×
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأعضاء الكرام ! اكتمل اليوم نصاب استقبال الفتاوى.

وغدا إن شاء الله تعالى في تمام السادسة صباحا يتم استقبال الفتاوى الجديدة.

ويمكنكم البحث في قسم الفتوى عما تريد الجواب عنه أو الاتصال المباشر

على الشيخ أ.د خالد المصلح على هذا الرقم 00966505147004

من الساعة العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهرا 

بارك الله فيكم

إدارة موقع أ.د خالد المصلح

مرئيات المصلح / برامج المصلح / الدين والحياة / الحلقة(147) حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا

مشاركة هذه الفقرة WhatsApp Messenger LinkedIn Facebook Twitter Pinterest AddThis

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا.

وأشهد أن لا إله إلا الله، إله الأولين والآخرين، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صفيه وخليله، وخيرته من خلقه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله، اتقوا الله تعالى حق التقوى، فتقوى الله تجلب كل سعادة وتصرف عن الإنسان كل شقاء وتعاسة، ﴿ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا﴾ +++الطلاق:4---، ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم (1) يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد﴾ +++الحج: 1 - 2---.

عباد الله، إن الإيمان باليوم الآخر أصل من أصول الإيمان، فلا يصح إيمان أحد حتى يؤمن بكل ما أخبر به القرآن أو جاء على لسان سيد الأنام مما يكون بعد الموت في القبور، وما يكون بعد الموت يوم البعث والنشور؛ فاتقوا الله عباد الله واعرفوا أن ذلك اليوم آت لا محالة، فقد أخبركم الله تعالى بأهواله وأمركم بتقواه.

وإن من أعظم ما في ذلك اليوم من المواقف والأهوال موقف الحساب بين يدي رب الأرباب؛ قال الله تعالى: ﴿واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون﴾ +++البقرة:281---، فما أحوجنا أيها المؤمنون، ما أحوجنا لدوام تذكر الحساب والوقوف بين يدي رب الأرباب، وما يكون من أهوال يوم المآب؛ لذلك ذكر الله بيوم الدين، يوم الحساب في سورة الفاتحة التي فرض قراءتها أو سماعها على كل مؤمن ومؤمنة، قال الله تعالى: ﴿الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين﴾ +++الفاتحة:2-4---، أي: يوم يدين الله العباد بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وذلك يتضمن جزاءهم وحسابهم.

فيوم الدين أيها المؤمنون هو يوم الحساب والجزاء، يوم الارتهان بالأعمال، فاتقوا الله فما أقرب ذلك اليوم، إنه أقرب مما نظن يا عباد الله، فقد قال الله مخبرا بقربه: ﴿اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون﴾ +++الأنبياء:1---، فمهما بدا لك أنه يوم بعيد فما أقربه، قال الحق -جل في علاه-: ﴿إنهم يرونه بعيدا * ونراه قريبا﴾ +++المعارج:6-7---، تذكروا موقفكم بين يدي العزيز الجبار، ليس موقفا جماعيا لا ينفرد العبد فيه بربه، بل إنه موقف مع كل واحد على حدته، يسأله الله -عز وجل- ويحرر فيه الحساب، فأعدوا للحساب صواب الجواب.

فقد توعد الله تعالى توعد الله تعالى من تناسى يوم الحساب، توعده بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد فقال: ﴿إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب﴾ +++ص:26---، فاتقوا الله عباد الله فإنكم إلى الله راجعون وإليه صائرون وبأعمالكم مجزيون، قال الله تعالى: ﴿إن إلينا إيابهم﴾ +++الغاشية:25--- أي: رجوعهم، ﴿ثم إن علينا حسابهم﴾ +++الغاشية:26---.

فأنتم بين يدي الملك الحق المبين موقوفون وعن أعمالكم مسئولون، قال الله تعالى: ﴿وقفوهم إنهم مسئولون﴾ +++الصافات:24---، روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث عدي بن حاتم -رضي الله تعالى عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما منكم أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله ، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم ، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه» ثم قال -صلى الله عليه وسلم-: «فاتقوا النار ولو بشق تمرة«.+++[صحيح البخاري:ح1413]---

أيها المؤمنون؛ في الحساب تعرض علينا الأعمال، في السحاب يخبرنا الله -عز وجل- بما اجترحت أيدينا وبما اكتسبنا في هذه الدنيا، قال الله تعالى: ﴿ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر﴾ +++القيامة:13---، لا تظن أن ذلك مقصورا على كبير الأعمال وعلى جليلها، بل على الدقيق والجليل، ﴿يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا﴾ +++آل عمران:30---.

 فكل شيء من عملك ستخبر به يوم الوقوف بين يدي ربك -جل في علاه- قال الله تعالى: ﴿يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه﴾ ﴿أحصاه الله ونسوه﴾ ﴿أحصاه الله ونسوه﴾ ﴿أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد﴾ +++المجادلة:6---، هذا الحساب أيها المؤمنون حساب في غاية الدقة لا ظلم فيه ولا هضم، بل العباد فيه بين فضل الله وإحسانه وبين عدله -جل في علاه-؛ قال تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين﴾ +++الأنبياء:47---، كفى بالله عالما بأعمال عباده، ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ +++الملك:14---، كفى بالله حافظا لأعمال عباده ﴿إن كل نفس لما عليها حافظ﴾ +++الطارق:4---، كفى بالله مثبتا ذلك العمل في كتاب يطلع عليه الإنسان يوم البعث والنشور، ﴿إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون﴾ +++الجاثية:29---، ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا * اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا﴾ +++الإسراء:13-14---، كفى بالله عالما بمقادير الأعمال وثوابها وعقابها واستحقاقها، كفى به موصلا الجزاء إلى أهله، ﴿إن الله لا يخلف الميعاد﴾  +++آل عمران:9---.

عباد الله شتان بين موقن بالحساب، موقن بما جاء في الكتاب من أحوال يوم القيامة، مجتهد في إصلاح عمله، ﴿فهو في عيشة راضية * في جنة عالية * قطوفها دانية * كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية﴾ +++الحاقة:21-24---، وبين غافل عن الحساب، لاه عنه متبع هواه، ساع وراء ملذاته، فهذا سيندم، سيندم بلا شك يوم لا ينفع ندم، قال الله تعالى في حال هذا: ﴿يا ليتني لم أوت كتابيه﴾  +++الحاقة:25--- وهو سجل الأعمال وديوانها، ﴿ولم أدر ما حسابيه * يا ليتها كانت القاضية (27) ما أغنى عني ماليه (28) هلك عني سلطانيه (29) خذوه فغلوه (30) ثم الجحيم صلوه (31) ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه (32) إنه كان لا يؤمن بالله العظيم (33) ولا يحض على طعام المسكين (34) فليس له اليوم هاهنا حميم (35) ولا طعام إلا من غسلين (36) لا يأكله إلا الخاطئون ﴾  +++الحاقة:26-37---.

اللهم يسر حسابنا ويمن كتابنا واجعل الجنة مآبنا يا ذا الجلال والإكرام، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، أقول هذا القول وأستغفر الله العظم لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

***

الحمد لله الملك الحق المبين، له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله، اتقوا الله تعالى حق تقواه ولازموا التقوى في السر والعلن والغيب والشهادة ودقيق الأمر وجليله، قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ +++آل عمران:102---.

الحساب يا عباد الله أمره عسير، وإذا أردت أن تعرف ثقل الحساب على نفس الإنسان، حاسب نفسك، جرب أن تحاسب نفسك على أمر أتيته كيف سيكون حسابك لنفسك؟ بل انظر إلى حساب غيرك لو استدعتك جهة رقابية تحاسبك على عمل من الأعمال كيف وقع ذلك في نفسك منذ اتصالهم إلى انقضاء حسابهم؟ ستجد لذلك وقعا عظيما، ستعد لكل شاردة أو واردة ترد في خاطرك جوابا لتسلم من الحساب، يوم القيامة تقف بين يدي من لا تخفى عليه خافية، يعلم السر وأخفى، السر عنده علانية، لا يخفى عليه شيء من شأنك، بل هو بك محيط وبك عليم وعليك قدير، ﴿أين المفر * كلا لا وزر * إلى ربك يومئذ المستقر﴾ +++القيامة:10-12---.

أخبر الله تعالى في كتابه بأنه -جل في علاه- سريع الحساب فقال سبحانه في مواضع عديدة ﴿فإن الله سريع الحساب﴾ +++آل عمران:19---، لماذا أخبر بذلك؟ أخبر بذلك لكي لا نستبطئ ذلك اليوم ولا نستأخر ذلك الموقف العظيم فإنه آت لا محالة، وكل آت قريب، فتهيئوا يا عباد الله لذلك اليوم بصالح العمل وكثرة الاستغفار والتوبة من الخطأ والزلل، ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب﴾  +++البقرة:197---.

والله ﴿أزفت الآزفة﴾  +++النجم:57--- كما قال الله تعالى أي: اقتربت الساعة ودنت القيامة.

عباد الله الناس يوم القيامة يوقفون للسحاب على أحوال وأقسام:

قوم يتفضل الله عليهم فلا يحاسبون على دقيق ولا جليل، بل يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، وهم الذين ذكرهم النبي فيما رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عباس في عرض الأمم عليه، رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- سوادا عظيما قد سد الأفق فقيل له: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، خاض الصحابة في أولئك من هم؟ فجاءهم الجواب ممن لا ينطق عن الهوى، فقال: «هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون» ولا يتشاءمون بمسموع أو معلوم أو مرءي، «وعلى ربهم يتوكلون» وفي رواية: «ولا يكتوون».+++[صحيح البخاري:ح5752]---

عباد الله القسم الثاني من أحوال الناس في الحساب قوم يحاسبهم الله تعالى حسابا يسيرا، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه (7) فسوف يحاسب حسابا يسيرا﴾  +++الانشقاق:7-8---، في صحيح الإمام مسلم من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يبين هذا الحساب اليسير فقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه» أي: ستره -جل في علاه-، فيقرره بذنوبه، «فيقول: أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا؟» من سيئات وخطايا، «فيقول: نعم أي رب. قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته»+++[صحيح البخاري:ح2441]--- أي: بيمينه، جعلنا الله وإياكم من أهل اليمين.

القسم الثالث: من أقسام الناس في الحساب، قوم لهم سوء الحساب أعاذنا الله وإياكم منهم، قال الله تعالى: ﴿والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب﴾ هذا المبدأ، ﴿ومأواهم جهنم وبئس المهاد﴾  +++الرعد:18---، وهذا المآل والمنتهى هو الحساب الذي يأتي على كل ما أسلفوه فيحاسبون على الدقيق والجليل من سيئ العمل وما ضيعوه من حقوق الله تعالى وحقوق عباده، قد كتب ذلك وسطره، وهم المجرمون الذين يندبون حظهم يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه﴾ أي: مما في هذا الكتاب من تدوين الأعمال وتسجيلها، ﴿ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا﴾ +++الكهف:49---.

أيها المؤمنون؛ إن الله أسرع المحاسبين، فهو سريع المحاسبة لعباده في ذلك اليوم العظيم، لا تقل كيف يحاسب الله تعالى الخلق وهو واحد وهم كثر؟ فهو جل وعلا قد أحاط بأعمالهم وهو -سبحانه وتعالى- على كل شيء قدير، فالله بكل شيء عليم وهو على كل شيء قدير، ﴿يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير﴾  +++لقمان:16---.

ما غاب عن الناس لا يغيب عنه جل في علاه، يحاسب الله الخلائق جميعا في ساعة واحدة، لا تقل كيف؟ فهو كما يرزقهم جميعا في ساعة واحدة فهو سبحانه يحاسبهم في ساعة واحدة، قيل لابن عباس -رضي الله عنه-: كيف يحاسب الله العباد في ساعة واحدة؟ قال: «كما يرزقهم في ساعة واحدة»+++[نسبه ابن تيمية لابن عباسt، ذكره في مجموع الفتاوى:10/301]---، فهو على كل شيء قدير.

فيا أيها الموفق، يا أيها الراجي نجاته في ذلك اليوم العظيم تذكر وقوفك بين يدي ربك في كل ما تأتي وتذر، في كل معاملة خاصة أو عامة، في سر أو علن، تذكر أن الله سيسألك وأنه سيحاسبك وهذا مما يحجزك عن شر كثير، ويفتح لك باب خير عظيم، قال ربك في كتابه الحكيم: ﴿وأما من خاف مقام ربه﴾ +++النازعات:40---، أي: قيامه للحساب بين يدي الله، ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى﴾ أي: عما تشتهي من الملذات المحرمة، ﴿فإن الجنة هي المأوى﴾ +++النازعات:41---.

أما الغافل عن هذا المقام فهو في طغيان ومعصية للملك الديان وهو في الآخرة كما قال الحق: ﴿فإن الجحيم هي المأوى﴾ +++النازعات:39---.

إن مما ينفع العبد في تذكره لذلك الموقف العظيم قراءة آيات الكتاب الحكيم، وأن يحاسب نفسه، قال عمر: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وتزينوا للعرض الأكبر، وإنما يخف الحساب يوم القيامة على من حاسب نفسه في الدنيا»+++[حلية الأولياء:1/52، وجود إسناده الألباني في الضعيفة:ح1201 ]---، وإنما يخف الحساب يوم القيامة على من حاسب نفسه في الدنيا؛ لأن من حاسب نفسه سيرى تقصيرا فيستعتب ويرى إحسانا فيزداد، فهو على خير في كل الأحوال، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد جاء عنه فيما رواه أحمد والترمذي من حديث أبي يعلى شداد بن أوس أنه قال: «الكيس من دان نفسه» الفطن العاقل البصير الرشيد من دان نفسه أي: حاسبها، «وعمل لما بعد الموت» هذا أثر المحاسبة؛ فإن من حاسب نفسه سيعمل لما بعد الموت بالاستغفار عن الخطأ والتزود بالخير، أما العاجز «والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله».+++[سنن الترمذي:ح2459، وحسنه]---

اللهم ألهمنا رشدنا وقنا شر أنفسنا، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادك، اللهم أخلصنا بخالصة ذكرى الدار، واجعلنا من أولي الأيدي والأبصار، وأعنا على ما فيه الخير والرشد يا عزيز يا غفار.

ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

اللهم اغفر لنا ولوالدينا المؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات يا ذا الجلال والإكرام، ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما.

اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا حي يا قيوم، اللهم وفق ولي أمرنا الملك سلمان وولي عهده إلى ما تحب وترضى، اللهم خذ بنواصيهم إلى البر والتقوى، سددهم في الأقوال والأعمال واجعل لهم من لدنك سلطانا نصيرا يا ذا الجلال والإكرام.555

 

تاريخ النشر:17 رجب 1442 هـ - الموافق 01 مارس 2021 م | المشاهدات:1040

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا.

وأشهد أن لا إله إلا الله، إله الأولين والآخرين، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صفيه وخليله، وخيرته من خلقه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته واقتفى أثره بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله، اتقوا الله تعالى حق التقوى، فتقوى الله تجلب كل سعادة وتصرف عن الإنسان كل شقاءٍ وتعاسة، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًاالطلاق:4، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌالحج: 1 - 2.

عباد الله، إن الإيمان باليوم الآخر أصلٌ من أصول الإيمان، فلا يصح إيمان أحد حتى يؤمن بكل ما أخبر به القرآن أو جاء على لسان سيد الأنام مما يكون بعد الموت في القبور، وما يكون بعد الموت يوم البعث والنشور؛ فاتقوا الله عباد الله واعرفوا أن ذلك اليوم آتٍ لا محالة، فقد أخبركم الله تعالى بأهواله وأمركم بتقواه.

وإن من أعظم ما في ذلك اليوم من المواقف والأهوال موقف الحساب بين يدي رب الأرباب؛ قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَالبقرة:281، فما أحوجنا أيها المؤمنون، ما أحوجنا لدوام تذكر الحساب والوقوف بين يدي رب الأرباب، وما يكون من أهوال يوم المآب؛ لذلك ذكَّر الله بيوم الدين، يوم الحساب في سورة الفاتحة التي فرض قراءتها أو سماعها على كل مؤمن ومؤمنة، قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِالفاتحة:2-4، أي: يوم يدين الله العباد بأعمالهم إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، وذلك يتضمن جزاءهم وحسابهم.

فيوم الدين أيها المؤمنون هو يوم الحساب والجزاء، يوم الارتهان بالأعمال، فاتقوا الله فما أقرب ذلك اليوم، إنه أقرب مما نظن يا عباد الله، فقد قال الله مخبرًا بقربه: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَالأنبياء:1، فمهما بدا لك أنه يومٌ بعيد فما أقربه، قال الحق -جل في علاه-: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًاالمعارج:6-7، تذكروا موقفكم بين يدي العزيز الجبار، ليس موقفًا جماعيًّا لا ينفرد العبد فيه بربه، بل إنه موقفٌ مع كل واحدٍ على حدته، يسأله الله -عز وجل- ويحرر فيه الحساب، فأعدوا للحساب صواب الجواب.

فقد توعد الله تعالى توعد الله تعالى من تناسى يوم الحساب، توعده بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِص:26، فاتقوا الله عباد الله فإنكم إلى الله راجعون وإليه صائرون وبأعمالكم مجزيون، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْالغاشية:25 أي: رجوعهم، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْالغاشية:26.

فأنتم بين يدي الملك الحق المبين موقوفون وعن أعمالكم مسئولون، قال الله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَالصافات:24، روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث عدي بن حاتم -رضي الله تعالى عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ» ثم قال -صلى الله عليه وسلم-: «فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ«.[صحيح البخاري:ح1413]

أيها المؤمنون؛ في الحساب تعرض علينا الأعمال، في السحاب يخبرنا الله -عز وجل- بما اجترحت أيدينا وبما اكتسبنا في هذه الدنيا، قال الله تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَالقيامة:13، لا تظن أن ذلك مقصورًا على كبير الأعمال وعلى جليلها، بل على الدقيق والجليل، ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًاآل عمران:30.

 فكل شيء من عملك ستخبر به يوم الوقوف بين يدي ربك -جل في علاه- قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌالمجادلة:6، هذا الحساب أيها المؤمنون حسابٌ في غاية الدقة لا ظلم فيه ولا هضم، بل العباد فيه بين فضل الله وإحسانه وبين عدله -جل في علاه-؛ قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَالأنبياء:47، كفى بالله عالـمًا بأعمال عباده، ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُالملك:14، كفى بالله حافظًا لأعمال عباده ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌالطارق:4، كفى بالله مثبتًا ذلك العمل في كتاب يطلع عليه الإنسان يوم البعث والنشور، ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَالجاثية:29، ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًاالإسراء:13-14، كفى بالله عالـمًا بمقادير الأعمال وثوابها وعقابها واستحقاقها، كفى به موصلًا الجزاء إلى أهله، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾  آل عمران:9.

عباد الله شتَّان بين مُوقن بالحساب، موقن بما جاء في الكتاب من أحوال يوم القيامة، مجتهدٍ في إصلاح عمله، ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِالحاقة:21-24، وبين غافلٍ عن الحساب، لاهٍ عنه متبعٍ هواه، ساعٍ وراء ملذاته، فهذا سيندم، سيندم بلا شك يوم لا ينفع ندمٌ، قال الله تعالى في حال هذا: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾  الحاقة:25 وهو سجل الأعمال وديوانها، ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35) وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36) لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ ﴾  الحاقة:26-37.

اللهم يَسِّر حسابنا ويمِّن كتابنا واجعل الجنة مآبنا يا ذا الجلال والإكرام، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، أقول هذا القول وأستغفر الله العظم لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

***

الحمد لله الملك الحق المبين، له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته واقتفى أثره بإحسانٍ إلى يوم الدين، أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله، اتقوا الله تعالى حق تقواه ولازموا التقوى في السر والعلن والغيب والشهادة ودقيق الأمر وجليله، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَآل عمران:102.

الحساب يا عباد الله أمره عسير، وإذا أردت أن تعرف ثقل الحساب على نفس الإنسان، حاسب نفسك، جرب أن تحاسب نفسك على أمرٍ أتيتَه كيف سيكون حسابك لنفسك؟ بل انظر إلى حساب غيرك لو استدعتك جهةٌ رقابية تحاسبك على عمل من الأعمال كيف وقع ذلك في نفسك منذ اتصالهم إلى انقضاء حسابهم؟ ستجد لذلك وقعًا عظيمًا، ستعد لكل شاردة أو واردة ترد في خاطرك جوابًا لتسلم من الحساب، يوم القيامة تقف بين يدي من لا تخفى عليه خافية، يعلم السر وأخفى، السر عنده علانية، لا يخفى عليه شيءٌ من شأنك، بل هو بك محيط وبك عليم وعليك قدير، ﴿أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلَّا لا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّالقيامة:10-12.

أخبر الله تعالى في كتابه بأنه -جل في علاه- سريع الحساب فقال سبحانه في مواضع عديدة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِآل عمران:19، لماذا أخبر بذلك؟ أخبر بذلك لكي لا نستبطئ ذلك اليوم ولا نستأخر ذلك الموقف العظيم فإنه آتٍ لا محالة، وكل آتٍ قريب، فتهيئوا يا عباد الله لذلك اليوم بصالح العمل وكثرة الاستغفار والتوبة من الخطأ والزلل، ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾  البقرة:197.

والله ﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ﴾  النجم:57 كما قال الله تعالى أي: اقتربت الساعة ودنت القيامة.

عباد الله الناس يوم القيامة يوقفون للسحاب على أحوال وأقسام:

قومٌ يتفضل الله عليهم فلا يحاسبون على دقيق ولا جليل، بل يدخلون الجنة بلا حسابٍ ولا عذاب، وهم الذين ذكرهم النبي فيما رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عباس في عرض الأمم عليه، رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- سوادًا عظيمًا قد سد الأفق فقيل له: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، خاض الصحابة في أولئك من هم؟ فجاءهم الجواب ممن لا ينطق عن الهوى، فقال: «هُمْ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ» ولا يتشاءمون بمسموعٍ أو معلومٍ أو مرءيٍ، «وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» وفي رواية: «ولَاَ يكْتَوُونَ».[صحيح البخاري:ح5752]

عباد الله القسم الثاني من أحوال الناس في الحساب قومٌ يحاسبهم الله تعالى حسابًا يسيرًا، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾  الانشقاق:7-8، في صحيح الإمام مسلم من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يبين هذا الحساب اليسير فقال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللَّهَ يُدْنِي المُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عليه كَنَفَهُ» أي: ستره -جل في علاه-، فيقرره بذنوبه، «فيَقولُ: أتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا، أتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟» من سيئات وخطايا، «فيَقولُ: نَعَمْ أيْ رَبِّ. قالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ في الدُّنْيَا، وأَنَا أغْفِرُهَا لكَ اليَومَ، فيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ»[صحيح البخاري:ح2441] أي: بيمينه، جعلنا الله وإياكم من أهل اليمين.

القسم الثالث: من أقسام الناس في الحساب، قومٌ لهم سوء الحساب أعاذنا الله وإياكم منهم، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾ هذا المبدأ، ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾  الرعد:18، وهذا المآل والمنتهى هو الحساب الذي يأتي على كل ما أسلفوه فيحاسبون على الدقيق والجليل من سيئ العمل وما ضيعوه من حقوق الله تعالى وحقوق عباده، قد كتب ذلك وسطَّره، وهم المجرمون الذين يندبون حظهم يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ أي: مما في هذا الكتاب من تدوين الأعمال وتسجيلها، ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًاالكهف:49.

أيها المؤمنون؛ إن الله أسرع المحاسبين، فهو سريع المحاسبة لعباده في ذلك اليوم العظيم، لا تقل كيف يحاسب الله تعالى الخلق وهو واحد وهم كثر؟ فهو جل وعلا قد أحاط بأعمالهم وهو -سبحانه وتعالى- على كل شيء قدير، فالله بكل شيء عليم وهو على كل شيء قدير، ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾  لقمان:16.

ما غاب عن الناس لا يغيب عنه جل في علاه، يحاسب الله الخلائق جميعًا في ساعة واحدة، لا تقل كيف؟ فهو كما يرزقهم جميعًا في ساعة واحدة فهو سبحانه يحاسبهم في ساعة واحدة، قيل لابن عباس -رضي الله عنه-: كيف يحاسب الله العباد في ساعة واحدة؟ قال: «كما يرزقهم في ساعة واحدة»[نسبه ابن تيمية لابن عباسt، ذكره في مجموع الفتاوى:10/301]، فهو على كل شيء قدير.

فيا أيها الموفَّق، يا أيها الراجي نجاته في ذلك اليوم العظيم تذكَّر وقوفَك بين يدي ربك في كل ما تأتي وتذر، في كل معاملة خاصةٍ أو عامة، في سرٍّ أو علن، تذكر أن الله سيسألك وأنه سيحاسبك وهذا مما يحجزك عن شرٍّ كثير، ويفتح لك باب خير عظيم، قال ربك في كتابه الحكيم: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِالنازعات:40، أي: قيامه للحساب بين يدي الله، ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ أي: عما تشتهي من الملذات المحرمة، ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىالنازعات:41.

أما الغافل عن هذا المقام فهو في طغيان ومعصية للملك الديان وهو في الآخرة كما قال الحق: ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىالنازعات:39.

إن مما ينفع العبد في تذكره لذلك الموقف العظيم قراءة آيات الكتاب الحكيم، وأن يحاسب نفسه، قال عمر: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وتزينوا للعرض الأكبر، وإنما يخِفُّ الحساب يوم القيامة على من حاسب نفسه في الدنيا»[حلية الأولياء:1/52، وجود إسناده الألباني في الضعيفة:ح1201 ]، وإنما يخف الحساب يوم القيامة على من حاسب نفسه في الدنيا؛ لأن من حاسب نفسه سيرى تقصيرًا فيستعتب ويرى إحسانًا فيزداد، فهو على خيرٍ في كل الأحوال، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد جاء عنه فيما رواه أحمد والترمذي من حديث أبي يعلى شداد بن أوس أنه قال: «الكَيِّس مَنْ دَانَ نَفْسَهُ» الفطن العاقل البصير الرشيد من دان نفسه أي: حاسبها، «وَعَمِلَ لِما بَعْدَ الْموْتِ» هذا أثر المحاسبة؛ فإن من حاسب نفسه سيعمل لما بعد الموت بالاستغفار عن الخطأ والتزود بالخير، أما العاجز «وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَه هَواهَا، وتمَنَّى عَلَى اللَّهِ».[سنن الترمذي:ح2459، وحسنه]

اللهم ألهمنا رشدنا وقنا شر أنفسنا، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادك، اللهم أخلصنا بخالصة ذكرى الدار، واجعلنا من أولي الأيدي والأبصار، وأعنا على ما فيه الخير والرشد يا عزيز يا غفار.

ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

اللهم اغفر لنا ولوالدينا المؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات يا ذا الجلال والإكرام، ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إمامًا.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا حي يا قيوم، اللهم وفِّق ولي أمرنا الملك سلمان وولي عهده إلى ما تحب وترضى، اللهم خذ بنواصيهم إلى البر والتقوى، سددهم في الأقوال والأعمال واجعل لهم من لدنك سلطانًا نصيرًا يا ذا الجلال والإكرام.555

 

الاكثر مشاهدة

2. خطبة : الخوف من الله تعالى ( عدد المشاهدات37489 )
3. خطبة الجمعة حياتك فرصة ( عدد المشاهدات33445 )
6. خطبة : الحسد ( عدد المشاهدات26821 )
7. خطبة الجمعة : معصية الله هلاك ( عدد المشاهدات21615 )
8. خطبة الجمعة : من آداب المساجد ( عدد المشاهدات19958 )
9. خطبة فضل شهر شعبان ( عدد المشاهدات19061 )
12. خطبة: يوم الجمعة سيد الأيام ( عدد المشاهدات17891 )
13. خطبة : الأعمال بالخواتيم ( عدد المشاهدات17402 )

مواد مقترحة

28. test
266. sss
267. sss

مواد تم زيارتها

التعليقات


×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف