الثلاثاء 15 صفر 1443 هـ
آخر تحديث منذ 38 دقيقة
×
تغيير اللغة
القائمة
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو Hausa
الثلاثاء 15 صفر 1443 هـ آخر تحديث منذ 38 دقيقة

نموذج طلب الفتوى

لم تنقل الارقام بشكل صحيح
×

لقد تم إرسال السؤال بنجاح. يمكنك مراجعة البريد الوارد خلال 24 ساعة او البريد المزعج؛ رقم الفتوى

×

عفواً يمكنك فقط إرسال طلب فتوى واحد في اليوم.

مرئيات المصلح / برامج المصلح / الدين والحياة / الحلقة (156) الركن الخامس - حج بيت الله لمن استطاع إليه سبيلا

مشاركة هذه الفقرة

الحلقة (156) الركن الخامس - حج بيت الله لمن استطاع إليه سبيلا

تاريخ النشر : 25 ذو القعدة 1440 هـ - الموافق 28 يوليو 2019 م | المشاهدات : 672

المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، مستمعينا الكرام في كل مكان السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نحييكم تحيةً طيبةً عبر أثير إذاعة "نداء الإسلام" من مكة المكرمة، في هذه الحلقة المتجددة لبرنامج "الدين والحياة"، والتي نستمر معكم فيها على مدى ساعة كاملة بمشيئة الله تعالى.

مستمعينا الكرام في حلقات برنامج "الدين والحياة" نناقش موضوعات تهمُّ المسلم في أمور دينه ودنياه، ويسعد بها في دنياه وآخرته بمشيئة الله تعالى.

 من هذه الموضوعات التي سنناقشها؛ سنناقش في هذه الحلقة الركن الخامس من أركان الإسلام وهو الحج؛ هذه الشعيرة العظيمة.

باسمكم جميعا مستمعينا الكرام أُرحِّب بضيفي وضيفكم الكريم في هذه الحلقات فضيلة الشيخ الدكتور/ خالد المصلح؛ أستاذ الفقه بجامعة القصيم.

فضيلة الشيخ أهلًا وسهلًا، وحياك الله معنا في بداية هذه الحلقة.

الشيخ:- حياكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تحيةً طيبةً لك أخي وائل وللإخوة والأخوات المستمعين والمستمعات.

المقدم:- حياك الله فضيلة الشيخ، بمشيئة الله تعالى سيكون حديثنا في هذه الحلقة حول هذه المدرسة الإيمانية العظيمة حول الركن الخامس من أركان الإسلام، حول هذه الشعيرة العظيمة التي فرضها الله - عز وجل - مرة واحدة في العمر لمن استطاع إليه سبيلًا، سيكون حديثنا -بمشيئة الله تعالى- حول هذه الشعيرة العظيمة، وأيضًا حول عدة نقاط متعلقة بها، لكن ابتداءً نبدأ فضيلة الشيخ بالحديث حول هذه الشعيرة العظيمة، حول الركن الخامس من أركان الإسلام.

الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين؛ أما بعد:

فرض الله تعالى حج البيت الحرام على أمة الإسلام كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا آل عمران: 97 ، ومنزلة هذه العبادة وهي عبادة الحج بين العبادات أنها ركن من أركان الإسلام، فالحج ركن من أركان الإسلام، ومعنى ركن أي: أنه دعامة، أساس، من الدعائم التي يقوم عليها هذا الدين، فلا قيام لدين الإنسان وإسلامه إلا بإكمال أركانه ودعائمه، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - كما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: «بنِيَ الإسلامُ على خمسٍ؛ شَهادةِ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّهِ، وإقامِ الصَّلاةِ» هذا هو الركن الثاني «وإيتاءِ الزَّكاةِ» هذا هو الركن الثالث «والحج» هذا هو الركن الرابع «وصَومِ رمضانَ» [صحيح البخاري:ح8] هذا هو الركن الخامس.

وفي حديث آخر لعبد الله بن عمر في صحيح الإمام مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «سئل عن الإسلام سأله جبريل فقال: أخبرني عن الإسلام قال: أنْ تَشْهدَ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله، وأنَّ مُحمَّدًا رسولُ الله، وتُقيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ البَيتَ إن اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبيلًا» [صحيح مسلم:ح8] وهذه الفريضة - فريضة الحج - هي مما شرعه الله تعالى للأمم السابقة، فهو من الشرائع التي سبقت في الأمم؛ كما قال الله تعالى في محكم كتابه فيما أخبر من توجيه الخطاب لإبراهيم: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ الحج: 27 فإبراهيم -عليه السلام- رفع القواعد من البيت مع ابنه إسماعيل وسأل الله - عز وجل - أن يريهما مناسكهما: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا البقرة: 127- 128 والمناسك هي مواضع العبادة والطاعة التي تعبَّدَ الله تعالى بها الناس من سالف الزمان في هذه البقعة المباركة.

وقد تعاقب الأنبياء - عليهم صلوات الله وسلامه - في تعظيم هذه البقعة وحج هذا البيت، وفي صحيح الإمام مسلم من حديث ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر بوادي الأزرق، وادٍ في طريق مكة - فقال - صلى الله عليه وسلم - يسأل أصحابه: «أي واد هذا؟» قالوا: هذا وادي الأزرق، فقال - صلى الله عليه وسلم – لأصحابه: «كأني أنظر إلى موسى -عليه السلام- هابطًا من الثنيَّة، وله جؤار إلى الله بالتلبية» يعني قد رفع صوته للتلبية، بمعنى أنه رفع صوته بلبيك لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، وهو متجه إلى البيت الحرام.

ثم لما أتى - صلى الله عليه وسلم - ثنية تُدعَى ثنية هَرْشَى في طريقه أيضًا فقال: «أي ثنية هذه؟» قالوا: ثنية هَرْشَى. اسمها هكذا، قال: «كأني أنظر إلى يونس بن مَتَّى» وهو من الأنبياء، وهو ذو النون الذي ذكر الله تعالى خبره وقصته في محكم الكتاب؛ ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ الأنبياء: 87 يقول - صلى الله عليه وسلم -: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ جَعْدَةٍ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ» يصف حاله في توجهه إلى البيت، قال «وَهُوَ يُلَبِّي» [صحيح مسلم:ح166/268] يعني يقول: لبيك اللهم لبيك.

هذا يبين أن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - كانوا يأتون إلى هذه البقعة يعظمونها؛ تعظيمًا لله - عز وجل - الذي أمر بتعظيمها، حتى ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك في جملة عمل بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقد قيل: إنه ما من نبي من آدم -عليه السلام- إلى خاتم النبيين إلا وحج البيت.

ولا غرابة في هذا، فإن الله - عز وجل - عندما ذكر هذه البقعة ووجوب قصدها في قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا آل عمران: 97 ذكر قبل ذلك الخصائص التي امتازت بها هذه البقعة، وهذه الخصائص منها ما هو سابق لإبراهيم عليه السلام، ومنها ما يتعلق بإبراهيم قال الله - عز وجل -: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا آل عمران: 96- 97 ذكر خمس خصائص لهذه البقعة، كلها من الخصائص الموجبة لتعظيم هذا المكان، وأسباب قصد هذه البقعة المباركة.

المقصود أن حج بيت الله الحرام ليس شيئًا شُرع في دين الإسلام الذي جاء به خاتم النبيين محمد - صلى الله عليه وسلم -، بل هو مما جرى عليه عمل النبيين من قبل صلوات الله وسلامه عليهم.

والذي تميَّز به الحج في هذه الشريعة هو البيان الوافي والكامل الذي بيَّنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عمله لهذا النسك، وأيضًا أنه جعله - صلى الله عليه وسلم - ركنًا من أركان الإسلام لا يقوم دين أحد إلا به، ورتب الله تعالى على الحج أجورًا عظيمة وعطايا جزيلة نبيِّنها إن شاء الله 

المقدم: فضيلة الشيخ، فضيلة الشيخ نستكمل ما بدأنا الحديث به حول هذه الشعيرة العظيمة وحول هذا الركن الخامس من أركان الإسلام، ونريد أن نتحدث عن الترغيب في الحج؛ الآيات التي جاءت في هذا السياق، وأيضًا الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام.

الشيخ: الحج عبادة من العبادات العظيمة، من فضائلها أنه في المنزلة كما تقدم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعله ركنًا من أركان الإسلام، لا يقوم الإسلام والدين على وجه يحصُل به للإنسان الفضل والأجر إلا بأداء هذه الفريضة العظيمة.

من فضائل هذه العبادة العظيمة أن الله - عز وجل - رتَّب عليها أجورًا جزيلةً وعطاءً واسعًا، فجاء أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةَ» [صحيح البخاري:ح1773] فهذا يبين عظيم الأجر المرتب على هذه العبادة، وأن الحج ينال الإنسان به أعظم العطايا وأجزل الإحسان الكريم من رب العالمين؛ حيث قال - صلى الله عليه وسلم -: «الحج المبرور» وهو الخالص لله - عز وجل -، المستوفي لمتابعة النبي - صلى الله عليه وسلم - «ليس له جزاءٌ إلا الجنة»، وهذا معناه أنه يدرك بذلك الأجر العظيم والجزاء الجزيل، هذا ما يتعلق بالدرجات العاليات التي ينالها من حج البيت.

«منْ حجَّ فَلَم يرْفُثْ، وَلَم يفْسُقْ، رجَع كَيَومِ ولَدتْهُ أُمُّهُ» [صحيح البخاري:ح1521] ، وهذا العطاء الجزيل لهذا العمل يدل على عظيم الأجر وكبير الفضل الذي يمنُّ الله تعالى به على عباده حيث يتفضل عليهم بكرمه ومَنِّه؛ أن يمحو خطاياهم «منْ حجَّ فَلَم يرْفُثْ، وَلَم يفْسُقْ، رجَع كَيَومِ ولَدتْهُ أُمُّهُ» وهذه مُنية كل عامل؛ أن يعود سالـمًا من الفسق سالـمًا من آثار المخالفات والخطأ فإنه يغفر له ذنبه وتفتح له أبواب التوبة، ويُعان على ألوان من الصالحات بصدق إقباله على ربه جل في علاه.

والحج مما خصه الله تعالى بين العبادات أن الله لم يفرضه على الناس عمومًا إلا مرة واحدة؛ فإنه لم يفرضه الله تعالى على الناس كل سنة، إنما في العمر مرة واحدة؛ ولذلك يسمى الحج الواجب حجة الإسلام ونحو ذلك، باعتبار أنه الحج الذي فرضه الله - عز وجل - على عباده؛ حيث يقول النبي -صلى الله عليه وسلم -: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا»وهذا يدل على أنه فرض لازم على كل قادر مستطيع، فقَالَ رَجلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ». [صحيح مسلم:1337/412]

مما يبين شريف وعظيم هذه العبادة أن الله في خطابه وفرضه لم يخص بها فئةً من الناس بل جعلها فرضًا عامًّا فقال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا آل عمران: 97 وهكذا كان خطاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمره بالحج؛ حيث قال: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا» ومجيء الخطاب بهذه الصيغة - لعموم الناس - دليل على عظيم حاجة الناس إلى هذه الشعيرة العظيمة، وعلى كبير المنافع التي يدركونها بهذا الحج؛ كما قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ الحج: 28 وقد بيَّنها عبد الله بن عباس حيث قال: «منافع في الدنيا ومنافع في الآخرة»، فالحج يدرك به الإنسان منافع في الدنيا ومنافع في الآخرة، أما منافع الآخرة؛ فحط الخطايا والسيئات ورفعة الدرجات؛ ولذلك قال: «فأما منافع الآخرة فرضوان الله» والله إنما يرضى عمن مُحيَت خطاياه وبلغ الدرجات العاليات؛ نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل الرضوان. «وأما منافع الدنيا فمما يُصيبُون من لحوم البُدْن» [تفسير ابن كثير:ح5/414] يعني الهدايا في ذلك اليوم والذبائح والتجارات، هذه كلها من منافع الدنيا التي تدخل في قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ الحج: 28 .

مما تميز به الحج أيضًا أنه يجمع المسلمين على اختلاف بلدانهم وجهاتهم وأعراقهم وألسنتهم وألوانهم في بقعة واحدة، يحققون بهذا الاجتماع العبادة لله - عز وجل -، لسانهم واحد: لبيك اللهم لبيك، قصدهم واحد: تعظيم هذه البقعة ابتغاء مرضات الله وطلب الثواب منه، أعمالهم واحدة في مناسكهم؛ فهم متفقون لسانًا وهيئةً ولباسًا وعملًا وقصدًا، اتفاق في الظاهر والباطن، وهذا من أكبر دواعي اجتماع القلوب وتآلفها ونشر الخير والبر بين الناس والصلاح في أحوالهم في معاشهم ومعادهم؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ المائدة: 97 فبها تقوم مصالح دنياهم، وبها تقوم مصالح دينهم.

ومن الفضائل التي تميز بها الحج من بين أركان الإسلام أنه نوعٌ من الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام؛ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة لما سألته قالت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: «لا، لَكُنَّ أفضل الجهاد؛ حج مبرور» [صحيح البخاري:ح1520] ، وقد قال عمر -رضي الله تعالى عنه-: «شُدُّوا الرِّحَال إِلَى الْحَجِّ، فهو أحد الْجِهَادَيْنِ». [علقه البخاري في صحيحه في إثر حديث:1516]

ومن فضائله أن المتابعة بين الحج والعمرة سبب لزوال الفقر ودفعه؛ كما جاء في المسند والسنن من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا تَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذَّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ، وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ»، وهذا من فضل الله - عز وجل - أن جعل المتابعة بين هذه الأعمال من أسباب زوال الفقر وذهابه عن الناس، قال: «وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ دُونَ الْجَنَّةِ» [سنن الترمذي:ح810، وقال:حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ]  كما قال: «الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةَ». [سبق]

هذه بعض الفضائل والخصائص التي تبوأها الحج، وبلغ هذا العمل هذا المبلغ العالي الشريف بين سائر الأعمال. 

المقدم: اللهم آمين، فضيلة الشيخ قبل أن ننتقل إلى الفاصل الثاني في هذه الحلقة أريد أن نتحدث فقط بشكل أكثر إسهابًا حول التيسير واقتران هذه الشعيرة العظيمة التي فرضها الله - عز وجل – بالاستطاعة؛ يعني إذا كان ركنًا من أركان الإسلام وهو الركن الخامس من أركان الإسلام، وتبوأ هذه المنزلة العظيمة، وهذه الفضائل الكبيرة، وأن الحج من أفضل الأعمال وله أجور متعددة، ومع ذلك ربطه الله -عز وجل - بالاستطاعة لما ذكره الله في كتابه الكريم  ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا آل عمران: 97 .

الشيخ: الاستطاعة شرط في كل العبادات؛ قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ التغابن: 16 وقال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا الطلاق: 7 وقال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا البقرة: 286 ، وقد جاء النص على اشتراط الاستطاعة في فريضة الحج خصوصًا؛ لأجل أن الحج فيه من المشقة والخروج عن المألوف إقامةً ومكانًا وحالًا - لأنه يخرج عن ثيابه -، وعملًا؛ فيشتغل بأعمال ليست معهودة له؛ لأجل كل هذا ذكر الله تعالى الاستطاعة في الحج فقال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ آل عمران: 97 .

وكذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في جواب سؤال جبريل عن الإسلام، قال: «أنْ تَشْهدَ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله، وأنَّ مُحمَّدًا رسولُ الله، وتُقيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصومَ رَمَضَانَ»، ثم قال: «وَتَحُجَّ البَيتَ إن اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبيلًا» [سبق] فهذا نص على الاستطاعة لما فيه من المشقة والكلفة الزائدة على سائر العبادات، فالحج أحد الجهادين كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «جهاد لا قتال فيه». [سنن ابن ماجه:ح2901، وصححه الألباني في المشكاة:ح2534]

والاستطاعة المشروطة في الحج هي القدرة على الفعل الذي لا يحصل فيه للمكلف ضرر أو مشقة زائدة عن المألوف، هذا أصل الاستطاعة، وفي الحج على وجه الخصوص ذُكر في تعريف الاستطاعة أنها: مِلك زادٍ وراحلة، وبهذا قال أكثر أهل العلم، وجاء فيه جملة من الأحاديث، وقيل: الاستطاعة هي القدرة على الوصول إلى البيت - يعني مكة والبيت الحرام - وفعل المناسك بلا مشقة زائدة.

 هذه هي الاستطاعة، أن يقدر على الوصول إلى البيت، وأن يفعل المناسك - أعمال الحج - بلا مشقة زائدة، وهذا التعريف له حظٌّ من النظر، وهو المطابق لما دلت عليه النصوص من أن الاستطاعة هي القدرة على الشيء سواء ملك زادًا وراحلةً أو لم يملك زادًا وراحلةً، فالاستطاعة المشروطة في الحج هي القدرة البدنية والمالية التي يتمكن بها من الوصول إلى مكة وفعل المناسك والرجوع إلى بلده دون مشقة زائدة، وبيان ذلك وتفصيله أن القدرة البدنية هي صحة البدن التي يتمكن بها من الوصول إلى مكة وفعل المناسك والرجوع إلى بلده.

وأما القدرة المالية فهي أن يملك مالًا فاضلًا عن حوائجه الأصلية؛ مسكن ومأكل ومشرب، وحاجة من يعول ممن تجب عليه نفقته من زوجة أو ولد، فمن اجتمعت فيه هاتان القدرتان وهي القدرة المالية والقدرة البدنية لزمه أن يسعى إلى الحج؛ أن يحج إلى البيت الحرام مرةً واحدةً، هذا إذا تمكن بدنًا ومالًا كما دلت عليه الأدلة، فمن كان قادرًا بماله وليس له قدرة بدنية كأن يكون مريضًا مثلًا مرضًا لا يستطيع معه الذهاب إلى مكة وهو مرض مُمتدٌّ لا يُرجى منه شفاء، ففي هذه الحال يقيم من يحج عنه؛ كما جرى في قصة المرأة التي عرضت للنبي - صلى الله عليه وسلم -: «قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أفحج عَنْهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ» [صحيح البخاري:ح1513] النبي - صلى الله عليه وسلم - أقر المرأة على أن الحج فريضة على أبيها لما كان قادرًا بنائبه، فقال للسائلة عن الحج عن أبيها العاجز ببدنه: «نعم» أي: حجي عن أبيكِ.

 وبهذا يتبين أن الحج يشترط له القدرة البدنية والقدرة المالية.

المقدم: مستمعينا الكرام في هذه الحلقة نتحدث حول الحج، الشعيرة العظيمة والركن الخامس من أركان الإسلام، وبدأنا الحديث في هذه الحلقة إجمالًا حول هذه الشعيرة العظيمة ومنزلتها في ديننا الإسلامي والأجور المترتبة أيضًا على هذه الشعيرة العظيمة.

فضيلة الشيخ فيما تبقى من الوقت نريد أن نتحدث إجمالًا حول صفة الحج وصفة حج النبي أيضًا عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

الشيخ: الله - جل وعلا - ذكر الحج في آيات محكمات، وقال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ البقرة: 196 في آيات متعددة ابتدأها بهذه الآية وختمها بقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ البقرة: 203 .

 الحج أيها الإخوة والأخوات جاء ذكره في القرآن الكريم إجمالًا، ولم يأت فيه التفصيل الوافي الذي يشمل كل ما يكون من واجبات وأركان ومسنونات؛ ولهذا حج النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال في حجه: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» صحيح مسلم (1297) أي أكَّد - صلى الله عليه وسلم - على الناس أن يتلقوا عنه صفة الحج.

يقول جابر -رضي الله تعالى عنه- فيما ذكره من حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد اختص جابر -رضي الله تعالى عنه- بذكر صفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم - على أوسع ما يكون، يقول جابر في مقدمة حديثه أنه سئل عن حجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال جابر، وقد عقد بيده تسعًا، فقال: «مكث النبي - صلى الله عليه وسلم - تسع سنين لم يحجَّ» لأن الحج إنما فرض في السنة التاسعة، «ثم أذن في الناس في العاشرة» يعني أنه أعلم الناس - صلى الله عليه وسلم - في العام العاشر «أن رسول الله حاجٌّ» أي: أنه سيحج هذا العام.

يقول جابر وهذا موضع الشاهد: «فقَدِمَ المدينةَ بَشَرٌ كثيرٌ» يعني قدم المدينة من أطراف الجزيرة وجهاتها وشمالها وجنوبها، والمقصود بالجزيرة جزيرة العرب، قدموا ليحجوا معه - صلى الله عليه وسلم -. يقول جابر: «كلهم» يعني هؤلاء الذين جاءوا «يلتمس أن يأتَمَّ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويعمل مِثلَ عَمَلِه» فكل هؤلاء الجمع جاءوا للتأسي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا المنسك العظيم وهذا الركن الكبير من أركان الإسلام، فخرجوا معه - صلى الله عليه وسلم -، كان في المدينة، وأحرم من الميقات ميقات ذي الحليفة، وكان - صلى الله عليه وسلم - قد أحرم بعد أن صلى وصار معه هذا الجمع الغفير يتلقون عنه.

يقول جابر -رضي الله تعالى عنه- في صفة كثرة من جاء يقتدي بالنبي في عمله في حجه «حتى إذا استوت به ناقته على البيداء» مكان مرتفع في ذي الحليفة، وميقات أهل المدينة، «نظرتُ إلى مدِّ بصري بين يديه من راكب وماشٍ» بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - «وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك ومن خلفه مثل ذلك» كل هؤلاء جاءوا يأتسَّون به ويأتمون به ويلتمسون اتباع سنته في هذا الركن من أركان الإسلام.

يقول: «ورسول الله بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله» انتبه قال: «وما عمل به من شيء عَمِلْنا به» [صحيح مسلم:ح1218/147] أي: أنهم لم يكونوا يخرجون عما يرونه من عمله - صلى الله عليه وسلم - في هذا النسك وفي هذه العبادة.

لبَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأهلَّ بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، توجه إلى مكة ووصل إليها، وكان أول ما بدأ به لما وصل - صلى الله عليه وسلم - أن طاف بالبيت سبعة أشواط، ثم صلى بعد ذلك - صلى الله عليه وسلم- ركعتين عند المقام، ثم سعى بين الصفا والمروة، ثم أمر أصحابه من كان لم يسق الهدي، ما جاء من خارج الحرم بهدي؛ إبل أو بقر أو غنم، وهو حال أكثر الناس اليوم، لا يأتون معهم بهدي، من لم يسق الهدي أن يتحلل ويجعلها عمرة؛ يعني أن يكون متمتعًا، فيتحلل بعد طوافه وسعيه ويقصر، ويحرم بالحج في اليوم الثامن من ذي الحجة، وبه يعود الناس جميعًا مُحرِمين، وهذا أول أيام الحج، أيام الحج خمسة:

 أولها يوم التروية وهو يوم الثامن من ذي الحجة، وهو يوم يُحرِم فيه الحجاج قبل الظهر ضحى يوم الثامن، قبل الظهر يحرمون ويصلون ويتوجهون إلى منى إن استطاعوا، وهو سنة، يصلون بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء وفجر يوم عرفة، وهذا ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه.

ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - مكث في منى إلى ضحى يوم عرفة، وتوجه منها إلى نمرة، توجه من منى إلى نمرة في اليوم التاسع وهو يوم عرفة يوم الحج الأعظم.

وجاء - صلى الله عليه وسلم - قُبيل الزوال ونزل في خيمة في نمرة، فلما زالت الشمس يعني جاء وقت الظهر أمر براحلته فرُحلت، وقام فخطب الناس، ثم أذن المؤذن فصلى الظهر والعصر قصرًا ركعتين ركعتين، ثم دخل عرفة - صلى الله عليه وسلم -، الموقف، واستقبل القبلة، وجعل بطن راحلته إلى الصخرات، ومكث داعيًا، ولم يكن صائمًا في ذلك اليوم، بل بعث له بإناء من لبن، فشرب منه صلى الله عليه وسلم، ورآه الناس، فعلموا أنه لم يكن صائمًا - صلى الله عليه وسلم -.

مكث حتى غربت الشمس وذهبت الصُّفْرة، ثم دفع منها إلى مزدلفة، وصلى المغرب ثلاثًا والعشاء ركعتين، ثم نام - صلى الله عليه وسلم - وقام في أول الوقت، أول وقت الفجر، وصلى الفجر في أول وقتها، ثم أتى المشعر الحرام، وهو موضع المسجد الآن، وقال: «وقَفْتُ هاهنا وجَمْعٌ كُلُّها مَوقِف» [صحيح مسلم:ح1218/149] ، كما قال في عرفة: «وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف». [صحيح مسلم:ح1218/149]

ودعا الله - عز وجل - حتى أسفر جدًّا، ثم توجه - صلى الله عليه وسلم - إلى منى، وكان أول ما فعله أن رمى جمرة العقبة بسبع حصيات، يكبِّر مع كل حصاة، وبعد ذلك نحر هديه - صلى الله عليه وسلم -، ثم حلق رأسه، ثم أفاض إلى مكة لطواف الإفاضة؛ طواف الحج، طواف الركن.

ثم لما طاف سبعة أشواط شرب من زمزم، ورجع - صلى الله عليه وسلم -، وقيل: صلى الظهر في مكة، وقيل: صلى الظهر في منى، والذي يظهر أنه صلاها في مكة، ولما جاء أصحابه ولم يصلوا صلى بهم - صلى الله عليه وسلم - في منى، ومكث فيها يوم العاشر، وهو يوم النحر، وفيه أكثر أعمال المناسك.

وبقي فيها يوم الحادي عشر وهو يوم القَرِّ؛ أول أيام التشريق، رمى الجمار بعد الزوال؛ الجمار الثلاث؛ الصغرى والكبرى والوسطى، والمقصود من رمي الجمار إقامة ذكر الله، يرمي كل واحدة بسبع حصيات، ثم يبيت ليلة الحادي عشر والثاني عشر وليلة الثالث عشر للمتأخر، ويرمي الأيام هذه بعد الزوال، والمتعجل ينفر يوم الثاني عشر أوسط أيام التشريق، والمتأخر يبقى إلى اليوم الثالث عشر؛ إذا زالت الشمس رمى، ثم خرج وصلى الظهر خارج منى.

وتنتهي أعمال الحج المتعلقة بمنى من المبيت والرمي وكذلك ذبح الهدي بغروب شمس يوم الثالث عشر من ذي الحجة، وإذا أراد الانصراف إلى بلده طاف للوادع؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَنفِرنَّ أحدٌ حتى يكون آخرُ عهدِه بالبيت». [صحيح مسلم:ح1327/379]

ومن كان متمتعًا فعليه أن يسعى سعيًا آخر غير سعي العمرة، وأما المفرد والقارن فإنهما يكتفيان بالسعي الذي سعياه أول مجيئهم بعد طواف القدوم.

هذا ما يتعلق بالحج إجمالًا من حيث الصفة، وتفصيل ذلك وبيانه يمكن أن يستفيده الراغب في تعلم أحكام المناسك من مصادر عديدة؛ من مطويات وكتب ومواقع، واليوم العلم -ولله الحمد- طرق ووسائل الوصول إليه ميسرة مسهلة لمن صدق في الطلب ورغب في معرفة ما يحتاجه من أحكام العبادات في الحج أو في غيره، وما أشكل عليه أو ما لم يدركه فهمه فينبغي أن يسأل عنه؛ قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ النحل: 43 .

هذا الوصف الإجمالي، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - حريصًا على أن يتلقى أصحابه عنه هذا؛ فكان يقول: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ» [صحيح مسلم:ح1297/310] وفي رواية أخرى قال: «خُذوا عني مناسككم؛ لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا» [سنن النسائي الكبرى:ح4002] وكل هذا تأكيد لأهمية التلقي عنه - صلى الله عليه وسلم - فيما يتعلق بمناسك الحج وأعماله.

وأركان الحج: الإحرام، والوقوف بعرفة، والطواف بالبيت، والسعي في قول جمهور أهل العلم، هذه أركان الحج.

وأما واجباته: فالبقاء في عرفة إذا جاءها نهارًا حتى تغرب الشمس، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، والمبيت ليالي منى في منى لمن تيسَّر له مكان، أما من لم يتيسر له مكان كحال مَن مخيماتهم خارج منى أو لم يجدوا مكانًا في منى للنزول فيه؛ فهؤلاء يجلسون في الأماكن التي تتيسر لهم، ويسقط عنهم المبيت لعجزهم عنه.

هذا ما يتعلق بمجمل ما يتصل بأحكام هذا الفرض العظيم، نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن ييسره لقاصده، وأن يبلغهم أمانيهم، وأن يتقبل منا ومنهم، وأن يحفظ الحجاج القاصدين لبيت الله الحرام من كل سوء وشر، وأن يبلغهم ما يؤملون من عظيم الأجر وكبير الفضل.

المقدم: فضيلة الشيخ قبل أن نتحدث في وصية أخيرة مجملة لحجاج بيت الله الحرام، أريد أن أسألك سؤالًا لأحد المستمعين الكرام؛ أبو أحمد سأل عن صحة الحديث القدسي: «إنَّ عبدًا أصحَحْتُ لهُ جِسْمَهُ، وَوَسَّعْتُ عَليْهِ فِي المَعِيْشَةِ، يَمْضِي عَليْهِ خَمْسَةُ أعْوَامٍ لا يَفِدُ إِلَيَّ لَمَحرُومٌ». [مسند أبي يعلى:ح1031، والبيهقي في الكبرى:ح10392، وصححه الألباني في صحيح الجامع:ح1909، وقال الهيثمي في المجمع(ح5259):ورجال الجميع رجال الصحيح.]  

الشيخ: هذا الحديث رواه جماعة من أهل العلم، أخرجه البيهقي، وقد رواه في المطالب العالية، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، وهو من حديث أبي سعيد، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - روى عن ربه تعالى أنه قال: «إنَّ عبدًا أصحَحْتُ لهُ جِسْمَهُ، وَوَسَّعْتُ عَليْهِ فِي المَعِيْشَةِ، يَمْضِي عَليْهِ خَمْسَةُ أعْوَامٍ - وفي رواية: أربعة أعوام - لمحروم» [رواية: «أربعة أعوام»عند الطبراني في الأوسط:ح486] ، لكن الحديث ضعيف من حيث الإسناد، والحرمان يدل على أن الإنسان أتى ما يعاب عليه، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال لما سأله الرجل: أكلَّ عام يا رسول الله؟ قال: «لا، ولو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم» [صحيح مسلم:ح1337/412] ، وفي حديث ابن عباس، قال: «الحج مرة، وما زاد فتطوع» [مسند أحمد:ح2304، ومستدرك الحاكم:ح3155، وقال:هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ. ووافقه الذهبي] ، فالحج عمل صالح ويؤجر عليه الإنسان إن تيسر له ذلك، ولكن الفرض هو في مرة واحدة، هذا الحديث الذي سأل عنه الأخ حديثٌ في إسناده مقال، ضعيف.

المقدم:- فضيلة الشيخ أيضًا نختم بنصيحة توجهها لحجاج بيت الله الحرام القادمين لمكة المكرمة، نصيحة عامة في تأدية هذه الشعيرة العظيمة بما أوجبه الله - تبارك وتعالى -، وأيضًا مما يكون من احترام الأنظمة والقوانين ونحوها التي وجدت لخدمة وراحة الحجيج.

الشيخ: بادئ ذي بدء، فيما يتعلق بالعبادة ذاتها، نوصي من يأتي إلى هذه البقعة المباركة أن يتحقق من أمرين حتى يكون عمله مقبولًا:

أولًا: الإخلاص لله - عز وجل -؛ فإن الله في فرض الحج أول ما ذكر، ذكر المقصود بالحج قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ آل عمران: 97 ﴿لِلَّهِ﴾ ليس لسواه، فلا يقصد بذلك شيئًا غير الله - عز وجل -.

والثاني: أن يجدَّ في أن يكون عمله على وفق ما شرع الله تعالى وبيَّن رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ فقد قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» [سبق] ، «لتأخذوا عني مناسككم». [سبق]

أن يحرص على الحج المبرور الذي ليس له جزاء إلا الجنة، أن يحرص على أن يكون حجه عامرًا بذكر الله وعبادته وطاعته، وأن يحضِّر قلبه في كل الأعمال الصالحة المتعلقة بهذا النسك المبارك.

أوصي إخواني وأخواتي بالتعلم قبل المجيء؛ لأن كثيرًا من الناس يدخل في العبادة وليس عنده معرفة بحقيقتها، ومعلوم أن الإنسان إنما يتقن العمل ويتفادى الخطأ والزلل بقدر ما يكون معه من المعرفة، فكل من سلك طريقًا وعرف تفاصيل هذا الطريق وأماكن محطاته وأماكن الأخطار فيه كان أدعى لسلامته وأعون لحصول وبلوغ غايته ومقصوده.

 كذلك العبادة من المهم قبل أن نأتي الحج أن نتعلم الأحكام، وتعلم الأحكام لا يلزم أن يكون الإنسان متخصصًا، أو يدخل في تفاصيل لا يطيقها ذهنه، هناك مطويات مؤلفات مختصرة، برامج تعليمية يسيرة سواء مرئية أو مسموعة، ومن خلالها يكون عنده معرفة إجمالية بالعمل الذي سيقوم به، حتى إذا أشكل عليه شيء رجع إلى أهل العلم وسأل من يحتاج إلى سؤالهم.

وأما ما يتعلق بالحج فينبغي أن يكون فيه الإنسان على سماحة وطيب وحسن خلق وصبر واحتساب وبعد عن الأذى أو الإيذاء؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «‏الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ». [صحيح البخاري:ح10]

أن يعرفوا عظيم قدر هذه البقعة المباركة التي يقصدونها فيعظمونها ويذكرون حق الله تعالى فيها؛ فإن الله حرَّمها يوم خلق السموات والأرض، جعلها معظمة رفيعة الشأن.

وأن يراعوا الأنظمة، وأنا أؤكد على هذا المعنى؛ لأن مراعاة الأنظمة فيما يتعلق بالمجيء وفيما يتعلق بالتفويج وفيما يتعلق بالتحركات؛ هي من الأمور التي يجني مصلحتها جميع الحجاج؛ فالمحافظة على هذه الأنظمة والتقيد بها والتعاون مع رجال الأمن وجميع الجهات المنظمة للحج في كل مجالاتها؛ هو مما يتحقق به الخير للإنسان نفسه؛ فيقي نفسه الأخطار، ويبعد عن أماكن الضرر، ويحقق عبادة الله - عز وجل - بطاعة ولاة الأمور، ومن الخير أيضًا لعموم الناس؛ لأن الإخلال بالنظام سيترتب عليه مفاسد متعلقة بالشخص وبغيره ما من أجله شُرعت هذه الأنظمة ورُتِّبت حتى تكون كفيلةً بإبعاد الناس عن الأخطار ووقايتهم ما يخافون من الشرور والأضرار.

أسأل الله لي ولكم القبول، وأن يعيننا وإياكم على الطاعة والإحسان، وأن يجعله حجًّا مبرورًا وسعيًا مشكورًا.

المقدم: اللهم آمين، شكر الله لك وكتب الله أجرك فضيلة الشيخ الدكتور/ خالد المصلح؛ أستاذ الفقه بجامعة القصيم، شكرًا جزيلًا فضيلة الشيخ على إثرائك لهذه الحلقة.

الشيخ: بارك الله فيكم، وأسأل الله أن يقبلنا وإياكم، وأن يجزي ولاة أمرنا، خادم الحرمين الشريفين وولي عهده، وجميع العاملين في هذه الدولة المباركة على ما يبذلونه من جهود ملموسة وأعمال جليلة في خدمة حجاج بيت الله وقاصدي مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أسأل الله لنا ولهم القبول والإعانة والسداد، وأن يدفع عنا وعن بلادنا وعن المسلمين كل سوء وشر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.555

 

مواد تم زيارتها

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف