عز وجل، كل ذلك من الشرك الذي يدخل في قول لقمان لابنه: ﴿لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ لقمان:13 .

ثم بعد ذلك ذكر الوصية الثانية: وهي وصية الله بأعظم الحقوق البشرية وهي وصية الله بالوالدين: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ لقمان:14 الأب والأم على حد سواء، ثم بيَّن ما للأم من فضيلة وسبق في هذه الوصية ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ لقمان:14 ، فذكر الأم على وجه الخصوص؛ لعظم حقها في الوصية، «من أحق الناس بحسن صَحَابتي؟» سؤالٌ وُجِّه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أبوك» البخاري ح(5971), ومسلم ح(2548) وإنما ذكر الوصية بالوالدين دون غيرهما من الناس؛ لأن أصل صلاح ما بينك وبين الناس أن تصلح ما بينك وبين من هو أعظم الناس حقًّا عليك وهما والداك؛ فإذا أحسنت في صلتك لوالديك وقمت بحقهما، كان صلاحك مع زوجك، مع أولادك، مع جيرانك، مع ذوي رحمك، مع سائر الخلق على ذلك النحو؛ فإنه من أحسن إلى والديه وبرهما كان مطيقًا أن يقوم بحقوق الخلق؛ فإن أشق الحقوق حق الوالدين؛ إذ حقهما في الحياة والممات؛ فليس مؤقتًا بوقت، ولا محصورًا بزمن، بخلاف الصاحب المرافق لك في سفر فحقه زمن صحبته، وبخلاف الزوجة فحقها وقت الارتباط بها، وبخلاف غيرهم من ذوي الحقوق؛ فإن أدوم الحقوق وأثبتها على الإنسان حق الوالدين.

ولذلك أوصى الله تعالى بهما؛ لأن صلاح الصلة بهما صلاح للإنسان في سائر الصلات ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا لقمان:15 بيان حدود البر وحدود هذه الوصية أنها في المعروف، ليس في ذلك طاعة في معصية ولا في الاستجابة لما فيه مخالفة حق الله تعالى؛ فحق الله أعظم الحقوق، ﴿فَلا تُطِعْهُمَا﴾. هل يسقط حقهما بذلك؟ أي: إذا أمرا الإنسان بما فيه شر وفساد؟

قال الله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا لقمان:15 فلا تطعهما فيما يتعلق بالسوء والشر، ولكن ذلك ليس مسقطًا لحقهما، بل حقهما ثابت ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ لقمان:15 ، تذكير بالموقف بين يدي الله، فكلما تلكأت في حق أحد أو تأخرت في الوفاء بما أوجب الله عليك من حقوق الخلق تذكرت أن إليه مرجعك، وأن إليه المصير، وأنه سيسألك عن حقوق الخلق ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ لقمان:15 .

أيها الإخوة, إن حق الله عظيم، وحق الوالدين قرنه الله بحقه جل في علاه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا الإسراء:23 فابذل كل جهد في وفاء حق الله، وفي وفاء حق الوالدين لا تستصغر في ذلك صغيرًا، ولا تحتقر شيئًا من الإحسان والمعروف، كما لا يهون في عينك شيء من التقصير في حق ربك وفي حق الخلق، «إياكم ومحقرات الذنوب» مسند أحمد(3813), وهو: حسن لغيره هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في التحذير من صغير الذنب؛ لأن العيون قد ترى الذنب صغيرًا فتجترئ النفس عليه.

ذكَّرك الله - جل في علاه - بأنه ما من صغير ولا كبير إلا وهو عنده في كتاب موثق سيشهد عليك يوم القيامة ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا الكهف:49 من خير أو شر، فمن يعمل وزن مثقال ذرة خيرًا يره، من يعمل مثقال ذرة من الخير سيراه خيرًا، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ الزلزلة: 8 لما كان الخير منه الصغير والكبير، والشر منه الصغير والكبير، وقد يستهين الإنسان بصغير الخير وحقير الشر؛ نبه الله تعالى إلى خطورة ذلك فقال في وصية لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ لقمان:16 يعني وزن حبة من خردل، وهي ما لا يوزن عادةً؛ إن كانت على هذا المقدار من الثقل والوزن ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ لقمان:16 سيأتي بها الله، لن تضيع إن كانت من الخير، ولن تذهب إن كانت من الشر إذا لم تتب منه، فاحذر الصغير من الشر وبادر إلى الصغير من الخير «لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلق أخاك بوجه طلق» مسلم(2626) ، ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ لقمان:16 أمْنَع ما يكون، وسط صخرة ﴿أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ لقمان:16 أبعد ما يكون سعة، أين الحبة؟ حبة الخردل في هذا الحيز الذي نحن فيه في المسجد؟! هل نستطيع لو اجتمعنا جميعًا أن نزنها؟! أو أن نمسكها؟! لا، الله يأتي بها ويحاسبك عليها ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه الزلزلة:7-8 ، ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ لقمان:16 أي: يصل إلى ما يشاء من طريق خفي هذا معنى اللطف، الوصول إلى المقصود والمطلوب من طريق غير ظاهر، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ لقمان:16 يعلم الخفايا والأسرار، لا تخفى عليه خافية، ولا تغيب عنه خفية، بل السر عنده علانية.

﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ لقمان:17 ، ثلاث وصايا جِماعُ خيرِ ما بينك وبين الله، وما بينك وبين الخلق:﴿أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ ائت بها قائمةً، وهذا في الفرائض أولًا من المكتوبات التي فرضها الله عليك, ثم النوافل باب واسع والناس فيه متفاوتون، وما يسجد العبد لربه من سجدة إلا رفعه الله بها درجةً وحط عنه بها خطيئةً.

﴿أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ ائت بها قائمةً، فتِّش نفسك في الفرائض والواجبات، في صلاة الجماعة، في صلاة الفجر، في صلاة العصر، في سائر الصلوات؛ أين أنت من إقامة الصلاة، ولا تبحث لنفسك عن الأعذار فما أكثرها وسيأتيك الشيطان بألف عذر يبرر لك الخطأ، لكنك يوم القيامة ستقف بين يدي اللطيف الخبير الذي يعلم السر وأخفى.

قد تعتذر عند الناس بعذر فيسكتون عنك، لكن الله عليك مطلع وهو بك خبير، فاتق الله ولا تُضع حقوقه.

﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ دعوة لإصلاح ما بينك وبين الخلق على قدر المستطاع، فإن صلاح ما بينك وبين الخلق أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وفق ما جاءت به الشريعة، «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» مسلم(49) .

﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾، فلابد أن تلقى ما تكره إما بسبب قيامك بما أمر الله عز وجل، وإما بسبب تركك ما نهاك الله عنه، وإما بما يجريه الله من الأقضية والأقدار؛ فاصبر على ذلك كله؛ فإن ذلك من عزم الأمور؛ أي: من الأمور التي يعزم عليها ولا يوفق إليها إلا أولو العزائم، أصحاب الهمم العالية، وأصحاب الرغبات الصادقة، وسييسر الله لهم اليسرى: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ آل عمران:8 ، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 * * * *

الخطبة الثانية:                                                              

الحمد لله حمد الشاكرين، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون، وأشهد أن لا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله، اتقوا الله تعالى وخذوا بوصايا كتابه الحكيم؛ فهذا القرآن يهدي للتي هي أقوم؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ الإسراء:9 ، فاسألوا الله إعانته على القيام بما فيه والأخذ بوصاياه، فذاك النجاح والفوز، والسبق والسعادة في الدنيا والآخرة: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا طه:124 .

عباد الله, إن صلاح ما بينك وبين الخلق أن تنزع من قلبك كل علو على الخلق، لا ترى لنفسك على غيرك فضلًا، احذر أن يقوم في نفسك أن ترى أنك خير من غيرك؛ فإنك لا تعلم من السابق عند الله، ومن هو الأفضل بين يديه، فساد ما بين الإنسان والخلق علوُّه وارتفاعه وكبره إما بماله، وإما بجاهه، وإما بعلمه، وإما بصلاحه، وإما بمكانته، وإما بنسبه، وإما بولده، وإما بوظيفته، كل هذا ليس سببًا للفضل، وليس مسوغًا أن ترى لنفسك على غيرك فضلًا؛ فإن الفضائل عند الله كما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ :«رُبَّ أَشْعَثَ، مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ» مسلم ح(2622) .أي: لنفذ ما طلب، «أشعث أغبر» وهذا لا يكون إلا فيمن حاله ضعيفة، وحالة مرذولة في الغالب، «مدفوع بالأبواب» لو طرق الأبواب: ارجع وراءك، اذهب، ولا يُفتح له، ولا يستقبل.

«رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب» لكنه عند رب الأرض والسموات؛ الأبواب له مفتوحة، «لو أقسم على الله لأبره» أي: لنفذ ما يطلب، فإياك أن ترى لنفسك على غيرك فضلًا مهما سموت علمًا، وفضلًا، وصلاحًا، وجاهًا، ومالًا، وولدًا، ووظيفةً، ونسبًا؛ فالسبق عند الله بالأعمال الصالحة، «مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» مسلم ح(2699) السبق في صلاحك، وصلاحك ليس معلومًا لك علمًا يقينًا حتى ترى لنفسك على غيرك فضلًا، قد يقول: أنا أصلي، وأنا أفعل، وأفعل، وأفعل من الصالحات، كل هذا لا تعلم هل هو سبب للسبق عند الله وهو موضع قبول أو لا؟

ولذلك قال الله تعالى بعد هذه الوصايا في وصية لقمان لابنه: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ لقمان:18 ، يعني إذا قمت بكل هذه الوصايا: توحيد، وبر والدين، ومراقبة لله عز وجل في الدقيق والجليل، وإقامة الصلاة، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، وصبر - فلا تغتر، لا تصعر خدك للناس، لا ترى لنفسك على غيرك فضلًا فيفضي بك إلى الكبر عليهم، والعلو عليهم، ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ لقمان:18 .

﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ لقمان:19 تواضع في سيرك، وكن قاصدًا فيه إلى ما تريد، ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ لقمان:19 فلا ترفعه، ولا تكن طالبًا الغلبة على غيرك برفع صوتك، ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ لقمان:19 .

هذه وصايا لقمان لابنه؛ جمعت خير الدنيا والآخرة، صلاح ما بين العبد وربه، وصلاح ما بين العبد والخلق.

أيها المؤمنون, أولى مَن وَجَّهتَ إليهم نُصحك هم أهل بيتك، هم ولدك، هم مَن ستُسأل عنهم يوم القيامة، أول مَن تسأل عنهم أهل بيتك، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ التحريم:6 ، ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى طه:132 . تفقَّدْ نفسك بالصلاح في ذاتك، واحرص على أن تنقل هذا الصلاح إلى ولدك بلطف، ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ لقمان:13 مواعظ، تذكير، ترغيب، ترهيب، بلطف وحنو يصل به الإنسان إلى ما يؤمِّل من قبول وصيته ونصيحته لأولاده، ليس العنف والقسوة طريقًا لتحصيل ذلك في كل الأحوال.

فاحرص على الطريق الموصل للغاية، «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه» مسلم(2594) ، قد تحتاج إلى نوع من القسوة.

قسا ليزدجر ومن يك حازمًا ** فليقسُ أحيانًا على من يرحمُ

لكن هذا استثناء خارج عن الأصل، «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر» فالقسوة قد تكو علاجًا لكنه علاج يحتاج في الصلاة إلى ثلاث سنوات، «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ..» أحمد ح(6756)بإسناد حسن ، هذا لا يكون هو المبدأ في المعالجة، بل يكون عندما تضيق السبل ولا يكون طريقًا للإصلاح إلا هو، فاجتهدوا في إصلاح أنفسكم، وأولادكم وأهليكم.

حتى الولد في صلاح والده عليه مسؤولية، حتى المرأة في صلاح زوجها وأولادها عليها مسؤولية "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" البخاري(893), ومسلم(1829) .

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾ صغارًا وكبارًا، آباءً وأبناءً ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ وعدهم الله ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّه التوبة: 71 .

اللهم ارحمنا برحمتك، واجعلنا من حزبك وأوليائك، أعنا على القيام بما تحب وترضى، واصرف عنا السوء والفحشاء، اللهم وفِّقنا إلى كل خير ظاهر أو باطن، واصرف عنا كل شر ظاهر أو مستتر.

ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. اللهم اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلًّا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا ولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك، اللهم وفِّق ولي أمرنا الملك سلمان وولي عهده إلى ما تحب وترضى، خذ بنواصيهم إلى البر والتقوى.

اللهم احفظ المسلمين في كل مكان، اللهم احفظهم في كل مكان، اللهم احفظهم في كل مكان، قِهم شر الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم احقن دماءهم، اللهم ألِّف بين قلوبهم، اللهم من أراد بهم سوءًا أو شرًّا فردَّ كيده في نحره واكفِ المسلمين شره.

صلوا وسلموا على نبينا محمد؛ فقد أمركم بالصلاة عليه، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد.

 

مواد تم زيارتها

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف