الاثنين 6 جمادى آخر 1442 هـ
آخر تحديث منذ 5 ساعة 46 دقيقة
×
تغيير اللغة
القائمة
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو Hausa
الاثنين 6 جمادى آخر 1442 هـ آخر تحديث منذ 5 ساعة 46 دقيقة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأعضاء الكرام ! اكتمل اليوم نصاب استقبال الفتاوى.

وغدا إن شاء الله تعالى في تمام السادسة صباحا يتم استقبال الفتاوى الجديدة.

ويمكنكم البحث في قسم الفتوى عما تريد الجواب عنه أو الاتصال المباشر

على الشيخ أ.د خالد المصلح على هذا الرقم 00966505147004

من الساعة العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهرا 

بارك الله فيكم

إدارة موقع أ.د خالد المصلح

×

لقد تم إرسال السؤال بنجاح. يمكنك مراجعة البريد الوارد خلال 24 ساعة او البريد المزعج؛ رقم الفتوى

×

عفواً يمكنك فقط إرسال طلب فتوى واحد في اليوم.

مرئيات المصلح / برامج المصلح / الدين والحياة / الحلقة (161) مفاتيح الفرج

مشاركة هذه الفقرة

الحلقة (161) مفاتيح الفرج

تاريخ النشر : 29 محرم 1441 هـ - الموافق 29 سبتمبر 2019 م | المشاهدات : 570

المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، مستمعينا الكرام في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نحييكم تحيةً طيبةً عبر أثير إذاعة "نداء الإسلام" من مكة المكرمة، في هذه الحلقة المتجددة لبرنامج "الدين والحياة"، والتي نستمر معكم فيها على مدى ساعة كاملة بمشيئة الله تعالى.

مستمعينا الكرام في برنامج "الدين والحياة"، نناقش موضوعات تهم المسلم في أمور دينه وديناه، ويسعد بها بمشيئة الله - تَعَالَى - في دنياه وآخرته، من هذه الموضوعات ما سنناقشه بمشيئة الله - تَعَالَى - في هذه الحلقة مع ضيفنا الكريم حول موضوع مفاتيح الفرج.

ضيفنا الكريم هو فضيلة الشيخ الدكتور/ خالد المصلح؛ أستاذ الفقه بجامعة القصيم.

 مثل ما ذكرت مستمعينا الكرام -بمشيئة الله تَعَالَى - ؛ سيكون حديثنا في هذه الحلقة حول موضوع "مفاتيح الفرج"، وسنتحدث -بمشيئة الله تَعَالَى - في هذه الحلقة حول نقاط سنناقشها مع ضيفنا الكريم حول طبيعة الحياة التي فيها من الكدر، وفيها الكثير من المنغصات، من هذه المنغصات: الأمراض التي قد تصيب الإنسان، وضياع الأموال، وفقد الأحبة، وقد تتوالى هذه الابتلاءات في حياة الإنسان يحتاج معها إلى صبر وثبات ويقين، وإيمان بأن الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - سيأتي بالفرج من عنده عما قريب.

بمشيئة الله – تَعَالَى - سنناقش كل هذه الموضوعات مع ضيفنا الكريم فضيلة الشيخ الدكتور/ خالد المصلح؛ أستاذ الفقه بجامعة القصيم، فضيلة الشيخ أهلًا وسهلًا، ومرحبًا بك حياك الله.

الشيخ: حياك الله، أهلًا وسهلًا.

المقدم: مثل ما ذكرت شيخ خالد -بمشيئة الله تَعَالَى - سيكون حديثنا في هذه الحلقة حول "مفاتيح الفرج"، وذكرت في بداية حديثي حول طبيعة الحياة، وطبيعة الإنسان في هذه الحياة قد يواجه الكثير من الكدر، وقد يواجه الكثير من المنغصات في هذه الدنيا، وقد تتوالى الابتلاءات في حياة الإنسان يحتاج معها إلى الصبر والثبات واليقين، والثقة بالله - جَلَّ وَعَلا - .

 ابتداءً شيخ خالد، ونحن نتحدث حول موضوع مفاتيح الفرج كيف يواجه الإنسان كل هذه التغيرات التي قد تحصل في حياته والمنغصات ويكون مرتبطًا بالله - عَزَّ وَجَلَّ - وقويًّا به؟

الشيخ: الحمد لله ربِّ العالمين، وأصلي وأسلم على البشير النذير والسراج المنير نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أمَّا بعد:

فحال الإنسان في هذه الدنيا كما قال الله - عَزَّ وَجَلَّ - تتقلب بين نعماء وبين ضراء، لا يخلو منها أحد من البشر، وفي كلا الحالين الإنسان فيهما مبتلى، قال الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ الأنبياء:35 ، فالإنسان تتقلب عليه هذه الحياة بأحوالها، فتارةً يكون في حال سعيدة هنيئة، وتارة يكون في حال شديدة من كربة، أو نازلة، أو حادثة تحل به، وفي كلا الحالين المؤمن مطلوب أن يُري الله - عَزَّ وَجَلَّ - من نفسه خيرًا، فإنه لا يقضي الله - عَزَّ وَجَلَّ - لعبده المؤمن قضاءً إلا كان له فيه خير، «إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر؛ فكان خيرًا له، ولا يكون هذا إلا للمؤمن» [صحيح مسلم:ح2999/64] ، وحديثنا في هذا اللقاء عن الجانب المتعلق بما يمر بالإنسان من أكدار وشدائد وبلاء، كيف يواجه ذلك، وكيف يتخلص من دائرة الشقاء والحزن والبؤس الذي قد يحيط به بسبب ما نزل به من الألم والشدة والكرب.

وهناك مقدمة لا بد أن يستحضرها الإنسان عند كل بلاء ينزل به؛ أن الدنيا لا تطيب لأحد على حال مهما كانت حاله فيما يظهر للناس جميلة وهنيئة لا بد أن ينزل به ما يكدر صفو حياته، على تفاوت بين الناس في ذلك؛ بين شديد وخفيف، وبين من يصبر ومن لا يصبر، وبين من يحسن التعامل مع الشدائد ومن لا يحسنها، لكن الجميع تنزل به من البلايا والكروب والمصائب ما يشترك فيه بنو آدم جميعًا، كما قال الله تَعَالَى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ البلد:4 ، وهذا الكبد له صور متعددة، لا يقتصر على صورة واحدة، أو ينحصر في نموذج واحد؛ فالدنيا جُبِلت على كدر، وفيها من الهم والضيق والغم والأوجاع ما لا يمكن إحصاؤه، وهذه طبيعة الحياة؛ لأنها ليست دارَ إقامة ولا دار بقاء، فمن رحمة الله بعباده أن أجرى عليهم من الحوادث والوقائع ما يكون موجبًا لتفطنهم ووعيهم بأن هذه الحياة ليست دائمةً؛ لأنه لو كان الأمر في هذه الحياة على حال لا يجدون فيها ما يكدرهم؛ ركنت نفوسهم إليها، وظنوا أنها لا تتحول ولا تتغير، لكن أجرى الله - تَعَالَى - الدنيا على ما وصف في قوله تَعَالَى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ البلد:4 ، ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ الأنبياء:35 ؛ حتى يتنبه الإنسان، ويدرك أن هذه الحياة ليست دار إقامة، ليس فيها ما يكدر وينغص؛ لهذا ينبغي أن ندرك أن الجميع مبتلى.

وكما قال الشاعر:

كلُّ مَن لاقيتُ يَشكو دهرَه  ****  ليتَ شِعري هذه الدنيا لمَنْ؟

الدنيا لا تصفو لأحد، ولا تطيب لفرد، بل هي في كل أحوالها متنوعة، متقلبة فيما يتعلق بما يجري على الناس من شرور في الأكدار والأذى، يقول قائل: أرى أناسًا لا تفارق البسمة وجوههم، نعم هذا يحصل، لكن هؤلاء المبتسمون، أو من يظهر عليهم السرور، أنت ترى هؤلاء في أحوال ولست مرافقًا لهم في كل الأحوال، ثم إن من الناس من يتجاوز ما يمر به من مصائب، يكون عنده من القوة والقدرة ما يعينه بعون الله على تحمل ذلك وحسن التعامل معه، فلا يظهر عليه من ريب الدهر، وظهور في البلاء ما يمكن أن يلاحظ، لكن الجميع مبتلى، ليس ثمة من هو سالم من الكرب والشدة والبلاء النازل به، الموجب للألم والحزن، لكن التفاوت في التعامل.

الأنبياء وهم خيار الخلق وهم أكرم الخلق على الله - عَزَّ وَجَلَّ - جرى عليهم من الكربات والمصائب، ذكر الله - تَعَالَى - شيئًا منه، ولو كان أحد سالـمًا من أكدار الدنيا وأذاها، لكان أولى الخلق بذلك هم النبيون صلوات الله وسلامه عليهم؛ ولذلك لما أخرج الله - تَعَالَى - آدم من الجنة التي ابتلي بالدخول فيها، ذكر الله - تَعَالَى - له فيما تكفل له به في الجنة أنه لا يجد فيها من المتاعب ما يجد، لكن في الإخراج منها، قال: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ طه:117 ، فجعل الشقاء قرينًا لحال الإنسان بخروجه من الجنة؛ كما ذكر الله - تَعَالَى - في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى * فَقُلْنَا يَا آدَمُ﴾ طه:115 - 117 ؛ خطاب لآدم أبي البشر - عَلَيهِ السَّلامُ -: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ طه:117 ، يقول: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ﴾ طه:117 ؛ وهي التي ابتلي بالدخول فيها ﴿فَتَشْقَى﴾ طه:117 ؛ فجعل الشقاء قرينًا للخروج من الجنة؛ ولهذا حال الدنيا جارٍ على ما ذكر الله - عَزَّ وَجَلَّ - من الشقاء، لكن الناس يتفاوتون في التعامل مع هذا الشقاء، كيف يتجاوزون ما يمكن أن ينزل بهم من كربات، وأنا أذكر نماذجَ من الألم الذي يحيط بالإنسان.

يحيط بالإنسان من الكربات والشدائد ما يتعلق بصحته، وذلك بما ينزل به من الأمراض في نفسه، أو فيمن يحب من ولد، أو والد، أو زوج، أو صديق، أو حبيب، كذلك يصاب الإنسان في ماله يصاب الإنسان في أهله، يصاب الإنسان في كسبه، يصاب الإنسان في بلده، يصاب الإنسان فيمن يحب، وبالتالي المصائب متنوعة وليست على صورة واحدة، ولكن الحديث فيما نتكلم عنه، وهو كيف يخرج الإنسان من الشدة؟ ما هي المفاتيح؟ ما هي الأسباب؟ ما هي السبل؟ ما هي الأبواب التي ينفس بها الكرب؛ ليخرج بها الإنسان من الضيق إلى السعة، ومن الشقاء إلى الطمأنينة، ومن القلق إلى السكينة؟ هذا ما سنتحدث عنه في لقائنا هذا، وأرجو أن نقدم بعض الأمور التي تعين الجميع.

نحن جميعًا رجالًا ونساءً، صغارًا وكبارًا على اختلاف أحوالنا نمر بأزمات، كيف نتعامل مع هذه الأزمات؟ كيف نتعامل مع هذه الكربات حتى نتجاوزها إلى ما يكون فيه السعة وفيه الطمأنينة، فنكسب بذلك الثواب والأجر بالصبر والرضا، ونخرج من الضوائق والأكدار إلى ما نستعين به على تحقيق طاعة الرحمن في السعة والرخاء؟

 فنسأل الله الإعانة والتسديد، ونسأل الله - عَزَّ وَجَلَّ - أن يعيننا على تقديم ما ينفع

المقدم: اللهم آمين، فضيلة الشيخ، نستكمل حديثنا الذي بدأناه حول مفاتيح الفرج، وتحدثنا في مقدمة حديثنا حول طبيعة هذه الحياة الدنيا وما فيها من الكدر، وما فيها أيضًا من الابتلاءات والمنغصات، وكيف يلجأ الإنسان المسلم إلى الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - حتى يتخلص من هذه المنغصات، وهذه الابتلاءات التي قد تكون في حياته؟

الشيخ: قد تحدثنا أنه ما من أحد إلا ويجري عليه من الضيق والكرب ما يكون مشتركًا بين بني آدم، وإن كانوا يتفاوتون في تعاملهم مع هذه الكربات، الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم جرى عليهم من الكربات ما ذكر بعضه ربنا - جَلَّ وَعَلا - في كتابه، قال تَعَالَى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ الأنبياء: 76 ، ونظير هذا أيضًا قال: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ الصافات:75 - 76 ، وفي موسى وهارون، وانظر الآن الحديث عن أولي العزم من الرسل؛ نوح أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، وموسى - عَلَيهِ السَّلامُ - من أولي العزم الرسل، يقول: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ الصافات:114 - 115 ، وسيد الورى إمام المتقين، سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه نبينا محمد جرى عليه من الكربات والشدائد ما هو معروف في سيرته في مواقف عديدة.

المخرج من أنواع الكربات وصنوفها المتنوعة، بأسباب، إذا اشتدت الأمور وضاقت الحياة، وتكالبت على الإنسان المحن؛ فينبغي أن يطرق أبواب الفرج، ويسلك سبلها، النجاة من تلك الكربات، ويوقن ابتداءً أن الذي ينجي من كل كربة هو الله - عَزَّ وَجَلَّ - ، فلا نجاة إلا به - جَلَّ وَعَلا - ، هذا اليقين ينبغي أن يكون قارًّا في قلب الإنسان حتى يطلب الأسباب التي شرعها الله - تَعَالَى - للنجاة من كل كرب، قال الله - تَعَالَى - في قوم قص خبرهم، وهم من ركبوا سفينة: ﴿قُلْ﴾ الأنعام:63 ؛ يا محمد، ﴿مَنْ يُنَجِّيكُمْ﴾ الأنعام: 63 ؛ أيها الناس، ﴿مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الأنعام:63 ؛ يعني ما يدرككم من المخاوف في البر والبحر، فإذا نزلت بكم مخاوف قال: ﴿دْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ الأنعام:63 ، يقول الله - تَعَالَى - : ﴿قُلِ﴾ الأنعام: 64   يا محمد لهؤلاء: ﴿اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ الأنعام: 64 ، فالذي ينجي من الكربات، ويقي شرور البريات والمصائب، والنوازل، والحادثات المؤلمة هو الله - جَلَّ وَعَلا-.

وبالتالي؛ محور ما يذكر من أسباب النجاة: هو أن تحسن الصلة بالله - عَزَّ وَجَلَّ -، فبقدر إحسان الصلة به - جَلَّ وَعَلا - يدرك الإنسان السلامة من الكربات، وهذا لا يعني أن لا يصيبه شيء، فالدنيا مجبولة على قدر وكدر، وكرب وبلاء، لكن اللجوء إلى الله يحيل تلك المكروهات إلى هبات يجري الله - تَعَالَى - بها على الإنسان الخير، فتنزل به المصيبة يوفقه الله - تَعَالَى - فيها للصبر أو غير ذلك من أسباب النجاة، فيكون ذلك موجبًا لعظيم الأجر، وجزيل العطاء، فيجمع الله له أجرًا، وثوابًا وخروجًا من الكربة والضيق، ويذوق في لذة الفرج ما لا يمكن أن يدركه لو لم يصب بالكرب؛ ولهذا يدرك العبد أن ما يصيبه من المكروهات لله فيه حكمة، وله فيه رحمة، وهو خير له إن أحسن التعامل معه، يقول الله - جَلَّ وَعَلا - في أعظم ما يخرج به الإنسان من كل كربة ومصاب؛ أن يستحضر تقوى الكريم المنان؛ تقوى الله - جَلَّ وَعَلا -، فأعظم المخارج من كل كربة ومصاب هو تقوى الله - جَلَّ وَعَلا -؛ ولذلك جاء النص على هذا في القرآن؛ قال الله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ الطلاق:2 ، قال الربيع بن خثيم: «المخرج من كل ما ضاق على الناس»؛ مرض، خسارة مالية، مصاب في نفسك، مصاب في ولدك، في زوجك، في أهلك، في والديك، في أقاربك، في بلدك، كل من ما يضيق عليك من الدنيا خروجك منه «بتقوى الله - عَزَّ وَجَلَّ -» [تفسير الطبري:23/446] ، وتقوى الله معناها: أن تقوم بما أمرك الله - تَعَالَى -، بأن تلزم ما أمرك الله - تَعَالَى - به في الشدة والبلاء، وفي السعة والرخاء، تلزم ما أمرك الله - تَعَالَى - به فعلًا فيما طلبه منك، وتركًا فيما نهاك عنه، ولا تحيد عن ذلك رغبة فيما عنده، وخوفًا من عقابه، وأبشر، الله لا يخلف الميعاد، فقد قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ الطلاق:2 ، لا بد أن يجد مخرجًا مما حلَّ به من ضيق، فالله لا يخلف وعده، ولا يبدل قوله - جَلَّ وَعَلا - ، فأبشر بإذن الله، وستجد المخرج. لكن الإشكالية أحيانًا قد لا يحسن الإنسان معنى التقوى، أو لا يدرك معنى التقوى.

التقوى: هو أن تطيع الله في الحال التي أنت فيها، فإن كان بلاؤك فقرًا؛ فكف يدك عن أموال الناس، واصبر على ما نزل بك من الفقر، وابذل وسعك في الكسب الحلال الطيب، وأبشر وسيجعل الله لك مخرجًا، في المرض كذلك، إذا نزل بك مرض فلا تجزع، ولا تضجر، ولا تسخط على أقدار الله، ولكن اصبر واحتسب، ثم اذهب إلى البحث عن الأسباب التي تتوقى بها هذا المرض وتخرج بها إلى السلامة؛ من الأدعية وغير ذلك من الأسباب الشرعية، وأيضًا الدواء الذي ذكره النبي صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وَسَلَّمَ: «ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء علمه من علمه وجهله من جهله» [مسند أحمد:ح3578، وقال الحاكم في مستدركه(ح8205):هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ. ووافقه الذهبي] .

إذًا التقوى هي أن تكون على ما يحب الله - تَعَالَى - من حال في وقت نزول الكربة، أو في وقت قيامها، فلا تخرج عن شرع، ولا تتعدى حدودًا، وتكون على حال مرضية عنده - جَلَّ وَعَلا -، وأبشر فسيجعل الله لك مخرجًا.

أحيانًا يمر الإنسان بمشكلة؛ إما والد مع ولده، أو رجل مع امرأته، أو زوجة مع زوجها، ولكن تحصل تجاوزات، ويرجو من الله فرجًا وهو لم يتق الله، وهذه التجاوزات قد تكون سببًا لتخلف الفرج وتأخره، أو عدم حصوله لكونه لم يحقق السبب الذي ينال به الفرج؛ وهو تقوى الله - عَزَّ وَجَلَّ -، وقد قال الله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ الطلاق: 2 ؛ أي: مخرجًا من كل ما ضاق عليه، مخرجًا من كل ما كدَّره، مخرجًا من كل كرب، وأبشر فالله لا يخلف الميعاد.

إذًا هذا المفتاح الأول، وهو المفتاح الجامع لكل المفاتيح، المفتاح الجامع لكل مفاتيح الفرج هو تقوى الله - جَلَّ وَعَلا -، وتقوى الله تترجَم بأشياء كثيرة؛ منها: الاستغفار، ولذلك من مفاتيح الفرج الاستغفار، فالاستغفار فرج من كل همٍّ، ومخرج من كل ضيق، ورزق للعبد من حيث لا يحتسب، وقد جاء في حديث ابن عباس - رَضِي اللهُ عَنْهُ - قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وَسَلَّمَ: «من لَزِم الاستغفار»؛ يعني قال: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، أو قال: ربي اغفر لي وتب علي، أو قال غير ذلك من صيغ الاستغفار «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب» [سنن أبي داود:ح1518، وضعفه الألباني في الضعيفة:ح705] ، وهذا عطاء جزيل يحصل به للإنسان أمران:

الأمر الأول: زوال المكروه.

والأمر الثاني: حصول المطلوب والمحبوب.

»جعل الله له من كل ضيق مخرجًا، ومن كل همٍّ فرجًا»؛ زوال المكروه «ورَزَقه من حيث لا يحتسب»؛ إدراك المطلوب؛ ولهذا الاستغفار مِن أجلِّ وأعظم الوسائل التي يدرك الإنسان بها الفرج، وتنكشف عنه بها الكرب، وقد ذكره الله - جَلَّ وَعَلا - في كتابه في كربة عظيمة نزلت بنبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وهو يونس - عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حيث التقمه الحوت وهو مليم؛ أي: وقد فعل ما يلام عليه، ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ الصافات:143 - 144 ، فكان المخرج هو ما كان عليه من لجئ وفزع إلى الله - عَزَّ وَجَلَّ - بالدعاء والاستغفار على وجه الخصوص؛ وذلك بالإقرار بالذنب حيث كان يقول كما قال الله تَعَالَى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ الأنبياء:87 ؛ هذا العطاء الجزيل؛ وهو النجاة من هذه الكربة التي لا يؤمل الإنسان فيها نجاته، انقطعت الأسباب، ما عنده قوة ولا قدرة، ولا هناك سبب يتعلق به إلا أن يتعلق بالله - جَلَّ وَعَلا - ، وينزل حاجته به - سبحانه وبحمده -، كان الفرج بالاستغفار، وإذًا الاستغفار من هذه المقولة وهذا الذكر ﴿إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ الأنبياء:87 ، الإقرار بالذنب، الإقرار بالخطأ هو من الاستغفار، عندما تقر بالخطأ أنت تلجأ إلى الله متضرِّعًا إليه بحالك وهو ما أنت عليه من خطأ، والإقرار بالخطأ طريق الاستغفار، فالاستغفار يفرج الله - تَعَالَى - به للعبد كربات؛ ولذلك أقول: يا إخواني، يا أخواتي، لنلزم الاستغفار، فالله - تَعَالَى - قصَّ عن نبي من الأنبياء، قوله: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ نوح:10 ؛ وهذا وعد مُغْرٍ محفِّز للنفوس أن تُقبل على الله - عَزَّ وَجَلَّ - بالتوبة، فإنه - جَلَّ وَعَلا - غفار؛ أي كثير المغفرة، عظيم المغفرة، فلا يقوم ذنب بجنب مغفرته، بل تتلاشى الذنوب على عظمها في جنب مغفرته جَلَّ وَعَلا، سبحانه وبحمده. 

»يا بن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم استغفرتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي» [صحيح مسلم:ح2687/22] ، ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ نوح:10 ؛ تنالون بالاستغفار من الفرج وكشف الهموم والخروج من المضايق وفتح باب الرزق ما لا يرد لكم على بال، ولا على خاطر، «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب«. [تقدم]

من مفاتيح الفرج: الدعاء، وهو من الأبواب العظيمة التي يدرك بها الإنسان مطلوبه، ولكن قد يقول قائل: الاستغفار هو الدعاء. الاستغفار خاص، والدعاء أشمل من أن يكون استغفارًا؛ ولذلك ذكرناه على وجه الانفراد؛ لأنه سبب من الأسباب التي يدرك بها الإنسان كشف ما ينزل به من المصائب والبلايا، والنبي - صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وَسَلَّمَ - كان يكثر سؤال الله - عَزَّ وَجَلَّ - الحماية والعصمة من الهم والحزن؛ ولذلك من أسباب إزالة الهموم، وكشف الكروب، وزوال الشقاء: أن يكثر من قول الله: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ».

جاء في صحيح الإمام البخاري من حديث أنس، قال: "كنت أخدم رسول - صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وَسَلَّمَ - كلما نزل، فكنت أسمعه يكثر أن يقول"؛ أنس يخبر عن كثرة ما يقوله النبي - صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وَسَلَّمَ - من الدعاء قال رَضِي اللهُ عَنْهُ: "كنت أسمعه يكثر أن يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ»" [صحيح البخاري:ح2893] ، وكان النبي - صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وَسَلَّمَ - إذا نزل به كرب، يقول: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ، وَرَبُّ الْأَرْضِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ» [صحيح البخاري:ح6345] ، هكذا كان يقابل النبي - صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وَسَلَّمَ - المصاعب والكروب والهموم والأحزان بالدعاء، هذا طبعًا الذكر الذي ذكره ابن عباس وهو في الصحيحين: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ، وَرَبُّ الْأَرْضِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ»؛ ليس فيه مسألة، ليس فيه: اللهم فرِّج كربي، أزل همي، فرج ضيقي، لا ليس فيه، لكن الذي فيه هو اللجأ إلى الله بتعظيمه وتوحيده وإجلاله، وذكر عظمته سبحانه وبحمده؛ وذاك باب عظيم من أبواب الفرج، فإن الله - تَعَالَى - يعطي من عظَّمه - جَلَّ وَعَلا - واشتغل بذكره عن مسألته فوق ما يؤمل من الخير؛ ولهذا جاء في حديث أبي سعيد أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أشغله ذكري عن مسألتي»؛ من أشغله ذكر الله عن مسألته أن يطلب شيئًا معينًا من حاجته، «أعطيته خيرًا مما أعطي السائلين» [مصنف ابن أبي شيبة:ح29271، وضعفه الألباني في الضعيفة:ح4989 ] ؛ وهذا عطاء جزيل، وبرٌّ عظيم من الله - عَزَّ وَجَلَّ - لاشتغال القلب بعظمة الله عن حاجة النفس، فكان جزاء الكريم المنان، كان جزاء العظيم الرؤوف الرحيم الرحمن أن يعطيه فوق ما يؤمل؛ ولهذا كان من دعاء الكرب؛ يعني إذا نزل بك كربة في نفسك، في مالك، في ولدك، في أهلك، في بلدك، في حبيب لك؛ فأكثِرْ من: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ، وَرَبُّ الْأَرْضِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ». [سبق]

وثمة دعاء أوصى النبي - صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وَسَلَّمَ - بتعلمه لكشف الهموم، وإزالة الكروب، وما يحيط الإنسان من المكروهات، وهذا ما جاء في مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود - رَضِي اللهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وَسَلَّمَ: «ما قال عبدٌ قطُّ إذا أصابه هَمٌّ أو حُزْنٌ»، والهم والحزن هو صورة من صور الكرب، أو نتيجة من نتائج الكرب التي تحيط بالإنسان وتنزل به من الشدائد والمصائب «ما قال عبدٌ قطُّ إذا أصابه هَمٌّ أو حُزْنٌ: اللهم إني عبدُكَ، وابنُ عبدِكَ، وابنُ أَمَتِكَ، ناصيتي بيدكَ، ماضٍ فيَّ حُكْمُكَ، عدلٌ فيَّ قضاؤُكَ، أسألكَ بكلِّ اسمٍ هو لك، سميتَ به نفسكَ، أو علَّمتَه أحدًا من خلقِكَ، أو أنزلتهَ في كتابِكَ، أو استأثرتَ به في علمِ الغيبِ عندك أن تجعلَ»؛ هذا كله مقدمة فيها توسل إلى الله - عَزَّ وَجَلَّ - والتضرع إليه بوصف الحال، وعظيم الافتقار، والإقرار بكمال الرب - جَلَّ وَعَلا -، وسؤاله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، واسمه الأعظم: «أن تجعلَ القرآنَ»؛ هذه المسألة «أن تجعلَ القرآنَ ربيعَ قلبي، ونورَ صدري، وجلاءَ حزني، وذهابَ همِّي»، قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وَسَلَّمَ -: «ما قال عبدٌ قطُّ إذا أصابه هَمٌّ أو حُزْنٌ»؛ هذه الكلمات «إلا أذهب اللهُ همَّه وحزنَه، وأبدلَه مكانَه فرجًا»، الله كريم يا إخوة ويا أخوات، الله عظيم - جَلَّ وَعَلا - ولا يخلف الميعاد، قالوا: يا رسول ينبغي لنا أن نتعلم هؤلاء الكلمات؟ قال: «أجل، ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن» [مسند أحمد:ح3712، وصححه الألباني في الصحيحة:ح199] ؛ يعني أن يحفظهن، وأن يقولهن عند نزول هم، أو حزن به فإن ذلك مما يفرج عنه.

إذًا الدعاء من أسباب التفريج وإزالة الكربات؛ وهذا شأن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، فهذا نوح - عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لما نزل به الكرب العظيم ما كان منه إلا أن لجأ إلى الكريم المنان بدعائه، قال الله تَعَالَى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى﴾ الأنبياء:76 ؛ يعني دعا ﴿مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ الأنبياء:76 ، وفي الموضع الآخر قال: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ﴾ الصافات:75 ؛ أي: دعانا وسألنا وتضرع إلينا، ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ الصافات:75 - 76 .

 وكذلك يونس عندما نزل به البلاء ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ الأنبياء:87 ، وكذلك أيوب - عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عندما نزل به المرض وامتد به واشتد عليه، نادى: ربِّ ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ الأنبياء:83 ، فالدعاء مما يكشف الله به المكروه، ويزيل به على الإنسان الضوائق والشدائد والكربات، فينبغي للإنسان أن يفزع إلى الله، ويعلم أنه لا نجاة إلا به، لا حول ولا قوة إلا بالله، تذكر دائمًا أنه لا مخرج لك مما نزل بك مما تكره إلا بالله - جَلَّ في علاه - ، ضع حاجتك عنده، عَلِّق قلبك به، كن على صلةٍ حسنةٍ به، أكثر من الدعاء والإلحاح عليه، ولا تستبطئ إجابته؛ لأن بعض الناس يقول: دعوت ولم يفرج عني، التأخير في الإجابة لحكمة، والله - تَعَالَى - له فيما يقضيه بالغ الحكمة، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ الإنسان: 30 ، وبالتالي لا تستقل نازلة ومصيبة وكربة نزلت بك، فيقعدك عن أخذ هذه الأسباب، خذ هذه الأسباب وإن طال بك البلاء، فعاقبتك حميدة، ومآلك جميل إن عزمت جميل الصلة برب العالمين.

مما يحصل به الفرج عند المضايق والشدائد ذكر الله - جَلَّ وَعَلا -؛ فإنَّ ذكر الله - تَعَالَى - يفرج به ربنا - جَلَّ وَعَلا - القلوب التي أحاطت بها الكروب، ونزلت بها المصائب، فينزل عليها من السكينة والطمأنينة، ومراقبة وترقب الفرج والطمع فيه ما لا يدرك بغير هذا الباب؛ ولهذا قال الله تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ البقرة:152 ، ومن ذكره الله نجاه، من ذكره الله فرج كربته، من ذكره الله أعطاه، من ذكره الله نال ما عنده من خير، قال الله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ الرعد:28 ، فكن دائم الذكر، فبذكر الله - تَعَالَى - تنال المطالب وتقضى الحوائج، وتدرك الرغبات، ويحصل به للإنسان السعة والراحة والطمأنينة والفرج، فربك كريم منان جلَّ في علاه.

مما يذكر به الله تَعَالَى: الصلاة؛ ولهذا أمر الله - تَعَالَى - بالصلاة عند المصيبة، وجعل الصلاة عونًا للإنسان على ما يلقى من مصائب الأيام ونوازل الزمان، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ البقرة:153 ؛ ولهذا جاء في المسند والسنن من حديث حذيفة أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وَسَلَّمَ - كان إذا حزبه أمر؛ يعني نزل به أمر شديد وضائقة «صلى» [سنن أبي داود:ح1319، وحسنه الألباني في صحيح الجامع:ح7403] ، فالصلاة صلة بين العبد وربه، بها تجلى المصائب، وتكشف الكروب، ويدرك الإنسان بسؤاله، ودعائه، ولجئه، وصلاته، وقيامه، وركوعه، وسجوده، وتبتُّله، وافتقاره يدرك خيرًا عظيمًا، وينكشف عنه به من الضيق ما ينقذه من الضيق إلى السعة، ومن الشدة إلى الرخاء؛ ولهذا يجد الإنسان إذا أقبل على ربه، واجتهد في الصلاة عند المصيبة من العون والفرج ما لا يجده بدون صلاته، وحسن صلته بالله - عَزَّ وَجَلَّ - بالوقوف بين يديه وإنزال الحاجة به، فالصلاة بها يشكو الإنسان إلى ربه، يفتقر إليه يخضع له يزلُّ له، يدعو يسبحه، يعظمه، يستغفره، تجتمع فيها الأسباب المتقدمة جميعًا؛ ولذلك يدرك بالصلاة من الفرج ما لا يدركه بغير هذا من الأسباب؛ لأنها جامعة لخير عظيم.

من مفاتيح الفرج: كثرة الصلاة والسلام على رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وَسَلَّمَ -، وقد جاء في السنن من حديث أبي بن كعب - رَضِي اللهُ عَنْهُ - قال: "قلت: يا رسول الله، إني أكثر الصلاة عليك"؛ يعني أكثر أن أقول: «اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد»، يقول: "فكم أجعل لك من صلاتي؟"؛ يعني هو يصلي كثيرًا، فكم يجعل له من دعائه؛ يعني كم يصلي عليه؟ ولعل ذلك في حاجة أرادها، أو دعاء همَّ به، أو نازلة نزلت به، فقال له النبي - صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وَسَلَّمَ - : «ما شئت»، "فكم أجعل لك من صلاتي؟، قال: «ما شئت»، قال أُبي للنبي صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وَسَلَّمَ: "قلت الربع؟"؛ يعني يكفي الربع؟ قال: «ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، قلت: النصف؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك»، فإذا كان نصف سؤالك ودعائك صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فهو خير، فلك ذلك، وإن زدت فهو خير لك، «قال: فالثلثين؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك»، ثم قال في آخر المطاف: «أجعل لك صلاتي كلها؟»؛ يعني أجعل دعائي جميعه صلاةً وسلامًا عليك - صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وعلى آله وَسَلَّمَ - ، قال النبي صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وَسَلَّمَ: «إذًا»؛ يعني إذا كان هذا شأنك في الصلاة علي «تُكفى همَّك ويغفر لك ذنبك» [سنن الترمذي:ح2457، وقال: حديث حسن] ، فيدرك أمرين:

الأمر الأول: الكفاية، والكفاية معناها: أن الله يذب عنك كل ما تكره، يدفع عنك كل ما يضايقك ويكدرك، ومن كفاه الله كُفي، وقد قال الله تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ الزمر:36 ، وكفى به وكيلًا - جَلَّ وَعَلا - ، كفى به نصيرًا، كفى به وليًّا سبحانه وبحمده، «تكفى همك»؛ أي: يدفع الله - تَعَالَى - ما أهمك، ويفرج كربتك، ويزيل عنك هذا الهم، وتضيف إلى هذا مكسبًا آخر، وهو «ويغفر لك ذنبُك»؛ ولهذا ينبغي للإنسان أن يكثر من الصلاة على النبي - صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وَسَلَّمَ - ، وكم من كربة فرجت بالصلاة عليه - صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وَسَلَّمَ - ، فالتجربة خير برهان، إذا نزل بك مصاب أكثر من الصلاة على النبي - صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وَسَلَّمَ - ، وسترى النتيجة؛ لأن الصلاة ما معناها؟ أنت لما تقول: اللهم صلِّ على محمد؛ تسأل الله أن يسوق خيرًا لنبيه في الدنيا وفي الآخرة، أن يرزق الله - تَعَالَى - نبيه خيرًا كثيرًا في دنياه وفي آخرته - صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وَسَلَّمَ - ، عندما تصلي على النبي صلاةً واحدةً، الله - عَزَّ وَجَلَّ - يصلي عليك عشرًا، فيسوق لك خيرًا عظيمًا، وأجرًا جزيلًا، ويبلغك نوالك، وينيلك مُناك، ويدفع كُربتك، ويكشف ضُرَّك؛ كل ذلك بالصلاة عليه - صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وَسَلَّمَ -، ولا يمنع أن يكون هذا في حال وفي حال آخر يكثر من الاستغفار، وأبواب إدراك الفرج كثيرة، وفضل الله - تَعَالَى - عظيم، وجزاؤه جزيل سبحانه وبحمده.

من مفاتيح الفرج التي يدرك بها الإنسان خيرًا عظيمًا: أن يسعى في تفريج الكربات؛ «فإنه مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» [صحيح مسلم:ح2699/38] ، فمن أبواب الفرج: أن تسعى في تفريج كربات الناس، والتيسير عليهم، وقضاء حوائجهم، «فالله - تَعَالَى - في حاجة العبد ما كان في حاجة أخيه» [صحيح البخاري:ح2442] ، فإذا أردت فرجًا لكربتك، وزوالًا لهمك، وتيسيرًا لما عسر عليك تلجأ إلى الله - تَعَالَى - بالتقرب إليه بجنس ما تسأل، فالله أكرم الأكرمين، وأجود الأجودين تعامل العبد بنظير ما يعامل به الخلق، ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ الرحمن:60 ، إحسانك إلى الخلق بالتفريج لكرباتهم، والتيسير عن عسير أمورهم، ليجزيك الله - تَعَالَى - عليهم من جنس عملك، فالجزاء من جنس العمل، وفضل الله - تَعَالَى - واسع وجزيل وعظيم سبحانه وبحمده.

من أسباب الفرج: العمل الصالح على وجه العموم، فإن العمل الصالح مما يفرج الله - تَعَالَى - به الكربات، والقصة في هذا شهيرة؛ قصة الثلاثة الذين خرجوا يمشون فأصابهم مطر فدخلوا غارًا في جبل، فانحطت عليهم صخرة، فسددت باب الغار، ما تمكنوا من الخروج، ثلاثة أشخاص، قال بعضهم لبعض: ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه، من الأعمال الصالحة، فدعا أحدهم بِبِرِّه إلى والديه؛ فانفرجت عنه فرجة؛ أي: تزحزحت الصخرة التي على فم الغار شيئًا، لكن لا يستطيعون الخروج، الآخر سأل الله - عَزَّ وَجَلَّ - بتقواه وتركه ما يشتهيه وتدعوه نفسه إليه من مواقعة المحرم، ففرج الله - تَعَالَى - عنهم بإزالة الصخرة، لكن بقدر لا يخرجون منه، أما الثالث فسأل الله - عَزَّ وَجَلَّ - بَرَدِّ الحقوق إلى أهلها، وإعطاء الحقوق إلى مستحقيها؛ حيث أخذ من رجل مالًا، فأرجعه إليه، فتوسل إلى الله - عَزَّ وَجَلَّ - في قصة شهيرة، سأل الله - عَزَّ وَجَلَّ - أن يفرج عنه بهذا العمل الصالح؛ وهو رد الحقوق إلى أهلها، فكان أن فرج الله - تَعَالَى - عنهم، فكشف عنهم تلك الصخرة وخرجوا يمشون، فبرُّ الوالدين، كفُّ النفس عن المحرمات عند التمكن منها، وخلو الجو في حصولها، وسهولة إدراكها، إذا كففت نفسك عن المحرمات وهي يسيرة عليك أن تدركها، وكذلك ردُّ الحقوق إلى أهلها؛ كل ذلك مما يوجب الفرج، وكل عمل صالح يكشف الله - تَعَالَى - به عن الإنسان مَضرَّة، ويزيل به بلاء، فينبغي للمرء أن يبذل وسعه في إدراك هذه الأسباب.

وفي الجملة كل هذه الأسباب ترجع إلى معنى واحد؛ وهو حجم الصلة بالله - عَزَّ وَجَلَّ - ، وتقواه - جَلَّ وَعَلا - ، وبه يدرك الإنسان جميل المخرج، وكريم الفرج، فالرب يعطي على القليل الكثير سبحانه وبحمده

المقدم: سبحانه وبحمده، شكر الله لك، وبارك الله فيك فضيلة الشيخ على ما أجدتم به في هذه الحلقة، ونسأل الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - أن يجعل لنا من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ونسأله - جَلَّ وَعَلا - أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، شكر الله لك، كتب الله أجرك فضيلة الشيخ الدكتور خالد المصلح؛ أستاذ الفقه بجامعة القصيم، شكرًا جزيلًا فضيلة الشيخ.

الشيخ: وشكر الله لكم، والإخوة المستمعين والمستمعات، وأسأل الله - تَعَالَى - كما دعوت الله بالفرج من كل كرب، أن يفرج عنا كل ضائقة، وأن يلحقنا كل سعادة، وأن يديم علينا الأمن والإيمان والسلامة والإسلام وأن يحفظ بلادنا من كل سوء وشر، وسائر بلاد المسلمين، وأن يوفق ولاة أمرنا إلى ما يحب ويرضى، وأن يعينهم وأن يسددهم في الأقوال والأعمال، وأن ينصر جنودنا المقاتلين، وأن يذب عن بلادنا كل مكروه، وأن يرينا في أنفسنا ومن نحب كل ما يسر، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.555

 

المادة السابقة
المادة التالية

مواد تم زيارتها

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف