الاربعاء 21 رجب 1442 هـ
آخر تحديث منذ 2 ساعة 18 دقيقة
×
تغيير اللغة
القائمة
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو Hausa
الاربعاء 21 رجب 1442 هـ آخر تحديث منذ 2 ساعة 18 دقيقة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأعضاء الكرام ! اكتمل اليوم نصاب استقبال الفتاوى.

وغدا إن شاء الله تعالى في تمام السادسة صباحا يتم استقبال الفتاوى الجديدة.

ويمكنكم البحث في قسم الفتوى عما تريد الجواب عنه أو الاتصال المباشر

على الشيخ أ.د خالد المصلح على هذا الرقم 00966505147004

من الساعة العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهرا 

بارك الله فيكم

إدارة موقع أ.د خالد المصلح

×

لقد تم إرسال السؤال بنجاح. يمكنك مراجعة البريد الوارد خلال 24 ساعة او البريد المزعج؛ رقم الفتوى

×

عفواً يمكنك فقط إرسال طلب فتوى واحد في اليوم.

مرئيات المصلح / برامج المصلح / الدين والحياة / الحلقة (174) من فضائل ذكر الله

مشاركة هذه الفقرة

الحلقة (174) من فضائل ذكر الله

تاريخ النشر : 16 جمادى أول 1441 هـ - الموافق 12 يناير 2020 م | المشاهدات : 366

المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم مستمعينا الكرام في كل مكان السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نحيكم تحية طيبة، طبتم وطابت أوقاتكم وأهلا جميعًا بكم في هذه الحلقة لبرنامج الدين والحياة عبر أثير إذاعة نداء الإسلام من مكة المكرمة.

حياكم الله مستمعينا الكرام في بداية هذه الحلقة لبرنامج الدين والحياة عبر أثير نداء الإسلام من مكة المكرمة والتي نستمر معكم فيها على مدى ساعة كاملة بمشيئة الله تعالى في بداية هذه الحلقة تقبَّلوا تحياتي محدثكم وائل حمدان الصبحي، ومن الإخراج سالم بالقاسم، وياسر زيدان.

مستمعينا الكرام نسعد ونشرف بضيف حلقات برنامج الدين والحياة فضيلة الأستاذ الدكتور الشيخ خالد المصلح، أستاذ الفقه بجامعة القصيم السلام عليكم فضيلة الشيخ وأهلا وسهلا بك حياك الله.

الشيخ:- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، مرحبا بكم أخي وائل وأسأل الله أن يجعلنا وإياك من المباركين

المقدم:- بمشيئة الله تعالى مستمعينا الكرام سيكون حديثنا اليوم عن أزكى الأعمال وخير الخصال وأحبها إلى الله –تبارك وتعالى- ألا وهو ذكر الله.

ابتداء فضيلة الشيخ ونحن نتحدث عن ذكر الله –تبارك وتعالى- عن أزكى الأعمال وخير الخصال، وأحبها إلى الله –تبارك وتعالى- نريد أن نتحدث ابتداء عن فضل ومكانة الذكر في ديننا الإسلامي من كتاب الله –عز وجل- ومن سنة نبيه الأكرم عليه الصلاة والسلام.

الشيخ:- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته تحيةً طيبة للإخوة والأخوات المستمعين والمستمعات نسأل الله تعالى أن يجعل هذا اللقاء لقاء نافعًا مباركًا.

الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد..

حديثنا اليوم عن عمل ينتظم كل العبادات بمفهومه العام وهو ذكر الله –عز وجل- الله الذي نتحدث عن ذكره، هو المتفضل علينا بالحياة والوجود، الله الذي نتحدث عن ذكره هو الذي لا ننفكُّ عن إحسانه لحظة من اللحظات فهو الذي نتقلَّب في إنعامه صباحًا ومساءًا، يقظة ومنامًا، فهو -جل في علاه- الذي تابع علينا الإحسان وتوالى علينا الفضائل والأنعام، فذكره -جل في علاه- لا يغيب عن قلب حيٍّ، قلب مبصرٍ لعظيم صفاته وجليل أفعاله وكريم عطاياه –سبحانه وبحمده-.

ذكر الله أيها الإخوة والأخوات يشمل معنيين أو يطلق على أمرين:

 على معنى عامٍّ يشمل كل أعمال العبادات من صيام وصلاة وزكاة وحج وقراءة القرآن وبرٍّ الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى الجيران، وأداء الأمانة بإعطاء كل ذي حق حقَّه كل هذا من ذكر الله؛ لأنه لا يفعله الإنسان إلا وهو ذاكرٌ لله –عز وجل- ،يرجو رحمته ويخشى عذابه، يفعله رغبة ورهبةً الصلاة والزكاة والصوم والحج وتلاوة القرآن وبرِّ الوالدين وصلة الأرحام وإكرام الجيران وأداء الأمانات يصدر عن قلب حيٍّ، قلب يسعى إلى رضا ربه -جل في علاه-، فهو ذاكر لله –عز وجل-

هذا مفهومه العام فكل ما تكلَّم به اللسان وتصوره القلب مما يقرب لله –عز وجل- من تعلم العلم وتعليمه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسائر أنواع العبادات والقربات هي من ذكر الله –عز وجل- هذا هو المعنى العام لذكر الله.

ولهذا ذكر الله جل في علاه في هذا المفهوم يشمل كلَّ أنواع العبادات وصنوف الطاعات والقربات حتى ترك المحرمات هو مما يذكر فيه الله –عز وجل-؛ لأنه إنما يكفُّ نفسه عن هذه المحرَّمات لأنه يذكر الله –عز وجل- ويستحضر جلالَه وعظمته وعقوبته وأخذَه جل في علاه، فهذا المعنى العام الشامل لذكر الله –عز وجل- الذي ينتظم كلَّ تصرفات الإنسان، فلا يخلو عنه لحظة من لحظاته مادام أنه في عبادة ربه –جل وعلا- في فعل ما أمر وفي ترك ما نهى عنه وزجر.

ثمة معنى خاصٌّ بذكر الله –عز وجل- وهو الذكر الذي يتعلَّق بعمل اللسان واشتغال اللسان بتسبيح الله تعالى وتحميده وتمجيده وتنزيهه وتقديسه وتكبيره وتوحيده وتلاوة كلامه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعلُّم العلم وتعليم العلم، كل هذا أيضًا من ذكر الله الخاص الذي يتعلق بعبادة هذا اللسان الذي يتكلم به الإنسان.

الآن أنا عندما أتحدث عن هذا الموضوع فأنا في ذكر، والذين يستمعون إلينا ويشاركون معنا أيضًا هم في ذكر بالنظر إلى هذا ذكر خاص وهو ذكر اللسان.

إذًا الذكر بمفهومه العام ينتظم كلَّ أعمال الطاعات والقربات، وبمفهومه الخاص يتعلق بما يقوم به الإنسان من ذكر الله تعالى بلسانه وهو المراد بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا يزالُ لسانُك رطبًا بذِكرِ اللَّهِ» [سنن الترمذي:3375، سنن ابن ماجه:3793. وإسناده صحيح] فهذا ذكر بمعناه الخاصّ الذي يتعلق بعمل اللسان وحركته، فهؤلاء يذكرون الله تعالى بأسمائه وصفاته، ومجده وما له من الكمالات –سبحانه وبحمده-، وهذا المعنى هو الذي أشار به النبي –صلى الله عليه وسلم- على الصحابي الذي سأله، فقال: يا رسول الله إن شرائع الإسلام كثرت علي يعني الأعمال وأنواع الذكر والعبادات العملية كثرت علي فأخبرني بشيء أتشبث به يعني ألزمه ولا أنفك عنه بحال من الأحوال، فقال له: النبي –صلى الله عليه وسلم-: «لا يزالُ لسانُك رطبًا بذِكرِ اللَّهِ» أي لا يجفُّ لسانك عن ذكر الله –عز وجل-، فإن دوام ذكره –سبحانه وبحمده- هو من موجبات عطائه، ومن موجبات إحسانه، ومن أعظم المعينات على تحقيق مرضاته –سبحانه وبحمده-.

إذًا هذا المعنى هو الذي سنتحدث عنه، معنى الذكر بمفهومه الثاني، وهو الذكر باللسان، وأما الذكر بمفهومه العام فهذا الذي يشتغل به عبادُ الله وأولياؤه الصالحون، في كل أحوالهم كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ آل عمران: 191   هذا لا ينفكُّ عنه الإنسان في حال من الأحوال، إذا كان قائمًا بطاعة الله –عز وجل- مشتغلًا بمرضاته، فإنه ذاكر حتى ولو كان لسانه متوقفًا عن تسبيح الله، وتمجيده، وتقديسه.

نتحدث أيها الإخوة والأخوات عن وصية النبي –صلى الله عليه وسلم- للرجل، الذي قال: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرُت علي فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: «لا يزالُ لسانُك رطبًا بذِكرِ اللَّهِ» فلا إله إلا الله، والحمد لله، وسبحان الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وسائر ما يكون من أذكار اللسان، تعلم العلم، وتعليمه، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو ما نتحدث عنه في هذه الحلقة.

إذًا من هذه المقدمة التي بيَّنا فيها معنى ذكر الله –عز وجل-، وما يتعلق بمقصودنا بذكر الله، ننطلق في الحديث عن فضائل ذكر الله.

أولًا:- ذكر الله –عز وجل- أمرَ الله تعالى به في كتابه في مواضع عديدةٍ، والملاحظ أن الله تعالى عندما أمر بذكره في كتابه –جل وعلا- كان أمره بهذه العبادة على وجه الخصوص مقرونًا ومقيَّدًا بكثرة ذلك، ولم يأمر به مجرَّدًا عن هذه الصفة، إلا في مواضع محدودة، أما أكثر ما ورد من النصوص التي أمر الله تعالى فيها بذكره، هي نصوص تتعلق بالذكر كثيرًا، قال الله –جل وعلا-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ الأحزاب: 41- 42 ، بل إن الله تعالى أمر بذكره في ختم العبادات العملية التي يتقرَّب فيها الناس بأنواع من العبادات.

فمثلًا في الحج قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ البقرة: 198   ثم يأتي تأكيد لهذا المعنى وصفة هذا الذكر المأمور به، يقول: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ البقرة: 200   ويقول: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ البقرة: 203 ، ويقول: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ البقرة: 239   ويقول –جل وعلا-: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ النساء: 103   ويقول في حال القتال والتهيؤ لمغالبة أعداء الله –عز وجل-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ الأنفال: 45   ثم يأتي الأمر بالذكر مطلقًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ الأحزاب: 41   وبعد العبادة والطاعة المتكررة أسبوعيًا لصلاة الجمعة يقول: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ الجمعة: 10 .

ولاحظ في جميع هذه النصوص، أن الله عندما أمر بالذكر، أمر به كثيرًا، ولم يأمر به مُطلقًا، أو دون تقييد بالكثرة، والسبب في هذا أن الذكر مما يسوِّق حياة الإنسان على نحو يتحقق به له سعادةُ الدنيا وفوز الآخرة، فبقدر ما مع الإنسان من ذكر مولاه، من ذكر ربه، من ذكر الله –عز وجل- يتحقق له سعادة الدنيا، تتحقق له آماله، ويبلغ ما يؤمِّله من خير الدنيا والآخرة، ولهذا كان من هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه يذكر الله في كل أحيانه.

وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- «يذكر اللهَ على كلِّ أحيانه» [علقه البخاري بصيغة الجزم 1/407 في باب: تقضي الحائضُ المناسك كلَّها إلا الطواف بالبيت، وأخرجه مسلم في صحيحه:373/117] ، وذلك ليس بغريب إذا عرفنا الآثارَ والثمار والفضائل المترتبةَ على ذكر الله –عز وجل-.

 وأنبه إلى أنه الذكر كثيرًا ما يأتي في خاتمة الأعمال الصالحة، لأجل ألا يظن الإنسان أنه بفعله للطاعات، وقيامِه بما أمر به يكون قد فرغ من حقِّ الله –عز وجل- وانتهى من صالح العمل.

ذكر الله تعالى، كما مر معنا قبل قليل، يكون في أدبار الأعمال الصالحة، في أدبار الحجِّ، في أركان الإسلام، الصلاة تُشرع بعدها الذكر، ختم الله تعالى هذه الأعمال الصالحة المتنوعة بذكره -جل في علاه- لئلا يُفهم أن فعل هذه الطاعات ينقضي به حق الله تعالى، بل حقُّه جل في علاه لا يدرِك العبادُ إيفاءه، وإنما عليهم أن يبذلوا جهدَهم في طاعة الله –عز وجل- والله كريم منَّان، يعطي على القليل الكثير ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ الأحزاب: 35 .

وذكر الله -جل في علاه- مما يحصل به الفلاح والنجاح، ولهذا لما نهى الله تعالى المؤمنين عن الانتهاء عن ذكره بيَّن أن ذلك من أسباب فسادهم، إذا التهوا عن ذكره، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ المنافقون: 9   أي تلهيه أمواله وأولاده عن ذكر الله فيشتغل بالأموال والأولاد ومتع الحياة عن ذكر الله –عز وجل- فأولئك هم الخاسرون.

 ما الذي خسروه؟ خسروا سعادة الدنيا، وخسروا السبق إلى كل خير في الدنيا والآخرة؛ فإن ذكر الله جل في علاه يوجب للعبد ويثبت له فضائل عديدة، أعظم ذلك معيَّةُ الله جل في علاه، فإن العبد إذا ذكر الله ذكره الله، وهذا إضافة للمعية ذكره جل في علاه، يقول النبي –صلى الله عليه وسلم- فيما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة يقول الله تعالى: «أنا عند ظن عبدي بي » [صحيح البخاري:7405، صحيح مسلم:2675/2] يقول الله: أنا لك كما تظن بي فأحسن الظن به، وإياك والاغترارَ بنفسك، أو الاغترار بما يكون من عملك، بل أحسن الظن بربك.

فإن الله لك كما تظن فيه جل في علاه، أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني انتبه لهذا، الله معك مادمت ذاكرًا له، ومن كان الله معه كان له سعادة الدنيا وفوز الآخرة، كانت له الطمأنينة، كان له الأمن، كان له إدراكُ المطالب، كان له كل ما يؤمِّله من الخيرات، وأنا معه إذا ذكرني، ثم الله تعالى يتفضل على عبده بأن يذكره إذا ذكره العبد قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ البقرة: 152   وقد قال النبي –صلى الله عليه وسلم- في بيان مراتب ذكر الله لعبده، قال: فإذا ذكرني في نفسه، قال: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، أذكاره فيما بينه وبين نفسه مما يوجب ذكر الله له.

 الله أكبر عطاءٌ جزيل ومنٌّ كبير، وفضل عظيم أن يذكرك الله تعالى في نفسه، إذا ذكرت الله في نفسك، كنت قد نلت وفُزت بما ذكر الله تعالى من أنه يذكرك في نفسه –سبحانه وبحمده-.

وإن ذكرني في ملأٍ يعني في جمع، ذكرته في ملأٍ خير منه، ولم يذكر في ذلك أن يكون الملأ قليلًا أو كثيرًا، واحدًا أو ملايين، فالله تعالى تفضَّل على العبد بأن يذكره في ملأ خير من الملأ الذي ذكر الله تعالى فيه.

ولهذا يا إخواني ويا أخواتي، ينبغي لنا ألا تفوتَنا هذه الفضيلة، فضيلة ذكر الله فإنها توجب معيتَه، فضيلة ذكر الله أنها توجب أن الله تعالى يذكره –سبحانه وبحمده-، إن ذكرت الله في نفسه، ذكرك الله تعالى في نفسه، وإن ذكرت الله تعالى في جمع وملأ وناس، ذكرك الله تعالى في ملأ وفي جمعٍ خيرٍ من الملأ الذي ذكرت الله تعالى فيه.

أيها الإخوة والأخوات، إن ذكر الله تعالى يوجب كمالَ العقل، وهذا معنى يخفى على بعض الناس، نظنُّ أن ذكر الله لا يؤثِّر على الإنسان في قوة عقله، وحضور ذهنه، وصفاءِ قلبه، واكتشاف الحقائق له، ذكر الله يحقق هذه المعاني ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾ آل عمران: 190   من هم أولو الألباب؟ من هم أصحاب العقول والبصائر والأفهام؟ ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ آل عمران: 191   على اختلاف أحوالهم وليس في القيام والقعود فقط، بل على جنوبهم في جميع أحوالهم يستوعبوا جميعَ أحوالهم،  لا يخلو من حال من هذه الأحوال الثلاثة، إما أن يكون قائمًا، وإما أن يكون قاعدًا، وإما أن يكون على جنب مضجعًا أو مستلقيًا ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ آل عمران: 191   وهذا هو حال سيد الورى –صلى الله عليه وسلم- الذي كشف الله له العلوم وبصَّره –جل وعلا- بما لا يدرك أحد من الخلق كثرة ذكره لربه.

كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يذكر الله في كلِّ أحواله، إن القلب يعتريه من الكسل، يعتريه من الغفلة، يعتريه من الفتور، ما يكون مُوجبًا لضعفه، فإذا ضعُف القلب، انعكس الضعف على عمل البدن، انعكس هذا الضعف على اللسان، انعكس هذا الضعف على الفهم والإدراك، انعكس هذا الضعف على مسير الإنسان في طريقه وسلوكه الصراط المستقيم، لكن إذا اشتغل بالذكر كان ذلك عونًا له، كان كالوقود الذي تسيَّر به المراكب، وتقطع به المفاوز، ولهذا القلب الذاكر يعان ويبصر ويقوى ويدرك من الخيرات ما ليس له على بال.

ولهذا جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «سبَق المُفرِّدونَ لم يذكر النبيُّ –صلى الله عليه وسلم- إلى أي شيء سبق؟، لكن هذا الذهاب للمسبوق إليه يشمل كل أنواع السبق، إذا لم يُذكر المفعول كان هذا من دلائل العموم، كما هو معلوم في قواعد الأصول، أن عدم ذكر المسبوق إليه، أو العمل مفعول الفعل يدل على العموم، سبق المفردون لم يذكر النبي –صلى الله عليه وسلم- إلى أي شيء سبقوا، هل سبقوا إلى سعادة دنيا؟ هل سبقوا إلى مثوبةٍ؟ هل سبقوا إلى خيرٍ معين؟ لم يبين النبي –صلى الله عليه وسلم- ذلك، بل قال: «سبق المفردون».

فدل هذا على أنهم يسبقون في كل أبواب الخير، يسبقون إلى كل ما يُرغب، يسبقون إلى كل سعادة، يسبقون إلى كل فوز، يسبقون جميع الخلق سبق المفردون «قالوا: يا رسولَ اللهِ ما المُفرِّدونَ؟ قال: (الذّاكرونَ اللهَ كثيرًا والذّاكراتُ)» » [صحيح مسلم:2676/4] هذا الحديث الكريم الشريف بين ما يدركه الإنسان بكثرة ذكره لربه جل في علاه، أنه يسبق إلى الأجر، يسبق إلى الخير، يسبق إلى الفضل، يسبق إلى كل ما يكون من خيرات الدنيا والآخرة، ولهذا لما جاء الصحابة إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- وهم من فقراء الصحابة رضي الله تعالى عنهم قالوا: «يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور والدرجات العلا» وبينوا ذهابهم فقال: يصلون كما نصلي، أهل الدثور يقصد بهم الأغنياء وأصحاب الأموال.

قالوا يا رسول الله: «ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بالأُجُورِ، يُصَلُّونَ كما نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كما نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بفُضُولِ أَمْوالِهِمْ، قالَ: أَوَليسَ قدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ ما تَصَّدَّقُونَ؟ إنَّ بكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بالمَعروفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عن مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وفي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، قالوا: يا رَسولَ اللهِ، أَيَأتي أَحَدُنا شَهْوَتَهُ وَيَكونُ له فِيها أَجْرٌ؟ قالَ: أَرَأَيْتُمْ لو وَضَعَها في حَرامٍ أَكانَ عليه فِيها وِزْرٌ؟ فَكَذلكَ إذا وَضَعَها في الحَلالِ كانَ له أَجْرٌ.» » [صحيح مسلم:1006/53من حديث أبي ذر] هذا الحديث الشريف، يبين عظيم الأجر الحاصل للذاكرين الله تعالى وأنهم يسبقون غيرهم، ويدركون ما حصل به لغيرهم السبق، إذا صدقوا في طلب ما عند الله –عز وجل-.

وكذلك في حديث آخر بين لهم النبي –صلى الله عليه وسلم- أنهم يدركون السبق ويدركون من سبقهم اشتغل بعمل صالح من مال وصدقة ونحو ذلك بالأذكار التي تكون بعد الصلوات من تسبيح سبحان الله والحمد لله والله أكبر، وختم ذلك إما بالتكبير أو بلا إله إلا الله يدركون به من سبقهم ولا يكون أحدٌ كهم إلا من عمل مثل عملهم، وقام بمثل ما قاموا به، جاء ذلك فيما رواه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أن فقراء المسلمين أتوا رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، «فَقالوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بالدَّرَجاتِ العُلى، والنَّعِيمِ المُقِيمِ، فَقالَ: وَما ذاكَ؟ قالوا: يُصَلُّونَ كما نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كما نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلا نُعْتِقُ، فَقالَ رَسولَ اللهِ ﷺ: أَفلا أُعَلِّمُكُمْ شيئًا تُدْرِكُونَ به مَن سَبَقَكُمْ وَتَسْبِقُونَ به مَن بَعْدَكُمْ؟ وَلا يَكونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنكُم إلّا مَن صَنَعَ مِثْلَ ما صَنَعْتُمْ قالوا: بَلى، يا رَسولُ اللهِ قالَ: تُسَبِّحُونَ، وَتُكَبِّرُونَ، وَتَحْمَدُونَ، دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ مَرَّةً قالَ أَبُو صالِحٍ: فَرَجَعَ فُقَراءُ المُهاجِرِينَ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ، فَقالوا: سَمِعَ إخْوانُنا أَهْلُ الأمْوالِ بما فَعَلْنا، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فَقالَ رَسولِ اللهِ ﷺ: ذلكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ»» [صحيح البخاري:843، مسلم:595/142. واالفظ لمسلم]

المقصود أن قوله –صلى الله عليه وسلم- سبق المفرِّدون شامل إلى كل سبق، إلى كل خير، إلى كل برٍّ، إلى كل سعادة، إلى كل أجر، إلى كل مثوبة في الدنيا والآخرة، فجدير بكل من رغب فيما عند الله –عز وجل- أن يشتغل بذكر الله –عز وجل- وأن يأخذ بهذه الوصية النبوية التي يدرك بها السبق والفضل والخير، لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله.

المقدم:- جميل، اسمح لي فضيلة الشيخ أن نذهب إلى فاصل، بعده بمشيئة الله تعالى نستكمل الحديث حول فضائل ذكر الله –تبارك وتعالى- وبعد الفاصل بمشيئة الله تعالى، سنتحدث حول الآثار الطيبة التي يجدُها المسلم في حياته من ذكره لله –تبارك وتعالى-، وأيضًا سنعرض بمشيئة الله تعالى إلى جملة من النقاط الأخرى.

فضيلة الشيخ تحدثنا قبل الفاصل، كمقدمة عن ذكر الله –تبارك وتعالى- وعن فضل ذكر الله –تبارك وتعالى- ،وأوردنا جملةً من أحاديث النبي عليه الصلاة وأفضل التسليم، المتعلقة بذكر الله –تبارك وتعالى- نريد أن نتحدث فضيلة الشيخ عن الأثر الطيب الذي يجده الإنسان المسلم في حياته من ذكر الله –تبارك وتعالى- ما هو الأثر الذي يجده الإنسان في حياته من ذكر الله –عز وجل-؟

الشيخ:- أخي الكريم أيها الإخوة والأخوات، ذكر الله تعالى يظهر تحليله للعبد أبواب من الخير والبر، والثواب العاجل قبل الآجل.

 ولمحة موجزة إلى النصوص التي وردت في ذلك تبين أن فضيلة الذكر لا تقتصر على الأجور في الآخرة، بل يدرك الإنسان منها جزاء عاجلًا في دنياه، فقد قال النبي –صلى الله عليه وسلم- في بيان معنى المجمل الذي يدرك به الإنسان فضائل الذكر على وجه العموم، ويجملها قوله –صلى الله عليه وسلم- فيما روى البخاري من حديث أبي موسى الأشعري قال: «مَثَلُ الذي يَذْكُرُ رَبَّهُ والذي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الحَيِّ والمَيِّتِ».» [صحيح البخاري:6407، صحيح مسلم:779/211]

إذا أنت تعرف جُماع ما تدركه بذكر الله تعالى من فضائل، أنصت إلى هذا الحديث، تأمَّل هذا المثل، الذي ذكره النبي –صلى الله عليه وسلم-، الذي يقرب ما يدركه الإنسان بذكر الله –عز وجل-، أنه يدرك بذكر الله الحياة الحقيقية، الفرق بين الذي يشتغل بذكر الله بقلبه وبلسانه وبجوارحه، والذي يغفل عن ذكر الله –عز وجل- في قلبه وفي لسانه وفي جوارحه، أن الذاكر حيٌّ، والغافل ميت «مَثَلُ الذي يَذْكُرُ رَبَّهُ والذي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الحَيِّ والمَيِّتِ» أي كصفة الحي والميت.

وشتان بين من تدبُّ فيه الحياة، ويسعى في مصالح معاشه، أو مصالح معادِه، وبين من انقطع أجله، وأصبح جثةً هامدة، بل هو في الحقيقة يعني عبءٌ على من حوله، يسعون إلى مواراته حتى يوفُّوه حقَّه، وإلا فهو لا حراك منه، ولا نفع منه فهذا مفارقةٌ روحه بدنه.

هذا المثل يبين لنا جُماع ومجموعَ ما يكون من الفوائد والمنافع التي يدركها الإنسان بذكر الله –عز وجل-.

 إن ذكر الله تعالى يوجب الحياة الطيبة، ذكر الله –عز وجل- سبب لذهاب المخاوف وتبديدها وحصول الأمن والاطمئنان، والانشراح والبهجة والسرور، والحياة الطيبة، الحياة السعيدة يقول الله تعالى:﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ ٢٨﴾ [الرعد:28]

وكلما زاد العبد ذكرًا لله –عز وجل- نال من الطمأنينة وانشراح الصدر، واطمئنان الفؤاد، وذهاب الهم، واكتشاف الغم، وزوال المكروه ما يسعد به قلبه، وتسكن روحه وتتحقق له به الحياة الطيبة.

إذًا كمال الحياة في ذكر الله –عز وجل-، طمأنينة القلوب وانشراحها وبهجتها في ذكر الله تعالى ﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ الأنعام: 125   القلوب في غاية الفقر إلى ما يطمئنها، وإلى ما يسعدها، وإلى ما تُدرك به الراحة والانشراح والبهجة والسرور.

فالقلب مضطرٌ إلى محبوبه الأعلى، فلا يغنيه عنه حب ثاني، قلب الإنسان مضطر إلى ربه الذي خلقه والذي أنعم عليه لا يمكن أن يقر قلب الإنسان بتعلقه بغيره –جل وعلا-.

ولذلك ابن القيم –رحمه الله- يقول:

فالقلب مضطر إلى محبوبه الـ      ...   أعلى فلا يغنيه حب ثان

وصلاحه وفلاحه ونعيمه(أي صلاح القلب وفلاح القلب ونعيمه)

 

                            ...     تجريد هذا الحب للرحمن

، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بكثرة ذكره، واللجأ إليه والتفكر في آلائه، والاعتصام به

فإذا تخلى منه أصبح حائرا...ويعود في ذا الكون ذا هيمان [نونية ابن القيم:ص358]

لهذا من المهم أن يستحضر الإنسان هذا المعنى، أنه بذكر الله –عز وجل- يجلب الخيرات، وبذكر الله –عز وجل- يدفع عن نفسه كل مساءه ومكروه، ذكر الله أيها الإخوة والأخوات من أسباب ثبات القلوب، ومن أسباب الهداية للحق والتمسك به، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ الأنفال: 45 .

ولهذا لما ينزل بك مكروه اخشع إلى ذكر الله، عندما تنزل بك مصيبة إلجأ إلى الله –عز وجل- أكثر من ذكره –سبحانه وبحمده-، عندما تتوقع مكروهًا ليكن لسانك رطبًا من ذكر الله –عز وجل-، فإن ذلك يثبِّت قلبك ويفتح لك أبواب الهداية، ويدفع عنك كل ما يلقيه الشيطان من مخاوف ووسواس تقعد بك عن الصالحات، وتورِّطك في السيئات، ولهذا ينبغي ألا يغفل الإنسان عن ذكر الله –عز وجل- فإنه يقوى به القلب ويحيى ويطيب ويطمئن ويسكن، كما أنه حصن، ذكر الله حصن يلجأ إليه الإنسان من كيد الشيطان، وأذاه وتسلطه وشره، فإن الشيطان يستحوذ على القلب الغافل، يتمكن من القلب الخالي من ذكر الله –عز وجل-.

وإذا ذكر العبد ربَّه هرب الشيطان من ذكر الله –عز وجل- ولهذا الشيطان عند الأذان يهرب كما جاء في الصحيح أن الشيطان إذا نودي للصلاة وهي من أعظم مظاهر ذكر الله قولًا وعملًا وقلبًا فرَّ الشيطان، ولَّى كما قال النبي –صلى الله عليه وسلم- «ولَّى وله ضُراطٌ» [صحيح البخاري:608، مسلم:389/84] ، أي يصدر من الأصوات المكروهة والكريهة ما يتخلص به من سماع ذكر الله –عز وجل-.

فلهذا الشيطان يَهرب من ذكر الله ويخنس ويضمحل، فالزم بذكر الله –عز وجل- فإنه من موجبات قوِّتك وثباتك، وهدايتك وتوفيقك ووقايتك، عدوك المرصد الذي لا يتركك في حال، إلا بالاعتصام بالله –عز وجل- ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ يونس: 62   وقد قال الله تعالى في تمكن الشيطان من الإنسان: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ المجادلة: 19   إذا نسيت ذكر الله وغفلت عنه، تمكَّن الشيطان من قلبك حتى يستحوذ عليك، فيأخذك أخذًا تامًّا ويتمكن منك تمكنًا كبيرًا، فلا تنفك من كيده ومكره وأذاه، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ النحل: 99   أي ليس له سلطان على أولياء الله تعالى، فالإنسان بقدر ما يحقق من اللجوء إلى الله، وكثرة الذكر والفزع إليه –سبحانه وبحمده- يأمن من كيد الشيطان.

وتذكر هذه الآية الكريمة ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ النحل: 99   وإنما يكون الإيمان والتوكل ممن لم يغفل عن الله، ممن عمر قلبه بذكر ربه –جل وعلا- إن الشيطان ليس له حجة ولا تسلط ولا أذى، لكل مؤمن قد فوَّض أمره إلى الله واشتغل بذكره –سبحانه وبحمده-.

هذه جملة من الآثار التي يدركها الإنسان بذكره لربه جل في علاه، ويفوز فيها بما يؤمله من عطائه وجزيل إحسانه –سبحانه وبحمده-

إذا أذنت ننتقل إلى ذكر أنواع الذكر الله –عز وجل- باللسان حتى نكون على بصيرة من أنواع الذكر التي بها يدرك الإنسان هذه المعاني، وهذه الفوائد ويدرك هذه الفضائل التي تقدم ذكرها.

المقدم:- اسمح لي فضيلة الشيخ أن ننتقل إلى فاصل قصير جدًا بعده بمشيئة الله تعالى، نستكمل حديثنا حول أنواع الذكر كما تفضلتم.

فضيلة الشيخ نستكمل حديثنا الذي بدأناه ونريد أن نتكلم في هذه الدقائق، لم يتبق لنا حقيقةً وقتٌ طويل جدًا، وبقي لنا تقريبًا ثلاث نقاط سنتحدث عنها، عن أنواع الذكر ومن ثم سنتحدث حول الحكمة من تكرار الندب لذكر الله –تبارك وتعالى- والأمر بذكر الله –تبارك وتعالى- في القرآن الكريم، وأيضًا في ختام حديثنا نريد أن نتحدث عن جملة من الأذكار التي نُدب إليها المسلم في اليوم والليلة.

الشيخ:- هو أخي الكريم النقطة الأخيرة مع هذه النقطة يمكن أن ندمجها في نقطة واحدة مراعاة للوقت، ذكر الله تعالى نوعان: - مطلق.

- ومقيد هذا ما يتعلق بأنواع الذكر الذي يشتغل بها الإنسان.

ذكر مطلق وهو ما يكون في كل زمان وفي كل حال، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ آل عمران: 191   وهذا الذي ندب إليه النبي –صلى الله عليه وسلم- بفعله حيث كان يذكر الله في كل أحيانه، وهو أيضًا الذي ندب إليه –صلى الله عليه وسلم- للذين قالوا: ذهب أهل الدثور بالأجور فقال النبي –صلى الله عليه وسلم-:« كل تسبيحه صدقة، وكل تحميده صدقة، وكل تكبيره صدقة».

هذا الذكر المطلق، الذي لا يتقيد بعدد ولا بحال، ولا بوقت، بل يكون في كل الأحوال، وفي كل الأحيان سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله اكبر، ومنه:« أحب الكلام إلى الله أربع وذكر النبي –صلى الله عليه وسلم- سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» [مسلم في صحيحه:2137/12] ، ومنه قوله:« سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم فإنهما تملأ ما بين السماء والأرض» [أخرجه مسلم في صحيحه223/1. ولفظه:وسبحان الله والحمد لله تملآن - أو تملأ - ما بين السماوات والأرض] ،وما إلى ذلك من أشياء كثيرة التي لا تتقيد الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

تلاوة القرآن، تعلُّم العلم، تعليم العلم، كل هذا من الذكر، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كل هذا من ذكر الله –عز وجل- المطلق.

ذكر مقيَّد وهو ما جاء من الأذكار التي تكون في أحوال، وتكون في أحيان، وتكون في أوقات، يندب إليها دون سائر الزمان أو الوقت، ومنه أذكار الصباح والمساء على سبيل المثال، فإن أذكار الصباح والمساء من الأذكار المقيَّدة التي ندب إليها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكان –صلى الله عليه وسلم- إذا فرغ من صلاته صلاة الفجر، مكث في مصلاه يذكر الله تعالى حتى ترتفع الشمس حسنًا [صحيح مسلم:650/287من حديث جابر بن سمرة t] ، كذلك ذكره –صلى الله عليه وسلم- في المساء وقد أمر الله تعالى بذلك في قوله:﴿وَسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗوَأَصِيلًا ﴾ [الأحزاب:42] ، فذكر الله تعالى في الصباح والمساء أشاد الله تعالى به في كتابه، وندب إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سنته.

وهي أوراد كثيرة ينبغي للمؤمن أن يحرص على الإكثار ما استطاع، ويحفظها أو يقرأها من الكتب التي احتوتها وبينتها وفيها خير عظيم، فيها من الثواب والأجر، فيها من الحفظ والصيانة، فيها من الخيرات وإدراك مصالح المعاش والميعاد، فهي مما يسعد به الإنسان ويطمئن، والإنسان يلاحظ العقل البصير يلاحظ الفرق بين اليوم الذي يفتتحه بذكر الله، والمساء الذي يفتتحه بذكر الله، وبين المساء الذي يكون وكذلك الصباح الذي يكون فيه غافلًا عن ذكر الله –عز وجل-.

إذًا الذكر المقيد هو ما قيد بزمان أو قيد بمكان أو قيد بحال فمن تقييد الزمان أذكار الصباح والمساء، من التقييد بالحال أذكار اليقظة والمنام إذا استيقظ الإنسان أن يذكر الله –عز وجل- بأنواع من الذكر:« الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور» [صحيح البخاري:6312] ، ومثله أذكار المساء كقراءة أية الكرسيوقراءة آيات المعوذات: الإخلاص، وسورة الفلق، والناس [سنن أبي داود:8082، سنن الترمذي:3575، قال:حسن صحيح غريب من هذا الوجه] ، والتسبيح والتحميد ثلاثا وثلاثين، والتكبير أربعًا وثلاثين. [صحيح مسلم:596/145]

كل هذه من الأذكار المقيدة التي تكون مقيدة بحال إقبال الإنسان على النوم، سواء ليلًا أو نهارًا، متى ما نام شرع له أن يقول هذه الأذكار.

من الأذكار المقيدة بالأعمال، أذكار أدبار الصلوات من التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل [صحيح الإمام البخاري:597. وفيه:من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمد الله ثلاثا وثلاثين، وكبر الله ثلاثا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال: تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر] وقراءة أية الكرسي [سنن النسائي الكبرى:9848. وفيه:«من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت». صححه الألباني في الصحيحة:2/664] ،وكذلك الإخلاص والمعوذتين [سنن أبي داود:1523. وفيه:«أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَقْرَأَ بِالْمُعَوِّذَاتِ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ»] هذه من الأذكار التي تكون من أدبار الصلوات، وهي مما ينبغي أن يقبل عليه الإنسان؛ لأن فيها أجرًا وثوابًا، وتكميلًا للعبادة ووفاء لحق الله تعالى مما يمكن أن يكون نقصه الإنسان، ولم يبلغ الإنسان إيفاء الله تعالى حقه، لكن يجدُّ ويجتهد فيما شرع من صالح العمل.

إذًا الأذكار المطلقة هي التي يتكلم بها الإنسان في كل أوقاته ولا يتقيد فيها بزمان ولا بمكان ولا بحال ولا بشيء من القيود.

 أما الذكر المقيد فهو ما كان من الذكر الذي يشرع إما بعد عمل، كأذكار أدبار الصلوات، وإما في حال دون حال مثل: أذكار اليقظة وأذكار الاستيقاظ وأذكار المنام وأذكار دخول الخلاء والخروج منها، أذكار دخول البيت والخروج منه، ذكر دخول المسجد والخروج منه، هذه في أحوال أيضًا الذكر في حال الفزع، الذكر في حال الخوف، الذكر في حال الكسل، الذكر في حال كون الإنسان عليه دين ويؤمِّل قضاءه، هذه كلها أذكار مقيدة في أحوال.

كذلك من الذكر ما يكون مقيد بعمل مثل أذكار أدبار الصلوات، أذكار التي تكون بعد الوضوء وإقبال الوضوء كل هذه أذكار مقيدة بأعمال، فالتقييد بالذكر يكون على هذه الصور تقييد بزمان، كأذكار الصباح والمساء، تقييده بحال على نحو ما ذكرنا من أمثلة، تقييده بعمل كما يكون بعد الصلوات ونحو ذلك.

وبقدر ما يكون مع الإنسان من الذكر يفوز بعطاء الله –عز وجل-، وأقول: إن أقل ما ينبغي أن يشتغل به الإنسان من ذكر الله هو الذكر المقيد، هذا الحد الأدنى الذي يكون فيه الإنسان من الذاكرين أن يحافظ على الأذكار التي وردت في سنة النبي –صلى الله عليه وسلم- ولمحة موجزة لهدي النبي –صلى الله عليه وسلم- في الذكر من أن النبي كان يذكر الله تعالى إذا استيقظ، يذكر الله تعالى إذا سمع الأذان، يذكر الله تعالى بين الأذان والإقامة، يذكر الله تعالى في أدباره وفي أدبار صلاته، ثم يذكر الله تعالى بعد الفراغ من صلاة الصبح وكذلك في صلاة العصر، يذكر الله تعالى في دخوله للخلاء وخروجه منه، يذكر الله تعالى في دخوله لبيته والخروج منه، يحرص في مجالسة بين أصحابه أن يكثر من ذكر الله –عز وجل- حتى أنه –صلى الله عليه وسلم- «يُحسب له في المجلس الواحد مائة مرة رب اغفر لي وتب عليَّ إنك أنت التواب الرحيم». [سنن أبي داود:1516، سنن الترمذي:3434. وقال:هذا حديث حسن صحيح غريب]

ويقول –صلى الله عليه وسلم-: «إنه ليُغَان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة» [صحيح مسلم:2702/41] ، هذا التنوع في ذكر الله –عز وجل- مما يطيب به معاش الإنسان ويدرك به خير الدنيا والآخرة.

المقدم: شكر الله لك وكتب الله أجرك فضيلة الأستاذ الدكتور الشيخ خالد المصلح أستاذ الفقه بجامعة القصيم شكرا جزيلا أدركنا الوقت كثيرًا فضيلة الشيخ شكرًا جزيلًا.

الشيخ: بارك الله فيكم وأسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد، وأن يحفظنا من كل سوء وشر، وأن يوفق ولاة أمرنا إلى ما فيه خير العباد والبلاد، وأن يعم الفضل بلاد المسلمين وعامة البشر وصلى الله وسلم على نبينا محمد 

المقدم: عليه الصلاة والسلام، مستمعينا الكرام وصلنا لختام هذه الحلقة من برنامج "الدين والحياة" في نهايتها تقبلوا تحياتي555

مواد جديدة

مواد تم زيارتها

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف