الموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحالموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحالموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحالموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحالموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحالموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحالموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحالموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحالموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحالموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحالموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحالموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحالموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحالموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلح
مناشط دعوية
قبسات
خطب المصلح
الدين والحياة
دروس المصلح
محاضرات
قناتنا الرسمية على الانستجرام
أحداث ومواعيد
تغريدات
نكاح
  • مداعبة أرداف الزوجة
  • هل يجوز مداعبة أرداف الزوجة باليد أو الفم أو المباشرة بالذكر بين الأرداف دون لمس الخاتم أو الإيلاج فيه؟

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله،  وعلى آله وصحبه وسلم.
    أما بعد:
    قد بيَّن الله في قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة: 223] جواز الاستمتاع بالمرأة على أي صفة ما دام أن الجماع لا يكون إلا في الفرج، فيجوز الاستمتاع بالمرأة بين فخذيها ونحو ذلك، ويشهد لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بما تفعله اليهود في اعتزال الحائض وعدم مؤاكلتها أو مجامعتها، فقال صلى الله عليه وسلم: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ». رواه مسلم (302) من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس.

    وقد ذكر جماعة من فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة جواز استمتاع الرجل بما بين الألْيَتَينِ دون الدبُر.

    فما سألت عنه من مسِّ أرداف المرأة والمباشرة بالذَّكَر في ذلك لا بأس به ما لم يخشَ الوقوع في إتيان الدبر فلا يجوز؛ لأن ما كان وسيلة للمحرم فهو محرم. والله أعلم.

    أخوكم/

    أ.د خالد المصلح

    14/03/1425هـ

    التفاصيل
    0
    30020
  • حكم نكاح المتعة
  • ما حكم زواج المتعة؟

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله،  وعلى آله وصحبه وسلم.
    أما بعد:
    نكاح المتعة باطل لا يصح ولا يجوز، وهو أن يتزوج الرجل المرأة لمدة؛ كشهر ونحوه، سواء كانت المدة معلومة أو مجهولة، وعلى هذا عامة الصحابة ومن بعدهم من أهل العلم من أصحاب المذاهب وغيرهم؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة كما جاء في الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر. وفي صحيح مسلم (1406) من حديث سبرة بن معبد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي كُنْتُ قَدْ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ مِنَ النِّسَاءِ، وَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».

    أما ما يترتب عليه من الآثار فلا يترتب عليه شيء؛ لأنه باطل، فالواجب منعه ولو وقع من متأول أو جاهل فرق بينهما. والله أعلم.

    أخوكم/

    خالد المصلح

    14/03/1425هـ

    التفاصيل
    0
    3076
  • حكم إتيان المرأة في دبرها
  • هل يجوز إتيان المرأة في دبرها؟

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله،  وعلى آله وصحبه وسلم.
    أما بعد:
    روى أكثر من اثني عشر صحابيًّا عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريم إتيان النساء في أدبارهن، منهم عمر وعلي وأبو هريرة وحُذيفة وعلي بن طَلْق وطلق بن علي وابن مسعود وجابر وابن عباس وابن عمر والبَرَاء بن عازب وعُقبة بن عامر وأنس وأبو ذر، وهذه الأحاديث وإن كانت لا تخلو من مقال فإن مجموعها كافٍ في إثبات الحكم، ومن أمثلتها حديث ابن عباس مرفوعاً: «لَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَى الرَّجُلِ أَتَى رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا». رواه الترمذي وغيره، والصواب أنه موقوف عليه، وعلى هذا جماهير العلماء من أصحاب المذاهب وغيرهم.

    ومما يُلاحَظ على ذلك أن ما منع لأجله الوطء في الحيض، وهو الأذى، موجود في الدبر، وقد قال الله تعالى في دم الحيض مع كونه عارضًا: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة: 222]. فكيف بالدبر الذي هو محل الأذى الدائم؟! فمنعه من باب أولى.

    أما عقوبته فإن للمرأة التي يجبرها زوجها على ذلك طلبَ الفسخ والفراق، أما المرأة المطاوِعة فإن للحاكم أن يفرق بينهما إذا تواطأا على ذلك.

    أخوكم/

    خالد المصلح

    11/03/1425هـ

    التفاصيل
    0
    2250
  • صفة الرؤية الشرعية
  • ماذا يُباح للخاطب أن يرى من خطيبته؟

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله،  وعلى آله وصحبه وسلم.
    أما بعد:
    لا خلاف بين أهل العلم في إباحة النظر إلى المرأة إذا أراد نكاحها؛ لما في صحيح مسلم (1424) من طريق يَزيد بن كَيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل تزوج امرأة: «أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟» قال: لا، قال: «اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا؛ فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الأَنْصَارِ شَيْئًا».

    وقد اختلفوا في القدر الذي يجوز لها أن تظهِره بعد اتفاقهم على جواز النظر إلى الوجه؛ لأنه مجمع المحاسن، فذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية إلى أنه يجوز لها أن تظهر للخاطب الوجه والكفين إلى الكوعين، أي: مفصل الكف، وأضاف الحنفية القدمين، وأما الحنابلة فرأوا جواز إظهار ما جرت العادة بإظهاره؛ كوجه ويد ورقبة وقدم. ونص بعضهم على أنه يجوز أن ينظر إليها حاسرة، وذهب الظاهرية إلى جواز أن ينظر إلى ما ظهر وما بطن.

    والذي يظهر لي أن ما ذهب إليه الحنابلة أقرب الأقوال للصواب؛ لِما روى أحمد (14176) وأبو داود (2082) من طريق داود بن حُصين، عن واقد بن عبدالرحمن، عن جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ»، فيجوز أن تُظهِر المرأة لمن أراد خِطبتها ما جرت به العادة ولو كانت حاسرة الرأس.

    التفاصيل
    0
    7043
  • حكم الاستمناء
  • يقول بعض العلماء بفطر من استمنى وهو صائم، ويحتجون بحديث «يَدَعُ شَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي». ولكن الله لم يحرِّم جميع الشهوات -كما يقول الشيخ الألباني- وإلا لحكمنا بفطر من اشتهى أن يشَم طِيبًا فاشتمه، أو من قبَّل زوجته أو باشرها ولم يخرج منه شيء، فهذه شهوات، وهي لا تفطر، ولكن الله حرم على الصائم بعض الشهوات التي حددها، والاستمناء لا أجده محددًا بوضوح في هذه الشهوات. وعلى فرض تحريمه كما يقول الكثير من العلماء، فليس كل حرام مفطرًا. أرجو من سماحتكم أن تبينوا لي كيف يستدل العلماء على فطر من استمنى. أحسن الله إليكم.

    ويحتج من يحرم الاستمناء بآية ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ [المؤمنون: 5، 6] الآيةَ، فيقولون: إن الله نفى كل أحد سوى الزوجة وملك اليمين، وعليه حرَّموا أن يستمتع بغيرهما ولو كان مع نفسه. ولكن يتبين لي شيء غريب، يوسوس لي الشيطان أنه يبطل استدلالهم، ولكني لا أستجيز ذلك، فهم علماء وأنا عامي جاهل أمامهم، فمن المعروف أنه يدخل في مسألة حفظ الفرج حفظه من أن يمسه أو أن ينظر إليه أحد سوى الزوجة أو ملك اليمين، فقد يقول أحد: إنه يحرم عليه أن ينظر إلى فرجه قياسًا على ما ذكر، وقد يجاب عن هذا أن نظره لفرجه جائز وأنه لا يوجد نص قطعي يحرمه، وعندها يمكن أن يقال: إنه لا يوجد أيضًا نص قطعي يحرم الاستمناء وإنه أجازه بعض الصحابة. والذي يتبين لي -والله أعلم- أن الآية تتحدث عن العلاقة الجنسية بين شخصين، فهي تمنع هذه العلاقة إلا مع الزوجة وملك اليمين، أما الإنسان مع نفسه فلا أجد فيها ما يفيد ذلك. هذه فقط خواطر قد تكون من الشيطان، أكتبها إليكم عسى أن توضحوا لي الحق وأن تهدوني سواء الصراط. وجزاكم الله خيرًا.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله،  وعلى آله وصحبه وسلم.
    أما بعد:
    ما ذكرته بحديث أبي هريرة هو عُمدة القائلين بالتفطير بالاستمناء، وهو قول أكثر أهل العلم من الفقهاء والمحدثين، أما ما ذكر من اعتراض بأن الشهوة ذات مفهوم واسع فلا بد من تحديد مفرداتها وليس عندنا مما جاء به النص إلا الجماع، فما زاد فلا بد من دليل.
    فالجواب عن هذا: أن المراد بالشهوة شهوة الجماع وما يتصل بها؛ لأنها التي يُمنع منها الصائم، فلا يدخل في ذلك شهوة شم الرياحين وما إلى ذلك لأنه لا مانع منها. أما دخول الاستمناء في الشهوة فيتبين في معرفة أن المقصود في الجماع قضاء الوطر، وقد حكم الشرع بفطر المجامع بمجرد الإيلاج ولو لم يُنزِل ويقضي وطره. فمن حصل له قضاء الوطر دون إيلاج سواء بمباشرة أو استمناء أولى بالتفطير. ولكن لمن فهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله لعمر لما سأله عن القبلة للصائم قال: «أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ بِمَاءٍ وَأَنْتَ صَائِمٌ؟» فقال عمر رضي الله عنه: لا بأس بذلك، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ»، فهل من الفقه أن يسوى بين التقبيل وبين إنزال المني بالاستمناء في كون الجميع مقدمة لا تضر الصائم؟ كيف وقد حصل المستمني على أكثر مما حصل المولج ذكره دون إنزال من قضاء الوطر وبلوغ المقصد. ومقتضى قصر التفطير بالجماع فقط ألا نفطِّر باللواط؛ لأنه مما لم يأتِ به النص، وهذا قول بعيد عن فقه كلام الله وكلام رسوله. والله أعلم.
    وقال بعض العلماء من الحنفية والشافعية والحنابلة: الاستمناء حرام. وعند أكثر أهل العلم أنه مكروه غير محرم، وأكثرهم لا يبيحونه لخوف العنت والمشقة لا لغيرهما، ونقل عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم رخصوا فيه للضرورة؛ مثل خوف الزنى إلا بفعله، ومثل خوف المرض، ومثل ما لو هاجت عليه شهوته ولم يجد سبيلًا لتسكينها إلا ذلك.

    وقد ناقش صاحب أضواء البيان عند تفسيره قوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: 7] قول من أخرج الاستمناء عن دلالة الآية وقال: هذا العموم لا شك من كتاب وسنة.

    والذي يظهر لي أن ما ذكرته في سؤالك إيراد قوي؛ لأن الاستمناء ليس نظيراً لما ذكر في الآية، ولعل هذا هو الذي جعل القائلين بالإباحة من السلف لا يستدلون بها. والله أعلم.

    التفاصيل
    0
    4130
  • ما حكم الدخول على خالة أبي؟
  • ما حكم الدخول على خالة أبي؟

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله،  وعلى آله وصحبه وسلم.
    أما بعد:
    خالة الأب من المحارم؛ لقول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ﴾ [النساء: 23]، وهذا يشمل كل خالة للإنسان، سواء الخالة المباشرة أو من فوقها من خالات الأب أو خالات الأم.

    أخوكم/

    خالد المصلح

    17/02/1425هـ

    التفاصيل
    0
    1548
تفسير
  • تقليب صفحات المصحف ببل الأصبع
  • هل يجوز بَلُّ الإصبع باللسان عند تقليب صفحات المصحف، وذلك لسهولة التقليب بهذه الطريقة؟

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد:
    الظاهر أنه يجوز بَلُّ الأصبع بالريق لأجل تقليب صفحات المصحف؛ لأن الحاجة قد تدعو إلى ذلك ، وليس في ذلك امتهان، وقد أجاز بعض فقهاء الشافعية مسح الألواح التي يُكتَب فيها القرآن بالرِّيق المجتمعِ، وعلَّلوا ذلك بالحاجة وعدم الامتهان، وهذا أشد من بَلِّ الأصابع للتقليب. وقد ذكر بعض فقهاء المالكية تحريم تقليب المصحف ببَلِّ الريق؛ لأنه مُستقذَر مصون عنه القرآن.

    والصواب: أنه لا بأس بذلك إذا دعت الحاجة، والله أعلم.

    أخوكم/

    خالد المصلح

    08/04/1425هـ

    التفاصيل
    0
    2783
  • الأحوال الإعرابية في القرآن
  • بعض الكلمات في اللغة العربية يكون لها عدَّة مواقع إعرابية فيجوز فيها النصب والرفع والجر؛ مثل "سوى" و"غير"، فكيف نقرؤها إذا واجهتنا في القرآن؟ وهل يجوز لنا قراءتها بجميع الحالات بالنصب والرفع والجرِّ أو نلتزمُ حالة معينة؟

    وشكراً لكم.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد:
    فإجابة على سؤالك نقول وبالله تعالى التوفيق:
    تُقرأ كما هي في المصحف؛ لأن الأحوال الإعرابية من النصب أو الجر أو غير ذلك الذي يُعيِّن أحدها هو سياق الكلام. 

    أخوكم/

    خالد المصلح

    التفاصيل
    0
    1452
  • دخول الحمام والمصحف في جيبي.
  • هل يجوز دخول الحمام ويكون معي مصحف صغير في جيبي؟ وإذا كان لا يجوز فهل علي شيء إذا كنت ناسياً؟

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد:
    فإجابة على سؤالك نقول وبالله تعالى التوفيق:
    لا يجوز الدخول بالمصحف إلى الحمام مكان قضاء الحاجة سواء كان صغيراً أو كبيراً، وهذا قول جماهير العلماء، لكن إن خشي أن يُسرَق أو خاف عليه الضياع فلا بأس بإدخاله. أما إذا دخل به ناسياً فلا شيء عليه، والله أعلم. 

    التفاصيل
    0
    2484
  • تفسير قوله تعالى: وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم
  • قال تعالى في سورة الذاريات: {وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [الذاريات: 37]. هل صحيح أن هذه الآية التي تُرِكَت هي البحر الميت؟ مع ذكر الدليل ومَن قال به.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد:
    فإجابة على سؤالك نقول وبالله تعالى التوفيق:
    اختلف أهل العلم في المراد بالآية التي ذكرها الله في هذه الآية الكريمة؛ ومن جملة ما قيل في ذلك: إنها بحيرة طبرية ، وقيل: إنها مدينة قوم لوط سدوم، وقيل: الآية هي في خبرهم وما عاقبهم الله به، وقيل غير ذلك. ويحتمل أن هذه المعاني كلها صحيحة، والله أعلم بمراده. 

    أخوكم/

    خالد بن عبد الله المصلح

    19/11/1424هـ

    التفاصيل
    0
    2520
  • تفسير قوله تعالى: {كهيعص}
  • ما هو تفسير قوله تعالى: {كهيعص}؟

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد:
    فإجابة على سؤالك نقول وبالله تعالى التوفيق:
    لا خلاف بين أهل العلم أن الحروف المقطعة التي افتتح الله بها بعض السور في القرآن الكريم كسورة البقرة {الم} وسورة الأعراف {المص} وسورة يونس {الر} وسورة مريم {كهيعص} وسورة ص {ص} وغيرها من السُّوَر يُقرَأ فيها كل حرف على حدة ولا يقرأ مجتمعاً إلى غيره، فسورة البقرة يُقرَأ أولها (ألف، لام، ميم).

    أما معاني هذه الحروف فقد اختلف فيها أهل العلم على أربعة أقوال في الجملة:
    الأول: أن هذه الحروف لها معنى لا يعلمه إلا الله،، وبهذا قال جماعة من الصحابة؛ منهم الخلفاء الراشدون، وابن مسعود وغيرهم.
    الثاني: أن هذه الحروف لها معنى يعلمه الناس، واختلفوا في تعيين معناها؛ فقيل: هي أسماء للسور، وقيل: هي أسماء لله تعالى، وقيل غير ذلك.
     الثالث: التوقف في معاني هذه الأحرف فلا يقال لها معنى ولا ليس لها معنى.
     الرابع: أن هذه الحروف ليس لها معنى في ذاتها وبهذا قال مجاهد بن جبر؛ لأن كلام العرب الذي نزل به القرآن لا يُعرَف فيه معان لهذه الحروف. لكن انتفاء المعنى لا ينفي الحكمة، فإن حكمة ذكر هذه الحروف المقطعة في أوائل السُّوَر هي بيان إعجاز القرآن الكريم، وعجز الخلق عن الإتيان بمثله، مع أنه مُركَّب من هذه الحروف المقطعة التي يعرفها العرب ويتخاطبون بها، ومما يدل على هذا أن الله تعالى يذكر بعد هذه الأحرف القرآن وعظيم إعجازه وأنه الحق الذي لا ريب فيه، وهذا يشير إلى الحكمة من ذكر تلك الأحرف؛ ففي البقرة قال الله تعالى: {الم}، ثم أتبع ذلك بقوله: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 2]، وفي آل عمران قال: {الم} ثم قال: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} [آل عمران: 2-3]، وفي الأعراف قال: {المص}، ثم قال: {كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ} [الأعراف: 2]، وهكذا في بقية السور، وقد ذكَر هذا ونبَّه إليه جماعة من أهل العلم؛ كالمبرِّد والفرَّاء، وابن تيمية، والمِزي، وغيرهم، وقد قرَّره تقريراً جيداً الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في أضواء البيان في تفسير سورة هود، وبه قال شيخنا محمد العثيمين رحمه الله.

    أخوكم/

    خالد بن عبد الله المصلح

    14/03/1425هـ

    التفاصيل
    0
    1680
  • وقت قراءة سورة الكهف
  • هل قراءة سورة الكهف يوم الجمعة في أيِّ وقت، أم أن لها وقتاً محدداً؟

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.

    أما بعد:

    فإجابة على سؤالك نقول وبالله تعالى التوفيق:

    جاء في استحباب قراءة سورة الكهف يوم الجمعة عدة أحاديث عن ابن عمر، وأبي سعيد، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وأمثل هذا ما رواه البيهقي والحاكم من حديث أبي سعيد مرفوعاً: «من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين»، وروي موقوفاً، وقد صحح النسائي الموقوف كما قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (2/72)، وقال الدارقطني في العلل (11/307): إن وقف هذا الحديث أصوب. ورجحه ابن القيم في زاد المعاد (1/379)، وصحح ابن الملقن المرفوع كما في البدر المنير (2/292). فالصحيح أنه لم يثبت في ذلك شيء مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقد ذهب إلى الاستحباب الحنفية والشافعية والحنابلة بناء على ما جاء من الأحاديث في ذلك. وقد استحبه بعض أهل العلم بناء على ثبوته عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وقالوا: إنه مما لا مجال فيه للرأي، فيكون الموقوف في حكم المرفوع، وهذا القول وجيهٌ جيِّد، والله أعلم. 

    أخوكم/

    خالد بن عبد الله المصلح

    08/04/1425هـ

    التفاصيل
    0
    15539
حديث
  • سؤال عن حديث
  • ما صحة الحديث التالي: «صِيَامُكُمْ وَنَحْرُكُمْ وَرَأْسُ سَنَتِكُمْ الْهِجْرِيَّةِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ»؟

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد:
    ليس هذا هو لفظ الحديث المشهور، واللفظ هو «يَوْمُ صَوْمِكُمْ يَوْمُ نَحْرِكُمْ»، وفي لفظ: «يَوْمُ رَأْسِ سَنَتِكُمْ»، وهو حديث لا أصل له كما قال الإمام أحمد وغيره، فلا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    التفاصيل
    0
    1344
  • تضعيف الأحاديث ليست مسألة يُبَدَّع فيها المخالف
  • أيها السادة العلماء بقية السلف، نريد سؤالكم عن قضيتين علميتين أثارتا فتنة عظيمة وفُرْقَةً بين الشباب السلفي وطلبة العلم عندنا حتى بَدَّعَ بعضهم البعض، وهجر بعضهم البعض.

    المسألة الأولى: إن الإمام مسلم رتَّب أحاديث كتابه الصحيح ترتيبًا علميًّا يراعي فيه الأصح فالأصح، ويقدم الأحاديث القوية في الأصول والتي فيها نوع من الضعف في الشواهد والمتابعات في أغلب الأبواب، كما أنه يبين العلل الحديثية في بعض المناسبات في صحيحه.

    المسألة الثانية: يلاحظ اختلاف بين المحدثين المتأخرين والنقاد المتقدمين، بحيث نجد بعض المتأخِّرين أو المعاصرين يصحِّح حديثًا اتفق النقاد المتقدمون على تعليله، أو يضعِّفُون ويُعِلُّون أحاديث اتفق المتقدمون على صحتها اعتمادًا على ظواهر الأسانيد في كل ذلك، فيقول البعض: لا بد من الرجوع إلى المتقدمين فيما اتفقوا عليه تصحيحًا وتعليلًا والاطلاع على كلامهم والنظر في حجتهم قبل الهجوم على توهيمهم والرد عليهم؛ لأنهم أعلم بهذا الشأن، فهل هذه المسائل من الأصول الكبار التي يُبَدَّع فيها المخالف، ويُضَلَّل ويُهْجَر، أم أنها مسائل علمية اجتهادية مما يسوغ فيه الخلاف كما نريد أن نعرف رأيكم في هاتين المسألتين؟ وجزاكم الله عن الإسلام وأهله.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد:
    أيها السادة العلماء بقية السلف، نريد سؤالكم عن قضيتين علميتين أثارتَا فتنة عظيمة وفرقة بين الشباب السلفي، وطلبة العلم عندنا حتى بدَّع بعضهم البعض وهجر بعضهم البعض،
    المسألة الأولى: إن الإمام مسلم رتَّب أحاديث كتابه الصحيح ترتيبًا علميًّا يراعي فيه الأصح فالأصح، ويقدم الأحاديث القوية في الأصول والتي فيها نوع من الضعف في الشواهد والمتابعات في أغلب الأبواب، كما أنه يبين العلل الحديثية في بعض المناسبات في صحيحه.
    المسألة الثانية: يلاحظ اختلاف بين المحدثين المتأخرين والنقاد المتقدمين، بحيث نجد بعض المتأخِّرِين أو المعاصرين يصحِّح حديثًا اتفق النقاد المتقدمون على تعليله، أو يضعِّفُون ويُعِلُّون أحاديث اتفق المتقدمون على صحتها اعتمادًا على ظواهر الأسانيد في كل ذلك، فيقول البعض: لا بد من الرجوع إلى المتقدمين فيما اتفقوا عليه تصحيحًا وتعليلًا والاطلاع على كلامهم والنظر في حجتهم قبل الهجوم على توهيمهم والرد عيهم؛ لأنهم أعلم بهذا الشأن، فهل هذه المسائل من الأصول الكبار التي يُبَدَّع فيها المخالف، ويُضَلَّل ويُهْجَر، أم أنها مسائل علمية اجتهادية مما يسوغ فيه الخلاف، كما نريد أن نعرف رأيكم في هاتين المسألتين وجزاكم الله عن الإسلام وأهله.
     
    الإجابة:
    لا يُبَدَّع المخالف في مثل ذلك هداك الله، بل هي من مسائل الاجتهاد التي لا يترتب عليها من أحكام التبديع شيء، فمن الواجب عليك التريث والتأني في التبديع؛ فإنه موضوع كبير يحتاج إلى علم ونظر.
    المسألة الأولى:
    ما ذكر فيه صحيح وارجع في ذلك إلى الكتب التي تذكر الموازنة بين صحيح البخاري ومسلم.
    المسألة الثانية:
    فلا ريب أن المتقدمين أعمق علمًا وأجلّ قدرًا في كل علم من العلوم، لكن لا يسوغ لطالب العلم أن يستنبط من أقوالهم قواعد يجعلها ميزانًا للتصحيح والتضعيف وبالتالي ينسبها إليهم دون أن يهتدي بما قاله أئمة هذا العلم من المتأخرين كابن الصلاح وابن حجر وغيرهم.

    التفاصيل
    0
    1273
  • حديث «اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا».
  • روى مسلم عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَادَ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَفَتَ فَصَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «هَلْ كُنْتَ تَدْعُو بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ؟»، قَالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أَقُولُ: اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ، لَا تُطِيقُهُ، أَوْ لَا تَسْتَطِيعُهُ، أَفَلَا قُلْتَ: اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ؟»، قَالَ: فَدَعَا اللَّهَ لَهُ فَشَفَاهُ.

    الذي أفهمه من قوله: "مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ" هو: إن كان لا بد من عقاب في الآخرة، وإن سبق في علم الله أن عليه عذابًا في الآخرة، ففي الدنيا، وعليه.. أشكل عليَّ هذا الحديث؛ لأنه يتبادر للذهن أن طلب الرجل منطقي؛ إن كان لا بد من العذاب ففي الدنيا، فمعلوم أن عذاب الدنيا أهون بكثير من عذاب الآخرة، فلم يتبين لي وجه إنكار رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على هذا الرجل، إن كان لا يطيق ذلك – كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم – في الدنيا فكيف يصنع في الآخرة؟ أيريد منه – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – أن يطلب العافية في الدنيا ويواجه في الآخرة ما لا قِبَل لمخلوق به؟ أفتونا مأجورين.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد:
    الواجب على المؤمن أن يتهم رأيه أمام النصوص من الكتاب والسُّنَّة، فالقرآن قال الله فيه: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: 42) .

    وأما السُّنَّة فقال عن صاحبها: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ (النجم: 3-4) .

    أما قولك بأنه طلب منطقي فليس بصحيح لمن عرف شديد عقوبة الله وعذابه، وعرف عظيم عفو الله وواسع رحمته، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للرجل: «لَا تُطِيقُهُ أَوْ لَا تَسْتَطِيعُهُ، أَفَلَا قُلْتَ: اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً... »، فوَجَّهَ إلى سؤال خَيْرَيِ الدنيا والآخرة؛ فحسنة الدنيا تشمل كل ما تحس به حال الإنسان من عافية وسعة رزق وصلاح حال واستقامة عمل وسلامة من الشرور والآفات.

    أما حسنة الآخرة فأعلى ما يكون منها دخول الجنة والنظر إلى الله تعالى فيها، وتوابع ذلك من الأمن من أهوال ذلك اليوم وكروبه وشدائده، ثم ختم هاتين الحسنتين بسؤال الله البُعْد عن أسباب العقوبة بالنار من ارتكاب المعاصي والتورط في الآثام، فسؤال الوقاية من النار يقتضي سؤال الإعانة على اجتناب المحارم والآثام وترك الشبهات والحرام.

    وبهذا يتبين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجهه إلى سؤال العافية في الدنيا ومواجهة العقوبة في الآخرة، فتنبه وانتبه، رزقنا الله وإياك الفقه في الدين.

    التفاصيل
    0
    1591
  • مسائل في علم العلل
  • إذا أَعَلَّ إمام نقَّاد مثل أبي زُرْعَة أو أبي حاتم حديثًا دون أن يبين العلة، وظاهر أسانيد الحديث وطرقه الصحة والسلامة، هل نصحح الحديث ما دامت العلة غامضة، أم نضعِّفه، أم نتوقف فيه؟

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد:
    علم العِلَل ومعرفتها من غوامض العلم وخَفِيِّه، فهو علم يخفى على كثير من علماء الحديث، فضلًا عن غيرهم، حتى قال بعض الْحُفَّاظ كعبد الرحمن بن مهدي وأبي حاتم: معرفتنا بهذا كهانة عند الجاهل.

    والسبب في ذلك أن علم العلل أكثر ما يتطرق إلى أحاديث الثقات أي الأحاديث التي ظاهرها السلامة والصحة، قال أبو عبد الله الحاكم في كتاب معرفة علوم الحديث ص (112) : "وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واهٍ، وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة فتخفى عليهم علّته، والحجة فيه عندنا العلم والفهم والمعرفة".

    أما ما سألت عنه من تصحيح الحديث الذي تكلم فيه النقاد بعلة لم تظهر لك فهذا نهج غير سديد، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في النكت (2/ 711) : "وهذا الفن أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكًا، ولا يقوم به إلا مَن منحه الله تعالى فهمًا غايصًا، واطلاعًا حاويًا، وإدراكًا لمراتب الرواة ومعرفة ثاقبة، ولهذا لم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن وحُذَّاقهم، وإليهم المرجع في ذلك؛ لما جعل الله فيهم من معرفة ذلك والاطلاع على غوامضه دون غيرهم ممن لم يمارس ذلك، وقد تقصُر عبارة المعلِّل منهم فلا يُفْصِح بما استقر في نفسه من ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى... فمتى وجدنا حديثًا قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله فالأولى اتباعه في ذلك كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه..."، "وهذا حيث لا يوجد مخالِف منهم لذلك المعلِّل، وحيث يصرح بإثبات العلة، فأما إن وُجِدَ غيره صحَّحَه فينبغي حينئذ توجُّه النظر إلى الترجيح بين كلاميهما".

    التفاصيل
    0
    1764
  • الكلام حول سبب نزول قوله تعالى: {ولقد علمنا المستقدمين} الآية.
  • ما حكم الحديث الذي رواه النسائي والذي فيه أن أناسًا كانوا يرجعون للصفوف في آخر المسجد لينظروا لامرأة حسناء كانت تصلي، فأنزل الله: {وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ} [الحجر: 24] . الآية.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد:
    هذا الحديث رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه، كلهم من طريق نوح بن قيس عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس، قال: كانت امرأة تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم حسناء من أحسن الناس، قال: فكان بعض القوم يتقدم في الصف لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع نظر تحت إبطه، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ (الحجر: 24) قال الترمذي: وروى جعفر بن سليمان هذا الحديث عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء، ولم يذكر فيه ابن عباس، وهذا أشبه أن يكون أصحّ من حديث نوح، وقال عنه ابن كثير في تفسير الآية: حديث غريب جدًّا، وقال عنه أيضًا: وهذا الحديث فيه نكارة شديدة.

    وقد رواه عبد الرزاق في مصنفه عن جعفر بن سليمان عن عمرو بن مالك أنه سمع أبا الجوزاء، وساق الخبر، فالظاهر أنه من كلام أبي الجوزاء فقط، وليس فيه لابن عباس ذِكْر، وقد قال البخاري في أبي الجوزاء: في إسناده نظر، وعليه فإنه لا يصح هذا الخبر.

    التفاصيل
    0
    1386
  • صحة حديث: «مَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا»
  • ما درجة صحة حديث: «مَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا»؟ وَجزاكم الله خيرًا.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد:
    هذا الحديث أخرجه أحمد وأبو داود من حديث عبدالله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا».

    وهو من رواية عبيدالله بن عبدالله العتكي عن عبدالله بن بريدة عن أبيه، وقد صَحَّحَه الحاكم في المستدرك، وقد ضعَّفَه ابن الجوزي، فقال في العِلَل المتناهية (1/447) : هذا حديث لا يصح.
    قال البخاري: العتكي عنده مناكير.
     وقال ابن حبان: "ينفرد عن الثقات بالأشياء المقلوبات".
    وقال عنه الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (2/20) : وفيه عبيدالله بن عبدالله العتكي الغرماء أبو المنيب ضعَّفَه البخاري والنسائي.
     وقال عنه في البلوغ: "أخرجه أبو داود بسند ليِّن، وصَحَّحَه الحاكم، وله شاهد ضعيف عن أبي هريرة رضي الله عنه عند أحمد.
     فالحديث المسؤول عنه غير صحيح، والله أعلم.

    التفاصيل
    0
    10795
طهارة
  • الكدرة والصفرة في الحيض والنفاس
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل الكُدرة والصُّفرة في الحيض والنفاس تعتبر منهما أو لا؟

               

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد:

    فقد اختلف أهل العلم في مسألة الصفرة والكدرة على أقوال، أقربها للصواب أن الصفرة والكدرة ليست شيئًا، فإذا انقطع دم الحيض أو النفاس فقد انقضى حكمهما، ولا يؤثر خروج الصفرة والكدرة، ويدل لهذا ما رواه البخاري (326) من طريق إسماعيل، عن أيوب، عن محمد، عن أم عطية رضي الله عنها قالت : «كنا لا نَعُدُّ الكُدرة والصُّفرةَ شيئًا». وهذا عند المالكية والشافعية، ووجه عند الحنابلة ذكره ابن تيمية، وهو قول ابن حزم من الظاهرية، واختاره شيخنا ابن عثيمين أخيرًا، وهو الأقرب إلى الصواب. والله أعلم .

               

    التفاصيل
    0
    2371
  • ما حكم وضع الكريستالة في السن؟ وهل تمنع الوضوء؟
  • ما حكم وضع الكريستالة في السن؟ وهل تمنع الوضوء؟

    بسم الله الرحمن الرحيم

    أما منع الوضوء فلا يمنع ذلك الوضوء؛ ولكن أكره وضع ذلك؛ لأنه قد بلغني أنه إنما يفعل ذلك البغايا من الكافرات، فإن كان كذلك فلا يجوز لأنه من التشبه بالكفار والفجار، وفي التجمل بغير هذا الطريق ما يكفي، كما أنه قد أفادني أحد المختصين بطب الأسنان أنه قد يكون لهذه الملصقات تأثير في الأسنان من حيث تجميع الطعام الذي يؤدي إلى التسوس.

    التفاصيل
    0
    2888
  • قراءة القرآن للجنب
  • السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فضيلة الشيخ، هل يجوز قراءة القرآن بغير وضوء من الحدث الأكبر؟ وهل من يفعل ذلك عليه إثم؟ وهل التسبيح يجب أن يكون بصوت خفيف مسموع أو يمكن أن أسبح في نفسي دون فتح الفم، أم أن لكل واحدة درجة من الأجر؟

     بسم الله الرحمن الرحيم

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    ذهب جماهير أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين من بعدهم من أهل الحديث والفقه إلى أنه لا يجوز للجنب قراءة القرآن، واستدلوا لذلك بأدلة أمثلها ما رواه الخمسة من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي رضي الله عنه أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه عن القرآن شيء، ليس الجنابة.

    وقد تكلم في هذا الحديث من جهة عبد الله بن سلمة وتغير حفظه، فضعفه أحمد وغيره، وقد صححه الترمذي وابن السكن وعبد الحق الإشبيلي.

    وذهب جماعة من أهل العلم إلى جواز قراءة الجنب للقرآن؛ لعدم الدليل على المنع، وروي هذا عن ابن عباس رضي الله عنه وابن المسيب، وبه قال داود الظاهري وابن حزم، وهو مذهب الظاهرية، واختاره ابن المنذر.

    أما التسبيح وسائر الذكر فإنه لا يُمنَع منه جنب ولا غيره، سرًّا ولا جهرًا، قال الترمذي بعد حكاية قول الجمهور في منع الجنب والحائض من القرآن: ورخصوا للجنب والحائض في التسبيح والتهليل. وقد حكى الإجماع على جواز ذلك النووي في المجموع شرح المهذب (2/ 189) وكذلك في أول كتابه الأذكار.

    التفاصيل
    0
    1928
  • مسح الأذنين
  • فضيلة الشيخ، جاء في كشاف القناع: "(ولا يجب مسح) ما استتر من الأذنين (بالغضاريف) لأن الرأس الذي هو الأصل لا يجب مسح ما استتر منه بالشعر، فالأذن أولى، والغضروف داخل فوق الأذن، أي: أعلاها، ومستدار سمعها". فهل معنى ذلك أن المتوضئ يكتفي بإدخال سبابتيه في خرق أذنيه ويجعل إبهاميه خلفهما ويمسح دون أن يخرج السبابتين ليمسح بهما غضروف الأذن مع تعرجاته؟

    س2: هل يجب غسل النتوء الذي يحاذي خرق الأذن من غسل الوجه؟

    س3 يقول صديق لي: الوَتَرَة هي الحاجز بين فتحتى الأنف، وهي فيه نازلة قليلًا بحيث يرى جانبيها من بجانبه، وقد أخبره أحدهم أن عليه غسلها في الوضوء مع الوجه لأنها في حكم الظاهر، فهل كلامه صحيح أم أنه يجزئ فيها ما يجزئ في الأنف وهو الاستنشاق؟

     بسم الله الرحمن الرحيم

    ذهب جمهور أهل العلم إلى أن مسح الأذنين في الوضوء ليس واجبًا، وقد حكى الإجماع على عدم الوجوب وصحة طهارة من لم يمسح جماعة من أهل العلم؛ كالإمام أبي جعفر الطبري، وقد نقل القول بالوجوب عن إسحاق بن راهويه، وهو المذهب عند الحنابلة، أما صفة الإجزاء في مسح الأذنين عند القائلين بالوجوب فمسح ظاهرهما وباطنهما دون ما استتر بالغضاريف، وقد صرحوا بعدم وجوب مسح الثقب، قال في كشاف القناع (1/ 100): " فينبغي التيقظ لثقب الأذن في الغسل، وأما في الوضوء فلا يجب مسحه". وأما الحاجز بين فتحتي الأنف فلا يجب غسله، وأرى أن تطاول البحث في هذا ناشئ إما عن تعمق مذموم وإما عن وسواس يجب الانصراف عنه. وفقك الله إلى كل خير. 

    التفاصيل
    0
    6953
  • لا غسل إلا بإنزال
  • سؤالي هو: أقوم بالعادة التالية منذ سنوات لإفراغ شهوتي الجنسية، وهي تتمثل بقيامي بحك فرجي بوسادة النوم (المخدة) وكأنني أمارس العملية الجنسية مع امرأة، ولكني أمنع نفسي من القذف، وأود الاستفسار هل قيامي بذلك يحتاج لغسل من الجنابة؟

     بسم الله الرحمن الرحيم

    الإجماع منعقِد على أنه لا يجب الغسل بالاستمناء أو الاحتلام إلا بالإنزال؛ فقد روى مسلم (343) من طريق شَريك بن أبي نمِر، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبي سعيد رضي الله عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وسم قال: «إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ»، ولما روى البخاري (130) ومسلم (313) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة قالت: جاءت أم سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمتْ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «نَعَمْ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ». وقد اشترط الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية وجماعة من الحنابلة لوجوب الغسل خروج المني من العضو، فإذا أمسك ذكره من أحس بانتقال المني ونزوله ليمنع خروجه فلم يخرج فلا غسل عليه؛ لما تقدم من الأحاديث.

    وذهب الحنابلة إلى أنه يجب الغسل بذلك ولو لم يخرج؛ لأن انتقال الماء من مكانه هو الجنابة التي قال الله فيها: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا [المائدة: 6].

    والصواب هو القول الأول، وعلى هذا إذا لم تنزل بعد ما وصفت من عملية إفراغ الشهوة فليس عليك غسل. والله أعلم.

    التفاصيل
    0
    1
  • مس المصحف لغير الطاهر
  • السلام عليكم فضيلة الشيخ، أود أن أستفتيكم هل يجوز لمس القرآن لمن ليس على وضوء من الحدث الأصغر؟ وما الدليل من فضلكم؛ فلقد لاحظت اختلافًا بين العلماء؟

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الذي عليه جماهير أهل العلم من المحدِّثين والفقهاء أنه لا يجوز مس المصحف إلا من طاهر، واستدلوا لذلك بما رواه مالك مرسلًا عن عبد الله بن أبي بكر عن حرام أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حرام ألا يمس القرآن إلا طاهر. وقد رُوي موصولًا عند أصحاب السنة لكنه لا يصح موصولًا، وهو وإن كان مرسلًا إلا أنه جزء من كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حرام، وهو كتاب تلقاه أهل العلم بالقبول.

    واستدل بعض أهل العلم على عدم جواز مس المصحف إلا لطاهر بقول الله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ[الواقعة: 79]. ولكن الصواب أن الآية تدل على منع المحدِث من مس المصحف بالإشارة والتنبيه، فإذا كانت الصحف التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون، فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسها إلا الطاهر. والله تعالى أعلم.

    التفاصيل
    0
    3569
صلاة
  • جمع العصر إلى الجمعة
  • نحن نعيش في كندا وقام إمام المسجد بجمع صلاة الجمعة مع العصر، فهل يجوز جمع العصر مع الجمعة؟  وإذا كان لا يجوز فهل علينا إعادة صلاة العصر؟

    بسم الله الرحمن الرحيم

    ذهب جمهور العلماء إلى أن الجمعة لا تُجمَع إليها العصر لعدم ورود ذلك في السنة؛ ولأن الأصل في العبادات التوقيف حتى يثبت الدليل الشرعي، ولا وجه في إثبات جواز ذلك من طريق القياس على الظهر، فإن الظهر تخالف الجمعة في الصفة والأحكام والشروط. وبناءً على ذلك فلا أرى جواز الجمع بين الجمعة والعصر.
    أما ما سألت عنه من وقوع الجمع في مسجدكم فهذا خلاف الصواب كما تقدم، لكن لا أرى وجوب الإعادة لأن فقهاء الشافعية يرون جواز جمع العصر إلى الجمعة فيما مضى، لكن يُنهى عن فعله في المستقبل ومن احتاط فأعاد فهو أحسن.

    أخوكم/

    خالد بن عبد الله المصلح

    06/09/1424هـ

    التفاصيل
    0
    5128
  • قراءة الفاتحة للمأموم في الصلاة الجهرية
  • في الصلاة الجهرية مع الإمام هل يلزمنا قراءة الفاتحة؟ لأن لي أخاً يقول بأن العلامة الألباني رحمه الله يرى بأن قراءة الإمام للفاتحة تنوب عن قراءتي.

    وجزاكم الله خيراً.

    بسم الله الرحمن الرحيم

    قراءة الفاتحة خلف الإمام حال الجهر للعلماء فيها ثلاثة أقوال:
     القول الأول: ليس للمأموم أن يقرأ في الصلاة الجهرية إذا كان يسمع الإمام لا بالفاتحة ولا بغيرها وهذا قول جمهور العلماء من السلف والخلف وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد وأحد قولي الشافعي.
     القول الثاني: يجب على المأموم أن يقرأ الفاتحة في الصلاة الجهرية كالسرية وهو المذهب عند الشافعية وقول ابن حزم من الظاهرية.
     القول الثالث: يُستحب للمأموم قراءتها وهو قول جماعة من أهل العلم منهم الأوزاعي.
     والذي يظهر لي أن أعدل الأقوال وأقربها للصواب هو القول الأول قول الجمهور، وأن المأموم لا يقرأ في حال الجهر لا بالفاتحة ولا بغيرها إذا كان يسمع قراءة الإمام، هذا ما يدل عليه عمل أكثر الصحابة رضي الله عنهم، وتتفق عليه أكثر الأحاديث، ولأن الله تعالى أمر بالإنصات لقراءة الإمام في الصلاة فقال تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204] ويؤيد دلالة الآية على وجوب الإنصات لقراءة الإمام ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا فبيَّن لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا فقال: «أقيموا صفوفكم ثم ليؤمكم أحدكم فإذا كبر فكبروا. .» وذكر الحديث الطويل وزاد بعض رواته: «وإذا قرأ فأنصتوا» وقد ذكرها في صحيحه. وقد رواها أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة مرفوعاً: «إنما جُعِل الإمام ليؤتم به؛ فإذا كبَّر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا»، وقد سئل مسلم بن الحجاج عن حديث أبي هريرة هذا فقال: هو عندي صحيح. ومما يدل على منع المأموم من القراءة حال جهر الإمام ما رواه أصحاب السنن وغيرهم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: «هل قرأ معي أحد منكم آنفاً؟» فقال رجل: نعم يا رسول الله. فقال: «إني أقول: مالي أُنازَع القرآن» قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلوات بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تكلم في هذا الحديث بعض أهل العلم من جهة ابن أُكَيْمةَ الراوي عن أبي هريرة وليس ذلك بشيء فقد قال عنه يحيى بن سعيد: عمرو بن أكيمة ثقة. ووثَّقه غير واحد من أهل العلم. كما أنه طُعِن في الحديث من جهة أن قوله في الحديث: «فانتهى الناس. . . » مدرج من كلام الزهري كما قاله البخاري والذُّهْلي وأبو داود وغيرهم، والجواب عن هذا أن ذلك لا يُسقِط الاحتجاج بالحديث سواء كان ذلك من قول أبي هريرة أو من قول الزهري، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (23 / 274): "وهذا إذا كان من كلام الزهري فهو من أدل الدلائل على أن الصحابة لم يكونوا يقرؤون في الجهر مع النبي صلى الله عليه وسلم فإن الزهري من أعلم أهل زمانه أو أعلم أهل زمانه بالسنة وقراءة الصحابة خلف النبي صلى الله عليه وسلم إذا كانت مشروعة واجبة أو مستحبة تكون من الأحكام العامة التي يعرفها عامة الصحابة والتابعين لهم بإحسان فيكون الزهري من أعلم الناس بها فلو لم يبيِّنْها لاستدل بذلك على انتفائها، فكيف إذا قطع الزهري بأن الصحابة لم يكونوا يقرؤون خلف النبي في الجهر؟!" انتهى كلامه رحمه الله.
    ومما يُستأنَس به في عدم وجوب القراءة على المأموم في الجهرية الحديث المشهور: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» وهذا الحديث أخرجه جمع من الأئمة بطرق متعددة مسنداً ومرسلاً عن جماعة من الصحابة أمثلها حديث جابر على ضعف فيه وكثرة كلام النقاد فيه، ومع ذلك فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (18/271-272): "وهذا الحديث رُوي مُرسَلاً ومُسنَداً، لكن أكثر الأئمة الثقات روَوْه مرسلاً عن عبد الله بن شداد عن النبي صلى الله عليه وسلم وأسنده بعضهم، ورواه ابن ماجه سندًا، وهذا المرسل قد عضده ظاهر القرآن والسنة، وقال به جماهير أهل العلم من الصحابة والتابعين، ومثل هذا المرسل يُحتَجُّ به باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم". وممن استوعب الكلام في الحديث وطُرُقِه الدارقطني رحمه الله في علله. ومما تقدم يتبيَّن أن ما رواه البخاري ومسلم وغيرها من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» ليس على عمومه بل هو مخصوص بما تقدَّم من النصوص. ومثله ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَن صلَّى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِداجٌ ثلاثاً غير تمام» فكل هذا وأمثاله محمول على غير المأموم جمعاً بين الأحاديث، ومما يؤيد عدم العموم فيها ما حكاه الإمام أحمد رحمه الله من إجماع. قال رحمه الله: "ما سمعنا أحداً من أهل الإسلام يقول: إن الإمام إذا جهر بالقراءة لا تجزئ صلاة مَن خلفه إذا لم يقرأ".

    أما حديث عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى الصبح فثقُلت عليه القراءة فلما انصرف قال: «إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم» قلنا: يا رسول الله، إي والله. قال: «لا تفعلوا إلا بأُمِّ القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها» وقد أخرجه أحمد وأصحاب السنن إلا ابن ماجه، وفيه محمد بن إسحاق، وقال عنه أحمد: لم يرفعه إلا ابن إسحاق. وقال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (23/ 286): "هذا الحديث معلل عند أئمة الحديث بأمور كثيرة ضعفه أحمد وغيره من الأئمة". وقال بعد ذكر مَن صحّح الحديث وحسنه (23/ 315): " ففي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم هل يقرؤون وراءه بشيء أم لا؟ ومعلوم أنه لو كانت القراءة واجبة على المأموم لكان قد أمرهم بذلك وأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ولو بيّن ذلك لهم لفعله عامتهم ولم يكن يفعله الواحد أو الاثنان منهم. ولم يكن يحتاج إلى استفهامه، فهذا دليل على أنه لم يوجب عليهم القراءة خلفَه حال الجهر، ثم إنه لما علم أنهم يقرؤون نهاهم عن القراءة بغير أم الكتاب، وما ذُكِر من التباس القراءة عليه تكون بالقراءة معه حال الجهر سواء كان بالفاتحة أو غيرها فالعلة مُتناوِلة للأمرين فإن ما يوجب ثُقلَ القراءة والتباسها على الإمام منهي عنه".
    ولذلك فالذي يظهر لي أن المأموم لا يجوز له القراءة حال جهر الإمام بالقراءة لما تقدَّم من الأدلة ولما في حديث عُبادَة من معنى النهي، لكن إن تمكن المأموم من القراءة في سكتات الإمام فهذا المطلوب وإلا فلا شيء عليه لتركه القراءة، أخذ بما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما نهيتُكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم» وهذا الحديث أخرجه أحمد ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. والله تعالى أعلم.

    أخوكم/

    خالد بن عبد الله المصلح

    07/09/1424هـ

    التفاصيل
    0
    7517
  • هل المحاضرات عذر لترك الجماعة؟
  • هل المحاضرات أو الدروس في الجامعات عُذرٌ في ترك الصلاة مع الجماعة؟

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الذي يظهر لي أنه إذا لم يمكن تنسيق المحاضرات بحيث لا تتعارض مع وقت صلاة الجماعة فإنها تكون حينئذ عذراً في ترك صلاة الجماعة. وذلك لأن ترك المحاضرات والدروس يحصُل به على الطالب من الضرر الذي يزيد على ترك الصلاة جماعة لحضور طعام يشتهيه كما أن فيه من اشتغال النفس وانصراف القلب ما هو أعظم من الاشتغال والانصراف لحضور الطعام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام مسلم من حديث عائشة: «لا صلاة بحضرة طعام» قال الحافظ النووي رحمه الله في علّة ذلك في شرحه لصحيح مسلم (5/46): " لما فيه من اشتغال القلب به وذهاب كمال الخشوع . . . ويلحق بهذا ما كان في معناه مما يشغل القلب ويذهب كمال الخشوع".
    وهذا كله فيما إذا كان في الوقت سعة أما لو ضاق الوقت بحيث إن هذه المحاضرات تمتد إلى خروج وقت الصلاة فإنه يجب صلاتها قبل خروج وقتها. والله أعلم.

    أخوكم/

    خالد بن عبد الله المصلح

    09/09/1424هـ

    التفاصيل
    0
    2832
  • مسألة استحضار النية للصلاة
  • لقد تعلمتُ أن استحضر النية قبل تكبيرة الإحرام في أي صلاة أريد أن أصلي بدون التلفُّظ بها، ولقد سمعت في الآونة الأخيرة بعض المشايخ في الفضائيات يقول: إن قيامك للصلاة يعتبر نية دون أن تحدِّد الصلاة، والبعض منهم يقول: مجرد ذهابك للميضأة يعتبر نية للصلاة، فما صحة ما يقولون؟ وهل ما أفعله أنا من استحضار النية لكل صلاة جائز؟

    أفيدونا جزاكم الله خيراً

    بسم الله الرحمن الرحيم

    أجمع أهل العلم على وجوب النية للصلاة، وأنها لا تنعقد إلا بها، حكى ذلك غير واحد من أهل العلم، وأصل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» فيما رواه البخاري ومسلم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

    وقد اختلفوا في تقديم النية على الصلاة على ثلاثة أقوال:
     
    الأول: يجوز تقديم النية على تكبيرة الإحرام ولو طال الزمن ما لم يصرفها إلى غيرها، وهذا هو مذهب مالك قال ابن عبد البر في الكافي ص (39): "وتحصيل مذهب مالك أن المصلي إذا قام إلى صلاته أو قصد المسجد لها فهو على نيته وإن غابت عنه إلى أن يصرفها إلى غير ذلك". والمنصوص عن أحمد رحمه الله يشبه ذلك فإنه سُئل عن الذي يخرج من بيته يوم الجمعة ينوي قال: خروجه من بيته نية، وقال: إذا خرج الرجل من بيته فهو نيته، أفتراه كبر، وهو لا ينوي الصلاة؟! قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد ذكره ما نقل عن أحمد في مجموع الفتاوى (22/229): "ولهذا قال أكابر أصحابه كالخرقي وغيره: يجزئه تقديم النية على التكبير من حين دخول وقت الصلاة".
     الثاني: يجوز تقديم النية على تكبيرة الإحرام بزمن يسير ما لم يفسخها، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة.
     الثالث: لا يجوز تقديم النية على تكبيرة الإحرام بل يجب أن تكون مقارنة للتكبيرة، وهذا مذهب الشافعي، وهذا القول فيه من العُسرِ والمشقة والصعوبة ما لا يخفى، وقال ابن حزم: إنه لا يجوز فصلُ النية عن التكبيرة، بل يجب أن تكون متصلة لا فصل بينهما أصلاً لا قليل ولا كثير.
    والذي يترجح لي من هذه الأقوال ما ذهب إليه مالك رحمه الله ونص عليه أحمد من جواز تقديم النية على تكبيرة الإحرام ولو طال الزمن ما لم يصرفها إلى غيرها أو يفسخها. إذ المقصود من النية تميز عمل عن عمل وهذا حاصل بالنية المتقدمة إذا لم تفسخ ولم تُصرَف فإنها تكون مستصحبة حكماً ما دام لم ينو قطعها. ولذلك لو ذهل عن النية أو غابت عنه في أثناء الصلاة لم يؤثِّر ذلك في صحتها، وقد حكى الإجماع على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح العمدة ص (387) وهذا القول وهو جواز تقديم النية على تكبيرة الإحرام بزمن طويل هو ظاهر اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، والله أعلم.

    أخوكم/

    خالد بن عبد الله المصلح

    14/09/1424هـ

    التفاصيل
    0
    3655
  • تركنا سجدة فهل صلاتنا صحيحة؟
  • صليت خلف إمام فلما سجد في إحدى الركعات وقف مباشرة ولم يجلس بين السجدتين ولم يسجد السجدة الثانية فقيل له: سبحان الله بعدما وقف واعتدل، وواصل صلاته دون أن يسجد السجدة الثانية التي نسيها، وسجد للسهو، فهل صلاتنا صحيحة؟

    بسم الله الرحمن الرحيم

    أجمع العلماء على أن السجود ركنٌ من أركان الصلاة التي لا تصح الصلاة إلا بها؛ لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] وغيرها من النصوص. فمن ترك السجود ناسياً لم تصح صلاته حتى يأتي بها، فالصلاة المسؤول عنها غير صحيحة ويجب إعادتها الآن.

    أخوكم/

    خالد بن عبد الله المصلح

    17/09/1424هـ

    التفاصيل
    0
    1731
  • خطبة العيد واحدة أم اثنتان؟
  • ذهب الشيخ ابن عثيمين رحمه الله إلى أن خطبة العيد واحدة، وقد استشكل، هل سبقه إلى ذلك أحد من العلماء فيما سبق، فأرجو ذكر من قال به: قائلاً أو كتاباً بجزئه وصفحته، وما رأيكم في هذه المسألة مع بيان الدليل؟

    بسم الله الرحمن الرحيم

    ذهب عامة أهل العلم إلى أن للعيد خطبتين، وقد حكى الإجماع على ذلك غيرُ واحد من أهل العلم منهم ابن حزم في المحلى(3/293). ولم أقف مع طول البحث على من قال بأن خطبة العيد خطبة واحدة لا من أهل العلم المتقدمين ولا فقهاء المذاهب ولا غيرهم من أهل العلم إلا ما قد يُفهَم من كلام الصنعاني حيث قال في شرحه لحديث أبي سعيد رضي الله عنه: وفيه: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى وأول شيء يبدأ به الصلاة ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس على صفوفهم فيعظهم ويأمرهم» في سبل السلام (2/140): "وليس فيه أنه خطبتان كالجمعة، وأنه يفصل بينهما، ولعله لم يثبت ذلك من فعله وإنما صنعه الناس قياساً على الجمعة" وبالنظر إلى كلام الفقهاء وأهل العلم يتبين أنهم قاسوها على الجمعة وذكروا أدلة في ثبوتها نظر، فاستدلوا بما رواه ابن ماجه من طريق إسماعيل بن مسلم، عن أبي الزبير، عن جابر قال: خرج الرسول صلى الله عليه وسلم يوم فطر وأضحى قائماً ثم قعد قعدةً ثم قام. وإسماعيل بن مسلم مجمع على ضعفه، وكذا ما رواه البزار في مسنده من حديث سعد بن أبي وقاص، وكان يخطب خطبتين يفصل بينهما بجلسة، قال عنه الهيثمي في مجمع الزوائد (2/203): "وفي إسناده من لم أعرفه" وقال النووي في الخلاصة: ولم يثبت في تكرير الخطبة شيء، ولكن المعتمد فيه القياس على الجمعة، هذا غاية ما وقفت عليه، فلعل شيخنا محمد العثيمين رحمه الله وقف على ما هو أصرح من هذا مما يوافق ظاهر الأحاديث التي تدل على أن خطبة العيد خطبة واحدة، فقد ذكر الخلاف في ذلك مراراً وتكراراً ورجح أنه خطبة واحدة، والله تعالى أعلم.

    أخوكم/

    خالد بن عبد الله المصلح

    التفاصيل
    0
    2668
منوع
  • محفظة مصنوعة من جلد الخنزير
  • سافرت للخارج إلى إحدى الدول الإسلامية وابتعت محفظةً من أحد المراكز، ولم أنتبه إلا بعد عودتي للسعودية بأنها مصنوعة من جلد الخنزير، أكرمنا الله وإياكم وأعاذنا، قال لي البعض: يجوز استخدامها لأنّ المحرم أكل لحمها وليس الانتفاع بجلودها، أفيدونا أفادكم الله.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد:
    لا يجوز لك الانتفاع بها لأن جمهور العلماء على أنها نجسة محرمة الانتفاع والاستعمال.

    التفاصيل
    0
    1293
  • كيف أبر والدتي بعد موتها؟
  • أنا فتاة توفيت والدتي منذ عام وتركت لي خمسة إخوة أنا أكبرهم، وعمري 26 عامًا، وغير متزوجة، أفدني جزاك الله خيرًا كيف أبرها بعد وفاتها، علمًا أنني موظفة، وجدتي من أمي على قيد الحياة كنت أزورها مع أمي يوميًّا، ولكن الآن لا أجد الوقت الكافي لزيارتها بسبب كثرة المسؤوليات الملقاة على عاتقي، فما رأيكم دام فضلكم؟

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد:
    أعانك الله وسددك ويسر لك الخير حيث كنت.
    أما بر والدتك بعد موتها فأعظمه الدعاء لها بالمغفرة والرحمة؛ لِما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» فهذا خير ما توصليه لها وتبريها به بعد موتها.

    كما أن من أبر البر بالوالدين صلة أهل ودهم ومحبتهم بعد موتهم؛ لِما روى أحمد ومسلم وغيرهما من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ». وفي رواية مسلم: «إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ».
    فاجتهدي في صلة كل الذين تحبهم أمك من الأقارب وغيرهم، وأولاهم بذلك إخوتك، وكذلك جدتك، وأما كيفية الصلة فبكل ما تستطيعين من إحسان مادي أو معنوي، بالزيارة أو المهاتفة أو المراسلة أو غير ذلك من وسائل الاتصال والإحسان. والله أعلم.

    أخوكم/

    خالد المصلح

    18/09/1424هـ

    التفاصيل
    0
    6313
  • المشاكل المالية لا تجيز قطيعة الرحم
  • أعطيت أخي مبلغًا كبيرًا من المال على سبيل الدين ليعمل به مشروعًا ثم يرده عند جني الأرباح، وعند انتهاء المشروع أخذ يماطل في الدفع لمدة سنة، ثم قال: إنه خسر كل شيء. ولم يستطع إثبات هذا الكلام، وعندها حلفت بألا يدخل بيتي أو أدخل بيته حتى يرده، مع العلم أن نصف المال الذي أقرضته إياه استلفته من بطاقة الائتمان، وأحتاج الآن عدة سنوات لأسدده، وأنا الآن بضائقة مالية بسببه.

    والسؤال هو: ما حكم مقاطعتي لأخي؟ وهل علي إثم؟

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد:
    لا يحل لك مقاطعة أخيك لأجل هذا، بل الواجب عليك صلته؛ لأنه من الرحم التي يجب وصلها، وقد قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23) [محمد: 22، 23].
    وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» رواه الشيخان من حديث أبي هريرة.
    وفيهما من حديث عائشة: «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللهُ وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللهُ».

    وقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إليّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليّ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنْ كَانَ كَمَا تَقُولُ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ».
     وكل هذا وغيره من النصوص الشرعية يدل على وجوب الصلة وتحريم القطيعة، إلا أن ذلك لا يمنعك من المطالبة بحقك دون إساءة أو قطيعة. وأذكرك بقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان من حديث أنس وغيره: «لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثٍ».

    وفقنا الله وإياك لما يحبه الله ويرضاه.

    التفاصيل
    0
    1704
  • حكم الرقص للنساء
  • ما حكم الرقص للنساء؟

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد:
    ذهب الحنابلة وبعض الشافعية وبعض المالكية إلى أن الرقص مكروه إذا سلم من الغناء المحرم وكشف العورات والتثني والتكسر المثير للشهوات.
    وذهب الإمام الشافعي رحمه الله إلى القول بإباحة الرقص الخالي من المحرمات.
    وقد حكى بعض الباحثين قولًا ثالثًا في الرقص، وهو القول بالتحريم، ونسبه إلى الحنفية والمالكية، وليس هذا بدقيق فيما يظهر؛ لأن الذي تكلم الحنفية والمالكية في تحريمه إنما هو الرقص الذي يتعبد به أصحابه لله تعالى ويجعلونه من القربات، وهذا النوع من الرقص لا خلاف بين أهل العلم في تحريمه.
    وقد استدل كل فريق بأدلة. والذي يظهر لي أن أقرب الأقوال إلى الصواب القول بأن الرقص مكروه في الأصل؛ لما روى أحمد (16662) والترمذي (1561) من حديث عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّ مَا يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ بَاطِلٌ إِلَّا رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ وَمُلَاعَبَتَهُ أَهْلَهُ، فَإِنَّهُنَّ مِنَ الحَقِّ». قال عنه أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وهذا الحديث من رواية عبد الله بن الأزرق، ولم يوثقه إلا ابن حبان. ولذلك قال عنه ابن حزم في المحلى (9/ 55): "مجهول". وقد جاء هذا الحديث من طرق تقويه؛ منها ما رواه النسائي في السنن الكبرى (8938) من طريق جابر بن عبد الله رضي الله عنهما مرفوعًا: «كُلُّ شَيْءٍ لَيْسَ مِنْ ذِكْرِ اللهِ فَهُوَ لَعِبٌ إِلَّا أَرْبَعَةً؛ مُلَاعَبَةَ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَتَأْدِيبَ الرَّجُلِ فَرَسَهُ، وَمَشْيَ الرَّجُلِ بَيْنَ الْغَرَضَيْنِ، وَتَعَلُّمَ الرَّجُلِ السِّبَاحَةَ»، وقال عنه الحافظ ابن حجر في الإصابة (1/ 439): إسناده صحيح. وهذه الكراهة تزول فيما إذا كان ذلك في يوم عيد أو شبهه؛ فإن النفوس تميل إلى اللهو في الأعياد وشبهها، وقد راعت الشريعة مثل هذه الدواعي بما يلبي حاجة النفوس دون أن يكون ذلك مفضيًا إلى الوقوع في فساد وشر، ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر الحبشة على لعبهم في المسجد يوم العيد، وكان لعبهم وثبًا، وهو نوع من الرقص، وقد سُمي لعِبهم بذلك في رواية أحمد (237099) حيث قالت عائشة: «وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذقني على منكبيه لأنظر إلى زَفْنِ الحبشة». قال الزمخشري في الفائق (2/ 112): (الزفن: الرقص). وقال ابن الأثير في النهاية (2/ 305): (وأصل الزفن اللعب والدفع، ومنه حديث عائشة: «قدم وفد الحبشة فجعلوا يزفِنون ويلعبون، أي: يرقصون».

    ومع هذا ينبغي البعد عن كل ما يكون سببًا للفتنة والشر من الحركات التي تهيج الغرائز وتغري بالشهوات. والله أعلم.

    أخوكم/

    خالد المصلح

    08/04/1425هـ

    التفاصيل
    0
    2616
  • وضع القدم على شريط ديني
  • هل وضع القدم على شريط مسجل به آيات أو دروس دينية فيه إثم؟

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد:
    الذي يظهر أن الشريط وشبهه مما يحوي تسجيلاً لبعض السور أو الآيات أو شيئًا من السنة والعلم لا يأخذ حكم المصحف أو كتب العلم من كل وجه.
    لكن وضع القدم على ذلك لا يخلو من حالين:
    الحال الأولى: أن يكون ذلك امتهانًا لما فيه من كلام الله أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذه إحدى الكبائر التي يكفر بها صاحبها؛ لأن الامتهان القلبي كافٍ في حكم الكفر ولو لم يصحبه امتهان بوضع القدم عليه، لكن وضع القدم يبدو به المكنون من سوء الاعتقاد وخبث الطوية، وينتقل به من السر إلى العلن.
    الحال الثانية: أن يكون ذلك على وجه الخطأ، فهذا لا شيء فيه، لكن يجب صيانة مثل هذه الأشرطة عن الإهمال الذي يلحقها والامتهان، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]. والله أعلم.

    أخوكم/

    خالد المصلح

    19/12/1424هـ

    التفاصيل
    0
    1138
  • هل هذه العبارة ملزِمة لكل من قرأها؟
  • اطلعت على نشرة دعوية إلا أن صاحبها ختمها بعبارة: (أرسلها إلى عشرة من أصحابك أمانة في ذمتك وستُسأل)، سؤالي: ما حكم الشرع في أمثال هذه العبارات؟ وهل حقًّا أني أصبحت مُلزَمًا بتوزيعها إلى عشرة من أصحابي؟

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد:
    فإجابة عن سؤالك نقول وبالله تعالى التوفيق:
    هذه العبارة يكتبها بعض الناس الذين يريدون نشر ما يدعون إليه، وهي خطأ بلا شك؛ لأن فيها إلزامًا للناس بما لم يُلزمْهم الله تعالى به من حيث أصل التبليغ لقوله أو رسالته، ومن حيث العدد، فلا يجب عليك إرسالها. وأرى أن ترسل إلى صاحب هذه النشرة رسالةً تنصحه فيها ألا يكلف الناس ويشق عليهم بما لم يكلفهم الله به. 

    أخوكم/

    خالد المصلح

    20/10/1424هـ

    التفاصيل
    0
    1933
خطب مفرغة
  • الحب الحقيقي
  • إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولي مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله، إله الأولين والآخرين، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صفيه وخليله، خيرته من خلقه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته إلى يوم الدين، أما بعد: فاتقوا الله أيها المؤمنون، اتقوا الله تعالى حق التقوى، فتقوى الله تجلب لكم الخير وتدفع عنكم الشر، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾[الطلاق:3]. أيها المؤمنون عباد الله! إن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، فقام صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما أمره الله تعالى به من البلاغ المبين، وبيان ما يجب لرب العالمين، فدعا الناس إلى أن يعبدوا الله وحده لا شريك له، وأن يقولوا لا إله إلا الله خالصة بها قلوبهم، وكان صلى الله عليه وسلم على النحو الذي ذكر الله تعالى في كتابه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾[التوبة:128]، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم في قلوب أمته في أعلى درجات المحبة بعد الله تعالى، فهو أعظم المحبوبين بعد الله جل في علاه، ولذلك كان حبه فرضاً من فروض الإيمان، وقد قال الله في محكم البيان: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾[الأحزاب:6]، أي: أنه صلى الله عليه وسلم أولى بالمحبة وأولى بالنصرة وأولى بكل أمر يقدم فيه الإنسان من جنسه كله، كما جاء ذلك في قوله عز وجل: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾[الأحزاب:6]، أي: أولى بهم من جنسهم، فهو أعظم محبوب للمؤمن من الخلق كلهم. وقد جاء بيان ذلك في السنة في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس الجمعين». وهذا هو أحد معنيي الآية، أي: أنه صلى الله عليه وسلم في الحب مقدم على جمع الخلق، على الوالد والولد وعلى الناس أجمعين، ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾[الأحزاب:6] أي: من جنسهم والدٍ وولدٍ والناس أجمعين. والأمر أكثر من هذا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم في الحب مقدم على محبة النفس، فقد جاء في الصحيح من حديث عبد لله بن هشام أنه قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال عمر الفاروق: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا والذي نفس بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: والله لأنت أحب إلي من نفسي يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الآن يا عمر»، هكذا تبلغ المحبة ذروتها وأعلاها، فالنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، أي: أن حبه مقدم على حب الإنسان نفسه، وهذا يبين عظيم قدر محبة النبي صلى الله عليه وسلم وعلو منزلتها، فحبه أصل من أصول الإيمان، ولا يتم إيمان أحد إلا به، فقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾[التوبة:24].  هكذا عدد الله المحبوبات: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾[التوبة:24] ولا يوجد شيء يحب بعد هذه الثمانية، فهذه هي التي تأخذ قلوب الخلق، فإن كانت محبة هذه الأمور مقدمة على محبة الله ورسوله فاسمع إلى ما ذكره الله تعالى: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾[التوبة:24]، إن هذه الآية من أكد النصوص القرآنية التي تحث المؤمنين على تقديم محبة الله ورسوله على محبة كل محبوب. إن حب النبي صلى الله عليه وسلم به يكمل الإيمان، ويستقيم ويذوق به المؤمن حلاوة الإيمان، فقد جاء في الصحيحين من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان»، ثم عدَّدها صلى الله عليه وسلم فقال: «أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب الرجل لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار»، فإنه صلى الله عليه وسلم أعلى المحبوبات من الخلق، كيف لا وهو النبي صلى الله عليه وسلم الذي أنقذنا الله تعالى به من النار، فإن الله أخرجنا به من الظلمات إلى النور، كما قال في محكم البيان: ﴿رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾[الطلاق:11]، هكذا يبين الله تعالى سبباً من أسباب محبته وهو أنه صلى الله عليه وسلم الذي أخرج الله تعالى به قلوبنا من الظلمة إلى النور. إن البرية يوم مبعث أحمدٍ    نظر الإله لها فبدل حالها بل كرم الإنسان يوم اختار    من خير البرية نجمها وهلالها صلى عليه وعلى آله وسلم. إن حب النبي صلى الله عليه وسلم فرض على كل مؤمن ؛ لأنه لم يترك خيراً إلا دلك عليه، ولا شراً إلا حذرك منه، فما من خير إلا بيناه لك غاية البيان، ولا شر إلا حذرك منه غاية التحذير. فيا معشر الأحباب! إن نبينا إلى فوزنا داعٍ وساعٍ... ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾[المائدة:3]. روى مسلم في صحيحه من حديث سلمان رضي الله عنه قال: «قال لنا المشركون: قد علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخرأة» يعني: حتى كيف يقضى الإنسان حاجته، «فقال سلمان: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو عظم»، هكذا كانت هدايته، وهكذا كانت دلالته إلى الخير شاملة كل أمر خاص أو عام. فهو أحب شيء إلى قلوب المؤمنين، ولا عجب ولا غرابة، فهو الرحمة المهداة، أرسله الله تعالى رحمة للعالمين، يقول الله جل في علاه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾[الأنبياء:107]، فهو رحمة لجميع الخلق، مؤمنهم وكافرهم. يقول ابن عباس رضي الله عنه: من آمن بالله ورسوله فله الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن بالله ورسوله كيف يكون له رحمة؟ يقول ابن عباس رضي الله عنه: عوفي أن يصيبه ما كان يصيب الأمم قبل ذلك. فهو صلى الله عليه وسلم رحمة للمؤمنين وللكافرين. إن حب النبي صلى الله عليه وسلم أعظم ما يجب حبه من الخلق، فلا حب مقدم على حبه من بني آدم، بل من الخلق جميعاً، فقد قال ربك في وصف خصاله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾[القلم:4]، فجمع الله له محاسن الخصال وطيب الخلال. أبى الله إلا رفعه وعلوه    وليس ما يعليه ذو العرش واضع  فقد رفعه الله فكيف يضعه غيره؟! تختصر خلاله وصفاته قبل أن يمن الله عليه بالرسالة فتقول رضي الله عنها: كلا والله، لا يخزيك الله، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الدهر. حاز السيادة والكمال محمدٌ    فإليه أشتات المحامد تنسب وليس فوق قول لله قول: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾[القلم:4]، كيف لا نحبه صلى الله عليه وسلم وهو أعبد الخلق لربه، فقد قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له»، وقال صلى الله عليه وسلم في مقام آخر: «قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم»، فما حملت من ناقة فوق ظهرها أبر وأوفى ذمة من محمد صلى الله عليه سلم. رسول الله كان يقوم حتى تتفطر قدماه، كما في الصحيحين من حديث عائشة: «كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه. فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أفلا أكون عبداً شكوراً». قال حسان في وصف رسول الله: وفينا رسول الله يتلو كتابه    إذا انشق معروف من الفجر ساطع أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا    به موقنات أن ما قال واقع يبيت يجافي جنبه عن فراشه    إذا استثقلت بالكافرين المضاجع كيف لا يحب مؤمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعلم أنه بقدر محبته لرسول لله يكون في معيته يوم العرض على الله عز وجل. روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كيف تقول في رجل أحب قوماً ولم يلحق بهم؟» أي: قصرت أعماله عن أن يكون مثلهم، «فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: المرء مع من أحب»، فمن أحب رسول الله بقلب صادق كان معه صلى الله عليه وسلم. وفي الصحيحين من حديث أنس أن رجلاً أعرابياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله، متى الساعة؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما أعددت لها»، وهذا هو السؤال الذي يجب أن يوجه: ما أعدت لها؟ أي شيء تجهزت به للقاء تلك اللحظة؟ «ما أعددت لها؟ فقال الرجل: حب الله ورسوله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أحببت» وهو معنى حديث عبد لله بن مسعود: «المرء مع من أحب»، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه أن أنساً رضي الله عنه قال معلقاً على هذا الحديث: «فما فرحنا بعد الإسلام فرحاً أشد من قول النبي صلى الله عليه وسلم: فإنك مع من أحببت، قال أنس: فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر، فأرجو الله أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم». إن محبة النبي صلى الله عليه وسلم لم تقتصر على العقلاء، بل حتى على الجمادات فقد أحبته صلى الله عليه وسلم، فقد وقف على جبل أحد فقال: «أحد جبل يحبنا ونحبه». وكان صلى الله عليه وسلم يخطب الجمعة إلى جذع يتكئ عليه قبل أن ينصب له منبر، فلما انتقل صلى الله عليه إلى المنبر، يقول جابر بن عبد لله كما في صحيح البخاري: «فلما صنع له المنبر وكان صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر، سمعنا لذلك الجذع صوت كصوت العشار، حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليه يسكنه» أي: يسكته كما يُسكت الطفل، حن الجذع لرسول لله صلى الله عليه وسلم. والجذع حن حنين صب مغرم    أضحى للوعات الفراق غرين لما أبعد عنه النبي صلى الله عليه وسلم كان منه ذلك، وهذا من آياته ومعجزاته. اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك، وحب العمل الذي يقربها إلى حبك. ما صح إيمان خلا من حبه    أبلا رياش يستعد مهند اللهم ألهمنا رشدنا، وقنا شر أنفسنا، وخذ بنواصينا إلى البر والتقوى، واصرف عنا السوء والفحشاء. أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله حمد الشاكرين، أحمده حق حمده لا أحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته إلى يوم الدين، أما بعد:  فاتقوا الله أيها المؤمنون، واعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمداً صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة وكل بدعة ضلالة. عباد الله! إن محبة النبي صلى الله عليه وسلم أصل من أصول الإيمان، ولا يختلف في ذلك أهل الإسلام، وحبه في قلب كل مسلم قائم، وإن كان أهل الإيمان والإسلام يتفاوتون في محبة خير الأنام صلى الله عليه وسلم، لكنه في قلب كل مؤمن لابد أن يكون حب لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإن قصر به عمله وضعف سيره؛ فإنه لا يخلو قلب مؤمن صادق من محبة النبي صلى الله عليه وسلم. روى البخاري في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن رجلاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد الله وكان يلقب حماراً، وكان يضحِك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجيء به فجلد في الشراب وكان قد شرب الخمر فجلد، فأتي به يوماً فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فجُلد، فقال رجل من القوم: «اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به» تكرر مجيئه فقال هذا الصحابي: «اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تلعنوه» يقول صلى الله عليه وسلم: «فو الله» يقسم النبي صلى الله عليه وسلم، «فو الله ما علمت إنه يحب الله ورسوله» أي: ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله، مع كونه متلبساً بكبيرة من كبائر الذنوب، فحب النبي صلى الله عليه وسلم لا يخلو منه قلب مؤمن صادق وإن قصر به عمله، وإن تلكأ به سعيه؛ لكن المحبة درجات ومنازل، فأعلاها محبة أولئك الذين صدقوا في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت ثمار الحبة منعكسة في أخلاقهم باتباع هديه صلى الله عليه وسلم والأخذ بعمله، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾[الأحزاب:21]. إن محبة النبي صلى الله عليه وسلم تقتضي القبول لكل ما جاء به، وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾[الحشر:7]، هكذا تكون المحبة قبولاً لكل أوامره، وطاعة له فيما أمر به صلى الله عليه وسلم، كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾[النساء:80]، فمن طاعته أن لا يقبل حكم غير حكمه، يقول الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾[النساء:65]. إن من مقتضيات محبته أن يتابعه الإنسان في ظاهر أمره وباطنه، في دقيق شأنه وجليه، وأن يحرص أن يكون كما كان صلى الله عليه وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أشاد بمن اتبعه. روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كنت مع رسول لله صلى الله عليه وسلم فقال: اللهم إني أحبه فأحبه، وأحب من يحبه. قال أبو هريرة رضي الله عنه: فما زلتُ أحبه منذ أن سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقصد بذلك الحسن بن علي رضي الله عنه». إن محبة النبي صلى الله عليه وسلم تقتضي متابعته ومحبة كل ما أحبه صلى الله عليه وسلم. ومن محبته صلى الله عليه وسلم: أن يعظمه الإنسان، وأن يجله على الوجه الذي يرضاه صلى الله عليه وسلم دون غلو فيه ولا خروج عن حدود الاعتدال، فمن خرج في محبته عن حدود الاعتدال فقد نقض خروجه دعواه، يقول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾[الأحزاب:45 ]، وقال جل وعلا: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾[الفتح:9]، فإجلاله ومحبته وتعظيمه وتوقيره كل ذلك من حبه؛ لكن هذا لا يسوغ أن يرفع عن منزلته، وأن يسوى بالله رب العلمين، فأولئك الذين يقولون: (ومن علومك علم اللوح والقلم) لم يصدقوه في قوله جل وعلا: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾[الأنعام: 59]. فمن ادعى أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب، أو أنه يفرج الكربات، أو أنه يغيث الملهوفين، أو يفعل ما يقولون مما يفعله رب العالمين فإنه لم يصدق في محبته، بل هو في مناقضة ما جاء به شاء ذلك أم أبى، والمدعون للمحبة كثر، وأعظم برهان أقامه الله لصدق محبته ما ذكره في كتانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾[آل عمران:31]. إن من محبته صلى الله عليه وسلم أن يُذب عن سنته، وأن تُنصر شريعته، وأن يدافع عن أوليائه وأحبابه من المؤمنين، فكل ذلك من مقتضيات محبته صلى الله عليه وسلم. اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك، وحب العمل الذي يقربنا إلى حبك، اللهم تبّعنا سيرة نبيك صلى الله عليه وسلم وسنته وهديه في الظاهر والباطن، اللهم ارزقنا حبه محبة ترضى بها عنا، اللهم ارزقنا حبه محبة ترضى بها عنا، اللهم احشرنا في زمرته، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والرشاد والغنى، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم.

    التفاصيل
    0
    3548
  • خطبة وصية الفاروق لأمير القادسية
  • إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله، إله الأولين والآخرين، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صفيه وخليله، خيرته من خلقه، بعثه الله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق الجهاد حتى أتاه اليقين وهو على ذلك، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فاتقوا الله أيها المؤمنون، فتقوى الله تعالى خير عدة يستعد بها الإنسان للقاء ما يكرهه ويستعين بها على بلوغ ما يؤمله، فالتقوى خير مركب يبلغ به الإنسان بر الأمان، وينجو به من المهلكات وحوادث الزمان، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾[الطلاق:2-3]. أيها المؤمنون: بعث الله تعالى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم بين يدي الساعة قُبيل القيامة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فقام صلى الله عليه وسلم بالبلاغ المبين وهداية الخلق أجمعين، فرسالته لم تكن خاصة لفئة من الناس، بل كانت عامة للناس جميعاً، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾[الفرقان:1]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾[الأنبياء:107]، فكانت رسالته عامة للناس جميعاً، ولا تختص فئة من الناس، بل هي خاتمة الرسالات، فكان الإيمان به وقبول ما جاء به لازماً لكل أحد، ولا يخرج عن ذلك أحد من الإنس والجن، بل هو واجب على كل مكلف أن يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وأن يتبعه وأن يقبل ما جاء به، «والذي نفسي بيده! لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بي إلا كان من أهل النار»، هكذا قال صلى الله عليه وسلم مبيناً نسخ رسالته لكل الرسالات والشرائع، فما من شريعة ولا رسالة بعد رسالته قائمة، بل كلها منسوخة بشريعته، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾[آل عمران:19]، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾[آل عمران:85]. وهكذا هو الأمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، آمن به من آمن، وعانده وكذبه القريب والبعيد، فكان في أول الأمر مكذَّباً من قومه قبل غيرهم، فأظهره الله تعالى عليهم بالحجة والبيان والبراهين والأدلة، ثم أظهره ثانياً بالسيف والسنان والغلبة في أراضي القتال، فنصر الله ورسوله، وأعز دينه، وأنجز وعده، وهزم الأحزاب وحده جلَّ في علاه، وكان ذلك إيذاناً بانطلاق هذه الرسالة إلى العالم كله، فخرج أصحابه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم -خارج الجزيرة- إلى الشام والعراق ينشرون الدين، ويطلبون من الناس أن يعبدوا الله وحده لا شريك له، ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، ليخرجوهم من عبادة غير الله إلى عبادة الله وحده، فذلَّ لهم من قابلهم ومن عاندهم بقوة الله وعزته وما يسر لهم من أسباب النصر، فانتصروا على أعظم مملكتين في ذلك الزمان، انتصروا على الروم وعلى فارس في المشرق والمغرب، فتحقق وعد الله تعالى بنصرهم ونصر ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال جل في علاه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾[الروم:47]، وكما قال جل في علاه: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾[غافر:51]. فأنزل الله نصره على رسوله صلى الله عليه وسلم أولاً، ثم أنزله على أصحابه بعده -صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورضي الله عنهم- فقاموا بهذا الدين حق القيام، ولما كانوا على أحسن حال في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والدعوة إلى ما جاء به كان النصر حليفهم، وكان تأييد الله تعالى معيناً لهم، فبلغهم ما أمَّلوا، وإذا نظرت في ذلك الزمان وما كانوا عليه من القوة الضعيفة وقلة ذات اليد في مقابل ما كان عليه أعداؤهم من القوة والمُكنة عرفت أن النصر لا يكون بقوة العتاد، بل النصر يكون أولاً: بقوة ما في القلوب من الإيمان واليقين، فإن الله تعالى جعل النصر لأوليائه، وجعل نصرهم بسبب إيمانهم. ولتعرف سر النصر وسببه استمع إلى هذه الكلمات التي كتب بها الفاروق عمر بن الخطاب لسعد بن أبي وقاص قائد القادسية، فيقول له في كلمات موجزات تلخِّص أسباب النصر وتبين كيف تخرج الأمة من محيط الذل الذي أحاط بها في هذا الزمان، يقول عمر لسعد بن أبي وقاص موصياً له: أما بعد، فإني آمرك ومن معك بتقوى الله على كل حال. هذا هو الأمر الأول وهو تقوى الله على كل حال، لماذا التقوى؟ يقول رحمه الله: فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب. ثم يقول له رحمه الله في كتابه: وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، فإنما يهزمون بذنوبهم، ويُنصر عليهم بذنوبهم. يقول رحمه الله ورضي الله عنه: وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة؛ لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عُدتنا كعدتهم، فإذا استوينا في المعاصي كان لهم الفضل علينا في القوة، فإن لم نُنصر عليهم بفضلنا وطاعتنا وتقوانا فلن نغلبهم بقوتنا. فهذه الوصية المختصرة الموجزة هي سر انتصار المسلمين في تلك الفتوحات، وهي التي فتحت الدنيا لقوم خرجوا ليس معهم إلا أسلحة بسيطة وأعداد قليلة، في مقابل إمبراطوريات ومملكات من أقوى وأعتى مملكات الدنيا في ذلك الزمان. فالنصر يكون في القلب أولاً، ويكون في السلوك أولاً، ويكون في الهدي أولاًً، ثم إذا كان كذلك فإن الله تعالى يذلل الصعاب ويبلغ العبد مُناه، ويبلغ به ما يؤمله من الخير. فاتقوا الله أيها المؤمنون، اتقوا الله تعالى لتُنصروا في أمركم الخاص وفي أمركم العام، فتقوى الأمة هي مجموع تقوى كل واحد منا. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلني وإياكم من المتقين، ومن عباده الصالحين وأوليائه المفلحين، وأن يقر أعيننا بنصر الإسلام والمسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

     


    الحمد لله الملك الحق المبين، له الحمد كله، أوله وآخره، ظاهره وباطنه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فاتقوا الله أيها المؤمنون، اتقوا الله تعالى حق التقوى، فتقوى الله تعالى خير ما تزود به العبد لإدراك سعادة الدنيا والنجاة يوم القيامة، ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾[البقرة:197]. أيها المؤمنون عباد الله: إن للنصر عوامل وأسباباً إلى ذلك، فأول ذلك وأهمُّه: أن يكون الإنسان على ما يرضي الله تعالى في سلوكه وعمله، فإن النصر إنما هو بالعمل لا بالقوة المادية فحسب، على أن القوة المادية لابد منها، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾[الأنفال:60]، لكن القوة الحقيقية ليست فيما يُرمى به، وإنما في قوة قلب الرامي وإيمانه بالله عز وجل، فإنه إذا كان كذلك كان الله معه، ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾[الأنفال:17]. أيها المؤمنون: الله تعالى يجمل أسباب النصر في مواضع عديدة من كتابه، ومن أجمع ذلك ما ذكره جل في علاه في سورة الأنفال حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾[الأنفال:45-47]، فهذه الآيات الثلاث جمعت أسباب النصر في اختصار وإيجاز، وهي تفصيل للتقوى التي يتحقق بها النصر لأمة الإسلام: فأول تلك الأسباب: الثبات على الحق باليقين، وأنه مهما أصاب الناس من ضعف ومهما أصاب المسلمين من انكسار فإنما هو من قِبَل أنفسهم، كما قال الله تعالى لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصابهم ما أصابهم يوم أحد فهُزموا وبينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن أظهرهم الله على عدوهم قالوا: ﴿أَنَّى هَذَا﴾[آل عمران:165]؟ فجاء جواب رب العالمين: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾[آل عمران:165]، إنه بسبب المعصية والمخالفة، إنه بسببٍ منكم، فلما ضعفتم هُزمتم وخلى الله بينكم وبين أعدائكم. والسبب الثاني من أسباب النصر: ذكر الله تعالى، يقول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[الأنفال:45]، وأول ذلك ذكره بالقلب، فإن ذكر القلب رأس الذكر وأصله، فإذا لم يكن قلب الإنسان ذاكراً فلا ينفع أن يكون بدنه ولسانه متحركاً بذكر الله؛ لأن القلب معزول عن أثر ذلك الذي يجري في اللسان، لذا كان الذكر في أول مراتبه وأعلى منازله أن يكون بالقلب بأن يمتلئ القلب محبة لله وتعظيماً، وشهوداً لآلائه، وإقراراً بإلهيته وقدرته وعزته جل في علا، فإذا اشتغل الإنسان بالذكر حصل أسباب الفلاح، ففي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سبق المفردون، قالوا: يا رسول الله! من المفردون؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات»، إلى أي شيء سبقوا؟ هل قال النبي سبقوا إلى الجنة؟ هل قال النبي سبقوا إلى النصر؟ هل قال النبي سبقوا إلى السعادة في الحياة الدنيا أو غير ذلك من المسبوق إليه مما يُغتنم ويُرجى؟ الجواب: لا، قال فقط: «سبق المفردون»، ولم يذكر إلى أي شيء سبقوا؛ لأنهم سبقوا إلى كل خير وفضل وما يتسابق إليه من أمر الخير في الدنيا والآخرة، فإذاً هو سبق إلى كل فضيلة ومن ذلك النصر، ولذلك قال الله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[الأنفال:45]، وأعظم ذكره هو إقبال العبد على الله عز وجل بقلبه في صلاته وفي الواجبات التي شرعها له وفي تلاوة كتابه فإنه أفضل الذكر وأعظمه. والسبب الثالث من أسباب النصر: طاعة الله ورسوله، يقول الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا﴾[الأنفال:46]، فأمر الله عز وجل بطاعته وطاعة رسوله؛ لأنها معقد الفلاح وطريقة النجاة، ونهى عن التنازع وهو الاختلاف، وما أكثر الاختلاف في حياة الناس اليوم، وليس المقصود أن لا تختلفوا، وإنما قال: ﴿وَلا تَنَازَعُوا﴾، فالاختلاف حدث في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه صلى الله عليه وسلم لكنهم لم يتنازعوا، فشتان بين الاختلاف الذي يحفظ فيه الود وتبقى فيه أواصر الأخوة وبين التنازع الذي يتحول إلى تناحر وتضارب وإلى اشتباك واشتغال بالنفس عن العدو. ﴿وَلا تَنَازَعُوا﴾، فإذا حصل النزاع وهو الواقع في حياة الأمة اليوم، بل منذ سنين، يقول تعالى: ﴿فَتَفْشَلُوا﴾[الأنفال:46]، والفشل هو عدم إدراك النجاح، وعاقبة هذا الفشل هو الاضمحلال، ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾[الأنفال:46] أي: تزول قوتكم، ويزول سلطانكم، ويزول تفوقكم، فلا يبقى لكم شيء. السبب الرابع من أسباب النصر: الصبر، يقول الله تعالى: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾[الأنفال:46]، فلا تدرك تلك المراتب من الثبات والذكر والطاعات لله ورسوله وترك التنازع إلا بالصبر، لذلك أمر به، ووعد الصابرين خيراً فقال: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. السبب الخامس من أسباب النصر: الإخلاص لله عز وجل، فبعد ذكر الأسباب المتقدمة رجع إلى القلوب منبهاً إلى ضرورة العناية بها فقال: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا﴾[الأنفال:47] علواً واستكباراً، ﴿وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ أي: ليرى الناس قوتهم ويمدحوا مقامهم فيقولوا: شجعان، أو يقولوا: فرسان، أو يقولوا: أقوياء، فهذا كله لغير الله، ولذلك لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل حمية ويقاتل ليرى مكانه ويقاتل ليقال جريء؛ أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله». فالقتال الذي يعلو به الإنسان ويدرك به مراتب الخير في الدنيا والآخرة إنما هو ما كان مقصوداً فيه إعلاء كلمة الله، لا للانتصار للنفس ولا للجماعة ولا لوطن ولا لحزب ولا لفئة، بل هو لنصرة الله عز وجل وإعلاء كلمته، وهكذا يتحقق النصر بهذه الأسباب. وإذا فتشنا في أحوالنا وجدنا أن كثيراً من ذلك غائباً في مجموع الأمة لا في أفرادها، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين»، فمهما كانت الأمة في السفول والنزول فيبقي الله فيها من يحفظ بهم دينه ويعلي بهم كلمته، «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين»، ومعنى ظهورهم: أنه لا ينالهم أحد بسوء، «لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». فاجتهد يا أخي في هذه الأزمنة أن تكون من هذه الفئة الظاهرة بوعد الله ورسوله، الظاهرة بالاستقامة على الطاعة والعمل بالشريعة في الظاهر والباطن، والنصرة لله ورسوله ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. اللهم ألهمنا رشدنا، وقنا شر أنفسنا، اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، الأحد الصمد، أن تنصر إخواننا المجاهدين في كل مكان، اللهم انصر إخواننا المجاهدين في كل مكان، اللهم انصر إخواننا المجاهدين في كل مكان يا ذا الجلال والإكرام، اللهم انصرهم يا حي يا قيوم في سوريا، اللهم اكتب لهم فرجاً عاجلاً، اللهم اكتب لهم فرجاً عاجلاً، اللهم خلِّصْهم ممَّن ظلمهم وبغى عليهم يا قوي يا عزيز، اللهم إنا ندرأ بك في نحر كل عدو للإسلام ظاهراً أو مستتراً حيث كان وحيث نزل يا حي يا قيوم. اللهم بديع السماوات والأرض ذا الجلال والإكرام والعزة التي لا ترام، يا الله، يا رحمن، نسألك بوجهك الكريم وبعظمتك التي لا يقوم لها شيء أن تنصر إخواننا المستضعفين في كل مكان، اللهم انصر إخواننا المستضعفين في كل مكان، اللهم آمن روعاتهم، واستر عوراتهم، واحقن دماءهم، وآمنهم على أعراضهم وأموالهم وأنفسهم. اللهم إنا نسألك في هذا المقام الذي نرجو فيه فضلك ونؤمل فيه عطاءك أن تجعلنا من عبادك المتقين، وأن تمن علينا بالاستقامة على الدين ظاهراً وباطناً، اللهم واختم لنا بخير يا حي يا قيوم، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا ذا الجلال والإكرام. اللهم اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رءوف رحيم. اللهم صل على محمد وعلى آله محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آله إبراهيم، إنك حميد مجيد.

    التفاصيل
    0
    2392
  • خطبة: الارتباط الوثيق بين الدين والأخلاق
  • الارتباطُ الوثيقُ بين الأَخلاقِ والدِّين

    الخطبة الأولى

    إن الحمد لله نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

    أيها المؤمنون.
    إن من المقاصدِ الكبرى لدِينِ الإسلامِ إتمامَ صالحِ الأخلاقِ وإكمالَها، قال الله تعالى:﴿ لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ سورة آل عمران: (164)
    وعن أبي هريرة  رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إنما بُعثتُ لأتمِّمَ صالحَ الأخلاقِ» أخرجه أحمد (8595)، والحاكم (4221) وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه "
    فالأخلاقُ أيها المؤمنون أمرُها في الشَّريعةِ عظيمٌ، وشأنُها كبيرٌ، فبقدرِ ما معك من طيِّبِ الأخلاقِ، وكريمِ السجايا والآدابِ، بقدرِ ما يكونُ معك من استقامةِ الدِّينِ، فالدِّينُ كُلُّه خُلقٌ، فمن زاد عليك في الأخلاقِ زاد عليك في الدِّينِ.
    فحُسْنُ الخُلُقِ دِينُ ربِّ العالمين، وهدْيُ سيدِ البشَرِ، وخاتمِ النبيين؛ ولذلك قال الله تعالى في وصفِ خاتمِ النبيين:﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) سورة القلم: (4).
    وحُسٍنُ الخلُق أيها المؤمنون هو صفةُ عبادِ اللهِ المتَّقين، وبه تُحصَّلُ الدرجاتُ، وتُرفعُ المقاماتُ، وتتحقَّقُ المقاصدُ والغاياتُ. 
    حُسنُ الخلُقِ يا عباد الله واجبٌ، أمَرَ اللهُ به المؤمنين، فقال اللهُ ربُّ العالمين: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) سورة الأعراف: (199)
    وقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «اتَّقِ اللهَ حيثُما كنْتَ، وأتبِعْ السَّيئةَ الحسَّنةَ تمحُها، وخالِقْ الناسَ بخُلُقٍ حسَنٍ» أخرجه أحمد (20392)، والترمذي (1910)، وقال: " حسن صحيح" 
    أيها المؤمنون.
    إن الدِّينَ القويمَ، والإيمانَ الراسخَ قوةٌ عاصمةٌ من دنايا الأخلاقِ وسيِّئِها، وهو قوةٌ دافعةٌ إلى طيِّبِ الأخلاقِ وشريفِها؛ ولذلك ما أكثرَ ما يقولُ اللهُ تعالى في كتابِه المبينِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ثم يذكر بعد هذا النداءِ لأهلِ الإيمانِ أمراً بالأخلاقِ الفاضلةِ، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) سورة التوبة: (119).
    أو نهياً عن أخلاقٍ سيئةٍ رديئةٍ، كقوله تعالى: ﴿  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) سورة الحجرات: (11)
    وهذا يوضِّح لنا- أيها الإخوةُ الكرامُ- أن الإيمانَ القويَّ يلِدُ الخُلقَ القويمَ، والسلوكَ المستقيمَ، وأن أيَّ اختلالٍ في أخلاقٍ الناسِ، أو نقصٍ في آدابِهم يرجِعُ إلى ضعفِ الإيمانِ، وقلَِّة الدِّينِ، وإليك بعض الأمثلةَ، التي تبيِّنُ الارتباطَ الوثيقَ بين سوءِ الخلقِ، وضعفِ الإيمانِ والدينِ:
    فالرجلُ الذي يكذِبُ في أقوالِه وأعمالِه ليس صادقاً في إيمانِه، فإن الكذِبَ يهدي إلى الفجورِ، وإن الفجورَ يهدي إلى النارِ.
    والرَّجُلُ الذي يؤذي جيرانَه، ويرْمِيهِم بالسُّوءِ، قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «واللهِ لا يؤمنُ، واللهِ لا يؤمنُ، واللهِ لا يؤمنُ، قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جارُه بوائقَه» أخرجه البخاري (6016) من حديث أبي شريح  رضي الله عنه.
    والرَّجُلُ الذي أطلقَ للِسانِه العنانَ، يتكلَّمُ في الأعراضِ، ويؤذي العبادَ بالغِيبةِ والنميمةِ والفُحشِ وسيئِ القولِ لم يحقِّقْ إيمانَه: «من كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ، فليقل خيراً أو ليصمت» أخرجه أحمد (20392)، والترمذي (1910)، وقال: " حسن صحيح"..
    والرَّجلُ الذي عبَّس وجهَه، واكفَهَرَّ، ومحا عن وجهِهِ البسْمةَ الرَّقيقةَ الحانيةَ، ورسمَ عليه النظراتِ المريبةَ، والكشْرةَ القبيحةَ، لم يبلغْ درجةَ المؤمنِ الصادقِ في إيمانِه ودينِه:«لا تحقِرَنَّ من المعروفِ شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طلقٍ» أخرجه مسلم (6857) من حديث أبي ذر  رضي الله عنه .
    « والكلمةُ الطيبةُ صدقةٌ » أخرجه البخاري (2989)، ومسلم (2382) من حديث أبي هريرة  رضي الله عنه
    والرجل الذي بخِلَ بالسلامِ، وأخلى قلبَه من محبةِ أهلِ الإسلام، وملأَهُ بالحقدِ والغلِّ والآثامِ، لم يحقق الإيمانَ، ففي "صحيح مسلم" قال صلى الله عليه وسلم: «لا تدخلوا الجنةَ حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلُّكُم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلامَ بينكم»"صحيح مسلم "(81) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
    وهكذا أيُّها المؤمنون يِمضي الشَّرعُ المطهَّرُ في بناءِ الأخلاقِ، وغرسِ الفضائلِ، معتمداً في ذلك على صدقِ الإيمانِ باللهِ تعالى، فكلَّما زادت الفضائلُ والأخلاقُ المستقيمةُ في العبدِ، كان ذلك دليلاً على صحةِ إيمانِه، وسلامةِ دينِه.
    ففي "الصحيحين" قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من خيارِكم أحاسِنَكم أخلاقاً» صحيح البخاري" (3295)، ومسلم (4285) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص
    وقال صلى الله عليه وسلم: «أكملُ المؤمنين إيماناً أحسنُهُم خُلُقاً» أخرجه أحمد (7095)، والترمذي ( 1082)من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ،وقال الترمذي:"حسن صحيح"
    فالإيمانُ والدِّينُ والأخلاقُ والآدابُ عناصِرُ مُتماسِكةٌ، لا يستطيعُ أحدٌ تمزيقَ وشائِجِها وصلاتِها. اللهم آتِ نفوسَنا تقواها، وزكِّها أنت خيرُ من زكَّاها. 
     
    الخطبة الثانية :
    أيها المؤمنون.
    اتقوا اللهَ تعالى، وذروا ظاهرَ الإثمِ وباطنَه، فإن حُسنَ الخلُقِ، الذي أمرَ به اللهُ تعالى ورسولُه صلى الله عليه وسلم ليس ابتسامةً باردةً، ولا آداباً ظاهريةً زائفةً، بل هي آدابٌ وفَضَائلُ، يَبتغي بها المؤمنُ وجهَ اللهِ تعالى، يوافِقُ فيها الظاهرُ الباطنَ، كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:«لا  يؤمنُ أحَدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسِه» أخرجه البخاري (12)، ومسلم (64) من حديث أنس  رضي الله عنه
    وهذا أمرٌ مهمُّ، ومَعْلَمٌ كبيرٌ، يميِّزُ أخلاقَ أهلِ الإسلامِ عن أخلاقِ غيرِهم. 
    فحُسنُ الخلُقِ الذي يُطالَبُ به أهلُ الإسلامُ سلامةٌ في الظاهرِ، ونقاءٌ وصفاءٌ في الباطنِ. 
    أيها المسلمون.
    إن القاعدةَ الكبرى التي تنبثِقُ منها فضائلُ الأخلاقِ، وتَصْدرُ عنها مكارمُ الآدابِ، هي قولُ الله تعالى:﴿خُذ العَفْوَ وأْمُرْ بالعُرْفِ وأَعْرِضْ عن الجاهِلِين) سورة الأعراف: (199)، فهذه الآيةُ تجمعُ حُسنَ الخُلُقِ على وجهِ الكمالِ، فهي تأمرُ بإيصالِ الخيرِ إلى كلِّ أحدٍ من المسلمين، وتحثُّ على تحمُّلِ الجناياتِ، والعفوِ والصفحِ عن الزَّلاتِ، وتأمرُ بمقابلةِ السيئاتِ بالحسناتِ. 
    أيها المؤمنون.
    إن من القضايا الكبرى التي تحتاجُ إلى تنبيهٍ متَّصِلٍ، ونُصحٍ دائمٍ لترسُخَ في الأفئدةِ والأذهانِ أن المسلمَ الذي يقومُ بما فرضَ اللهُ عليه من الصلاةِ والزكاةِ والصيامِ والحجِّ، وغيرِ ذلك من الواجباتِ الشرعيةِ، ثم هو بادي الشرِّ، كالحُ الوجهِ، قريبُ العدوانِ، سيِّئُ الأخلاقِ، إن هذا المسلم ليس امرءًا تقيًّا، بل هو مفلسٌ عصيٌّ.
    ففي "الصحيح" قال صلى الله عليه وسلم:«أتدرون من المفلسُ؟ قالوا: المفلسُ فينا مَن لا درهمَ له ولا متاعَ، فقال صلى الله عليه وسلم مصحِّحاً مبيِّناً: المفلسُ مِن أُمَّتي من يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ، ويأتي وقد شتَمَ هذا، وقذَفَ هذا، وأكل مالَ هذا، وسفَكَ دمَ هذا، وضرَبَ هذا، فيعطى هذا من حَسَناتِه، وهذا من حَسَناتِه، فإن فنِيَت حسناتُه قبل أن يُقضى ما عليه، أخَذَ من خطاياهُم، فطُرِحَت عليه ثم طُرِح في النَّارِ» صحيح مسلم" (4678) من حديث أبي هريرة  رضي الله عنه
    فاتقوا اللهَ عباد اللهِ، وحافظوا على شرائعِ الدِّينِ، وأركانِ الإسلامِ، وخذوا بفضائلِ الأخلاقِ، ومكارمِ الآدابِ، فإن العبدَ يبلُغُ بحُسنِ خُلُقه درجةَ الصائمِ القائمِ.
    التفاصيل
    0
    2223
  • خطبة: أثر الربا
  • إن الحمد لله  ، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    فاتَّقوا الله أيها المؤمنون، اتَّقوا الله حق التّقوى، فإن تقوى الله تعالى سبيل النجاة، هي الطريق القويم الذي يدرك به الإنسان سعادة الدنيا وفوز الآخرة، والله جل وعلا أنزل الكتاب المبين، وهدى عباده المؤمنين إلى ما يكون به سعادة دنياهم وما يكون به فوز أخراهم، فقال جل وعلا: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾[الإسراء:9]، فكل هدي وسبيل يخرج عن طريق القرآن وسننه وسبيله، فإنما هو سبيل من سبل الشقاء، وقد يتوارى ويخفى ذاك عن كثير من الناس في بدايات الأمور، إلا أن العواقب يتبين بها خطأ البدايات، فإن كثيراً من الناس يدرك بانحرافه شيئاً من اللذة أو شيئاً من المطالب النفسية في مخالفته لأمر الله تعالى، لكن سرعان ما تنقلب تلك المخالفات وتلك الأعمال إلى غصص وأنكاد يصطلي بنارها الإنسان في قلبه، كما أنها تنعكس على مسيرته ومسلكه، كما أنها تطال مجتمعه وأمته، بل تطال الناس جميعاً، ولذلك كان من حق الناس أن يأمروا بالمعروف وأن يتناهوا عن المنكر لتقوم السلامة بينهم، ويصح وجودهم ويسلم مجتمعهم.
    أيها المؤمنون! إن مخالفة أمر الله تعالى في أمر من الأمور، قد يخفى نتاجها على كليل البصر ضعيف النظر، الذي يحصر نظره في الآني والساعة، لكن مع مرور الوقت وتبيُّن الأمور يتضح عظيم الضرر في مخالفة أمر الله ورسوله، وخذ لذلك مثلاً: الزنا يدرك الإنسان به شيئاً من اللذة، ويُفرغ به شيئاً من مطلب نفسه، لكن شيوعه وظهوره مؤذن بفساد كبير وشرٍّ عظيم على الفرد والمجتمع، وما هذه النسب العالية من انتشار الأمراض والتفكك الأسري وضياع الأنساب وما إلى ذلك من بلايا ينالها من بُلوا بهذه الظاهرة، وشيوعها بينهم- إلا نموذج يمكن أن يُحتذى في كل مخالفة لأمر الله ورسوله. 
    إن الربا حرمه الله تحريماً قاطعاً في كتابه الحكيم، ووصف أهله بأبشع الأوصاف فقال جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾[البقرة:274]، فهذا الوصف بيان لعظيم الاضطراب الحاصل بأكل الربا وشيوعه، فإن ظهور الربا وشيوعه بين الناس هو سبب للاضطراب، كما أن ذاك المصروع الذي بلي بتسلط الجان عليه لا يستقيم له حال ولا تصلح له مسيرة، بل هو في اضطراب وانتكاس وتدهور وتسلط من الشياطين عليه، فكذاك كل من بلي بأكل الربا لا بد أن يناله من هذا التخبط ما يصدق به قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾[البقرة:274]
    إن الاقتصاد العالمي مبنيٌّ على أكل الربا، ولذاك أكل الربا هو روح الرأسمالية التي تحكم الاقتصاد العالمي، وبالتالي نحن نشهد في هذه الأيام نموذجاً من النماذج التي أثمرها هذا النظام من الاضطراب الذي لا ينحصر في مجال، ولا يقتصر على ناحية من نواحي الحياة، فإن الاضطراب الاقتصادي يطال أثره وضرره جميع النواحي الإنسانية، في مسالك الناس الخاصة وفي مسالكهم العامة، في مسيرة الأفراد كما أنه في مسيرة الأمم والمجتمعات.
    أيها المؤمنون! إن الأزمة الاقتصادية التي أصمَّت آذاننا سماعاً، فيما نسمعه من القنوات ووسائل النشر، كذلك أعمت أبصارنا فيما نقرؤه ونشاهده من آثار تلك الأزمة التي عجَّت وأصابت نظاماً اقتصادياً يحكم العالم، لا شك أنه برهان قاطع على سوء عاقبة أكلة الربا، فإن سبب هذه الأزمة لم يشخصه عالم ولم يتكلم به واحدٌ من علماء المسلمين، بل الذي شخصه هم أصحابها؛ ذلك أن السبب لهذه الأزمة هو شيوع الربا بصوره ابتداءً وانتهاءً، ببيع الديون والقروض وتحويل العقارات إلى أوراق مالية تتداول، فيكون بذلك أكل الربا أضعافاً مضاعفة حتى عجز المدينون عن السداد، وعجزت البنوك عن توفية احتياجات الناس، فأصاب الناس ما أصابهم من أزمة اقتصادية كبرى تكاد تعصف بهذا النظام.
    أيها المؤمنون! إن المؤمن يبصر بنظر الشريعة، فلا تستفزُّه الحوادث، ولا تقلقه تلك المظاهر التي تكون إما في دعم نظرية مخالفة للشريعة أو في إسقاطها، بل يجب على المؤمن أن ينطلق من قول العليم الخبير الذي هو بكل شيء عليم، فالله تعالى سبحانه وبحمده عالم بمصالح الخلق، وجاءت شريعته تهدي للتي هي أقوم في كل جانب وفي كل شأن.
    اللهم ألهمنا رشدنا، اللهم ألهمنا رشدنا، اللهم قنا شر أنفسنا، اللهم أرنا الحق حقَّاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
    أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
     
    الخطبة الثانية :
    الحمد لله رب العالمين، أحمده جل في علاه، لا أحصي ثناءً عليه كما أثنى على نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
    فاتقوا الله أيها المؤمنون، اتقوا الله تعالى، وثقوا بوعده والتزموا شرعه، فإن كل من اعتصم بالله فقد فرَّ إلى من بيده ملكوت كل شيء، الذي يرفع من يشاء ويضع من يشاء، يهب الملك لمن يشاء وينزعه ممن يشاء، فالله جل وعلا بيده مقاليد الأمور، إلا أنه سبحانه جرت حكمته بأن يملي للظالم، أي: يجعل له من المكنة والتسلط والتمكن ما قد يكون سبباً لزيادة ظلمه ومضيِّه في غَيِّه، لكن العاقبة للمتقين، وبنهايات الأمور تتبين صحة البدايات، فمن كانت بدايته صحيحة كانت نهايته وعاقبته حميدة، ومن كانت بدايته منحرفة فإنه وإن حصَّل ما حصَّل في بدايات طريقه لابد وأن ينكشف عواره، وأن يظهر زوره، وأن يتساقط كل بهرج وزخرف يوضع لتجميل مظهره ومنظره.
    إن الرأسمالية التي شاعت وانتشرت في اقتصاديات الدنيا، قائمةٌ على أكل المال بالباطل، قائمة على الظلم والغرر وسائر المحرمات الشرعية.
    إن الشريعة بنت نظامها الاقتصادي من لدن حكيم خبير، على تحريم الربا في أول محرماته، ثم على تحريم الغرر والميسر، ثم على تحريم أكل أموال الناس بالباطل بألوان وأنواع من التغرير، وغير ذلك من وسائل التدليس التي يؤكل بها أموال الناس، بل الله جل وعلا قرن بين النهي عن أكل المال بالباطل وقتل النفوس، فقال جل وعلا: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، ثم ذكر النهي عن قتل النفوس، ذلك أن المال قليل النفع، فكم من إنسان يهلك بهلاك ماله ولا قوام للناس إلا بأموالهم، لذا يجب علينا أيها المؤمنون أن نعظم شرع الله وأن نلجأ إليه، ففيه المخرج والمهرب.
    إن المؤمن ينبغي أن يستفيد من هذه الحادثة ليس فقط في نظام اقتصادي أو في شأن من شؤون حياته، بل يجب أن يعمِّمه على كل شأن من شؤون الدنيا، فإن طاعة الله تعالى فلاح، ومعصيته خيبة وخبال وخسار، ليس فقط في الآخرة، بل إن ذلك في الدنيا بظلمة القلوب وانتشار الفساد، قال الله جل وعلا: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾[الروم:41]
    اللهم إنا أسألك الهدى والتقى والعفاف والرشاد والغنى، اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، اللهم قنا شرَّ كل ذي شرٍّ أنت آخذ بناصيته.
    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رءوف رحيم.
    اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.     
    التفاصيل
    0
    3874
  • خطبة : احرص على ما ينفعك
  • الخطبة الأولى :

    إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، أحمده جلَّ في علاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتَّبع سنته بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    فاتَّقوا الله عباد الله، اتَّقوا الله تعالى حق التقوى، فإن تقوى الله تعالى سبب لخير الدنيا والآخرة، فالله ينجي المتقين بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون، والله جل وعلا وعد المتقين مفازاً:﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾[النبأ:31].
    فتقوى الله تعالى هي خير ما يتزود به العبد لمقابلة ما يعانيه من أمر الدنيا، من أهوالها وكرباتها وشدائدها وبلاياها، ومن أعظم ما ينجو به العبد يوم القيامة، يوم لا درهم ولا دينار، وإنما هي الأعمال التي هي مطايا عباد الله.
    أيها المؤمنون! إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خصَّه الله تعالى بأن آتاه جوامع الكلم، وجوامع الكلم هي الكلمات القليلة التي تشمل خيراً كثيراً ونفعاً ممتداً لا يحده زمان ولا مكان، فتتجاوز المعاني الألفاظ، فعلى وجازة اللفظ يكون نفع الكلام وعظيم أجله كبيراً لا يحدُّه حد، ولا يقتصر عند أمد أو مكان أو زمان.
    أيها المؤمنون! روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير»، ثم قال صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك أمر فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، وإنما قل: قَدَرُ الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان».
    فهذا الحديث النبوي الجامع لخير كثير في أمر الدين وأمر الدنيا، كثير من الناس في غفلة عنه ومخالفة له، فإن الحديث قد جمع من أبواب السعادة ومفاتيح انشراح الصدر وطمأنينة القلب، ما إذا أخذ به المؤمن فاز فوزاً عظيماً وسبق سبقاً كبيراً.
    إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «احرص على ما ينفعك»، وهذه وصية لكل مؤمن أن يحرص على ما ينفعه، وما ينفعك إما أن يكون في أمر دينك، وإما أن يكون في أمر دنياك، وكلاهما يشمله قول النبي صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك».
    وإنَّ الحرص مقتضاه السعي والكد والعمل في تحصيل المطالب وإدراك المرغوبات والمحال، إن الحرص لا يمكن أن يكون قائماً في منهج أحد ولا في عمله وقد توانى وكسل، فإن من الخذلان مسامرة الأماني كما أن من التوفيق بغض التواني، والإنسان لابد أن يسعى ليدرك مطلوبه في أمر الدنيا وأمر الآخرة.
    توكل على الرحمن في الأمر كله ولا ترغبن في العجز يوماً عن الطلب 
    ألم تر أن الله قال لمريم وهزي إليك الجذع يتساقط الرطب
    ولو شاء أن تجنيه من غير هزِّه جنته ولكن كلُّ رزق له سبب
    فينبغي للمؤمن أن يسعى في تحصيل الأمور وإدراكها، إن الطالب الذي يتوانى عن التحصيل طوال العام ثم يريد نجاحاً ليس صاحب عقل ولا كيس ولا فطنة، إن التاجر الذي يتراخى في تجارته ثم يريد مكاسب وجني أرباح لا يمكن أن يدرك ذلك بالكسل، فإنه من لم يطلب ويجد لم يجد ولم يحصِّل، فينبغي لنا أن نعمل بهذه الوصية، وأن نأخذها في أمر ديننا وأمر دنيانا، أن نحرص حرصاً عظيماً على كل ما فيه نفعنا، ولقد أمركم ربكم بذلك فيما أمركم به نبيكم صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك»، وليس ذلك مقصوراً على طاعة أو عبادة، بل يشمل كل أمر يكون من أمر الدنيا والآخرة، فإن كل شيء له سبب يُدرك به. 
    اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والرشاد والغنى، اللهم ألهمنا رشدنا وقنا شر أنفسنا.
     
    الخطبة الثانية:
    الحمد لله حمد الشاكرين، أحمده سبحانه وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
    فاتقوا الله عباد الله، اتقوا الله تعالى تدركوا مطالبكم وتحصلوا خير الدنيا والآخرة، قال الله تعالى:﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:3]، وقال جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا*وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾[الطلاق:2 - 3].
    أيها المؤمنون! إن الإنسان يسعى في هذه الدنيا، وسعيه لا يُخرجه عن قدر الله تعالى، فكل شيء بقضاء وقدر، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾[القمر:49]، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يدرك الإنسان مطالبه في دين أو في دنيا إلا بأمرين: بالحرص الذي هو كد الإنسان البدني وعمله وجهده في سعيه، كما أنه لابد أن يعطف على ذلك عملاً قلبياً وهو الاستعانة بالله تعالى، طلب العون ممن بيده مقاليد كل شيء، فلا يدرك الإنسان أمراً من أمر الدنيا إلا بعون الله تعالى، فشربة الماء لو لم يعنك الله تعالى على تحصيلها ما حصلتها، فكيف بالأمور العظيمة والكبيرة، فالله تعالى يُطلب منه كل شيء، ويُسأل منه الدقيق والجلي.
    «احرص على ما ينفعك»، ولا تنس: «واستعن بالله»، فإن من الناس من يحرص على ما ينفعه لكنه يعتمد على جهده ويرى نفسه أهلاً لإدراك كل مطلوب، وإذا وُكل الإنسان إلى جهده وعمله فإنه وكل إلى ضعف وهوان.
    إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده
    إننا بحاجة إلى أن نعلق قلوبنا بالله تعالى في طلب العون في دقيق الأمر وفي جليله، في صلاح أنفسنا وصلاح أولادنا، واستقامة أحوالنا، استقامة دنيانا وأخرانا، إننا لا ندرك مطلوباً من المطالب إلا بصدق الاعتماد على الله تعالى، فمن صدق في اعتماده على الله وسعى بأخذ الأسباب وتوكل عليه جل وعلا في إدراك مطلوبه كان ذلك من أسباب نجاحه وإدراك سعيه.
    على المرء أن يسعى ويبذل جهده ***ويقضي إله الخلق ما كان قاضيا
    فالله جل وعلا يقضي ما يشاء ويحكم ما يريد، فإذا جاء الأمر على خلاف ما تحب وتتمنى بعد حرصك واستعانتك؛ فاعلم أن الله لم يقدر ذلك لك لا عجزاً ولا إخلافاً لوعد ولا بخلاً، فهو الغني الحميد القوي العزيز جل وعلا، وإنما اقتضت حكمته ورحمته أن يمنعك لمصلحتك ونفعك، لا لعجزه وبخله، فهو الغني الحميد القدير جل وعلا، ولذلك ينبغي أن يستسلم الإنسان عند فوات مطلوبه بعد بذل جهده واستعانته بربه، ولذلك قال: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله»، فإذا لم تأت النتيجة على ما تريد فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا أصابك شيء فلا تقل: لو فعلت كذا كان كذا وكذا، وإنما قل: قدر الله وما شاء فعل».
    جاء رجلان يختصمان عند النبي صلى الله عليه وسلم في قضية فقضى لأحدهما، فلما خرج قال المقضي عليه الذي حُكم عليه: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إياك والعجز وعليك بالكيس، فإن الله يلوم على العجب ويحب الكيس» يعني: الفطنة والاحتياط، ثم قال: «فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل».
    أما أن يتجرأ الإنسان بمثل هذه الكلمات الطيبة، في مقام عجزه وقصوره وتقصيره؛ فإنها لا تنفعه ولا تدفع عنه مكروهاً، فإذا فات ما تحب وترغب بعد أخذك الأسباب واستعانتك برب العباد فقل: قدر الله وما شاء فعل، يعني: هذا تقدير الله، وهذا ما شاءه جل وعلا وهو الحكيم فيما يعطي ويمنع، لا معطي لما منع ولا مانع لما أعطى، له الحكمة في كل ما يفعله، والقدرة النافذة في كل ما يريده سبحانه وبحمده.
    اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والرشاد والغنى، اللهم ألهمنا رشدنا وقنا شر أنفسنا، اللهم املأ قلوبنا بمحبتك، وارزقنا تعظيمك، وارزقنا التوكل عليك، اللهم أعنَّا على ما ينفعنا، وخذ بنواصينا إلى ما تحب وترضى في أمر ديننا ودنيانا، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. 
    أقول هذا القول وأسأله جل وعلا أن يعاملنا برحمته ولطفه، وأن يحشرنا في زمرة عباده وأوليائه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. 
     
     
    التفاصيل
    0
    7038
  • خطبة : أحوال المحتضرين
  • إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله، الأول الآخر، الظاهر الباطن، لا إله إلا هو، هو بكلِّ شيء عليم، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتَّبع سنَّته بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    فاتَّقوا الله أيها المؤمنون، يقول ربكم جل وعلا: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}آل عمران:102، فأمركم الله تعالى بالتقوى حياتكم إلى مماتكم، فليس للتقوى أجلٌ تنتهي إليه، ولا أمدٌ تنقضي به إلا بطيِّ الصحائف وقبض الآجال وانتهاء الأعمار.

    اللهم اجعلنا من عبادك المتقين وحزبك المفلحين وأوليائك الصالحين، يا رب العالمين.

    يقول الله جل وعلا في محكم التنزيل: { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}آل عمران:185، يا لها من حقيقة غفل عنها كثير من الناس، { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}آل عمران:185، إن الموت له طعم يذاق، ولذلك أخبر الله تعالى بطعمه وأن كل نفس ذائقته فقال جل وعلا في غير ما آية: { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}.

    إنَّ الموت خَلق من خلق الله تعالى، خلقه جل وعلا مقابل الحياة، وبهما يتم الابتلاء والاختبار، { تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}الملك:1-2، إنه خَلْق من خلق الله تعالى، يبتلي به ويكون معه من ألوان البلاء والامتحان ما يوجب الاعتبار والاتعاظ.

    روى الإمام أحمد في صحيحه من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه في خبرٍ تَجِلُ منه القلوب، يقول رضي الله عنه: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل، فانتهينا إلى القبر ولم يُلحد»، أي: لم يُعَدَّ ولم يجهز، «فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله، كأنَّ على رؤوسنا الطير»، يرقبون ما يكون من النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف، موقف العبرة والعظة عندما يجتمع الأحياء والأموات في مكان واحد، فيكون بعضهم عبرة لبعض، إنه موقف لا يصفه ولا يبين جلالته إلا من حيي قلبه، ورأى ما كان عليه سلف الأمة من الاعتبار والاتعاظ، «إني كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكر الآخرة».

    «جلسنا حوله كأنَّ على رؤوسنا الطير»، رسولُ الله سيد ولد آدم بين أصحابه في مجلس! أطلق لذهنك الخيال، تأمَّل ذلك المجلس وما كان فيه، كن منهم سماعاً وإن لم تشاركهم جلوساً، يقول البراء: «وأخذ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عوداً ينكت به الأرض، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه محدثاً أصحابه: استعيذوا من عذاب القبر، استعيذوا من عذاب القبر، استعيذوا من عذاب القبر»، يكررها صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثلاثاً على أصحابه وهم بين القبور في قبر يُلحد لواحد من أصحابه.

    ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ العبد إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا» وهي لحظة الفراق عندما تبلغ الروح الحلقوم، { فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ}الواقعة:83-84، تلك الساعة هي التي عبَّر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الوصف، فقال: «إن العبد إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة»، فالقبر هو أول منازل الآخرة.

    يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا الخبر: «نزلت إليه ملائكة كأن وجوههم الشمس، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان»، يقول صلى الله عليه وسلم في وصف امتثال الروح والنفس لأمر قابض الأرواح الملَك الذي وكَّله الله تعالى بقبض الأرواح، فتخرج روح هذا السعيد تسيل كما تسيل القطرة من فِيِّ السقاء بسهولة ويسر، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعها في يديه طرفة عين، فتستلمها الملائكة وتبادرها إكراماً وإجلالاً حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط، إن الروح تكفن وتحنط كما يكفن الجسد ويحنط، لكن تكفين ذلك من شأن الملائكة، وليس من شأن بني آدم.

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ويخرج منه كأطيب نفحة مسك وجد على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الريح الطيبة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يُسمُّونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح، فيُشيِّعه من كل سماءٍ مقرَّبوها» يحتفون به، يستقبلونه ويصاحبونه إلى أن يغادر سماءهم إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى به إلى السماء التي فيها الله ربُّ العالمين، لا إله إلا هو الرَّحمن الرَّحيم، { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}طه:5، { أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ}الملك:16 جلَّ في علاه، هو العليُّ العظيم.

    فإذا بلغوا ذلك المقام يقول الله تبارك وتعالى: «اكتبوا كتاب عبدي في علِّيِّين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى».

    قال من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم: «فتُعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولون له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعِثَ فيكم؟ فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولان له: ما عِلْمُك بهذا؟ يقول: قرأت القرآن فآمنت به وصدقت، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وافتحوا له باباً إلى الجنة، قال: فيأتيه من ريحها وطيبها ويفسح له في قبره مدَّ بصره.

    قال: ويأتيه رجل حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرُّك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت، فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح»، «إذا مات ابن آدم تبعه ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد»، إنه ما كان من عمل في هذه الدنيا صالحاً كان أو فاسداً فهو قرينك وصاحبك في هذا المضجع، وهو ما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم في حال هذا السعيد، إذ يقول له: «من أنت، فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح، فيبتهج ويُسَرُّ لما يرى من إكرام الله ونعيمه، فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي».

    فهذه نبذة مما يكون في ذلك الموقف العظيم العصيب الذي تشيب له الولدان، ويجل له أولو النهى والألباب والعقول، إنه موقف كلنا سنرده، { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}العنكبوت:57، فما منا إلا وسيذوق هذا الموقف، وسيمرُّ على هذا المقام، إن كان خيراً فليحمد الله، وإن كانت الأخرى -نعوذ بالله من الخذلان- فلا يلومنَّ إلا نفسه.

    يقول من لا ينطق عن الهوى في بيان الحال المقابلة حال الأشقياء الذين عصَوا ربهم فكفروا به وأسرفوا على أنفسهم، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وإنَّ العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الآخرة وإقبال من الدنيا، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح فيجلسون منه مدَّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب» نعوذ بالله من الخذلان، قال: «فتتفرَّق في جسده فزعاً وهلعاً وخوفاً» لكنه لا يغنيه ذلك عن أجله، { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} العنكبوت:57، «تتفرَّق في جسده، فينزعها كما يُنزع السَّفُّود من الصوف المبلول»، وهو شوك شديد العلوق بالصوف ونحوه. فيقول النبي صلى الله عليه وسلم في وصف هذه الحال: «فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعله في ذلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها إلى السماء، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الريح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهى به إلى السماء الدنيا فيستفتحون له فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم قولَ الحقِّ رب العالمين: { لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ}الأعراف:40 أي: إن دخل الجمل في ثقب الإبرة فإنهم سيدخلون الجنة، وأنى يكون ذلك.

    فيقول الله عز وجل: «اُكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحاً، ثم قرأ قول الله تعالى: { وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ}الحج:31 -سقط من السماء- { فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}الحج:31، فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيقولان له: من ربك؟»، قد أضاعه في الدنيا فأضاعه عند هول عظيم وكرب شديد في ذلك الموقف، «فيقول: ها ها»، كالذي يستذكر شيئاً غائباً عن ذهنه، «لا أدري، لا دريت ولا تليت»، هكذا تجيب عليه الملائكة، «فيقولان له: ما هذا الرجال الذي بعث فيكم؟ فيقول: ها ها لا أدري»، أضاع العلم في الدنيا والعمل فضاع علمه في ذلك الموقف.

    «فينادي منادٍ من السماء: أن كذب عبدي فافرشوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثوب نتن الرائحة فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالشَّر، فيقول ذلك الرجل: أنا عملك، قال: ربِّ لا تقم الساعة» فما بين يديه أعظم هوناً وأشدُّ كرباً مما هو فيه.

    اللهمَّ أجرنا من مقامات الخزي، يا ذا الجلال والإكرام، اللهمَّ عاملنا بعفوك، ومُنَّ علينا برحمتك، وأدخلنا مدخل أوليائك الصالحين، وانظمنا في سلك عبادك المتقين يا أرحم الراحمين، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، أحمده هو الواحد الأحد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    فاتقوا الله عباد الله، اتقوا الله تعالى وقدموا لأنفسكم خيراً، { فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا}يونس:108.

    يقول ربُّ العالمين، في الحديث الإلهيِّ: «يا عبادي! إنما هي أعمالُكم أحصيها لكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه».

    قدموا لأنفسكم ما تفوزون به وتفرحون بين يدي الله جل وعلا، كلكم ملاق ربه، { يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ}الانشقاق:6، فما منَّا إلا وهو ملاقٍ ربَّ العالمين، إلا أن اللقاء بين مستبشر مسرور وبين مخذول مكسور، نعوذ بالله من الخذلان.

    عباد الله! إن هذه الدنيا مزرعة يزرع فيها الإنسان الصالح من العمل، فلا تبخل على نفسك فإنه من يبخل فإنما يبخل عن نفسه، قدموا لأنفسكم خيراً فالسيئات كثيرة والتقصير عظيم، «كل ابن آدم خطَّاء، وخير الخطائين التوَّابون»، فتوبوا إلى الله توبة صادقة، وعودوا إليه بالعمل الصالح ما استطعتم، واربأ ببشرى: ليس هناك تحديد ولا حصر على نوع من العمل، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميده صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تهليلة صدقة، أمرك بالمعروف صدقة، نهيُك عن المنكر صدقة، إعانتك لأخيك صدقة، تبسُّمك في وجه أخيك صدقة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتَّقوا النار ولو بِِشِقِّ تمرة»، وشِقُّ التمرة هو جزؤها، وكم في هذا الجزء من الخير؟ فيه خير عظيم، إلا أنَّ الشيطان يأتينا فيمنعنا من خير كثير ويُغرينا بشرٍّ كثير، يُقلِّل في أعيننا الصالحات، ويُهوِّن في أعيننا الكبائر والموبقات، فنتورَّط في ألوان من الشَّرِّ، ونبعد عن أبواب من الخير، والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم قد بيَّن الطريق وشرع لنا كل برٍّ وخير، فلا تحقرنَّ من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق.

    ألا إنّ أول ما ينبغي أن نسأل أنفسنا عنه، هو حقُّ الله في توحيده وعبادته، هو حقُّ الله في الصلاة التي ضيَّعها كثير من الناس، في الواجبات التي فرضها الله تعالى علينا، سل نفسك: ما هو مقامك؟ وأين منزلتك من حقوق ربك عليك؟ ثم سارع في الخيرات وستجد رباً يعطي على القليل الكثير، يقول الله تعالى: { وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا}النساء:110 ، يقول ابن عباس: «لو أنَّ الإنسان جاء بذنب أكبرَ من الأرض والسماء، ثم تاب إلى الله، لوجد الله غفوراً رحيماً».

    اللهمَّ اغفر لنا وارحمنا، وعافنا واعفُ عنَّا، وعاملنا بما أنت أهلُه من الجود والكرم، اللهمَّ إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، أصلح لنا الأعمال، ويسِّر لنا الصالحات، وخذ بنواصينا إلى ما تحب وترضى يا رب الأرض والسماوات، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم ألهمنا رشدنا، وقنا شر أنفسنا.

    اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

    التفاصيل
    0
    4450
محاضرات
  • محاضرة أستغفر الله
  • الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير.
    أحمده سبحانه حق حمده لا أحصي ثناءً عليه كما أثنى على نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله إله الأولين والآخرين رب العالمين، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون.
    وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه وخليله، وخيرته من خلقه، رحمةٌ بعثها الله تعالى وأهداها للناس أجمعين، فصلى الله وعليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:
    فحياكم الله أيها الإخوة الكرام! ومرحباً بكم أيها الحضور من الرجال والنساء، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يحط عنا السيئات، وأن يغفر لنا الزلات، وأن يجعلنا من عباده المتقين وحزبه المفلحين وأوليائه الصالحين، وأن ينضمنا في سلكه عباده التوابين إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين.
    أيها الأحباب! أيها الإخوة الكرام! أيتها الأخوات الكريمات! أستغفر الله كلمة تتردد على ألسنتنا، أستغفر الله كلمة كثيراً ما تطرق أسماعنا، أستغفر الله كلمة ترتاح لها القلوب، وتطمئن لها الأفئدة، أستغفر الله كلمة يقولها أولياء الله وعباده المتقون، ويقولها عباد الله الذين أسرفوا على أنفسهم بألوان الخطايا وصنوف الذنوب.
    إنها كلمة عجيبة، كلمة ذات سرٍ لذلك كان الجميع مأمورين بهذه الكلمة، فما من أحد إلا وقد أمره الله تعالى بالاستغفار، إنها كلمة عذبة المنطق، كلمة مختصرة الألفاظ، كلمةٌ عظيمة المدلول كبيرة المعاني، فهلا وقفنا مع هذه الكلمة وقفات نستجلي فيها شيئاً مما تضمنته هذه الكلمة، وقفة نضع فيها شيئاً من النقاط على بعض الحروف حتى ندرك عظيم ما منَّ الله تعالى علينا به من هذا الشرع الكريم الذي لا يصدق عليه إلا وصف رب العالمين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾[الأنبياء:107].
    إن هذا الدين رحمة بجميع ما فيه من الأحكام والشرائع من العقائد والأعمال، إنه رحمة للقلوب ورحمةٌ للعباد، رحمةٌ لمن وافق وقبل، ورحمةٌ لمن رفض وأبى فهو رحمةٌ للعالمين، كما قال رب العالمين جل وعلا.
    أيها الإخوة والأخوات! إن هذه الكلمة كلمة (أستغفر الله) هي عنوان الرسالات، فما من نبيٍ بعثه الله تعالى من لدن نوح عليه السلام إلى خاتمهم محمدٍ خير الأنام صلى الله عليه وسلم إلا وقد أمره الله تعالى أن يدعو قومه إلى الاستغفار.
    فنوحٌ عليه السلام قال الله جل وعلا في بيان ما قال لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾[نوح:10].
    وقال جل وعلا فيما يخبر عن نوح: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾[هود:3].
    وكذلك هود أعلنها فقال لقومه: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾[هود:90].
    وقد جاء في قول صالح حيث قال لقومه: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾[هود:61].
    وهكذا شعيب قال لقومه: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾[هود:90] فيه الإغراء للناس أن يقبلوا على هذا الرب بالتوبة والاستغفار والاستعتاب، والاسترضاء لعلهم يتخففون مما أثقل كواهلهم.
    رسولنا صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى له: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾[محمد:19].
    إن الله يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم وقد حط عنه الذنوب والخطايا، وعصمه من كثير مما يقع فيه الناس من الهفوات والزلات، يقول له رب السموات والأرض آمراً: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ وهذا شعار التوحيد: إنه إفراد الله بالإلهية، لا محبة فوق محبة الله، ولا تعظيم فوق تعظيم الله، فإنه الإله الحق جل وعلا.
    ثم بعد ذلك قال في أمره لرسوله: (واستغفر الله) فأمره بالتوحيد وأثنى على ذلك وثنى بعد ذلك بأمره بالاستغفار.

    إن الاستغفار أمرٌ كبير الشأن، عظيم المقام، فلماذا أمر الله تعالى بالاستغفار هؤلاء؟! إننا بحاجة للاستغفار، لأننا أهل الإساءة والتقصير، فما من ذنب إلا والعباد قد تهوكوا فيه، ووقعوا فيه بألوان الذنوب وأنواعها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: «كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون».

    وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذر فيما يرويه الإمام مسلم في الحديث الإلهي وهو أشرف حديث عند أهل الشام: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم».
    إنها دعوة من رب يبين حالنا ويبين عظيم فضله، إنكم تخطئون بالليل والنهار، فلا ينقطع خطأ ابن آدم، لا ينقطع خطأه ولا زلله، ولكننا مع رب عظيم يغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم.

    وفي الصحيح من حديث أبي موسى الأشعر رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل».

    إنه باب مفتوح، ومَنٌ متوالي لا يحصره وقت ولا زمن: إنه باب الرجوع والأوبة والاستغفار، ليس بينك وبينه حائل، ولا بينك وبينه حاجز إنها دعوةٌ في كل مقام وفي كل حال أن تعود إلى الله جل وعلا.
    بكيت على الذنوب لعظم جرمي *** وحق لمن عصى مرُ البكـاء

    فــــلو أن البكاء يرد همي  *** لأسعدت الدموع مع الدماء

    لكننا نؤمل فضلاً كبيراً وخيراً عظيماً من رب يعطي على القليل الكثير، يقبل توبة التائب، فهو غافر الذنب وقابل التوب سبحانه لا نحصي ثناءً عليه.

    إننا أحبابي بحاجة إلى الذنوب لأننا نكثر من الزلل والخطأ، ونكثر من الهفوات والتقصير فيما فرض الله تعالى وفيما أمرنا أن نفعله وفيما نهانا عنه أن نأتيه.

    إننا بحاجة للاستغفار؛ لأنه السبيل الذي به نتخفف من حملٍ ثقيل قد لا يشعر به الإنسان في دنياه، لكنه يدرك عظيم الثقل الذي تحمله يوم يقوم لرب العالمين، يقوم هل معه جاهه؟ هل معه ماله؟ هل معه خوله وحرسه ومن يكون معه ممن يحرسه ويؤازره ويعينه؟ إنه يقوم كما قال رسولكم الكريم صلى الله عليه وسلم: «يقوم الناس لرب العالمين حفاةً» فلا شيء يقيء أقدامهم.

    «عراةً» فلا شيء يقي أبدانهم.
    «غرلاً» قد كمل خلقهم غير مختونين يقومون لله جل وعلا على هذه الحال يوم الفزع الأكبر، يوم يجتمع الخلق في ذلك الموقف، ما الذي معك؟ معك عملك، فإنك تنظر أيمن منك فلا ترى إلا ما قدمت، وتنظر أشأم منك يعني: جهة شمالك، فلا ترى إلا ما قدمت، وتنظر أمامك فلا ترى إلا النار، ما الذي يفكك منها؟ إنه عملك الذي قال الله جل وعلا: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا﴾[الإسراء:13] * ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾[الإسراء:14].

    لو لم تحاسب وأنزلت الحساب على نفسك لكان ذلك كافياً، كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً، وذلك في يوم يقوم الأشهاد لرب العالمين، فيشهد عليك ما يكون من أعضائك التي من خلالها عصيت الله تعالى وخالفت أمره.

    إننا بحاجة إلى الاستغفار، لأن ترك الاستغفار ينضمنا يا أحبابي! في زمرة الظالمين، ومن ذا الذي يرضى أن يكون ظالماً أو يقبل أن يوصف بالظلم، بل الظالم يكره هذا الوصف، ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾[الحجرات:11].

    أتحب أن تكون من زمرة الظالمين؟ لا والله، ليس هناك من يحب هذا، فإذا كنت لا تحب أن تكون من الظالمين، فالجأ إلى الله تعالى صادقاً بالتوبة والاستغفار، فإن الاستغفار باب التوبة منه تدخل هذه الروضة، وتصيب هذه الدوحة التي بها فضلٌ وخيرٌ كبير.

    إننا بحاجة إلى الاستغفار! لأن من لم يستغفر فهو خاسر، من لم يتب فهو خاسر، والخسارة وصف تكرهه النفوس في أمر الدين وفي أمر الدنيا، ولذلك يقول ربكم جل وعلا في الدعاء الأول الذي قاله أبونا آدم عليه السلام تلقاه من رب العالمين لما هفا وأخطأ وغوى فأكل من الشجرة التي منعه الله تعالى منها، يقول الله جل وعلا معلماً أبانا ومعلماً سائر الخلق: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾[الأعراف:23].
    نحن بحاجة إلى الاستغفار؛ لأن من لم يستغفر خاسر، فإن الله تعالى قد بين أن من لم ينل هذا الفضل، وهو المغفرة من رب عظيم فهو من الخاسرين.
    وقد قال نوح عليه السلام: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾[هود:47].
    إن حرمان المغفرة أعظم الخسارة، لأن معناه: أن تحاسب على الدقيق والجليل، تحاسب على النقير والقطمير تحاسب على كل هفوة وزلة، ومن ذا الذي يقوم لحق رب العالمين، إن العبد لو كان على أكمل ما يكون من الطاعة والإحسان، وعلى أتم ما يطلب من الخير والصلاح.
    إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى **** فأول مـــا يجني عليه اجتهاده
    إذا لم يكن من الله رحمة ومغفرة فإنه لا ينفعك ذلك العمل مهما كان صالحاً ومهما كان متقناً، لا ينفعه إذا لم تكن في رحمة الله مشمول.
    روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «واعلموا أن أحداً منكم لن يدخل الجنة بعمله» الله أكبر. قالوا: ولا أنت يا رسول الله! يعني: نحن فهمنا هذا في حقنا لكن أنت أعبد الناس لربك، وأقومهم بطاعة الله تعالى. قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته» فما أحوجنا إلى رحمة الله!
    إننا بحاجة كنا طائعين أو مقصرين بحاجة إلى أن نستغفر الله تعالى، لأنه من حرم الاستغفار، وحرم المغفرة، فإنه ل ينفعه كبير عمل، لأنه يفوته رحمة رب العالمين التي بها تعظم الدرجات، وتعتلي الحسنات، وترتفع المقامات، فإنه إذا لم يكن من الله رحمة ولم يكن منه مغفرة تبدلت تلك الحسنات، وتلاشت تلك الخيرات، وسجل على الإنسان ما يكون من دقيق وجلي.
    أيها الأحباب! إننا بحاجة إلى الاستغفار، إننا بحاجة إلى الاستغفار نحن في الطاعة ونحن في المعصية، لأن الاستغفار أمان يدرك به الإنسان فوزاً عظيماً وشعوراً كبيراً من الطمأنينة والراحة، يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾[الأنفال:33] هذا أمان من رب العالمين، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾[الأنفال:33].
    إن الله تعالى ذكر أمانين في هذه الآية:
    الأمان الأول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان بين أظهر المؤمنين وأظهر الناس في ذلك الزمن، ذهب هذا الأمان.
    وبقي أمان ثانٍ، وهو ما ذكره الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾[الأنفال:33]، فهو أمان في الدنيا من حلول العقوبات، فإذا استغفر العباد نالوا فوزاً عظيماً وخيراً كبيراً من رب يعطي على القليل الكثير، يغفر الزلات ويقيل العثرات، ويغفر الذنوب والخطيئات.
    إن الاستغفار كما هو أمان في الدنيا فهو أيضاً أمان في الآخرة.
    إن المؤمن يدرسك باستغفاره أماناً من أعظم المخوفات: إنها النار التي وعدها الله تعالى من عصاه وخالف أمره.
    رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين كيف يكون الاستغفار سبباً للنجاة من النار، فيقول عليه أفضل الصلاة والسلام: «يا معشر النساء! تصدقن وأكثرن الاستغفار» إن النبي صلى الله عليه وسلم وجه الخطاب للنساء، وليس هذا قصراً للحكم عليهن، بل إنه بيان لحاجة هذا الجنس لكثرة الاستغفار، والرجال لهم حاجة ماسة شديدة للاستغفار والمشاركة في هذا الخير.
    فالنبي صلى الله عليه وسلم لما يخاطب النساء بأمر لا يعني أن الرجال في معزلٍ منه إلا ما دل الدليل على أنه خاص بهن، وكذلك إذا وجه الخطاب للرجال فإن النساء يدخلن، فالرجال والنساء شقائق النساء شقائق الرجال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
    رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يا معشر النساء! تصدقن وأكثرن الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار» وذلك يبين أن من أعظم أسباب النجاة من النار أن يكثر الإنسان من الاستغفار قائماً وقاعداً وعلى جنب، في كل أحواله، وبه يحصل له من الأمان في الدنيا والانشراح والطمأنينة في الآخرة، والفوز والنجاة من النار ما لا يخطر له على بال.
    أحبابي! إن النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان لا ينطق عن الهوى، الذي كان يقوم حتى تتورم قدماه يبين لنا أثر الاستغفار عليه، فيقول: «إنه ليغان على قلبي» يعني: يصيب قلبي طبقة من الغين، ما سبب هذه الطبقة؟ إنه بسبب نوع من التصرفات البشرية التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه الطبقة كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالجها، والغين: أرق الطبقات التي تعلو القلب كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج هذه الطبقة التي تعلو القلب فتصيبه بشيء من الاضطراب، تحول بينه وبين الخيرات، تحول بينه وبين الاستقامة، تحول بينه وبين اللذة والانشراح التام بالإقبال على الله تعالى، كيف كان يعالجها؟
    قال صلى الله عليه وسلم: «وإني لأستغفر الله مائة مرة».
    إذاً: الاستغفار علاج للقلب إذا وجدت من قلبك قسوة، إذا وجدت من قلبك غفلة، إذا وجدت من قلبك إعراضاً، إذا وجدت من قلبك شروداً، إذا وجدت من قلبك إقبالاً على الدنيا وضعفاً في الآخرة، فأكثر من الاستغفار، فإن نبيك صلى الله عليه وسلم كان يعالج قلبه بالاستغفار.
    وبهذا يدرك المؤمن فوزاً عظيماً وسبقاً كبيراً يا إخوان! إن الاستغفار بابٌ عظيمٌ من أبواب معالجة القلوب، كثير من الناس تصيب قلبه ألوان من الآفات، وأنواع من الأمراض، ثم هو في غفلة عن قلبه، والقلب إذا غفلت عنه توالت عليه المصائب، وتوالت عليه الأغطية التي تحول بينه وبين الهداية.

    ولذلك لابد أن نفتش عن قلوبنا، يعني: يظن الظان أنه إذا ترك واجباً أو فعل منكراً أن هذا لا يؤثر، وأنه فقط محصور في الوقت الذي فعله فيه ثم بعد ذلك يطلع ويخرج سليم من القضية! لا والله! إن كل سيئة تؤثر على القلب، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً» يعني: كما ينظم الحصير الذي يجلس عليه، كذلك الخطايا والذنوب والمعاصي تكون غلافاً على القلب، هذا الغلاف إذا لم تعالجه بالتوبة والاستغفار تقوى حتى يكون طبعاً أو غلقاً أو غلافاً يحول بينك وبين الهداية، والله تعالى يقول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾[الأنفال:24]، وهذه فيها تهديد، وكما أن فيها وجوب الرجوع إلى الله تعالى واللجوء إليه أن يصلح قلبك صادقاً، وأن تأخذ بالأسباب الشرعية التي من خلالها يستقيم القلب، ويصلح الفؤاد.
    يا إخواني! نحن نعيش نوعاً من الفراغ القلبي لا نتلذذ بالطاعة، نصلي ولا نجد لها لذة، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» بعد أن ذكر أنواع من ملاذ الدنيا جعل الصلاة هي قراره وهي سكون نفسه واستقامة قلبه، وصلاح فؤاده لماذا؟ إنه يتذوق ما فيها من المعاني، إنه يقبل على الله تعالى قائماً وقاعداً، مقبلاً على الله بقلبه قبل أن يقبل عليه بقالبه، ولذلك كان لا يبالي بما يصيب بدنه من العناء وهو قائم لله بحقه، ولذلك لما قيل له: لما تورمت قدماه صلى الله عليه وسلم من القيام قيل له في ذلك كيف تفعل هذا وأنت قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً».
    إن الشأن في أن نتلذذ بالعبادة، وهذه اللذة يحرمها كثير من الناس، ما سبب هذا الحرمان؟ أنه في غفلة عن تأثير هذه العبادة في قلبه.
    النبي صلى الله عليه وسلم بل النصوص الشرعية في القرآن والسنة تذكر في أول ما تذكر أثر العبادة على القلب، يقول الله تعالى في الصوم الذي نحن فيه الآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾[البقرة:183] قبل التفصيل والبيان للأحكام وتفصيل الفرض يقول: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ذكر للغاية والعلة، نحن في غفلة عن تحقيق الغاية والمقصود.
    ويقول نبينا صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».
    إذاً هناك معاني نحن نغفل عنها في عبادتنا في صلاتنا في زكاتنا في حجنا في صيامنا في سائر شؤوننا، نقتصر على الصور والصور لا تغني شيئاً إذا غفل القلب وأبعد عن الله تعالى.
    إذاً يا أحبابي! ويا إخواني! من المهم أن ندرك أن الاستغفار هو علاج القلوب، فإذا وجدت من قلبك قسوة، إذا وجدت من قلبك صلفاً، إذا وجدت من قلبك غلظاً، إذا وجدت من قلبك علواً على الحق وبعداً عنه فعالجه وأدرك نفسك قبل أن يتمكن الداء في القلب، وإن العلاج يكون بكثرة الاستغفار بكثرة الأوبة بكثرة التوبة إلى الله تعالى.
    النبي صلى الله عليه وسلم يحسب له في المجلس الواحد سبعين استغفار، يقول ابن عمر: كنا نحسب له نعد له في المجلس الواحد أكثر من سبعين مرة: رب اغفر لي وتب عليَّ إنك أنت التواب الرحيم.
    إن الاستغفار هو إعلان افتقار لله تعالى يعلن العبد أنه برئ من حوله وقوته، وأنه إلى ربه فقير، وأنه إليه جل وعلا في غاية الضرورة، وإذا أعلن العبد هذه الحال فاز فوزاً كبيراً وسبق سبقاً عظيماً، وإذا استكبر ورأى أنه ليس في حاجة إلى ربه، حيل بينه وبين ما يشتهي من الخيرات.
    ولذلك عائشة رضي الله عنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل من رجالات قريش عبد الله بن جدعان وهو من أصحاب الخير والنفقة ونصرة المظلوم، قالت: يا رسول الله! أرأيت عبد الله بن جدعان أينفعه ما كان يعمل به من إغاثة ومن عمل ومن صلاح؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه من أهل النار، إنه لم يقل يوماً من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين».
    الله أكبر! ما أعلن افتقاره إلى الله تعالى مع كثرة ما معه من الخير، لكنه ما أعلن افتقاره إلى الله تعالى: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين، إننا بحاجة إلى هذا الإعلان، بحاجة إلى هذا الرجوع وإعلان الافتقار إلى رب العالمين، فإنه من أعظم أسباب المغفرة.
    «يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم».
    وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في بيان عظيم فضل الله وكبير مغفرته لمن أقبل عليه يقول ربنا جل وعلا: «يا ابن آدم! إنك لو لقيتني بقراب الأرض خطايا» تصور شخص يوم القيامة يأتي بملء الأرض قراب يعني: قريب الملء على قولين لأهل العلم، المقصود أنه بخطايا عظيمة كثيرة: «لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم استغفرتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي».
    إذاً المفتاح الذي تستمطر به خير ربك وفضله وإنعامه: أن تلجأ إلى الله تعالى صادقاً، أن تقبل عليه مستغفراً نائباً تائباً، فإن ربك قد طمعك في فضله وأغراك في إحسانه فأخبرك بأنه جل وعلا واسع المغفرة، إن ربك واسع المغفرة، وهذه السعة لا يقف عندها ذنب ولا يحول بينها وبين الحصول خطأ إلا الشرك فإن الشرك لا يغفر لصاحبه إلا بالتوبة كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾[الزمر:53].
    وفي الآية الأخرى قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾[النساء:48]، ربنا ينادينا والنداء ليس لأهل الطاعة والإحسان إنه لمن أسرف على نفسه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾[الزمر:53] تأمل هذا النداء! ومن منا من لم يسرف على نفسه؟! إن الذي يقول: إنني على خير ولم أسرف على نفسي فقد اغتر بعمله كلنا مسرف على نفسه، كلنا مررنا بجهل، كلنا مررنا بخطأ، كلنا مررنا بزلل، كلنا محاط بذنب نسأل الله أن يعاملنا بعفوه، وأن يغفر لنا ما ظهر وما بطن إنه ولي ذلك والقادر عليه.
    يقول ربنا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ أي: لا تيأسوا من رحمة الله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ الذنوب: الألف واللام هنا للاستغراق تشمل كل الذنوب صغيرها وكبيرها دقيقها وجليلها، خافيها وظاهرها لكن يجب أن يكون هناك الاستغفار.
    ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ غفورٌ فيغفر السيئات ويتجاوز عن الخطايا ويسترها ورحيم يوصل إليك كل فضل وكل بر وإحسان.
    إننا يا إخوان! في سيئات وخطايا ينبغي أن نقر بأننا أهل الإساءة والتقصير، والخطايا والسيئات سلاسل يأخذ بعضها برقاب بعض، فإذا تركت هذه السلاسل مضت واستمرت، لكنك إذا قطعت هذه السلسلة بالرجوع إلى الله تعالى فزت فوزاً عظيماً.
    المغفرة هل هي أمر نقبل عليه بتلكؤ؟ لا، إن المغفرة تحتاج إلى مسارعة، ولذلك يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾[آل عمران:133].
    إذاً المغفرة قد تفوت، إذا كانت المغفرة لا تفوت فلماذا نسارع، إننا نسارع إلى المغفرة؛ لأننا نخشى فواتها، ولو كنا متيقنين بحصولها وإدراكها لما استغفرنا.
    يا إخواني! نحن بحاجة إلى أن نراجع أنفسنا في سيرنا إلى الله، والله كلكم إلى الله سائر، ليس منا أحدٌ قاعدٌ لا ينتقل كلنا نسير إلى الله تعالى شئنا أم أبينا.
    كم ذا التأخر لا إقلاع يصحبه         ولا عزيمة هذا العجز والكسل
    إننا يا أحبابي في شهر تكثر فيه أسباب المغفرة، تكثر فيه أسباب حط الذنوب والخطايا، وكلنا أهل تقصير يا رب! هل من توبة تمحو الخطايا والذنوب، وتزيل هم القلب عني والكآبة والشحوب يا الله يا رب يا كريم! يا ذا الجلال والإكرام تغفر الخطايا والزلل، تمن علينا بتوبة تباشر لذتها قلوبنا وتصلح بها أعمالنا.
    أحبابي إخواني! إن للمغفرة أسباباً فلنتعرض لأسبابها، إن للمغفرة مواسم فلنقبل عليه جل وعلا، ذكرنا أن المغفرة ليس لها وقت إنها في كل حين ووقت يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار.

    لكن هناك منازل هناك مراحل هناك فرص هناك عروض كما هي العروض التجارية التي يغرى فيها الناس بالإقبال على السلع، هناك فرص وعروض من رب العالمين، لتقبل القلوب عليه، وتعود إلى ربها وبارئها بالتوبة والاستغفار وكثرة الاستعتاب.

    إن أعظم الأسباب التي ندرك بها المغفرة أن نكثر من التوبة، التوبة يا إخواني! هي الرجوع إلى الله تعالى، والرجوع إلى الله تعالى قد لا يكون بقول، يعني: ما يحتاج إلى لفظ إن التوبة عمل قلبي في الأصل وهو: أن يقلع الإنسان عن معصية الله تعالى، ويقبل على طاعته هذه هي التوبة، لا تحتاج إلى كبير شرح ولا عناء اترك المعصية وأقبل على الطاعة، اترك ما أنت فيه من تقصير في حق الله تعالى وأقبل على حقه بالقيام والفعل، وأنت بهذا تكون في زمرة التائبين.
    ربنا يقول: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[النور:31] لعلكم: أي رجاء أن تفلحوا من أراد الفلاح فليتب إلى الله تعالى فإن التوبة أعظم أسباب الفلاح، وهي عبادة العمر التي لا تكون في وقت، بل في كل حين ووقت، حتى في أعظم المقامات وأطوع الحالات أنت في حاجة إلى التوبة والاستغفار.
    في الصلاة ماذا نقول إذا قلنا: السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله، ماذا نقول؟ إننا نقول في أول ما يشرع لنا من الذكر: أستغفر الله، أستغفر الله، وأي موقف أعظم من موقف عرفة الذي يقف فيه الحجيج قد خرجوا من أموالهم وخرجوا من أوطانهم، بل خرجوا من ثيابهم فلبسوا أكفانهم وجاءوا إلى هذا المقام العظيم يذكرون ويبكون ويتضرعون مع ذلك يقول الله تعالى في حال هؤلاء وما هم عليه: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾[البقرة:198]، وقبلها قد قال جل وعلا: ﴿واستغفروه﴾ إن الحجاج مندوبين بعد هذا الموقف العظيم والشرف الكبير أن يستغفروا الله تعالى.
    إذاً نحن في حاجة دائمة إلى الاستغفار، والله تعالى قد ذكر ما يكون عليه أهل الطاعة وأهل الإحسان: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾[الذاريات:17] قليل من الليل في نوم وراحة، طيب على أي حال يكون آخر مطافهم في ليلهم؟ هل هو باستكبار وعلو وفرح بما كان من الإحسان؟ لا، يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾[الذاريات:18] الله أكبر! أمضوا ليلهم في الطاعة والإقبال على الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾[الزمر:9] ثم في آخر الليل ما يقول خلاص أنا الحمد لله صليت وفعلت وفعلت، ويعدد قائمة الطاعات إنه في الليل مستعتب يستغفر الله تعالى كما قال تعالى: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُون﴾ إننا بحاجة يا إخواني إلى الاستغفار؛ لأن به تنحط الذنوب والخطايا، فلا يغتر أحدٌ بعمله والله تعالى يعدنا خيراً كثيراً ويقول لنا وهو يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.
    العفو عن السيئات يتضمن أمرين يا أحبابي!
    الأمر الأول: أن الله يتجاوز عنها، فلا يؤاخذك بها.
    والأمر الثاني: أن يسترها عليك فلا تفتضح بها، وكلاهما مِنَّة عظيمة من رب العالمين.

    أرأيت لو أن الله قال: غفرت لك لكن شهر بك وفضحك بين الخلائق أليس هذا مما يؤلمك؟ بلى والله إنه يؤلم لو لم تكن هناك عقوبة؟ فكيف وقد جمع لك ربك الفضلين: فهو يقبل التوبة، ويعفو عن السيئات، يسترها جل وعلا يتجاوز عنها سبحانه وبحمده.
    إن الاستغفار هو من أعظم أسباب حصول المغفرة، ولذلك فالزموا الاستغفار يا إخواني! الله تعالى يذكر حال المتقين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِم﴾[آل عمران:135] ذكروا رباً عظيماً رباً يعاقب على السيئات ويجزي على الحسنات خيراً كثيراً يحب التوابين ويحب المتطهرين، رباً له من الصفات والكمال والبهاء ما لا يبينه لسان، ولا يحيط به عقل لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار سبحانه وبحمده.
    لا يحيطون به علماً، رب له الكمالات بجميع وجوهها، سبحانه لا نحصي ثناءً عليه جل وعلا، هذا الرب يعطيك باستغفارك خيراً كثيراً.
    اذكر الله تعالى كما قال في حال المتقين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ تنبهوا وأفاقوا، ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ثم هم على هذه الحال: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.

    فأكثروا أيها الأحباب! من التوبة والاستغفار، واعلموا أن الله يعدكم فضلاً كبيراً وخيراً كثيراً.
    يا معشر العاصين! هكذا يقول الشاعر وكلنا أنا وأنت ندخل في هذا النداء:
    يا معشر العاصين جودٌ واسعٌ
    من رب يقول: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾.

    يا معشر العاصين جودٌ واسعٌ  **** عند الإله لمن يتـــوب ويندمَ
    هلا نتوب إلى الله تعالى صادقين، ونندم على ما يكون من التقصير، ما فينا أحد كامل يا إخواني! كلنا خطاء، ولذلك ينبغي أن نقر بهذا أولاً، ثم نعالج الخطأ بالتوبة، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قرر هذا أولاً، «كل ابن آدم خطاء» ثم بين طريق السلامة من الخطأ فقال: «وخير الخطائين التوابون».
    إن من أسباب حصول المغفرة أن نحدث صالحاً أن نحدث عملاً يرضى به الله تعالى عنا.
    النبي صلى الله عليه وسلم يقول لمعاذ: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها».
    إذا وقعت في خطيئة بادر إلى حسنة لتمحو هذه السيئة.
    والله تعالى يقول جل في علاه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾[طه:82]، أربع صفات فتش في نفسك هل هي موجودة أو لا؟ يعني: كثير المغفرة صيغة مبالغة تدل على الكثرة، وإني لغفار لمن تاب والتوبة: هي الرجوع إلى الله تعالى.
    وآمن: وهو صلاح القلب بالندم والإقبال على الله تعالى، وعملاً صالحاً: أي: أحدث صالحاً من صلاة أو زكاة أو حج أو صيام أو سائر أنواع الإحسان المستطاعة، ولو كان ذلك بالنية إذا عجز عن العمل.
    ثم الصفة الرابعة التي يستوجب بها العبد فضل الله تعالى: أن يكون يا أحبابي! مستمراً على التوبة، ثم اهتدى أي: دام على هذه الخصال، استمر على هذه الخلال.
    إن إحداث الصالحين بعد السيئ من أعظم ما يحصل به للعبد من الخير.
    استمع إلى هذا الحديث هذه القصة التي رواها الإمام مسلم في صحيحه من حديث علقمة بن الأسود عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه هذا حدث بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم.
    يقول الصحابي: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني عالجت امرأة في بعض طرقات المدينة، فأصبت منها كل شيء إلا ما يأتي الرجل امرأته.
    يعني: هذا رجل خلا في طريق من طرق المدينة بامرأة فقبلها وضمها وفعل معها كل شيء إلا الجماع، هذا معنى قوله: إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسها يعني: ما جامعتها، فقال: يا رسول الله! ها أنا ذا فاقضي فيّ ما شئت، الرجل تائب نادم على ما كان من هذه المعصية، سكت رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجب هذا الرجل بشيء.

    عمر في ذلك المجلس فاروق الأمة خليفة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثاني الخلفاء الراشدين قال للرجل: لقد سترك الله لو سترت نفسك، يعني: إن الله سترك ما في داعي أن تجيء وتشهر هذا أمام الناس وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، النبي صلى الله عليه وسلم ما عقب على قول عمر بشيء، وهذا فيه إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لمن وقع في سيئة، ليس هناك حاجة أنك تجيء تفضح نفسك وسترك الله، سترك الله فاحفظ ستر الله عليك، وكلنا أهل خطيئة وتقصير.
    لكن الرجل أحرقه قلبه وأراد الخروج من هذه السيئة فأتى للنبي صلى الله عليه وسلم يقول: فأقضِ في ما شئت، ما أجابه النبي صلى الله عليه وسلم بشيء الرجل طال عليه المقام وينتظر جواب النبي صلى الله عليه وسلم لم يجبه النبي صلى الله عليه وسلم بشيء فأخذ نفسه وخرج من المجلس، خرج من المجلس لم ينل جواباً من النبي صلى الله عليه وسلم، ولعل في هذا تربية نبوية حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج الرجل أمر من يدعو هذا الرجل، فذهب رجلٌ على إثره فقال: ائتي وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن قرأ عليه قول الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾[هود:114].
    إذاً العلاج الصلاة إصلاح العمل، ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ﴾ الفجر والعصر، ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ المغرب والعشاء، ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ دله رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرج، قال الله تعالى عن هذا الفرج: ﴿ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾.

    إذاً هذه ذكرى وموعظة لمن تذكر وأفاق بعد الإساءة والتقصير، إذا أردت الخروج من تلك القيود وفك تلك السلاسل فأقبل على الله بالعمل الصالح.
    أقم الصلاة طرفي النهار: صلاة الفجر وصلاة العصر التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «من صلى البردين دخل الجنة» إنها صلاة الفجر وصلاة العصر.

    الله تعالى يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾[هود:114]، ثم بين العاقبة والنتيجة: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾.

    ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح من حديث أبي هريرة: «الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما»، وهذا دليل على عظيم الفضل لمن أحدث صالحاً.
    فينبغي أن نحدث صالحاً بعد العمل، وبعد الإساءة والتقصير.
    يا إخواني! إن من أسباب الفوز بالمغفرة أن تحسبن الظن بالله تعالى، كثير من الناس يحول بينهم وبين الله تعالى أنهم لا يحسنون الظن بربهم، يظنون به سوءاً وهو الكريم المنان ذو الفضل والإحسان جل وعلا، إن الله لا يرد تائباً مهما عظم الذنب، نحن لو يخطئ علينا شخص يمكن يكون الخطأ تافه، لكن كثير من الناس لا يقبل الاعتذار يرى أنه أخطأت تحمل خطأك، ربنا جل وعلا يقبل التائبين، وهو يقبل التوبة عن عباده، ثم إنه لا يقتصر الأمر على القبول، بل يحب التائبين: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾.
    فلذلك ينبغي أن نحسن الظن بالله تعالى لا يحول بينك وبين ربك عظم الخطيئة.

    التفاصيل
    0
    42
  • محاضرة الله أكبر
  • الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أحمده سبحانه وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، وصفيه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فذكر الله -أيها الإخوة- أعظم ما تنشرح به الصدور وتطيب، ذكر الله جل وعلا شفاء الصدور ونور البصائر وسكون الفؤاد، قال الله تعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} الرعد: 28..

    إذا مرِضنا تداوينا بذِكركمُ *** ونترك الذكر أحيانًا فنَنتكِسُ

    إن المحفوظ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ذكر الله تعالى شيء يفوق الحصر، فهو أعظم الذاكرين لربه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، كان ذاكرًا لله جل وعلا مذ أن قال الله له: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} المدثر: 1 – 3.. ذاكرًا لله جل وعلا في قيامه وقعوده، في ذهابه ومجيئه، في سفره وإقامته، فهو الذي بلغ الغاية في ذكر الله تعالى في الأولين والآخرين.

    إن المحفوظ عنه صلى الله عليه وسلم في ذكره شيء كثير، إلا أن كلمة من هذا المحفوظ تلفت الأنظار وتجذب الأسماع لكثرة ترددها وتكرارها، ولوجازة لفظها، وعِظم معناها؛ إنها كلمة «الله أكبر»..

    «الله أكبر» فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله. روى الإمام مسلم في صحيحه رقم (382). عن أنس بن مالك قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُغِيرُ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ، وَكَانَ يَسْتَمِعُ الْأَذَانَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ وَإِلَّا أَغَارَ، فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلَى الْفِطْرَةِ».

    شهادة من النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الكلمة كلمة الفطرة.

    اللهُ أكبرُ مِلء السمعِ رددها *** في مَسمَع البِيد ذاك الذَّرُّ والحَجَرُ

    «الله أكبر» كلمة خير من الدنيا وما فيها، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: قول العبد: الله أكبر خير من الدنيا وما فيها.

    «الله أكبر»كلمة جامعة لمعاني العبودية، دالة على أصول عبادة الله تعالى وفروعها.. «الله أكبر» أصدق كلام وأعذبه وأحلاه.. «الله أكبر» أبلغ لفظ يدل على تعظيم الله تعالى وتمجيده وتقديسه.. «الله أكبر» كلمة جمعت الخير، ففيها الشهادة لله تعالى بأنه أكبر من كل شيء، وأنه سبحانه أجل من كل شيء، وأنه تعالى أعظم من كل شيء.

    روى الإمام أحمد في مسنده رقم (19381)، والترمذي في جامعه رقم (2953). من حديث عَدِي بن حاتم رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له حينما دعاه إلى الإسلام: «يَا عَدِيُّ بْنَ حَاتِمٍ، مَا أَفَرَّكَ؟» أي: ما الذي جعلك تهرب وتفر؟ «أَنْ يُقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ فَهَلْ مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللهُ؟ مَا أَفَرَّكَ؟ أَنْ يُقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ؟ فَهَلْ شَيْءٌ هُوَ أَكْبَرُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؟».

    إن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث يبين لنا على ماذا تقوم دعوته، إنها تقوم على إفراد الله تعالى بالعبادة وتعظيمه جل وعلا، فالله سبحانه وتعالى أكبر من كل شيء ذاتًا، هو سبحانه وبحمده أكبر من كل شيء قدرًا، هو جل وعلا أكبر من كل شيء معنىً وعزة وجلالًا.

    رأيتُ اللهَ أكبرَ كل شيءٍ*** محاولةً وأكثرَهم جنودَا

    «الله أكبر» -أيها الإخوة- عظمة لا تسعها عبارة.. «الله أكبر» كلمة تبين شيئًا من عظمة ربنا الجليل الذي لا يحيط به وصف الواصفين، «الله أكبر» {وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} الجاثية: 37..

    الله أكبر.. هو العظيم الممجد سبحانه وبحمده، ذل له كل شيء، فكل شيء خاضع له وهو فقير لديه، عزيز لا يغلب، حكيم في أقواله وشرعه.. الله أكبر.. {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} البقرة: 107..

    الله أكبر {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} يونس: 3..

    الله أكبر {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} الرعد: 2..

    أيها الإخوة..الله أكبر {يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} فاطر: 41..

    الله أكبر {وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} القصص: 70..

    الله أكبر {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} الشورى: 12..

    الله أكبر {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} فاطر: 2..

    الله أكبر {قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}المؤمنون: 88..

    الله أكبر، تبارك جل وعلا {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} الملك: 1..

    تبارك الله سبحانه وبحمده، له ملك السماوات والأرض؛ كما قال جل وعلا: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} آل عمران: 26..

    الله أكبر {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ} غافر: 15..

    الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر {هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} غافر: 65..

    أيها الإخوة الكرام.. «الله أكبر» كلمة جاء الأمر بها في أول بعث النبي صلى الله عليه وسلم وأول إرساله؛ فإن الله جل وعلا قال لنبيه: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} المدثر: 1 - 3..

    الله أكبر.. كلمة أمر الله بها أهل الإيمان في آية وصفها أهل العلم بأنها آية العز، فقال جل وعلا: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} الإسراء: 111. أي: عظمه جل وعلا تعظيمًا، وصفه بأنه سبحانه وبحمده أعظم من كل شيء.

    الله أكبر.. كلمة يُدعَى بها أهل الإسلام إلى أعظم أعمالهم، وهي الصلاة، وإنها تلك الكلمة التي يرددها المؤمنون في مآذنهم وتدوي بها بلدان المسلمين.

    الله أكبر ما أحلى النداء بها *** كأنه الرِّي في الأرواح يُحييها

    الله أكبر.. كلمة يفتتح بها العبد لقاءه بربه، يكررها في ركوعه وسجوده وقيامه وقعوده، وفي سائر تنقلاته؛ ليحضر في قلبه عظمة من هو واقف بين يديه، فإذا قالها المؤمن وهو حاضر الفؤاد في صلاته امتلأ قلبه هيبة من الله تعالى، وإجلالًا لمولاه، وذلًّا له سبحانه وبحمده، فإذا امتلأ قلب العبد بذلك فلا تسأل عن صلاته، إنه في مناجاة عظيمة في لقاء برب الأرض والسماء، ينزل به حوائجه، يدعوه كشف الضر ويسأله خيري الدنيا والآخرة.

    أيها الإخوة الكرام.. إن العبد إذا تدبر هذه الكلمة في وقوفه بين يديه كان لقوله لهذه الكلمة أثر بالغ، حتى إن من السلف من كان إذا قال في صلاته: الله أكبر انخلعت القلوب هيبة من تكبيره لعظم ما قام في قلبه من تعظيم الله تعالى.

    فمن قام للتـكبير لاقته رحمة *** وكان كعبد باب مولاه يقرع

    وصار لرب العرش حين صلاته *** نجيًّا فيا طوباه لو كان يخشع

    أي: فيا حظه ويا سعادته وانشراحه لو كان ممن يخشع لله تعالى في صلاته وفي تكبيره.

    الله أكبر.. أيها الإخوة.. كلمة كان الصحابة يعرفون بها انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتكبيرأخرجه البخاري (842)، ومسلم (583)..

    الله أكبر.. هذه العبادة يُدعَى إليها بالتكبير، وتُفتتح بالتكبير، ثم إن رسولنا صلى الله عليه وسلم لا يعرف انقضاء صلاته إلا بالتكبير كما قال ابن عباس رضي الله عنهما. وهذا يدل -أيها الإخوة- على أن ذكر الله تعالى أكبر من كل شيء، فهو أفضل الطاعات؛ لأن المقصود بالطاعات كلها إقامة ذكر الله تعالى، فهو سر الطاعات وروحها، وقد قال الله تعالى في هذه الصلاة العظيمة التي يقبل فيها العباد على ربهم: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}العنكبوت: 45..

    الله أكبر.. كلمة أمر الله بها أهل الإسلام شكرًا على إنعامه على توفيقه إلى الهداية، وعلى إنعامه بأن دل القلوب على معرفته، قال تعالى: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} البقرة: 185. فأعظم ما تقابل به نعمة الهداية إلى الصراط المستقيم تكبير الله وإجلاله وتعظيمه، وقد قال الله تعالى: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} البقرة: 185.أي: لتعظموه كما هداكم لدينه وشرعه وما يحب ويرضى من الأعمال سبحانه وبحمده.

    أيها الإخوة الكرام.. الله أكبر.. كلمة ترتعد لها قلوب أعداء الله عز وجل، وعلى رأسهم زعيمهم وكبيرهم إبليس الشيطان، أعاذنا الله منه، لما لهذه الكلمة من النفاذ في نفوس هؤلاء ما لا يطيقون معه بقاء، إنها تحرقهم، إنها تزلزلهم، إنها تأتي على مقاتلهم، كلمة تخنس بها نفوس هؤلاء، يخنس الشيطان وجنده، يخنس الشيطان وأولياؤه، روى البخاري رقم (608). ومسلم رقم (389). في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الشيطان إذا سمِع النداء للصلاة أدبرَ وله ضُراط، حتى لا يسمع صوته، أي: حتى لا يسمع صوت المؤذن فإذا سكت، أي: المؤذن، رجع، فوسوس فإذا سمع الإقامة ذهب حتى لا يسمع صوته، فإذا سكت رجع فوسوس. هكذا أثر هذه الكلمة في الشيطان؛ أنها كلمة تزلزل كيان أعداء الله تعالى، وعلى رأسهم كبيرهم ووليهم الشيطان الرجيم، أعاذنا الله منه.

    الله أكبر.. كلمة تقمع الشيطان وفعله، ولهذا كان تكبير الله عز وجل له أثر عظيم في إطفاء الحريق؛ كما جاء في ذلك الأثر، وإن كان ضعيفًا، إلا أن معناه مما قبله جماعة من أهل العلم، وقد عُرف ذلك بالتجربة؛ كما قال ذلك ابن القيم رحمه الله، فإن التكبير له أثره في إخماد النار، وذلك أن الله جل وعلا أكبر من كل كبير، والشيطان مادته من النار، فهو يحب الفساد ويسعى في الأرض نشرًا لهذا الفساد، والتكبير يقمعه، ولذلك ذكر عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْحَرِيقَ فَكَبِّرُوا؛ فَإِنَّ التَّكْبِيرَ يُطْفِـُئُه» أخرجه الطبراني في الدعاء (1002)..

    الله أكبر.. كلمة تنخلع لها قلوب الجبابرة.

    الخطب جلجل والعدو تمادى *** والله أكبر ترهِب الأوغادا

    الله أكبر.. كلمة -أيها الإخوة- إذا صدق فيها العبد كان له أثر عظيم ومضاء كبير.

    روى الإمام مسلم في صحيحه رقم (2920). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سَمِعْتُمْ بِمَدِينَةٍ جَانِبٌ مِنْهَا فِي الْبَرِّ وَجَانِبٌ مِنْهَا فِي الْبَحْرِ؟» قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَغْزُوَهَا سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ بَنِي إِسْحَاقَ، فَإِذَا جَاءُوهَا نَزَلُوا، فَلَمْ يُقَاتِلُوا بِسِلَاحٍ وَلَمْ يَرْمُوا بِسَهْمٍ، قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ، فَيَسْقُطُ أَحَدُ جَانِبَيْهَا، ثُمَّ يَقُولُوا الثَّانِيَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ، فَيَسْقُطُ جَانِبُهَا الْآخَرُ، ثُمَّ يَقُولُوا الثَّالِثَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ، فَيُفَرَّجُ لَهُمْ، فَيَدْخُلُوهَا فَيَغْنَمُوا...». فسلاحهم ذكر الله تعالى؛ توحيده وتكبيره.

    هكذا يكون الذكر الصادر من قلب صادق مؤثرًا، فيكون به خذلان الأعداء والظهور عليهم، ولو لم يكن سيف ولا سنان؛ وقد حدثنا بعض من اشتغل بقتال الصرب لما كانوا يقاتلون مع إخواننا في البوسنة أنهم كانوا إذا أتوا مكانًا فيه أعداء الله تعالى من المقاتلين الذين يقاتلون المسلمين، فكبروا، كان ذلك مؤثرًا أثرًا بالغًا في نفوس العدو، حتى إنه يبلغ في بعض الأحيان من الأثر والنفاذ في نفوس هؤلاء أن يتركوا سلاحهم وعتادهم ويفروا ناجين بأنفسهم، وما ذاك إلا لأن الله تعالى نصير أهل الإيمان.

    الله أكبر فالإله نصيرُنا *** الله أكبر من صَدَى الطغيان

    أيها الإخوة الكرام..الله أكبر.. يقولها العبد المؤمن فيستولي على قلبه كبرياء من له الكبرياء في السماوات والأرض، الله أكبر.. يقولها العبد المؤمن فيعظم في قلبه قدر ربه جل وعلا، ويعظم في قلبه قدر إلهه الذي يعبده، فلا يكون في قلبه أحد أكبر من الله تعالى. إن العبد إذا قال هذه الكلمة امتلأ بها قلبه إن كان صادقًا في قوله، فخرج من قلبه كل كبر، وكل غرور، وكل رياء، وكل ارتفاع، وكل تعظيم لغير الله تعالى.

    نداء في القلوب له صداه *** يجلجل كالعواصف يوم رعد

    أيها الإخوة الكرام..الله أكبر.. كلمة يعلو بها المؤمن على كل علي من الخلق، ولذلك شرع الله تعالى تكبيره في كثير من المواطن؛ من الأماكن والأزمان والأحوال والرجال التي يمتلئ فيها قلب الإنسان بتعظيم غير الله تعالى، فجاء التكبير عند علو الأماكن العالية، وجاء التكبير عند رؤية أمر يفرح به ويسر، فيكون التكبير خافضًا لعظم كل عظيم غير الله تعالى، فإن الله سبحانه وتعالى أكبر من كل شيء جل وعلا، وهو أعظم من كل شيء سبحانه وبحمده.

    الله أكبر.. كلمة عنت لصاحبها الوجوه سبحانه وبحمده، قال الله تعالى فيما رواه النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح الإمام مسلم رقم (2620). من حديث أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما: «يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: الْعِزُّ إِزَارِي، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، فَمَنْ نَازَعَنِي شَيْئًا مِنْهُمَا عَذَّبْتُهُ».

    أيها الإخوة الكرام.. إن العظمة حق الله تعالى، إن الكبرياء له جل وعلا، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» أخرجه مسلم (91).؛ لأن الكبر ينافي حال العبد؛ فإن حال العبد أن يكون ذليلًا صاغرًا لله تعالى، فإذا دب إلى قلبه شيء من الكبر فقد نازع الله تعالى شيئًا من صفاته التي اختص بها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: «الْعِزُّ إِزَارِي، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، فَمَنْ نَازَعَنِي شَيْئًا مِنْهُمَا عَذَّبْتُهُ».

    أيها الإخوة الكرام..الله أكبر، ذلت لعظمته سبحانه وبحمده السماوات والأرض ومن فيهن، الله أكبر، خضعت لعظمته الجبابرة، وذل لعزه سبحانه وبحمده كل عزيز، ألم تسمع قول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} الحج: 18. .

    ألم تسمع قول الله تعالى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} مريم: 93. .

    مَليكٌ على عرشِ السماءِ مُهيمِنٌ**** لِعِزَّتِه تعنو الوُجوهُ وتسجُدُ

    الله أكبر.. كلمة تورث العبد تعظيم ربه ومولاه، وذلك من أعظم القربات وأجل ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى؛ أن يعظمه، فإن تعظيم الله تعالى قوام التوحيد؛ كما قال ابن القيم رحمه الله:

    وعبادة الرحمن غاية حبه**** مع ذل عابدِه هما قطبانِ

    فمن لم يحقق التعظيم في قلبه لم يقم له توحيد ولا إيمان.

    أيها الإخوة الكرام.. الله أكبر.. كلمة تقدح في قلب العبد ضياء يحصل به تعظيم رب العالمين، كيف لا وليس شيء أعظم من الله تعالى؟ قال سبحانه وبحمده: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} الشورى: 5..

    أيها الإخوة الكرام.. إن السماوات تكاد تتشقق وتتفطر من عظمة الله تعالى، فكيف تذهل القلوب عن عظمة الرب جل وعلا؟ الله أكبر.. كيف تذهل القلوب عن عظمة رب قال جل وعلا: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} الزمر: 67..

    إن الله سبحانه وبحمده أخبر في هذه الآية عن قوم -وهو حال أكثر الناس -قصروا في تعظيمه، فقال سبحانه وتعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} أي: لم يعظموه حق تعظيمه، لم يعظموه التعظيم الواجب له سبحانه وبحمده، فماذا كان من هذا القصور في التعظيم؟ كان أنواع من الضلال وأنواع من الشرك، وقد دل الله سبحانه وتعالى على عظيم قدره بقوله جل وعــــلا: {وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}.

    روى البخاري رقم (7451). ومسلم رقم (2786). من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: جَاءَ حَبْرٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ يَضَعُ السَّمَاءَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرْضَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ وَالأَنْهَارَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ بِيَدِهِ: أَنَا المَلِكُ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} الزمر: 67..

    والله أكبر عرشه وسِع السما *** والأرض والكُرْسي ذا الأركان

    وكذلك الكرسي قد وسع الطبا *** ق السبع والأرضين بالبرهان

    الله أكبر ولا إله إلا هو الحميد المجيد.

    وروى البخاري رقم (7412). ومسلم رقم (2788). في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «يَطْوِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ. ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟».

    فالكل مفتقر إليه لذاته *** في أسر قبضته ذليل عانِ

    سبحانه وبحمده.

    أيها الإخوة... الله أكبر.. كلمة عظيمة، كيف تذهل القلوب عن معناها من تعظيم الله تعالى وقد قال الله تعالى لعباده: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} نوح: 13. ما الذي يجعلكم لا تعظمونه سبحانه وبحمده حق تعظيمه؟ مالكم تعاملون ربكم معاملة من لا يخشاه ولا يخافه ولا يرهبه ولا يعظمه؟ قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا}: ما لكم لا تعرفون لله حق عظمته؟

    والله أكبر من يخاف جلاله *** أملاكه من فوقهم ببيان

    أيها الإخوة الكرام..الله أكبر فوق عباده، الله أكبر قاهر فوق عباده سبحانه وبحمده، وقد قال الله تعالى في بيان عظيم قدره جل وعلا: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} الأنعام: 18.. فالله سبحانه وتعالى فوق عباده، يصرِّف شئونهم، يدبر أمورهم، لا ملجأ منه إلا إليه، فالمفر إليه سبحانه وبحمده، فإذا قام العباد بحقه جاءهم الله تعالى بكل خير، وأمدهم بكل فضل، وأعانهم على كل بر، وإذا قصروا في ذلك كان ذلك سببًا لكثير من الضلال والفساد الذي يقع في حياة الناس في شئونهم الخاصة، وفي شئونهم العامة، وقد قال الله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} الروم: 41. .

    الله أكبر.. كلمة تورث قلب العبد تعظيم شعائر الله تعالى، ومَن عظم شعائر الله وما عظمه الله تعالى فهو المؤمن، فإن العبد إذا صدق في تعظيمه لربه عظم كل ما يعظمه الله تعالى، قال جل وعلا: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} الحج: 32.. أي: إن من عمر قلبه بتعظيم حرمات الله تعالى، وبتعظيم ما عظم الله تعالى من الأشخاص، ومن الأزمان، ومن الأمكنة، ومن الأحوال؛ كان ذلك دليلًا على صلاح قلبه وتقواه، وقد قال الله تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} الحج: 30..

    المؤمن المعظم -أيها الإخوة- لشعائر الله تعالى هو القائم بأمر الله تعالى؛ طاعة له فيما أمر، واجتنابًا عما نهى عنه وزجر، ومن قام بطاعة الله تعالى فتح له أبواب الخير، وفتح له أبواب الإنابة، وفتح له أبواب القيام بحقه سبحانه وبحمده، وفتح له من أبواب السعادة والانشراح والاطمئنان ما لا يدركه غيره.

    أيها الإخوة الكرام..إن من علامات تعظيم العبد لربه تعالى أن يعظم شعائره؛ كما سمعنا في قوله تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} الحج: 32..

    ومن تعظيم الله تعالى أن يعظم العبد حدود الله تعالى في نفسه، فلا ينتهك حدًّا من حدود الله، ولا يقع فيما حرم الله تعالى، ولا يقصر في شيء مما أوجبه الله تعالى عليه، بل تجده مسابقًا لطاعة الله تعالى، عاملًا بما يرضيه سبحانه وتعالى، مجتنبًا كل ما نهى الله عنه ورسوله.

    أيها الإخوة الكرام.. إن العبد إذا صدق في تعظيم شعائر الله تعالى وجدت عنده غضبًا لحدود الله تعالى إذا انتهكت محارمه سبحانه وبحمده، فتجد قلبه حزينًا منكسرًا إذا عُصي الله تعالى في أرضه ولم يقم بما أمر به الله تعالى؛ من حفظ حدوده، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

    روى مسلم رقم (2328). من حديث عائشة رضي الله عنها قالت في وصف حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمه شعائر الله تعالى؛ قالت: «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ، فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».

    هكذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينتقم لنفسه في شيء من الأمور، إنما ينتقم لله تعالى، فإنه يسمح صلى الله عليه وسلم ويعفو عمن يقصر في حقه من امرأة أو خادم، إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا نيل منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في شيء من أمور الدنيا إلا عفا صلى الله عليه وسلم، ولم يقابل ذلك بالانتقام إلا في شيء يتعلق بحق الله تعالى، فإنه إذا انتهكت محارم الله تعالى انتقم لله عز وجل، وإنما ينتقم صلى الله عليه وعلى آله وسلم تربية وتعليمًا وبيانًا لعظيم حق الله تعالى وأن حقه سبحانه وتعالى أن يغضب له جل وعلا.

    أيها الإخوة الكرام..الله أكبر.. حاجز يمنع المؤمن من التورط في ألوان المعاصي والسيئات، الله أكبر.. حاجز يحول بين المرء وانتهاك الحرمات؛ فإنه لا يضيع ما فرض الله تعالى عليه ولا ينتهك ما حرمه الله عليه إلا مَن خف في قلبه تعظيم الله تعالى، وإنما يقل الخوف في قلب العبد من قلة تعظيم الله تعالى، فإذا نما في قلب العبد تعظيم الله جل وعلا كان العبد مسابقًا إلى طاعة الله تعالى، منتهيًا عما نهى الله عنه ورسوله.

    وإنني أذكر لكم شيئًا مِن سِيَر مَن قَصَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهم؛ حتى يتبين للمرء ما الذي يثمره إجلال الله وتقديره:

    روى البخاري رقم (2215). ومسلم رقم (2743). من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: ذات يوم خرج ثلاثة نفر يمشون، فأصابهم المطر، فدخلوا في غار في جبل، فانحطت عليهم صخرة، قال: فقال بعضهم لبعض: ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه. فقال أحدهم: اللهم إني كان لي أبوان شيخان كبيران، فكنت أخرج فأرعى ثم أجيء فأحلب، فأجيء بالحلاب فآتي به أبوي فيشربان، ثم أسقي الصبية وأهلي وامرأتي، فاحتبست ليلة فجئت فإذا هما نائمان. قال: فكرهت أن أوقظهما، والصبية يتضاغَون عند رجلي، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم -يعني: مكثنا على هذه الحال- حتى طلع الفجر، اللهم إن كنتَ تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فرجة نرى منها السماء. قال: ففرج عنهم قدر ما دعا. ثم إن الآخر قال في دعائه: اللهم إنك تعلم أني كنت أحب امرأة من بني عمي كأشد ما يحب الرجال النساء، وطلبت إليها نفسها، فقالت: لا تنال ذلك منها حتى تعطيها مئة دينار، فسعيت- أي: اجتهدت- في كسب هذا المبلغ الذي شرطته حتى جمعته، أي: المئة الدينار، فلما قعدت بين رجليها قالت وقد أحيا الله قلبها: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه. يقول هذا الداعي: فقمت وتركتها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فرجة. قال: ففرج عنهم الثلثين. وقال الآخر في دعائه، وهو الأخير: اللهم إنك تعلم أني استأجرت أجيرًا بِفَرَق من أرز، فأعطيته وأبى أن يأخذ أجره -إما لخصومة أو لزهد أو لاستقلال هذه الأجرة، المهم أنه أبى أن يأخذ ما أعطاه -فعمدت إلى ذلك الفرق فزرعته حتى اشتريت منه بقرًا وراعيها، ثم جاء فقال: يا عبد الله، أعطني حقي. فقلت: انطلق إلى تلك البقر وراعيها فإنها لك. فقال الرجل الأجير: أتستهزئ بي؟ قال: فقلت: ما أستهزئ بك ولكنها لك، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا. فكشف عنهم.

    أيها الإخوة.. هؤلاء ثلاثة قص رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهم، ما الجامع بينهم؛ إنه إجلال الله تعالى وتعظيمه، إنه مراقبة الله تعالى، فانظر إلى ذاك الرجل الذي ترك الصبية يتضاغون تحت قدميه حتى أصبح الصبح ينتظر أبويه أن يستيقظا ليشربا من الحلاب، ما الذي حمله على فعل ذلك؟ إنه بر الوالدين الذي يرجو به العقبى عند الله، وإلا فإنه يمكن أن يعطي الأولاد ما يكفيهم ويرفع حق والديه إلى أن يستيقظا. وذاك الذي سعى في طلب المرأة التي أحبها أشد ما يحب الرجال النساء سعى في نيل مبتغاه منها، حتى إذا كان على ما وصف بين رجليها قالت له: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه قام، ما الذي أقامه عنها؟ ما الذي حجزه عنها؟ إنه تعظيم الله تعالى، إنه مراقبة الله تعالى وخوفه، هو الذي حمله على ترك ذلك الذي سعى له وكد لتحصيله. وذاك الأجير الذي ترك أجره عند صاحبه فثمّر صاحبه الأجر للأجير إلى أن عاد، ثم قال له طالبًا أجره فقال: كل ما ترى لك من البقر وراعيها، فاستاق ذلك، لم يبق منه شيئًا، ما الذي حمله على ذلك؟ إنه خوف الله تعالى الذي هو أعظم ثمرات تعظيم الله تعالى.

    الله أكبر عالم الإسرار والـ *** إعلان واللحظات بالأجفانِ

    الله أكبر.. أيها الإخوة.. له جل وعلا الحمد، وله الثناء الذي لا ينقطع؛ وذلك لعظيم ما له من الصفات سبحانه وبحمده، فإذا قام بقلب العبد تعظيم الله جل وعلا فلا تسأل عن أداء الحقوق، ولا تسأل عن المبادرة إلى كل ما يرضي الله تعالى؛ فإن العبد إذا صدق مع الله تعالى طلب مراضي ربه سبحانه وبحمده حيث كانت، فإنه لا يطلب جاهًا ولا يطلب شرفًا ولا يطلب ثناءً ولا يطلب مالًا، إنما يطلب مرضاة الله تعالى، فحيثما كانت مرضاة الله تعالى أقبل عليها وأخذ بها.

    أيها الإخوة الكرام.. إن العبد إذا صدق معنى «الله أكبر» في قلبه وجدت منه إقبالًا على أداء الأمانات إلى أهلها؛ كما قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} النساء: 58.. فإذا كان العبد مليء القلب بتعظيم الله تعالى أدى الحق واجتهد في أدائه، ومن ذلك ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري رقم (2291 ). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلًا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه مالًا، فقال: ائتني بشهداء، قال صاحب المال لطالب السلف: ائتني بالشهداء أشهدهم. فقال ذلك الرجل لمن طلب منه الشهداء: كفى بالله شهيدًا ألا يكفيك الله تعالى شهيدًا، وأنه سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية، وأنه يعلم السر وأخفى، وأنه مطلع على حالنا؟ قال: فأتني بكفيل، قبلت الله شهيدًا، لكن ائتني بكفيل يضمن هذا المال إذا لم تأت به. فقال له ذلك الرجل الذي امتلأ قلبه بتعظيم الله تعالى: كفى بالله كفيلًا، ألا يكفيك أن الله رب السماوات والأرض، أن الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض يكفلني؟ قال: صدقت. فدفع إليه ما طلب من المال إلى أجل مسمى، فخرج هذا الذي اقترض المال واستلفه إلى جهة من الجهات ركب فيها البحر فقضى حاجته، ثم إنه لما جاء الأجل التمس مركبًا ليعود إلى صاحبه ليوفيه ما طلب، فما وجد مركبًا يحمله، ولا شيئًا يسير به إلى ذلك الذي واعده، وقد قرب الأجل، فما كان منه إلا أن أخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها المال المقترض؛ ألف دينار، وصحيفة منه إلى صاحبه، ثم زج بها في البحر فقال يناجي ربه الذي يعامله: اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت من فلان ألف دينار، فسألني كفيلًا فقلت: كفى بالله كفيلًا، فرضي بك، وسألني شهيدًا فقلت: كفى بالله شهيدًا، فرضي بك، وإني جهدت أن أجد مركبًا أبعث إليه الذي له فلم أقدر، وإني أستودعكها. فرماها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف لا يلوي على شيء يطلب مركبًا ليذهب به إلى صاحبه، انصرف وهو يلتمس مركبًا يخرج إلى بلده، وإنما حمله على ذلك أنه أشهد الله وجعله عليه كفيلًا، حمله على زج هذا المال في هذا البحر أنه جعل الله كفيلًا، وجعل الله شهيدًا، فخشي أن يخسر شهادة الله وكفالته، فماذا كان منه وما كان خبره وقصصه؟ إن هذا الرجل طلب مركبًا ليذهب به إلى صاحبه، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في خبر القصة: فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركبًا قد جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال التي رمى بها المقترض في البحر إذا بها بين يدي هذا المقرض، فأخذها، ماذا يريد بها، ماذا عساه يفعل بها؟ أخذها ينتفع بها في بعض أمره، فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم ذلك الذي أسلفه، أتاه بالمال، فقال له: هل كنت بعثت إلي بشيء؟ الذي يسأل المقرِض،  فقال المقترض: ألم أخبرك أني لم أجد مركبًا قبل الذي جئتك فيه؟ قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة. فانصرف بالألف دينار راشدًا.

    الله أكبر، الله أكبر، ما أطيب ثمار التقوى، وما أعظم عواقب التعظيم.. أيها الإخوة.. فإن العبد إذا صدق مع ربه جل وعلا في معاملته وخوفه ورجائه ومحبته وتعظيمه؛ صدقه الله سبحانه وتعالى؛ فإنه سبحانه وتعالى لا يخلف الميعاد، ولذلك ينبغي للمؤمن أن يحرر قصده، وأن يعظم الله تعالى في قلبه. ومن أعظم ما يقدح في قلب العبد التعظيم أن ينظر في آيات الله تعالى؛ فإن النظر في الآيات مما يملأ قلب العبد تعظيمًا للرب جل وعلا، إذا تأمل العبد هذه الأفلاك وما فيها من عظيم الصنع، تأمل العبد في نفسه فيما أمره الله بالنظر إليه من عظيم المخلوقات؛ كان لذلك من الأثر في قلبه وسلوكه تعظيمًا لله تعالى وإجلالًا ما ليس لغيره.

    والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

    التفاصيل
    0
    7922
  • درة المواسم
  •  الحمدلله الذي  خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور، أحمده سبحانه، لا أحصى ثناء ًا عليه، كما أثنى على نفسه، هو أهل أن يُحمد جلَّ وعلا، هو أهل أن يذكر ويشكُر، أهل أن تُثنى عليه القلوب والألسنة، أهل أن يمجّد ويقدّس، لا يُحصى العباد ثناءًا عليك تعالى، وتقدس لا إله غيره، سبحانه وبحمده، وأشهد أن لا إله إلا الله، إله جلَّ في علاه، لا يُحصي العباد عظمته، ولا يقدّرونه حق قدره، وأشهد أن محمدًا خيرُ من صلى وصام، رسول الله عبدالله ورسوله، صفيه وخليله، اصطفاه الله من بين الخَلق، فجعله إمامًا لهم، داعيًا إليه جلَّ وعلا، بالهدى ودين الحق، وجعله سببًا من أسباب إشراق القلوب، وإبصارها، أخرج الله تعالى به القلوب من الظلمات، أنار الله به البصائر، هدى به من العمى، جاء وقد أطبقت الظلمات على الأرض، فأشرقت بنور رسالته السموات والأرض، فصلى الله عليه، وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنتة، واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد...

    فحيّاكم الله أيها الأخوة الأحباب، ومرحباً بكم وبكل من استمع إلينا، فإننا في هذه الليلة، نتناول شيئًا من الذكرى التي تحيا بها القلوب، وتنشط بها الأفئدة، لاستقبال ما بقى من هذا الموسم العظيم المبارك شهر رمضان، الذي  جعله الله تعالى محلًا لأنواعٍ من الخيرات، وألوانٍ من المسرات وصنوفٍ من المسابقات إلى رب الأرض والسموات، إنه شهرٌ مبارك، شهرٌ يعجز الإنسان  عن إدراك خيره، ووصف بره وما فيه من أطياف الخير وألوان البر، قال الله جلَّ وعلا عنه؛ {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىِ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}سورة البقرة، الآية:185  ،  وصفه الله تعالى بهذا الوصف، وأخبر عنه هذا الخبر الذي  يبين به جلَّ وعلا، على عظيم قدر هذا الشهر، أنه الشهر الذي  نزّل فيه خير كتبه على خاتم رسله، إنه شهر القرآن، شهر الرسالة التي أبصر الناس بها الهداية، وأدركوا بها الخير، وهى التي خرجت من بين دعوتها خير أمةٍ أخرجت للناس، إنه شهر القران العظيم، الذي  فيه من الخير والبر، ما جعل الله تعالى أسبابًا شرعيةً وكونية، تكفل انتظام أحوال الناس في هذا الشهر، إن الناظر في إعداد الله تعالى واصطفائه لهذا الشهر، يرى عجبًا فهذا الشهر اصطفاه الله تعالى من بين الشهور، فجعله محلًا لنزول القرآن، يقول الله تعالى فيما سمعتم: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىِ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ}سورة البقرة، الآية:185،  أوصد الله تعالى بهذا الوصف الذي  يبين به جلَّ وعلا على عظيم قدر هذا {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىِ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}سورة البقرة، الآية:185،وربك يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة، سبحانه وتعالى عما يصفون، الله اصطفى هذا الشهر من بين شهور السنة كلها، فجعله مهبط لهذه الرسالة،  محلًا لنزول خير كتاب على خير رسول، هذا اصطفاء؛ ثم إنه هيأ من أسباب الإعانة على الطاعة، ما يكون عونًا للعبد على اغتنام هذه الفرصة، على الفوز بما في هذه المنحة، من أسباب الخير و ألوان المبرات، فقد قال النبي؛  صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيما رواه البخاري ومسلم، من حديث أبى هريرة رضى الله عنه، )إذا دخل شهر رمضان، فتّحت أبواب الجنة، وغلُّقت أبواب النار، وسُلسلت الشياطين(،الله أكبر هذا الخبر من النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بيان لمن فاز به هذا الشهر، من هذه الإعانة والإمداد من الرب  الكريم، الذي  هيأ القلوب، وهيأ الزمان، وهيأ الحال، أن تكون مستعدًا لطاعة الله، أن تكوني مستعدةً؛ للإقبال على ما فيه خير الدنيا والآخرة، إنه تهيئة من الله تعالى، ولذلك جاء في رواية الترمذي، النداء من المنادي الذي  ينادي  يا باغي الخير أقبل، وياء باغي الشر أقصر، ولله عتقاء في كل ليلة من ليالِ هذا الشهر المبارك، إنه موسمٌ عظيم، إنه موسمٌ خصّة الله بخصائص كبرى، وفضائل عظمى، كان أعظمها إنزال القران، وكان من عظيم بركة هذا الشهر، إنه شهر تعظُم فيه الأجور وتكثر،  كما إنه شهرٌ وموسمٌ، تحط فيه الأوزار وتضعف وتزولُ وتتلاشى، في جانب ِ بر الله وإحسانه،  في جانبِ مغفرة الله وعطائه في جانب ما يكون منه جلّ وعلا، من البر والإحسان وجزيل العطاء والمغفرة، هذا الشهر شهرٌ يمنّ الله تعالى على عباده بألوان من العطايا، يعطى الله تعالى فيه عباده مما يؤملون، ومما يرغبون، من ألوان السعادة في الدنيا، وشرح الصدور والأجور في الآخرة، والثواب الكبير ما يحفّز على مزيد عمل، وبذل ونشاط، إن النبي صلى الله عليه وسلم، ذكر فيما رواه البخاري ومسلم عن الله يقول النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى )كل عمل ابن ادم له الحسنة بعشر أمثالها،إلى سبع مئة ضعف، إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزى به)،وهذا يبيّن عظيم منزلة الصوم عند رب العالمين، أنه تولى بنفسه جلَّ وعلا، الثواب والعطاء، لم يكن هذا موكولًا، إلى تقديرٍ أو قانونٍ يحسب به الأجر في الصيام، فالصيام خارج عن قانون التقدير والحساب،  إنه عطاءٌ لا حدود له {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}سورة الزمر، الآية: 12  ، الله أكبر؛ يا لها من منّة، يا له من موسمٍ، امتاز بأن يكون سببًا لتعظيم الأجور وزيادتها، خيرٌ كثير، عطاءٌ كبير من رب العالمين،  إذا كان صوم يومٍ واحدٍ في سبيل الله، سببًا لمباعدة العبد بين وجهه والنار سبعين خريفًا،  فكيف بصيام أيام متوالية، من الفرض الذي  فرضه الله تعالى وأوجبه، يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيما رواه البخاري ومسلم، من حديث أبى سعيد الخضري، رضي الله عنه،  )من صام في سبيل الله يومًا، باعد الله بينه وبين النار سبعين خريفًا)  الله أكبر إنه عطاءٌ ومنٌ يدرك به العبد انشراحًا في الدنيا، وسعادةً تامةً وابتهاجًا كاملًا يوم لقاء الله تعالى، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم، فيما يدركه الصائم من نعيم الدنيا، وفوز الآخرة، يقول بأبي هو وأمي، صلى الله عليه وسلم،(وللصائم فرحتان؛ فرحةٌ عند فطره)، وهذه ما يدركها فيالدنيا،(وفرحة عند لقاء ربه(  العمل الصالح يجني العبد ثماره ويدرك  ليس أجره وثوابه؛ جنتان عرضها السموات والأرض فحسب؛ بل إن العمل الصالح يجنى العبد ثماره ويدرك بره وفوزه ونعيمه، في الدنيا قبل الآخرة، فالله أكبر يا له من موسم عظيم، يا له من موسم هو دُرة مواسم العبادة، هو دُرة البر الذي  ينبغي أن يتسابق فيه المتسابقون، فهلا شمّرنا عن سواعد الجد، هل أخذنا الخُطى وشحذنا العزائم، في سيرنا إلى الله تعالى، {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ}سورة الواقعة، الآية: (11-12)، فاستبقوا الخيرات، الى الله مرجعكم  جميعًا، إنه سباق لا يفوز به الا من شمّر، سباقُ لا يجوز فيه إلا من قدم، سباق يكون فيه العبد مقتديًا بخير الأنام، الذي  غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، مع ذلك لم يتلكأ رسول الله صلى الله عليه وسلم لحظة واحدة، في سيره إلى الله تعالي،  بل كان يسير إلى الله تعالى، ليلًا ونهارًا،  فما عبد أحدٌ الله تعالى؛ كما عبده محمد صلى الله عليه وسلم، وكانت عبادته سنةً وأسوةً، لجميع الأمة، {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ}سورة الأحزاب، الآية: 21  ، فهلا نشطنا.. فهلا شمرنا فيما بقى من زماننا.. إنها أيام إنها ليال ٍ. إنها برهة من الزمن تنقشع وتزول. يذهب تعبها ويمضى نصبها. ويزول ما فيها من عناء. وكدٍ وتعب لكن الأجور تبقى عند من لا يضيع عنده عمل. {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}سورة البقرة، الآية: 143  ، ما كان الله ليضيع صلاتكم، ولا صيامكم، ولا زكاتكم، ولا بركم، ولا دروسكم في مجالس الذكر،  ولا قيامكم في صلاة القيام، ما كان الله ليضيع شيئًا من أعمالكم، إن تكن حسنة يضاعفها، ويؤتي من لدنه أجرًا عظيمًا، فنسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يستعملنا وإياكم لطاعته، وأن يعيننا وإياكم على الاستباق إلى الخير والبر، رمضان درة المواسم، لأنه الموسم الذي  صنّف فيه الله تعالى، وفنن فيه جلَّ وعلا، ألوان حتى السيئات والذنوب، إن العباد يسيرون إلى الله تعالى بقلوبهم، وهذه القلوب تنعكس فيها آثار الحسنات، كما إنه تجلو وتظهر فيها آثار السيئات، قلبي وقلبك، لا تظن أن حسنة من الحسنات لا تظهر في القلب، بل كل حسنة يكون لها أثرٌ في القلب بياضًا، وكل سيئةٍ لها أثر في القلب، نقطة سوداء وهكذا تكون قلوب العباد بين بياض وسواد، فاستكثر من التخفف من السواد الذي  في قلبك،  إن الفتن تعرض على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا، هكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم، فيما رواه في الصحيح  من حديث حذيفة،)تعرض الفتن وهي ألوان البلايا ألوان المعاصي) التي نتهوك فيها ونتورط فيها، تعرض على قلوبنا، هذه القلوب إما أن ترد المعصية، وتقدم على الطاعة، فتفوز بالسلامة،  وإما أن تضعف عند دعوةٍ إلى شهوة أو قعود عن واجب، فتنكت نكتة سوداء تنكت في القلب، نكتة سوداء، هذه النقطة تكبر وتمتد وتتسع دائرتها، مع توالي وتعاقب السيئات على القلوب، ولذلك يقول؛  (تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا)، فأي قلب أشربها، قبلها قبل الفتن والمعاصي والسيئات، نكتت فيه نقطة سوداء،  وأي قلب أنكرها، نكتت فيه نقطة بيضاء، ثم تسير القلوب إلى قلبين؛ قلب قد جلى بياضه أشرق نوره، وابيض وجه صاحبه، وقلب أظلم وخلا من الخير، وقسى حتى كان كالصخر أو أشد قسوة، هذا حال القلوب، هذا حال قلبي وقلبك، تنقسم القلوب في نهاية المطاف إلى قلبين، فهلا طهّرنا قلوبنا في هذا الشهر المبارك، إنها منح يا إخواني، منن من رب العالمين، ربنا يقدم لنا ألوانًا من المدرّات يحط بها عنا السيئات، فيقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في الصحيحين من حديث أبى هريرة، (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا،غفر له ما تقدم من ذنبه، من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه) الله أكبر يا لها من هبات، الله أكبر يا لها من عطايا، ومنح وتلك مواهب الرحمن، ليست تحصل باجتهاد أو بكسب، ولكن لا غنى عن بذل جهد بإخلاص وجد، لابد من أن تقدم عربونًا للفوز بتلك الهبات والمنح للفوز بتلك العطايا من رب عظيم، إن الذنوب  تثقل القلب، إن الذنوب تظلم بها القلوب، وتضيق وتسود بها الوجوه، وتنسد بها الطرق، ويصرف بها العبد عن خير كثير، فالسيئة جزاؤها سيئة بعدها، كما أن الحسنة يجزى صاحبها بحسنة بعدها،  فهلا تخففنا من الذنوب، في موسم يحط الله فيه الخطايا، في موسم تتلاشى الذنوب بألوانها وأصنافها وفنونها، في جنب مغفرة الله وبره، في جنب عطايا الله تعالى ومنحه، إنها فرصة أن نتوب إلى الله تعالى، أن نقبل عليه، أن نسأله المغفرة، أن نأخذ بأسباب المغفرة، كلنا يرجو أن يغفر له، كلنا يرجو أن يخرج من هذه الدنيا لا يحمل سيئة، لأنها ستثقله وتعيق سيره في الآخرة، فهل عملنا الأسباب التي نتخلص بها من السيئات، إن السيئات أمرها خطير، يمنُ الله على رسوله، وهو خير الخلق الذي حماه الله تعالى من كثير من السوء والشر، فلم يكن له سيئة تثبت وتستقر بل كان توابًا إلى ربه جلَّ وعلا، يقول الله تعالى؛ {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ (2)} سورة الشرح، الآية: 1 و2 ، ثم انظر أثر الوزر، الذي أنقد ظهرك، إنه ثقل وعناء في السير أن تكون محملًا بألوان من السيئات والخطايا، أخي، أختي، بحاجة أن نستغفر الله تعالى، بحاجة أن نأخذ الأسباب التي يحط الله تعالى عنا بها الخطايا، فهلا بادرنا هلا اغتنمنا الفرصة، فتبنا إلى الله تعالى، واطرحنا بين يديه وأخذنا بالأسباب التي يحط الله تعالى بها عنا الأوزار، صوم الشهر إيمانًا واحتسابًا، يحط الله تعالى عنك السيئة من العمل، ويرفعك الدرجات العلا من العمل ويرفعك الدرجات العليا، قم الليل إيمانًا واحتسابًا في هذا الشهر، ليلة القدر التي اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم، شهرًا كاملًا يطلب ليلة القدر، فقد اعتكف في العشر الأول يطلب ليلة القدر، إنما تطلب أمامك، فاعتكف العشر الأوسط ، ثم لما تم عشرين فأراد أن يخرج، قال لأصحابه من أحب أن يعتكف معنا، فإني أوريكما أن ليلة القدر يصبح مسجد في صبيحتها ماء وطين، فكان أن اعتكف العشر الأخير، صلى الله عليه وسلم، ثم استقر اعتكافه على العشر الأخير من رمضان، جدًا واجتهادًا طلبًا للبر والإحسان من رب عظيم  كريم، يتفانى رسول الله صلى الله عليه وسلم، في مرضاة ربه، دعاء، إقبال، صيام، قيام، سائر ألوان المبرات مع قول رب العالمين، قد بشره بالبشارة الكبرى، {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً}سورة الفتح، الآية: (1-2)،كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، قدماه صلى الله عليه وسلم، من طول القيام، فهل فينا من يفعل ذلك في غير رمضان، محمد رسول الله، حبيبنا، سيدنا، إمامنا، نبينا صلى الله عليه وسلم،  كانت هذه حاله في غير رمضان، فكيف كانت حالة في رمضان، كانت جدًا واجتهادًا زيادةً في البر والخير، طاعة لله تعالى، مسابقةٌ في الخيرات، هكذا كان نبينا مع مغفرة الله له، فهلا سلكنا سبيله، وخططنا طريقه، وسرنا في ركابه، وعلى خطاه صلى الله عليه وسلم، حتى نفوز بما فاز به من السعادة، في السعادة في الدنيا والفوز الآخرة.

         أيها الأحباب، أيها الأخوة والأخوات، إننا في هذا الشهر المبارك، نتعرض لأنواع من المبرات، وصنوف من الخيرات منها حط الذنوب والسيئات، منها رفع الدرجات و أخذ الهبات والعطايا من الرب الكريم، الرحمن الرحيم، ذي الفضل والإحسان، كذلك شهر يتعود فيه المؤمن على مناجاة ربه، على بث شكواه إلى الله جلَّ وعلا، على سؤاله والتضرع بين يديه، شهرُ يقول الله تعالى في ثنايا آيات الصيام؛ {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}سورة البقرة، الآية: 186 ، الله أكبر الله أكبر ما أعظم إحسان ربنا، ما أعظم رأفته، وما أعظم رحمته جلَّ وعلا، بعباده وأوليائه، فهو يتعرض لهم سبحانه وبحمده بألوان من النفحات، يقول الله تعالى؛ {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}سورة البقرة، 186  ، هو قريب ممن دعاه،ليس قربه جلَّ وعلا، من كل أحد، وإنما قربه من العبد حال دعائه وحال سجوده، يقول النبي صلى الله عليه وسلم، (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، هذا القرب يقتضى لطفًا واحسانًا وبرًا ومصارعة في الخيرات من ربٍ له ما في السموات والأرض، له العطايا والمنن، بيده الخير كله، ليس خيرٌ إلا من قبلهِ، فهو جلَّ وعلَّ لا يأتِ بالحسنات إلا هو، ولا يدفع السيئات إلا هو، هو سبحانه وبحمده المعطي، الذي لا مانع لما أعطى، هو المانع الذي  لا معطي لما منع، فهو جلَّ وعلّا، بيده الخير كله، لبيك وسعديك والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، سبحانك وبحمدك.

     أخي إنها فرصة مباركة، أن يقبل العبد على سؤال الله تعالى أن يعود لسانه الدعاء، باب عظيم يدخل به العبد على ربٍ ذي هبات، رب ذي عطايا  الله جل وعلا، يغضب من العبد اذا أعرض عنه، ولم يسأله  فحين أن العباد يكرهون مسألة الخلق، الله الذي  له ما في السموات وما في الارض، إنما يغضب على من يترك سؤاله، وقال ربكم ادعوني أستجب لكم، إن الذين يستكبرون عن عبادتي، سيدخلون جهنم داخرين، فالله سبحانه وتعالى، يغضب على العبد الذي أعرض عن دعائه وسؤاله، لأن الدعاء هو العبادة، روى الإمام الترمذي في جامعه، بإسناد صحيح، أن النعمان بن بشير رضي الله عنه، قال؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، الدعاء هو العبادة، أسألكم يا إخواني، هل نحن ممن تلهج السنن بدعاء الله تعالى؟ وسؤال الحاجات منه سبحانه وبحمده، إننا ذوو حاجات كثيرة، لكننا نغفل عن سؤال ربٍ كريم، فالإنسان قد يرد في باله في قضاء حاجة من الحوائج، كل بعيد وقريب من أمور الخلق والأسباب، لكنه يغفل عن باب لا يوصد، بابٍ لا يغلق، عن باب الله تعالى الذي فتحه لعباده، وهو باب الدعاء والسؤال، فإن السؤال سبب لإنجاز المطالب، وتحقيق الرغبات وتحصيل الهبات من الله تعالى، فهلا عودنا أنفسنا، سؤال الله تعالى، إن السائل لا يعود من الله تعالى إلا بخير، ولذلك جاء في الحديث، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال إن الله حيي كريم، يستحي أن يرفع العبد يديه إليه جلَّ وعلا، ثم يردهما صفرًا، روى الإمام أحمد في مسنده،  من حديث أبى سعيد الخضري رضى الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال ما من مسلمٍ، يدعو الله تعالى، بغير إثم ولا قطيعة رحم، إلا كان له إحدى ثلاثَ خصال، وهذه الخصال لا يخلو منها داعٍ، لا تفارق أحدًا سأل الله تعالى، الخاصة الأولى؛ أن يجاب إلى ما دعي، أن يعطيه الله تعالى ما سأل، الخاصة الثانية؛ أن يدفع عنه من الشر مثل ما سأل، الخاصة الثالثة؛ أن يدخر له ذلك في الآخرة، إذًا الداعِ ِ في ربح على كل حال في ربح أجيب إلى ما سأل، أو لم يجب هو مجاب هو فائز، رابح في سؤاله لله تعالى، الصحابة أدركوا هذا المعنى، فقالوا يا رسول الله، إذًا نكثر ،يعنى إذا كانت المعادلة بهذه الصورة، لابد من فوز إذا دعونا سنكثر من الدعاء،  فماذا قال النبي صل الله عليه وسلم، لأصحابه قال الله أكثر، الله أكثر منكم، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله أكثر من كل شيء وهو أكبر كل شيء، محاولة سبحانه وبحمده، لا نحصي ثناءًا عليه جلَّ وعلا، فالعبد مهما سأل، فإن ما عند الله أعظم، ولا ينقص سؤال الخلق لله تعالى، شيئًا من ملكه، روى الإمام مسلم في صحيحه، من حديث أبى ذر رضي الله عنه، في أشرف حديث من أحاديث أهل الشام، حتى إن راويه أبو إدريس خولاني، كان إذا حدّث بهذا الحديث، جثى على ركبتيه، من عظم ما في هذا الحديث من الأخبار، يقول النبي صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى؛ (عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على صعيد واحد) تصور جميع الخلق على اختلاف ألوانهم، وعلى اختلاف ألسنتهم، وعلى اختلاف أصولهم، وعلى اختلاف أزمنتهم، وعلى اختلاف حوائجهم،  كانوا على صعيد واحد، فسأل كل واحد الله تعالى مسألته، فأعطاه مسألته، لم ينقص ذلك من ملك الله شيئًا، الله أكبر لا إله إلا هو الغني الحميد، الله أكبر ما أعظم ملك ربنا، وما أعظم عزه وما أعظم عزة جلَّ وعلا، وغناه سبحانه وبحمده، يا أخي عود نفسك سؤال الله تعالى، لا تقول أنا لا أحتاج لأن أسال ما منا ويحتاج إلى الدعاء، النبي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع ذلك كان يقول اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله صغيره وكبيره علانيته وسره، أوله وآخره، إذًا هي إنابة، هي إقبال، هي انجذاب إلى رب كريم، يعرض فيه العبد حاجاته على ربه جلَّ وعلا، النبي صلى الله عليه وسلم، ربى أمته على السؤال والدعاء،  ولذلك عائشة تقول سلوا الله كل شيء، حتى شسع النعل يعني حتى السير الذي  يربط به النعال، يعنى أشبه ما يكون بالرباط الذي  يلبس على القدم، سلوا الله كل شيء حتى شسع النعل ، فإنه لو لم ييسره الله تعالى ما تيسر، هل نحن نسأل الله تعالى هذه المسائل، هل نصل بدعائنا وتضرعنا أن نسال الله، في مثل هذه الأمور، كثير منا لا يعرف سؤال الله تعالى ودعائه إلا في النوازل الكبرى، والبلايا العظمى، والمصائب الكائدة التي لا يتحملها، لكنه لا يسأل الله تعالى ما دق وجلّ، ما صغر وما كبر، فيفوته بذلك خير جزيل، إخواني أحبابي إننا بحاجة إلى أن ندرك عظمة هذا الموسم، إنه موسم عظيم، لون الله تعالى به ألوان الخير، وصنوف البر، لعباده وأوليائه، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم،  ينادي منادٍ (يا داعي الخير أقبل، يا باغي الخير أقبل، وياء باغي الشر أقصر، ولله عتقاء، وذلك كل ليلة من ليالي هذا الشهر  المبارك) إن هذا الشهر المبارك شهر القرآن شهر قراءة القرآن وتلاوته، فرسول الله صلى الله عليه وسلم، كان قرّاءًا تلّاءًا لكلام الله تعالى،  لكنه على وجه يختلف عن قراءة كثير من الناس، إن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يقرأ كلام ربه، ويحب الإنصات لكلام الله تعالى، كان يقرأ القرآن، وينزله على حاله وعمله، حتى سُئلت عائشة رضى الله عنها، كيف كان خلق النبي، صلى الله عليه وسلم، فقالت تقول لمن سألها، ألست تقرأ القرآن؟ قال بلى، قالت كان خلقه القرآن، إنه التزم هذا القرآن، عملًا، وسلوكًا، ومنهجًا، عقيدةً ومظهرًا، هكذا كان النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهلا شحذنا الهمم، ونشطنا العزائم في تلاوة كلام الله تعالى، رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيح؛ كان يعرض القرآن على جبريل في كل عام مرة، وفى العام الذي توفي فيه صلى الله عليه وسلم، عرضه مرتين، لكن انتبه!! لم يكن تلك قراءةً في اللسان دون تدّبرٍ واتعاظ في القلب، والجنان بل كان النبي صلى الله عليه وسلم، يترجم القرآن، يرى عليه أثر القرآن، في كل حاله وفى رمضان على وجه الخصوص، استمع إلى ما رواه البخاري في صحيحه، من حديث عبدالله بن عباس، رضى الله عنه، قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، هذه حاله على وجه العموم، وكان أجود ما يكون في رمضان، متى؟ حين يلقاه جبريل، فيدارسه القرآن، القرآن له أثر المجالسة الصالحة، لها أثر في زيادة الخير والبر، والتنشيط على الصالح من العمل،  يقول ابن عباس (كان رسول الله أجود بالخير بالريح المرسلة)، عندما يلقاه جبريل يدارسه  القرآن، فهل قرأنا القرآن، قراءةً يزداد بها صلاحنا، قراءةً يزداد بها إيماننا، قراءةً تحسن بها أخلاقنا، القران يهدى للتي هي أقوم، كما أخبر الله تعالى في كتابه: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}سورة الإسراء، الآية: 9  ، في الأخلاق، في العقائد، في الأعمال، في السلوك، في المعاملة، في شأنك مع موظفين، في شأنك في مكتبك، في شأنك مع موظفيك، في شأنك مع أبنائك، مع زوجتك، في جميع مناحي الحياة، فهل قرأنا القرآن تلاوةً وقراءةً، تعالج به فساد قلوبنا،  ونصلح به ما فسد من أعمالنا، هذه هي القراءة المطلوبة، والتي يعظم بها الأجر، ويرتفع بها الذكر عند الله تعالى، ليست القراءة أن تقول ختمت القرآن، مرة أو مرتين، أو ثلاث مرات، أو أربع أو عشر مرات، وأنت عنه في غفلة، وجاء رجل إلى عبدالله بن مسعود، وهذا خبر رواه البخاري ومسلم،  من حديث نهيك ابن سنام، أنه جاء إلى عبدالله ابن مسعود، رضى الله عنه، فقال له؛ (يا أبا عبدالرحمن إني لأقرأ المفصل في ليلة، أو في ركعة يقرأ المفصل كامل في ركعة، والمفصل من سورة ق أو من سورة الحجرات إلى سورة الناس، يعنى قرابة 4 أجزاء تقريبًا، يقول إني لأقرأ المفصل في ليلة في ركعة، فقال عبدالله بن مسعود؛ منبهًا إلى ضرورة الاعتناء بتدبر القرآن والاتعاظ به، قال له هزًا كهز الشعر، يعنى تقرأ القرآن على هذه الصفة، هزًا كهز الشعر، لا تقف كما تقول أبيات الشعر، لاتقف عند العجائب، ولا تتدبر هذه الآيات، هزًا كهز الشعر، إن أقوامًا يقرأون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، لا يجاوز رقابهم، يعنى لا ينفد ولا يصل إلى قلوبهم، غاية ما هنالك مخارج الحروف، يأتي بها على وجه كامل، لكن ليس للقرآن أثر في سلوكه، ليس للقرآن أثر في قلبه، ليس للقرآن أثر في صالح عمله، فيصدق على كثيرٍ ممن يقرأ القرآن، قول الله تعالى؛ {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا}سورة الفرقان، الآية: 73   ، إن كثيرًا من الناس، يقرأ القرآن دون تدبر، فيكون القرآن ككلام مبهم لا يدرى معناه، كأننا تعبدنا فقط بتلاوته، وإنما تعبدنا الله تعالى بالتلاوة المقرونة بالتدبر والتفهم لآيات هذا الكتاب، يقول الله تعالى؛ {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}سورة ص، الآية: 29  ،إذن يا إخواني؛ فرصة ومنة من الله تعالى، أن نسابق إلى الله تعالى في هذه الشهر المبارك، بألوان من الأعمال من ذلك قراءة القرآن على الوجه الذي  يرضى به الله تعالى، فاقرأ آية في كتاب الله، تدبر ما فيها، خير من أن تقرأ مصحفًا، أو ختمةً، وأنت لا تدري ماذا تقرأ؟ وماذا تقول؟ اقرأ آية وتدبر هذه المعاني التي في هذه الآية، تستفد خيرًا كثيرًا، وبرًا عظيمًا، تجد انشراحًا في صدرك، لذّه عند قراءتك للقرآن، يحدثني أحد الإخوان يقول؛ كنت في مسجد من المساجد، أصلى صلاة العشاء، فلما فرغت من الصلاة، قمت للسنة الراتبة، وخفّ الناس من المسجد، فلم يبقِ إلا رجل في أطرف الصف، فكنت أرمقه وأنا في مكاني بعد الراتبة يقرأ القران، يقرأ قول الله تعالى، {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ} سورة إبراهيم، الآية: 10 يكرر هذه الآية، ويبكى ويقول سبحانك ما فيك شك، يقرأ قول الله تعالى أفي الله شك فاطر السموات والأرض، ثم يبكى ويجهش بالبكاء، ويقول سبحانك ما فيك شك، يكرر هذه الآية فعجبت له، ما هذا التأثر، أنا أقرأ المصحف كاملًا، لا أجد لهذا الكلام أثرًا، فما ملكت نفسي؛ إلا أن أتيت إليه، وقلت يا أخي، دلني إلى ما أوصلك إلى هذه الحالة، ما الذي  بلغك هذه المنزلة، وهذه المرتبة، إنك تبكي عند هذه الآية، ولا تضيق تجاوزها إلى آخرها، فقال والله يا أخي أنا ليس عندي شيء، إنما عندي عظيم شوقي لله تعالى، ومحبة وتعظيم له سبحانه وتعال،  حتى إنه في بعض الأحيان، وأنا أقود السيارة، إذا ذكرت شيئًا من القرآن، أو شيئًا من كلام الله، أو عظمة الله لا أملك أن أكمل سيري، أقف جانب الطريق،  حتى يهدأ ما في نفسي؛ من الشوق العظيم  لربي، الله أكبر ما أثر القلب الحسن، القلب الحسن، القلب الصادق، المتدبر لكلام الله تعالى، وهذا ليس شأنٌ غريبٌ، إنما غريب على أمثالنا من الغرباء الذين لا يتلذذون من القرآن، ذكر سيرة عمر بن العزيز، أنه دخل المسجد ذات يوم، يقول رجل دخل المسجد، لا أدري من هو، فوقف بعد صلاة العشاء يصلي، فقرأ الفاتحة؛ ثم قرأ قول الله تعالى؛ {إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ}سورة الواقعة، الآية: (1-2-3، يقول فما جاوز خافضة رافعة،  بقى يردد إلى الفجر، قول الله تعالى خافضة رافعة وهو يبكى، الله أكبر، يقول لما خرجت تبعته، وقلت من هذا الرجل  الذي أمضى ليلة تامة،  يقرأ قول الله تعالى خافضة رافعة، فإذا بالرجل خرج من المسجد ودخل بيت الخلافة، دار الخلافة، فعلمت إنه عمر بن عبدالعزيز، الله أكبر، القرآن إذا باشر القلب، وجد العبد لذةً وانشراحًا، وسرورًا وابتهاجًا، حتى لا يمل من كلام الله تعالى، بل يجد ابتهاجًا في سماعه، في تلاوته، في النظر فيها، الله أكبر يا إخواني، لا تحرموا أنفسكم هذه اللذة، والله إنها لذة، لكنها بعيدة عن كل من غفل عن تدبر وتأمل هذا الكتاب،  هذا الكتاب يا إخواني ليس حكرًا على العلماء، ولا حكرًا على الناطقين الفصحاء، إنه لكل أحد، خاطب الله به الناس  جميعًا، فقال يا أيها الناس، قد جاءتكم موعظة من ربكم،  وشفاءٌ لما في الصدور وهدىً ورحمة، للمتقين قل بفضل الله وبرحمته، فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون، إن القرآن العظيم ليس حكرًا على العلماء ليتدبروا،  إنما هو لكل من آمن بالله تعالى، بل إن أثر القرآن، يمتد حتى إلى القلوب الغافلة، إذا انتبهت ولاحظت ما في هذا القرآن من العجائب، يقول جبير بن المطعم دخلت المسجد على رسول الله، وهو في الكفر قبل الإسلام وهو في صلاة المغرب يقرأ سورة الطور، فلما سمعت قول الله تعالى، في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، (أم خلقوا من غير شيء،أم هم الـخالقون كاد قلبي يطير ) الله أكبر، ما أعظم أثر القرآن لمن تدبره واتعظ به، ونظر إليه نظرة صادقة  هذا رجل مشرك، يكاد قلبه يطير تأثرًا بالقرآن، ونحن نحفظ القرآن منذ نعومة أظفارنا، لكننا لا نجد هذه الأثر، كثير منا لا يتذوق هذه اللذة، لا يجد للقرآن أثرًا في سلوكه وعمله، هذه غفلة كبرى، مصيبة عظمى، إن غفلة الناس عن القرآن هي سبب كثير من الإشكالات التي يعيشونها  في حياتهم الخاصة، في حياتهم العامة، في مشاكل الأمة عمومًا وخصوصًا، إننا بحاجه إلى أن نباشر القرآن، وأن نعود أنفسنا التدبر له، والأمر لا يمكن أن  يأتِ بين عشية وضحاها، يحتاج إلى ممارسة تدرج، يحتاج إلى معالجة يحتاج إلى إحضار قلب، وأنا أدعو كل واحد منا أن يبدأ  تدبر للآيات، التي يقرأها كثيرًا، كلنا نقرأ سورة الفاتحة، {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}سورة الفاتحة، الآية: (2-3-4-5).

     هل استوقفنا مرة من المرات، قول الله تعالى؛ مالك يوم الدين، الله أكبر، تصور يوم الدين هو يوم القيامة، يوم الجزاء الدين هو الحساب، مالك يوم الدين، تصورت نفسك في ذلك اليوم، الذي لا مُلك فيه لأحد إلا لله تعالى،  تصورت عظيم فقرك لله تعالى، هل وقفت عند قول الله تعالى، إياك نعبد وإياك نستعين، هل أنت محقق لهذا المعنى؟ هل أنت فعلًا لا تعبد إلا الله تعالى؟ هل نحن فعلًا لا نستعين إلا به جلَّ وعلا؟ إننا نشك أن كثيرًا منا لا يقف هذه الوقفات، ثم سل نفسك هذا الصراط الذي  تسأله، كل يوم فتقول، اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم، ولا الضالين، ما هذا الصراط؟ أي صراط تسأل؟ إنك تسأل الهداية إلى الإسلام، الهداية إلى العلم النافع والعمل الصالح،  هل تدبرنا هذه المعاني؟  مع كوننا نقرأ  هذه السورة ونستمع إليها في صلواتنا، إننا في غفلة عن التدبر، نقرأ الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين،  دون توقف وتدبر، مرة من المرات، عود نفسك تقف عند كل آية في كل صلاة، قل الحمد لله، إذا قرأت {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}سورة الفاتحة، الآية: 1، تأمل على أي شيء تحمد ربك، تحمد الله تعالى على نعم كثيرة، وعطايا كثيرة، وبر لا منتهى له، تحمد الله تعالى على العافية، والعفو، على الصحة والمال والولد، على ألوانٍ من المبرات، حتى لو كنت معدمًا، لا تملك درهمـًا، فأنت فيك من نعم الله ما يستوجب أن تقول بصدق؛ الحمد لله رب العالمين، هو الذي  مدك بالسمع والبصر، من أجرى الدماء في عروقك؟ إنه الله، أفلا يستحق أن يحمد ويشكر؟ هل نقف عند هذه المعاني؟ لما نقرأ مثل هذه الآيات، قليلون هم الذين يتدبرون القرآن يا إخواني،  فنحن في شهر القرآن، فلنتدبره ونحن نستمعه من الأئمة، لنتدبره ونحن نقرأه في المصاحف،  لنتدبره في كل ظرف، ومكان ولنعلم إنه بقدر تدبرنا للقرآن، بقدر ما نفوز ببركته وخيره، النبي صلى الله عليه وسلم، يقول؛ (اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه) ليست الصحبة فحسب؛ أن تقرأ القرآن وتختمه  صحبة تلاوة، الصحبة الحقيقية؛ المنشودة المطلوبة هي صحبة المعاني، والتفهم والتدبر لكلام الله، وهو ليس أمرًا عسيرًا، الشيطان يصعبه ويثقله، ويجعل بيننا وبين فهم القرآن حوائل وموانع ، حتى لا نستفد منها، لكننا في مثل  هذا الشهر، ينبغي أن نبذل جهدًا، وأن نتقدم خطوةً، وأنا أقول نبدأ بالسور التي نقرأها  دائمًا، أو السور التي نسمعها دائمًا، فنحاول نتدبرها ونتفهم معانيها،  سندرك خيرًا كثيرًا إن شاء الله تعالى، شاء الله تعالى رمضان حقًا، إنه درة المواسم، لأنه الشهر الذي  يكثر فيه الإحسان،  قولًا وفعلًا وعملًا، وجودًا وبرًا  وكرمًا، شهر تزكوا فيه النفوس، فتتخلص من كثير من الآفات، شهر كان رسول صلى الله عليه وسلم، يجود فيه بالخير الكثير، حتى يتضاعف جوده، في هذا الشهر، صلى الله عليه وسلم، أفلا يستحق هذا الشهر، أن يكثر فيه خيرنا، إن كثيرًا من الناس يكثر شرهم في هذا الشهر، من جهة المعاملة مع الناس،  فتجده فظًا في معاملة أصحابه، شديد الانفعال مع أهله وزوجه، سريع الغضب في قضايا لا تثير غضبًا، هذا بسبب الصيام؟ لا، الصيام يدعو إلى الجود، وأجود الجود، أن تجد بما تملك، فإن كنت تملك مالًا، وخلقًا حسنًا فجد بهما،  وإن كنت لا تملك مالًا، فجد بخلقك الطيب، وإعانتك لإخوانك، فالجود ليس مقصورًا على لونٍ من العطايا، فلا عذر لأحد فتبسمك في وجه أخيك صدقة، الكلمة الطيبة صدقة، النبي صلى الله علية وسلم، في هذه الشريعة فتح الباب على مصرعيه،   لكل من سعى وعمل، حتى الذي  لا يستطيع أن يتكلم، يقول أنا والله سلبني الله النطق، يقول هناك سبيل تستطيع أن تجد به، وهو أن تجد بالنية الصالحة،والعزيمة الصادقة على العمل الصالح، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم، إن أقوامًا بالمدينة، في غزوة تبوك  خرج في غزوة شديدة  وليس فيها من المال ما يكفي، وهى ذات العسرة، خرج فيها صلى الله عليه وسلم، مع نفر من أصحابه لمقابلة أقوى جيش في ذلك الزمان، فكان النبي صلى الله عليه وسلم، نصره الله وعاد بلا قتال، فكان أن قال لأصحابه لما رجع إلى المدينة، في طريقه أن أقوامًا بالمدينة، ما سيرت مسيرة، ولا نزلت معديًا إلا شاركوكم في الأجر، يعنى شاركوكم  واشتركوا معكم من الثواب، والله تعالى قال صلى الله عليه وسلم، هم من المدينة،  نعم حبسهم العذر، صارت قلوبهم،  وإن تخلفت أبدانهم لكنهم، عذروا بسبب ما أصابهم من المرض والعذر الذي  أقعدهم  فينبغي لنا أن نجُد بما نستطيع فإن عدمنا كل شيء يمكن أن نجُد به، فلن نعدم عزيمة صادقة ونية صالحة، نتقرب بها إلى الله تعالى، والله كريم منان، يعطي العبد على النية شيئًا عظيمًا من الأجر والثواب، ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله، ثم يدركه الله الموت، رجل خرج للهجرة لله ورسوله، ثم مات في الطريق، يذهب عمله هباءًا لا،  فقد وقع أجره على الله، الله أكبر ما أعظم من ربنا وما أعظم نواله جلَّ وعلا، أيها الأخوة الكرام أيها الأخوات الكريمات، إن هذا الشهر شهر يتلطف الله تعالى على عباده، بألوان من الألطاف ويمن عليهم بأنواع من الهبات، فمما ينبغي أن يسارع إليه العبد تطلب ليلة القدر، تلك الليلة الشريفة،  التي هي درة هذا الموسم، هذا الموسم درة المواسم،  ودرة هذا الموسم ليلة القدر، فمن وفق إليها وفق إلى خير كثيرٍ، إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ)وفي الآية الأولى وفي سورة القدر  قال تعالى {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}سورة القدر، الآية:1  ، ثم جاء تعظيم هذه الليلة، قال وما أدراك ما ليلة القدر، هذا الأسلوب في القرآن العظيم، يبين عظيم شأن هذا الخبر، ما أدراك؟  كيف تحيط بهذه الليلة، وفضلها وما فيها من الخير ليلة عظيمة،  ليلة فيها من البر والإحسان ما ينبغي أن يجتهد فيه الإنسان، ما ينبغي أن يجتهد فيه الإنسان، اجتهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لإدراك فضل هذه الليلة فقام العشر الأواخر، واعتكف العشر الأواخر طيلة حياته، تطلبًا لفضل هذه الليلة طلبًا لفضل هذه الليلة، اعتكاف صلاة، صيام، قيام، دعاء، إحسان، كل ذلك من العمل الصالح، الذي  يضاعف فيه الله تعالى الأجور،  تعلو فيه أجور العباد في هذه الليلة، وهذه الليلة في العشر الأواخر، منتقلة يا إما ليلة  22 أو 23 ،  وأرجى ما تكون في الليالي الأوتار من العشر الأخيرة، فليجتهد المؤمن فيها، وليسابق إلى الخيرات، ولا يحرم نفسه، فإن المحروم من حرم خير هذه العبادة، وهذه الليلة المباركة، التي نسأل الله تعالى، أن يبلغنا إياها، وأن يرزقنا فيها البر والعمل الصالح، أيها الإخوان إن أعظم ما يخرج به، من أعظم ما يخرج به العبد من هذا الشهر، أن يتزود بزاد التقوى، زاد لا يثقل حامله بل يرفع حامله التقوى، كل زاد يحمله الإنسان يثقل به ويقل سيره، ويضعف خطوه إلى الأمام، كل الحمل لو هذا الكأس حملته لكان سيرك مختلفًا، إذا لم تحمله لكن التقوى تطير بك، تسير بك فتزود بها، ولذلك قال جلَّ وعلا، فتزودوا فإن خير الزاد التقوى، خير ما يخرج العبد به من هذا الشهر  زاد التقوى، الذي جعل الله تعالى صيامه سببًا لإدراكه، فقال تعالى؛ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون}سورة البقرة، الآية: 183  فطوبى لمن كانت التقوى بضاعته في شهره، وبحبل الله معتصمًا، إن هذه الليالي تنقضي وتزول، وتذهب وترتحل، لكن الذي يبقى هو ما أودعه الإنسان فيها من صالح العمل، فما هي إلا ساعة، ثم  تنقضي ويصبح ذو الأحزان،  فرحان جاد هي أيام وليالي تبقى ما كان فيها من العمل الصالح، المرصد للعبد شهر رمضان درة المواسم، لأنه يذكرنا نصر أمتنا، يذكرنا عز هذه الأمة، وانتصاراتها،  فهو شهر يعيد الثقة إلى النفوس، بأن نصر الله لهذه الأمة، باق هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، فهذا الشهر يتذكر المؤمن ما يكون من نصر الله لرسوله في بدر، يتذكر المؤمن ما يكون، أو ما كان لنصر الله تعالى لرسوله، صلى الله عليه وسلم، في الفتح فيفرح بذلك، ويستعيد شيئًا من الثقة، التي ينبغي  أن لا تتزعزع بسبب كثرة الوارد من الإشكالات  على هذه الأمة، الأمة منصورة الحق ممتحن، ومنصور فلا تعجب فهذه سنة الرحمن، فينبغي لنا أن نجدد العهد بالثقة بالنصر، وأن نعمل لعز أمتنا وعلوها واجتماعها، وإزالة الفرقة عنها،  وظهورها في كل المجالات، ليس فقط في مجال التعبد فحسب، بل الأمة تحتاج إلى الريادة والتقدم والقيادة في كل مجالات الحياة، فأمتنا أمة عز جاءت لصلاح الدنيا وصلاح الآخرة، لم تأتِ فقط لتصلح آخرة الناس، ومعادهم ويفسد معاشهم ودنياهم، بل جاءت في تكميل مصالح الدنيا، ومصالح الآخرة.

     أسال الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يرزقنا وإياكم بر هذا الموسم العظيم، وأن يعيننا فيه على الطاعة،  اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العلا، وإنك جواد كريم تمن بالهبات، وتعطي النوال، وتجزي على القليل الكثير،  نسألك بمنك أن توفقنا إلى قيام ليلة القدر، يا رب العالمين، اللهم ارزقنا الصيام إيمانًا واحتسابًا، والقيام إيمانًا واحتسابًا، وأعنا فيه على ما تحب وترضى، إنك جواد كريم،  وأصلِي وأسلم على البشير، نبينا محمد وعلى أله وأصحابه أجمعين.

    جزى الله شيخنا الفاضل خير الجزاء، على هذه الكلمات المضيئة، التي شرح بها الصدر، وأنار بها القلوب، والله نسأل أن يضاعف له الأجر والمثوبة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.                                    

    التفاصيل
    0
    1815
  • فما ظنكم برب العالمين
  • الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أحمده سبحانه وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله، هو البر الرءوف الرحيم، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، خيرته من خلقه، صفيه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فنحمد الله أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناء عليه، كما أثنى على نفسه، فهو جل وعلا أحق من حُمِدَ، كما أنه سبحانه وبحمده أحق من ذُكِرَ. نحمده على نعمه الكثيرة التي من أجلِّها وأعظمها هذا الكتاب المبين، الذي جعله الله تعالى من أعظم آيات الأنبياء، هذا القرآن الذي فيه خبر من قبلنا، وفيه فصل ما بيننا، وفيه حكم ما اختلف فيه المختلفون، وفيه الهدى والنور، وهو الضياء الذي تشرق به القلوب، وهو النور الذي تُسفر به الدنيا، جعله الله تعالى حاويًا لكثيرٍ من الخير الذي فيه صلاح الدنيا واستقامة الآخرة.

    أيها الأحباب.. إنَّ كتاب الله تعالى فيه من القصص والأخبار ما وصفه الله تعالى في قوله : ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ يوسف: 3.

    هذا القرآن تضمن قصصاً عظيمة من الأمم السابقة فيها عبرة وعظة، وفيها وعدٌ ووعيد، وفيها ادِّكارٌ لمن أراد عبرةً واتعاظاً، إنه كتابٌ مجيد، إنه كتاب ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ فصلت: 42.

    أيها الأحباب.. هذا الكتاب حوى قصص أئمة وعظماء من بني آدم، على رأسهم الرسل، ثم الأنبياء ثم الصالحون، وهذه القصص لها فوائد كبيرة، من أعظم فوائدها ما قال الله جل وعلا وقص في كتابه حيث قال : ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يوسف: 111..

    إنَّ هذا القصص فيه بيان شيء كثير، وفيه تفصيل هذا الكتاب وبيان ما فيه من الأسرار والحكم، وفيه هدى ورحمة، لكن هذه الرحمة وهذا الهدى إنما هو لقوم يؤمنون به ويعظمونه، يقفون عند آياته، ويتدبرون معانيه؛ كما قال الله جل وعلا: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ص: 29..

    إنَّ من أعظم قصص هذا القرآن التي فيها تقرير حق الله تعالى، وبيان ما له جل وعلا على عباده من الحقوق تلك القصة العظيمة : قصة إمام الحنفاء، قصة إبراهيم عليه السلام، فقد ذكرها الله جل وعلا في مواضع عديدة من كتابه الحكيم، وهي قصةٌ تضمنت مجادلةً ومُحاجّة ومناقشة لقوم كفروا بالله جل وعلا، واتخذوا من دونه آلهة، عبدوا سواه سبحانه وبحمده. وقد تكرر ذكر هذه القصة على ألوان متعددة في كلام الله جل وعلا وفي كتابه الحكيم، من ذلك ما ذكره الله جل وعلا في سورة الصافات في خبر مُحاجة إبراهيم ودعوته لأبيه وقومه، استمع إلى هذه الآيات المباركات التي تضمنت شيئًا مما جرى بين إبراهيم عليه السلام وبين قومه، يقول الله جل وعلا : ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ الصافات: 85. هذا خطاب إبراهيم عليه السلام الذي قال الله تعالى فيه : ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ النحل: 120، إبراهيم عليه السلام يقول هذه الكلمات في توجيه قومه ومناقشتهم: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ أيّ شيءٍ تعبدون من دون الله جل وعلا؟ ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ الصافات: 86.. ثم جاء سؤال يهز المشاعر، جاء سؤالٌ كبير، قال الله جل وعلا في بيان ذلك السؤال : ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الصافات: 87. أي شيء ظننتم بهذا الرب الذي له الأولَى والآخرة؟ له ما في السماوات وما في الأرض، له الحمد كله، كل شيء إليه صائر وعنه صادر جل وعلا، فهو سبحانه وبحمده الأول الذي ليس قبله شيء، وهو جل وعلا الآخر الذي ليس بعده شيء، وهو سبحانه وبحمده الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وهو الباطن الذي ليس دونه شيء، كيف عبدتم غيره؟ ما ظنكم بهذا الرب الذي هذه صفاته؟ أظننتم أنه يترككم تعظمون غيره، وتصرفون العبادة لسواه ولا يعاقبكم على ذلك، وهو جل وعلا قد أمركم بعبادته، وفطركم على ألا تعبدوا سواه، بل أخذ الميثاق عليكم وأنتم في ظهور آبائكم ألا تعبدوا إلا إياه جل وعلا ؟

    ما ظنكم برب العالمين؟ سؤالٌ كبير، يا له من سؤالٍ يرجف منه الفؤاد ويجل منه القلب. فما ظنكم برب العالمين ؟ سؤالٌ يستوقف كل سامع ليُشْهِدَهُ تقصيره في حق الرب العظيم الكريم الذي قال جل وعلا عن حقه وحال عباده مع هذا الحق: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ الزمر: 67..

    ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الصافات: 87. ما ظنك يا أخي بربك رب العالمين الذي له الملك كله، وله الحمد كله، الذي له خلق السماوات والأرض؟ فهو الخالق لا خالق سواه، وهو المالك لا مالك سواه، وهو المدبر جل وعلا لهذا الكون، فما من حركة ولا سكون إلا بأمره جل وعلا.

    السَّمك في البحار، والأشجار في البراري كلها تصدر عن أمره، ولا يخفى عليه من شأنها شيء سبحانه وبحمده، ما ظنك بهذا الرب حتى عصيت أمره وخالفت شرعه؟ ما ظنك بهذا الرب حتى أعرضت عنه وعبدت سواه وصرفت العبادة لغيره ؟

    ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الصافات: 87 يا له من سؤال! ما ظنكم برب العالمين؟ سؤال ينبه العبد إلى عظيم قدر ربه، وأن ربه جل وعلا قد فاق كل غايةٍ في القدر والعلو والمكانة، سبحانه وبحمده هو العلي العظيم، له المثل الأعلى في السماوات والأرض جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ الشورى: 11. .

    فسبحانَ مَـن لا يقـدر الـخلقُ قـدرَه *** ومن هو فوق العرش فردٌ مُوَحَّـدُ

    مَـليكٌ على عَرش السماءِ مُهيمِنٌ *** لِعِزته تَعـنو الوُجُـوهُ وتَسجُـدُ

    وقد قال جل وعلا : ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ الرعد: 15..

    ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الصافات: 87 سؤال يبعث في القلب تعظيم الرب، كما أنه يبعث في القلب حُسن الظن بالله الذي له الأمر كله جل وعلا، الذي لا يحسِن العباد ولا يُحْصُون ثناءً عليه سبحانه وبحمده.. هذا السؤال يبعَث في القلب حُسْن الظن بالله جل وعلا، ويبعث في القلب رجاء كل خيرٍ من قِبَلهِ.

    قال يحيى بن مُعاذ رحمه الله: "أوثق الرجاء رجاء العبد بربه، وأحسن الظنون حسن الظن بالله تعالى". ولذلك يَستحضِر المؤمن هذه المعانيَ في أحوال الضعف، كما أنه ينبغي أن تكون منه على بال في أحوال القوة، لكنه ما أحوجه إلى استحضار ذلك في أحوال الضعف.

    يقول أبو العتاهية في آخر شعره الذي قاله قبل موته:

    إلهي لا تُعَذبني فإني *** مُقِرٌّ بالذي قد كان مِني

    فما لي حِيلةٌ إلا رَجائي *** لِعفوِك إن عفوتَ وحُسن ظني

    إن العبد يَستصحب حُسن الظن بالله تعالى إذا عرف قدر الرب.

    ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الصافات: 87 سؤالٌ أجِب عليه بينك وبين نفسِك، ما ظنك بربك؟ ما هو فاعلٌ بك؟ ما ظنك بربك وقد تركت حقه؟ ما ظنك بربك وقد أقبلت عليه؟ ما ظنك بربك الذي له الأولى والآخرة وله الحمد في السماوات والأرض وهو الحكيم الخبير؟ ما ظنك بالله تعالى وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري رقم (7405) ومسلم رقم (2675)من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً».

    الله أكبر! ربُّ السماوات والأرض بقدر ما تُقبِل عليه بقدر ما يكون لك، فبقدر ما معك من الظن بربك وحسن الأمل فيما عنده جل وعلا بقدر ما يكون الله جل وعلا لك.

    سَل نفسك يا أخي: ما ظنك برب العالمين ؟ وابحث عن جواب لهذا السؤال الكبير، فإن الله تعالى عند ظن عبده به، فمن أحسن ظنه بالله تعالى فليبشر، فإن الله تعالى لا يخيب ظن من أحسن الظن به، ولا يخيب من رجاه وأمَّله.

    أيها الأحباب.. إن الله تعالى عند ظن عبده به، فهو جل وعلا يعاملك على حسب ظنك به سبحانه وتعالى، فهو سبحانه يفعل بالعبد ما يتوقعه منه من الخير والشر، فأحسن ظنك بالله، فكلما كان العبد حسن الظن بالله تعالى، حسن الرجاء فيما عنده، حسن الأمل في ربه جل وعلا؛ كان الله له فيما أمَّله وفيما ظنه وفيما رجاه، فهو جل وعلا لا يضيع عمل عامل من ذكر أو أنثى.

    قال عبد الله بن مسعود، فقيه الصحابة وبليغهم رضي الله عنه، وما أشبه كلام ابن مسعود بكلام النبي صلى الله عليه وسلم، قال: والذي لا إله غيره لا يعطى عبدٌ مؤمنٌ شيئًا خيرًا من حسن الظن بالله عز وجل، والذي لا إله غيره لا يحسن عبدٌ ظنه بالله عز وجل إلا أعطاه الله عز وجل ظنه، ذلك بأن الخير كله في يديه سبحانه وبحمده.

    إن كان لا يرجوك إلا محسِنٌ *** فبمَن يلوذُ ويستجيرُ المجرمُ

    أدعوك ربِّ كما أمرتَ تضرعًا *** فإذا رددتَ يدِي فمن ذا يرحمُ

    ربنا جل وعلا ذو فضلٍ وإحسان، وسِعت رحمته كل شيء، وإن ذلك يوجب على العبد حسن الظن بالله تعالى.

    إن إحسان الظن بالله تعالى أيها الأحباب من أوكد الفرائض، ومن أجلِّ الواجبات، وقد أمر الله تعالى عباده بأن يحسِنوا الظن به سبحانه وبحمده، وذلك في مواضع عديدة، منها ما أمر الله تعالى به في قوله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ البقرة: 195.. قال عكرمة مولى ابن عباس، وهو من كُبراء التابعين المفسرين للقرآن، قال في تفسير هذه الآية : أحسنوا الظن بالله.

    إنَّ مما يدل على وجوب إحسان الظن بالله تعالى أن الله سبحانه وتعالى توعد الذين أساءوا الظن به أشد وعيدٍ، فقال سبحانه وبحمده: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ ثم انظر عقوبة هؤلاء ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ الفتح: 6..

    يقول ابن القيم: لم يأتِ عقاب ولا عذاب ولا وعيد في القرآن كما جاء في سوء الظن بالله تعالى. ولذلك قال جماعة من أهل العلم: إن أعظم الذنوب عند الله تعالى إساءة الظن به سبحانه وبحمده.

    إنَّ مما يدل على وجوب إحسان الظن بالله تعالى أيها الأحباب أن الله تعالى توعد الذين أساءوا الظن به بالنار، كما أنه سجَّل عليهم الحكم فقال: إنهم كفار، قال الله سبحانه وبحمده: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ أي: ظن أن السماوات والأرض مخلوقة عبثًا لا غاية ولا هدف، هذا الظن يقول الله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ ص: 27..
    يقول الإمام الشنقيطي رحمه الله تعالى، صاحب أضواء البيان: تدل هذه الآية على أنَّ من ظن بالله تعالى ما لا يليق به جل وعلا فله النار. نعوذ بالله من الخِذلان!

    أيها الأحباب.. إن من أدلة وجوب حسن الظن بالله تعالى ما جاء في صحيح الإمام مسلم رقم (2877). من حديث أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال قبل موته صلى الله عليه وسلم بثلاثة أيام: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ». وهذا يفيد أيها الأحباب وجوب دوام حس الظن، فإن الإنسان ما يدري ولا يعلم متى ينتهي أجله وينقضي عمره، فقوله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ» يدل على وجوب دوام حُسْن الظن به سبحانه وبحمده، فإنه لا يتمكن العبد أن يحسن الظن بالله جل وعلا في ساعةٍ حرجة عند موته وقد أساء الظن به قبل ذلك. إن الأمر بحسن الظن بالله تعالى وعدم الموت إلا على هذه الحال دليلٌ على وجوب استصحاب حسن الظن به سبحانه وتعالى على كل حال، فإنك عند كل نفَس يخرج منك لا تدري هل أنت عند آخر أنفاسك  أم بقي من أجلك شيء.

    لما احتضر الإمام الشافعي رحمه الله دخل عليه المزني -وهو من كبار تلاميذه، ومن أئمة الفقهاء- وهو على هذه الحال في حال الاحتضار، فقال له : كيف أصبحت؟ فقال رحمه الله: أصبحت عن الدنيا راحلًا، وللإخوانِ مفارقًا، ولعملي ملاقيًا، وبكأس المنية شاربًا، وعلى الله واردًا. فلا أدري رُوحي تصير إلى الجنة فأُهنيها، أم إلى النار فأُعزيها. ثم أنشأ أبياتًا فيها عظيم الرجاء وحسن الظن بربه، يقول رحمه الله:
    ولما قسا قلبي وضاقت مَذاهبي ***جعلتُ الرجا مني لعفوك سُلَّمَا

    تعاظمني ذنبي فلما قرنته *** بعفوك ربي كان عفوك أعظما

    فما زلت ذا عفوٍ عن الذنب لم تزل *** تجود وتعفو منة وتكرما

    أي: جعلت رجائي وحسن ظني بك سُلمًا لإدراك عفوك. و(تعاظمني ذنبي) يعني الإنسان تذكر هذا الذنب العظيم الذي أثقل كاهله. الله أكبر! تتلاشى في جنب مغفرته وعفوه وبره الذنوب مهما عظمت: «وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً، وَمَنْ لَقِيَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطِيئَةً لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً» أخرجه مسلم (2687). .

    إن مما يُعين على هذا الاستحضار لهذا المعنى في هذه الساعة الحرجة -وهو حسن الظن بالله تعالى في دوام الحال وعند الاحتضار خصوصًا- أن يذكر العبد سعة رحمة الله تعالى، إن من الناس من يذكر سعة رحمة الله فيكون حافزًا له على ألوان من المعصية، وهذا غلط، فإن رحمة الله لا بد لها من تعرض، ولا بد لها من أسباب، وقد قال الله تعالى في رحمته: إنها قريبة من عباده المحسنين ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ الأعراف: 56..

    أيها الأحباب.. إن من السلف من كان إذا حضره الموت تذكر رحمة الله تعالى، وقال لمن حوله: ذكرونا بالرخص، ذكرونا برحمة الله تعالى، حتى يقبل على الله تعالى وقد أحسن ظنه بربه سبحانه وبحمده. ويشهد لهذا المعنى ما رواه الترمذي رقم (983). وابن ماجه رقم (4261). من طريق قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم على شابٍّ وهو في الموت في حال الاحتضار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا الشاب: «كَيْفَ تَجِدُكَ؟» يعني: ما هي حالك؟ ما الذي في قلبك في هذه الساعة؟ «قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرْجُو اللَّهَ، وَإِنِّي أَخَافُ ذُنُوبِي». إني أرجو الله: أطمع فيما عنده وأحسن الظن به، وأخاف ذنوبي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا المَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ». ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

    ما هو يا أحبابي معنى حسن الظن بالله سبحانه وتعالى؟

    إن معنى حسن الظن بالله هو رجاء كل خير من قِبله سبحانه وبحمده، وهو أن يؤمل العبد من ربه كل بر، وكل إحسان، فهو رب كل نعمة، وهو صاحب كل إحسان، وهو صاحب كل سعة؛ كما قال سبحانه وبحمده : ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ النحل: 53.. هو المؤمل في تحصيل المطالب، وهو المؤمل في كشف كل كربةٍ وكل خوفٍ.

    يا من ألوذ به فيما أؤمله *** ومن أعوذ به فيما أحاذره

    لا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره ***ولا يَهِيضون عظمًا أنت جابِرُه

    الله سبحانه وبحمده له الفضل والإنعام، إذا استحضر العبد هذه المعاني وأن كل نعمة من الله تعالى، وكل خير منه راقب ذلك من جهته، ولم يلتفت يَمنةً ولا يسرة.

    قال القاضي عِياض في معنى حسن الظن بالله: أن يُؤمل العبد أنه إذا استغفر غفر الله له، وأنه إذا تاب قبل الله تعالى توبته، وأنه إذا دعا الله تعالى أجابه إلى دعائه، وأنه إذا استكفى الله تعالى وطلب منه الكفاية كفاه الله سبحانه وبحمده. بهذه الصفات يظهر حسن ظن العبد بربه.

    أيها الأحباب.. ما الذي يزرع في قلوبنا حسن الظن بالله تعالى؟

    إن أعظم ما يلقي في قلوبنا حسن الظن بالله تعالى أن نعرف ما له جل وعلا من الكمالات: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ الأعراف: 180. سبحانه وبحمده، وقد قال سبحانه وبحمده: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ النحل: 60.. اقرأ كتاب الله جل وعلا تجد أن كتاب الله تعالى مليءٌ بصفاته، مليءٌ بالأخبار عنه، مليءٌ بجميل أفعاله سبحانه وبحمده. اقرأ هذه المعاني، فإنك كلما ازداد علمك بالله تعالى ازداد حسن ظنك به، فإن القلب الذي امتلأت أرجاؤه بهيبة الله تعالى وسطع فيه نور الإيمان، ومُلئ بالتقوى والإحسان، وخالطته بشاشة الإيمان والعلم بما لله تعالى من الكمالات لا يمكن أن يسيء ظنه بالله تعالى، بل إنه لا يجدُ إلا إحسان الظن به سبحانه وتعالى.

    الحمد لله ملء الكون أجمعه *** ما كان منه وما من بعده يأتي

    فالخير كله بيديه سبحانه وبحمده، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع.

    إن أعظم ما يورث العبد حسن العمل، وصدق الرغبة فيما عند الله تعالى، وحسن الظن به أن يقرأ أسماء الله تعالى وصفاته، وأن يطالع ما أخبر الله تعالى به عن نفسه، فإن ذلك مما يملأ قلبه بتعظيم ربه جل وعلا.
    يا إخواني.. إن الله سبحانه وبحمده أخبر في كتابه الحكيم عن موقفٍ كان للصحابة رضي الله عنهم في غزوة الأحزاب، وهي الغزوة التي زُلْزِلَ فيها الصحابة زلزالًا شديدًا حتى بلغت القلوب الحناجر، ودارت الظنون في القلوب، واختلفت تلك الأوهام وتلك الهواجس التي وردت على قلوب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانقسم الناس إلى فريقين، فلما جاء الأحزاب ألقى الله في قلوب الصحابة السكينة بمجيئهم وقالوا كما قال الله تعالى عن عباده المؤمنين: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ الأحزاب: 22.، هؤلاء أحسنوا الظن بالله تعالى، وإلا فإن تحالف المشركين مع اليهود الذي حاصر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في السنة الخامسة في غزوة الأحزاب أمرٌ عظيم: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ الأحزاب: 10.. أمرٌ يزلزل القلوب قبل أن يزلزل الأبدان، فهو أمر مهولٌ عظيم ترتب عليه قلقٌ كبير لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنهم لما أتى الأحزاب ألقى الله تعالى في قلوبهم السكينة، فقالوا لما رأوا الأحزاب قد اجتمعوا وتألبوا عليهم: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ﴾ هذا الكرب وهذه الشدة ﴿إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ الأحزاب: 22.. في حين أن المنافقين لما أتى الأحزاب ماذا قالوا؟ فرحوا بمجيئهم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ الأحزاب: 12. أي : إلا أماني لا يمكن إدراكها، ولا يمكن تحصيلها،  هكذا ظنوا بربهم وظنوا بخبر الله تعالى، فكان عاقبة أمرهم خُسرًا.

    إنَّ حُسن الظن بالله تعالى أيها الأحباب يثمرُ ثمارًا زكية، وله عوائد حميدة، وله آثارٌ جليلة في العبد، فهو يثمرُ طيب الخصال وكريم الأعمال، ويثمرُ شيئًا كثيرًا يلاحَظ في قلب العبد وفي قوله وفي عمله.
    نستعرض شيئًا من هذه الثمار التي يدركها العبد إذا أحسن ظنه بالله تعالى، ولاحظ عظيم حق الله تعالى في إحسان الظن به: إن حسن الظن بالله تعالى يثمرُ في قلب العبد تعظيم هذا الرب جل وعلا، والتعظيم أيها الإخوة أمر جليل، عليه تقوم العبادة، فإن الله سبحانه وتعالى قد عاتب من صرف العبادة لغيره، من قصر في حقه، فقال جل وعلا : ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ نوح: 13. أي: أيُّ شيءٍ يحملكم على ألا تعظموه جل وعلا حق تعظيمه، أيُّ شيءٍ يحملكم على ألا تقدروه حق قدره؟ وقد قال جل وعلا في مواضع عديدة من كتابه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الأنعام: 91..

    إن من أحسن الظن بالله تعالى سعى جهده في تعظيم ربه، وانفرد في قلبه محبة الله تعالى، فليس لله في قلبه مزاحم، بل ربه قد ملأ قلبه، فليس لله في قلبه مشارك، ليس في قلبه إلا الله محبةً وتعظيمًا، خوفًا ورجاءً، إجلالاً وإنابةً، توكلًا واعتصامًا، كل هذه المعاني يمتلئ بها قلب العبد عندما يحسن الظن بربه، وعندما يتعرف على هذا الرب الذي له الأولى والآخرة، ولذلك لما امتلأ قلب إبراهيم عليه السلام بتعظيم الله تعالى قال تلك الكلمات النيرة: ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ (85) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الصافات: 85 - 87.

    إن هذه الآيات تضمنت من تعظيم الله تعالى الشيء الكثير، فهذا خليل الرحمن يقول لأبيه وقومه: أي شيء ظنكم برب العالمين؟ أشككتم فيه حتى تركتم عبادته وصرفتم العبادة لمن سواه، أو علمتم أي شيء هو حتى جعلتم له شريكاً من الأصنام والأوثان والكواكب وغيرها تعبدونه من دون الله تعالى؟
    إن العبد إذا غفل عن حسن الظن بربه تورط في سيئات عظيمة، أعظمها الشرك بالله تعالى، يلي ذلك الغفلة التي تطبق على العبد فلا يدري خيرًا، ولا يصيب برًّا؛ لأنه لا يحسن الظن بربه، إنما قد أساء الظن بربه، وظن أن الله تعالى غافلٌ عنه، ولذلك يقول الله تعالى في مواضع عديدة : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ إبراهيم: 42 . إن هذه الآية لم ترد إلا في موضع واحد، لكن معناها جاء في مواضع عديدة يخبر الله تعالى بعلمه عن كيد الكائدين ومكر الماكرين؛ وذلك لأن علم الإنسان بأن الله محيطٌ بعمله من حسن ظنه بربه، ومن غفل عن هذا وظن أنه يخفى على الله تعالى شيء من عمله لم يحسن الظن بربه، وقد قال الله تعالى عن طائفة من الناس: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾فصلت: 22؛ أي: ما كنتم تتحفظون لما كنتم تعصون الله، وتخالفون أمره، ما كان هؤلاء يتحفظون من أن يشهد عليهم سمعهم، ولا أبصارهم، ولا جلودهم، ما أحد في حال معصيته يستتر عن جلده، أين يفر؟ هل يخرج من جلده؟! إنه لا يتمكن من ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ فصلت: 22.. هؤلاء ظنوا أن الله تعالى لا يعلم كثيرًا من أعمالهم فأساءوا العمل، وهذا ثمرة سوء الظن بالله تعالى.

    إذن ثمرة حسن الظن بالله تعالى: أن يحفظ العبد ربه جل وعلا في الغيب والشهادة، وأن يحفظه في المنشط والمكره، وأن يحفظه بين الناس وفي الخلوات، هكذا يكون حسن الظن بالله تعالى، ولذلك قال الله تعالى معقبًا على ظن هؤلاء الذين أساءوا الظن به: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ فصلت: 23. . إن قومًا ذكر الله تعالى في كتابه أنهم أسرفوا على أنفسهم بتكذيب الرسل، أسرفوا على أنفسهم بألوان المعاصي، ثم إنهم مع هذه الإساءة ظنوا أن الله لا يعلم ما يعملون، وأنه لا يعاقبهم على ما يكون منهم، قال الله تعالى في سورة الحشر: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ الحشر: 2. . أي : ظنوا أن هذه الحصون ستعصمهم من عقوبة الله تعالى ومن أخذه، وهل هذا حسن ظن بالله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية، الذي هو على كل شيء قدير؟ الجواب: لا، إنَّه من أعظم إساءة الظن بالله تعالى أن يظن العبد بربه هذا الظن السيئ.

    إذن من أحسن الظن بربه جل وعلا كان ذلك من أعظم أسباب تعظيم ربه في قلبه، وإذا قام في قلب العبد تعظيم الله تعالى فليبشر، فإن تعظيم الله سيحجزه عن معصية الله تعالى، وسيحمله على طاعة الله تعالى، وسيقوده إلى كل بر، وسيمنعه من كل شر.

    إن حسن الظن بالله تعالى يثمر صلاح العمل، وحسن الطاعة لله جل وعلا.
    وإن حسن الظن بالله تعالى -أيها الأحباب- ليس تفريطًا ولا غفلةً ولا إسرافًا على النفس بألوان المعاصي والسيئات، ولكن حسن الظن بالله تعالى هو المسابقة، والجِد في تحصيل فضل الله تعالى، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ آل عمران: 133. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ الواقعة: 10 ، السابقون إلى الطاعات والإحسان هم السابقون إلى الفضائل والمكرمات في الدنيا والآخرة.
    إذن حسن الظن بالله تعالى يحمل العبد على مزيد عمل؛ لأنه يحسن الظن بربه أنه لا يضيع عمله، وأنه جل وعلا لا يخلف الميعاد، فيقوى طمعه فيما عند ربه، ويعلم أنه ما يسجد لله سجدة إلا وسيجد ثمرتها، وما يقوم لله قومة إلا وسيجد نتاجها، وما يعبد الله تعالى في عبادة ولا يتقدم بحسنة إلا وسيجدها عند ربه، قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ السجدة: 17..

    إن العبد إذا قام بهذا ترجم حسن الظن، إذن حسن الظن هو حسن العبادة كما جاء ذلك في بعض الأخبار؛ كما في سنن أبي داود رقم (4993) ومسند الإمام أحمد رقم (7956).من حديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «حُسْنُ الظَّنِّ مِنْ حُسْنِ الْعِبَادَةِ». لكن هذا حديثٌ ضعيف، إلا أن الذي لا خلاف فيه أن حسن الظن يثمرُ صلاح العمل.

    وأذكر لكم شاهداً لذلك من الحديث الذي سقناه في أول كلامنا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي». هذا خبر من رب العالمين أنه عند ظن العبد به سبحانه وبحمده، ثم ما الذي ذكره الله جل وعلا بعد هذا الخبر؟ إنه ذكر عملًا وأقسام الناس في العمل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي». إن الذكر عمل، وهو من أجل الأعمال، ومن أعلى ما يكون من فضائل الطاعات، وألوان المبرات التي يتقرب بها العبد إلى الله تعالى. قال: «فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ». ثم يقول الله تعالى في هذا الحديث الإلهي في بيان تفاوت سعي الناس إلى ربهم: «وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً».

    إذن هنا تفاوت الناس في العمل بناءً على أي شيء يا أحبابي؟ بناءً على اختلافهم في حسن ظنهم بالله؛ من أحسن ظنه بالله خرج من ماله وولده وأهله لله رب العالمين يرجو رحمته، يطلب مراضي الله تعالى ومظانها، ويصدق في طلب فضل الله جل وعلا، هذا هو الصادق، هذا هو الذي يبشر بعاقبة حميدة؛ لأنه أحسن الظن بربه فأحسن العمل.

    إن حسن العمل من حسن الظن بالله تعالى، ولا يمكن أن يُثمِر حُسْن الظن بالله تفريطًا ولا تقصيرًا، إن من ظن أن حسن الظن يعني الإسراف على النفس بالمعاصي فقد أخطأ، وهذا لبس لا بد من كشفه، وخلط لا بد من تمييزه، وذلك أن حسن الظن يقترن بحسن العمل، فمن ظن أن حسن الظن يقترن بإساءة العمل فقد أَبْعَدَ النجعة.

    سارتْ مشرِّقةً وسرتُ مغرِّبًا *** شتَّانَ بين مُشرِّقٍ ومُغرِّبِ

    إن حسن الظن بالله تعالى يحمل العبد -يا إخواني- على الاجتهاد في طاعة الله تعالى، أما الاغترار وسوء الظن بالله تعالى فيحمله على الاجتراء على حقوقه، وعلى انتهاك حرمات الله تعالى، وعلى تعدي حدوده، ويدعو إلى البطالة والانهماك في ألوان المعاصي.

    قال سعيد بن جبير رحمه الله، وهو من أئمة التابعين: "من الاغترار بالله المُقام على الذنب ورجاء الغفران". وقد صدق، إن من الاغترار بالله تعالى أن تقيم على الذنب وتصر عليه ثم تقول: سيغفر لي ربي. إن هذا من الاغترار به جل وعلا .

    وقد قال بعض أهل العلم رحمهم الله: ما كان أحدٌ أحسن ظنًّا بالله تعالى من رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فماذا كان عمله؟ وكيف كان حاله؟ إنه صلى الله عليه وسلم ما أخذ مالًا إلا من حله، ولم يضعه إلا حيث أمره ربه جل وعلا، وكان مراقبًا أمر الله تعالى في قيامه وقعوده، وفي سائر شأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، نعم لقد كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحسن الناس ظنًّا بربه سبحانه وبحمده، ومع ذلك كان يقوم حتى تتورم قدماه -بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أخرجه البخاري (4836)، ومسلم (2819).

    يا ناظرًا يرنو بعيني راقدِ *** ومشاهدًا للأمر غير مُشاهِدِ

    تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي ***درْكَ الجنان بها وفوزَ العائدِ

    ونسِيت أن الله أخرج آدمًا *** منها إلى الدنيا بذنبٍ واحدِ

    يقول الله رب العالمين: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ الأعراف: 22-24..

    تذكر هذا عند كل إساءة؛ فإن الله قد أخرج آدم بسبب ذنبٍ واحد، قال خلف بن تميم: قلت لعلي بن بكار -وهو من السلف الصالحين-: ما حُسن الظن بالله؟ قال رحمه الله: "حسن الظن بالله: لا يجمعك والفجار دار واحدة". هذا هو حسن الظن بالله؛ ألا تجتمع مع من عصى الله تعالى، وألا تكون معهم، فكيف بموافقتهم في أعمالهم؟ وكيف بمجاراتهم على سائر حالهم؟ فإن حسن الظن بالله يجب أن يقترن بالخوف منه سبحانه وبحمده حتى لا يفضي إلى الغرور، ولذلك كل حسن ظن ليس معه خوف فهو غرور.
    يقول أبو سليمان الداراني رحمه الله: "مَن حَسُنَ ظنه بالله عز وجل ثم لا يخاف فهو مخدوع". لا بد إذا كان هناك حسن ظن بالله تعالى أن تخاف الله تعالى؛ لأنه جل وعلا شديد العقاب، وقد قال الله جل وعلا معاتبًا أقوامًا: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ الانفطار: 6.. وهذا خطاب لكل إنسان. يقول بعض الناس: إن الذي غره كرم الله تعالى قد غره الغرور، فإن كرم الله له أسباب وله موجبات، من تعرض لهذه الأسباب أدركها، ومن غفل عنها فاتت عنه، ولذلك لا يُحصِّل العبد بالاغترار بالكرم إلا خبالًا، بل الواجب عليه أن يسعى، وأن يجتهد في التعرض لأسباب هذه الرحمة، والتعرض لأسباب هذا الفضل.

    حسن الظن بالله تعالى -أيها الأحباب- يثمر في القلب صدق التوكل على الله جل وعلا.

    أحسن الظن بمن قد عودك *** كل إحسانٍ وسوَّى أَوَدَك


    إن من قد كان يكفيك الذي *** كان بالأمس سيكفيك غدك

    فنعم المولى ونعم النصير. فإذا صدقنا مع الله رزقنا كما يرزق الطير؛ تَغْدُو خِماصًا وَتَرُوحُ بِطانًا.

    والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

    التفاصيل
    1
    33860
  • محاضرة الإسلام يعلو
  • الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، أحمده سبحانه لا أحصي ثناءً عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، رب العالمين، يحكم ما يشاء، لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه، رضينا به ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، وخيرته من خلقه صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    أيها الإخوة الكرام، إن الله سبحانه وتعالى بعث محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم على حين فترة من الرسل، على حين انقطاع من النذر، بعثه وقد ملأ العالم الظلمات، وتشتتت فيه الأهواء، وتفرقت فيه الأديان، حتى إن الله جلّ وعلا مقت أهل الأرض عربهم وعجمهم إلا نفرًا قليلًا من أتباع الرسل، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ المائدة: 19..

    روى الإمام مسلم في صحيحه رقم (2865). فيما رواه عِيَاض بن حِمَار رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم ذات يوم في خطبته: «إِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَالَ: إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ».

    بعثه الله سبحانه وتعالى رحمة للعالمين، ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ المائدة: 16.، بعثه بنور أشرقت له الظلمات وملأ الدنيا بالخيرات، لم يترك طريقًا يدل إلى الله ويقرب إليه إلا بينه، ولا طريقًا يبعد عن الآخرة ويصد عن سبيل الله إلا حذر منه، صلى الله عليه وسلم. وقد وعده الله سبحانه وتعالى بالظهور والعلو والسناء والرفعة وأنه ظاهر على كل من عانده وخاصمه؛ كما قال جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ التوبة: 33 ليظهره ويعليه على كل دين وملة، ولو كره المشركون. فالحمد لله أن جعلنا من أهل الإسلام، ونسأله سبحانه أن يثبتنا عليه إلى الممات، وأن يجمعنا برسولنا محمد صلى الله عليه وسلم في جنات عدن.

    أيها الإخوة الكرام.. دين الإسلام الذي بعث الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم ظاهر عَلِيٌّ، لا يرتاب في ذلك إلا منافق، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ الأحزاب: 12.، أما أهل الإيمان الذين صدقوا وعد الله وخبره فهم يوقنون أن الله سبحانه وتعالى قد أعلى أمر هذا الدين وأظهره منذ أن بلّغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عشيرته الأقربين ودعاهم إلى دين رب العالمين، فما زال هذا الدين في علو وارتفاع، وغيره في سفول وانحسار، والله لا يخلف الميعاد، ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ الزمر: 20 ، حتى في أيام الضعف، وفي مراحل النكبات، وفي أيام الأزمات والانتكاسات، كان هذا الدين عاليًا شامخًا يخرج من تلك الأزمات ومن تلك النكبات قد اكتسب جمعًا كثيرًا من الناس، فإن الله سبحانه وتعالى أعلى أمر هذا الدين.

    فالحق يعلو ولا يُعلى عليه، فمن ناوأه كانت جنود الله منتصرة، جنود الله التي لا حصر لها، ولا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، يثبت بها أهل الإيمان، ويعلي بها شأن أهل الإسلام، ويرفع الله بها دينهم وعملهم بقدر ما يكون معهم من الصدق.

    أيها الإخوة.. إن الله سبحانه وتعالى قد أخبر في كتابه مؤكدًا في مواضع عديدة أنه لا يخلف الميعاد، فإن إخلاف الوعد ليس من شأن الرب، قال الله جل وعلا: ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ البقرة: 80. وقال تعالى: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ الحج: 47.، فالله سبحانه وتعالى لا يخلف الميعاد، كما قال سبحانه وتعالى في آيات متعددة، إلا أننا مع هذا الوعد ومع هذه البشارة نحتاج إلى أن نقف وقفات؛ أول هذه الوقفات -أيها الإخوة- أن الله سبحانه وتعالى جعل هذا العلو وهذا الظهور لأهل الدين خاصة دون غيرهم، فالعلو الذي جاء للإسلام إنما هو لأهله، فبقدر ما يتحقق لهؤلاء من وصف الإسلام ويكون معهم من خصاله وأعماله بقدر ما يكون لهم من العلو والارتفاع، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ المنافقون: 8.- ، وإنما ذكر المنافقين دون غيرهم لأنهم مندسون في أهل الإسلام، بينهم، يعيشون معهم، يأكلون ويشربون معهم يشيعون بينهم الأراجيف، وفينا من يسمع أقوالهم، ولذلك قال: ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. صدق خبر الله جل وعلا، وأن الله سبحانه وتعالى قد كتب العزة لكل من كان من هذا الدين، متحققًا بأوصافه، عاملًا به.

    لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه -كما في الصحيحين البخاري (3518)، ومسلم (2584). في غزوة بني المصطلِق، جرى خلاف بين بعض الصحابة، فاعتزى كل منهم إلى رهطه وطائفته، فقال المهاجري: يا للمهاجرين، وقال الأنصاري: يا للأنصار. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألهم ما الذي حدث؟ ما هذه الدعاوى؟ إنها دعوى الجاهلية. رفع المنافق عبد الله بن أُبَيٍّ ابنُ سَلُولَ رأسه لما سمع هذه المقالة، قال: ليخرجن الأعز منها الأذل. يريد بالأذل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من أهل الإيمان من المهاجرين إلى المدينة، فجاءه الجواب من رب العالمين، قال الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ المنافقون: 8..

    هذا الضمان -وهو العلو والارتفاع والعزة- لا يكون إلا لأهل الإيمان؛ بإيمانهم وأعمالهم وما يقوم في قلوبهم من صالح العمل، فإن العمل الصالح -أيها الإخوة- من الجند الذي ينصر الله به أهل الإسلام، ويحصل به حفظ أهل الإسلام، ويقي به الله تعالى أهل الإسلام شرورًا كثيرة، ويقي به مكرًا عظيمًا قد لا ندركه ولا نتخيله، قال الله تعالى في وصف مكر أعداء الدين لأهل الإسلام: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ إبراهيم: 46. أي: مكرًا عظيمًا تزلزل منه الجبال، وتزول من أماكنها، لكن الله جل وعلا لهم بالمرصاد، وهو جلّ وعلا من ورائهم محيط، وقد قال الله سبحانه وتعالى للمؤمنين وهم في حال ضعف في غزوة أُحد لما أُصيبوا وقُتل منهم من قُتل، وجُرح رسول الله صلى الله عليه وسلم وكُسرت رَبَاعِيَتُه، وسقط في الحفرة، وأصابه ما أصابه: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ آل عمران: 139. .

    أيها الإخوة.. إن الإيمان علوه لا ينكسر في هزيمة عسكرية، ولا بانحسار مادي، ولا بضعف في صناعة أو غير ذلك، أهل الإيمان لا يرتفعون ولا يعلو شأنهم ولا يكون لهم الدولة دون غيرهم إلا بالإيمان الذي علق الله به العلو؛ قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ آل عمران: 110. وقال: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ آل عمران: 139. فهذا العلو لا يُكتسب من انتصار في معركة، ولا يُكتسب من إتقان صناعة آلة أو غير ذلك، وإن كان ذلك من الأسباب التي يظهر فيها العلو، لكنهم عالون ولو لم يكونوا كذلك.

    وانظر إلى شأن العرب عندما خرجوا يقاتلون الروم وفارس كيف كانت حالهم، فلم يكونوا أهل صناعة ومعرفة فنون التقدم، لكنهم فاقوا خصومهم أكبر الدول في ذلك الوقت الروم وفارس؛ فاقوهم بإيمانهم وما معهم من اليقين. ولقد حقق الله لرسوله صلى الله عليه وسلم علو الدين، وظهوره وارتفاعه على كل ملة، وبدت بشائر ذلك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يمت عليه الصلاة والسلام إلا وقد دانت لهم أهل الجزيرة كلهم، حتى لم يبقَ فيها من يعبد غير الله. ثم إن الصحابة رضوان الله عليهم واصلوا المسيرة، وقد بدأها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجيش الذي جهزه قبل وفاته؛ جيش أسامة، فأمضاه أبو بكر رضي الله عنه، فكان ذلك فاتحة النصر وفاتحة ظهور الدين في مشارق الأرض ومغاربها، فطبق دين الإسلام مشارق الأرض ومغاربها، وسار مسير الشمس في الآفاق، وبلغ مبلغ الليل والنهار بعزٍّ أعزَّ الله به أهل الإسلام، وذلٍّ أذلَّ الله به أهل الكفر، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يوسف: 21..

    أيها الإخوة الكرام.. إننا إذا تحققنا في أي زمان وفي أي مكان بهذا الوصف، وهو وصف الإيمان، فإننا موعودون بالنصر، والله لا يخلف الميعاد، موعودون بالعلو وإن كنا متأخرين في صناعة المواد، وإن كنا متأخرين في إتقان فنون الحرب وغير ذلك، فإن الله سبحانه وتعالى لم ينصر أهل الإسلام في موقع من المواقع إلا بما معهم من صدق الإيمان وعظيم الرغبة فيما عند الله عز وجل، وبذل النفيس والغالي في سبيله سبحانه وتعالى، قال تعالى: ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ إبراهيم: 14..

    نسأل الله جلّ وعلا أن نكون من أهل وعده الذين يظفرون بالنصر على أعداء الإسلام، عاجلًا غير آجل.

    أيها الإخوة الكرام.. إن اليأس يدب في بعض النفوس، إن الناظر في أحوال الأمة الإسلامية يجد أن المآسي والنكبات قد اتسع نطاقها وبدأت تتناثر هنا وهناك، فلا تكاد تخف وطأة الكفر على بلد من البلدان حتى تفجع الأمة بنكبة أو نكبات جديدة يرقق بعضها بعضًا؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في نبأ الفتن في حديث عبد الله بن عمرو في صحيح مسلمرقم (1844).: «وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ فَيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ، فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ هَذِهِ».

    أيها الإخوة.. إن آلام الأمة لو تتبعناها لطال بنا المقام، ولطال بنا الكلام، ولسنا في شأن تعداد الآلام، إنما في شأن التعامل مع هذه الآلام، وإن الواجب على المؤمن أيها الإخوة أن يتعامل مع هذه الآلام بإيمان جازم ويقين راسخ وعمل صالح يرفع به درجته ويثبت به قدمه، إن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال لنا فيما رواه الإمام مسلم رقم (118). في حديث عبد الله بن عمرو: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا».

    فالواجب على المؤمن أن يستقبل هذه النوازل بصبر ثابت وإيمان راسخ، وأن يرجع إلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن في هديه ما ليس في غيره من الكتب والآثار وغير ذلك؛ لأنه صلى الله عليه وسلم جعله الله أسوة لأهل الإيمان، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ الأحزاب: 21..

    أيها الإخوة.. إننا بحاجة إلى اللجوء إلى الله في ظل هذه الأزمة التي كشرت عن أنيابها على الأمة الإسلامية في بقاع الأرض، فأمس أفغانستان، واليوم العراق، وغدًا سوريا، وبعدها الله أعلم، هذه الهجمة التي يقودها الغرب الصليبي الصهيوني إنما تقابَل بإيمان راسخ وعمل جازم ويقين ثابت؛ فإنه لا سبيل إلى تفادي هذه الكربات واستقبال هذه النكبات إلا بما كان عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من شدة اللجأ إلى الله عز وجل والاعتماد عليه، وعدم النظر إلى هذه القوة المادية، فإن الشيطان يخوف أولياءه بهذه القوة، ونحن معنا قوة لا تهزم، معنا الله الذي قد قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ النحل: 128.. فلنكن من الذين اتقوا والذين هم محسنون؛ فإن الله سبحانه وتعالى لا يخلف الميعاد؛ كتب أحد الصحابة لقريش في وصف مجيء النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد جاءكم بجيش كالليل يمشي كالسيل، فأحذركم إياه، فوالله لو جاءكم وحده لهزمكم، فكيف ولو جاء بهذا الجيش الكثيف. فالمراد أن وعد الله لا يتخلف، والصحابة أيقنوا بذلك، فجاءتهم البشائر وحققوا النصر، وهذا الفتح المبين والنشر الكبير لدين الإسلام إنما كان لصدق إيمانهم وعظيم توكلهم واعتمادهم على ربهم.

    الوقفة الثانية. . وعد الله أيها الإخوة لأهل الإيمان بالعلو والظهور، لا يلزم منه ولا يستفاد منه أنه لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله، بل سيصيبهم كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ البقرة: 155..

    فلا بد من البلاء ليتميز الصالح من غيره، لا بد من البلاء، فالبلاء سنة الله جل وعلا في عباده وأوليائه وأعدائه، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ محمد: 31.-.

    إن الذين يدعون الصدق والإيمان والصلاح في وقت السعة والرخاء كُثر، لكنهم يمحصون وتخلى ذنوبهم، وتمحص سيئاتهم، ويقل عنهم ما حملوه من أوزار الخطايا بسبب ما يصيبهم من هذا البلاء، فيصفو معدنهم، ويصفو ما في قلوبهم من الإيمان بتلك البلايا، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ محمد: 4..

    أيها الإخوة.. إن البلاء الذي يبتلي الله به أهل الإسلام من ضعف أو هزيمة، إنما هو لحكمة بالغة، ولغاية عالية لا تتحقق بغير هذا السبيل، ولذلك كان ابتلاء الله لعباده الصالحين من دلائل الصدق الذي يخص الله به أصفياءه، والناس يُبتلَون ويُمتحنون على حسب إيمانهم؛ الأمثل فالأمثل، والأنبياء أشد الناس بلاء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، ويُبتلى الرجل على قدر ما معه من الإيمان.

    أيها الإخوة.. هذا البلاء له حكم بالغة، أشار الله جلّ وعلا منبِّهًا الصحابة في وقعة بدر إلى بعضها؛ قال سبحانه وتعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ آل عمران: 179..

    ثالث الوقفات.. أن سنة الله جلّ وعلا في الأيام والدول والأحوال أنها لا تقر على أمر دائم، بل هي سريعة التقلب والزوال، فالشدة تؤذِن بالفرج، والله سبحانه وتعالى قد قال: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ آل عمران: 140 ، فتلك الأيام لا تقر على حال، بل من المحال دوام الحال، فالحال تتقلب وتتغير، وهذه من سنن الله سبحانه وتعالى في خلقه، وهي سنة كونية اجتماعية أجراها الله سبحانه وتعالى في الناس، فالناس لا تستمر حالهم على حال واحدة، بل هم في مناوبة وتعاقب بين المصائب والمواهب، بين المسار والمضار، قال تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ آل عمران: 140..

    أيها الإخوة.. إن الله سبحانه وتعالى جعل البلاء موصلًا إلى رحمته، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ البقرة: 214. اصبر قليلًا فبعد العسر تيسير، وكل وقت له أمر وتدبير، وللمهـيمن في حالتنا قدر، وفوق تدبيرنا لله تدبير ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يوسف: 21.. نرى الأمور ونكرهها، نرى الأمور على غير ما نهوى، ويخرج الله من رحم الظلام فجرًا تشرق به الوجوه، وتُسر به النفوس، ويحقق الله به الوعد الذي وعده هذه الأمة، فكلما اشتدت الكربة رقبنا الفجر.

    جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه – في وقت خلافته - فقال له: يا أمير المؤمنين، أجدبت الأرض، وقحط المطر، وقنط الناس. قال: إذن مُطرتم. فجعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه اشتداد الحال من قحط المطر وجدب الأرض وقنوط الناس علامة على قرب المطر، ثم تلا رحمه الله قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ الشورى: 28.، والله قريب مجيب، الله سبحانه وتعالى يبتلي العباد بما يبتليهم به ليميز الخبيث من الطيب، ثم بعد ذلك يأتي فرج الله جلّ وعلا.

    ولرُبَّ نازلةٍ يَضيقُ بها الفتى *** ذَرعًا وعند الله منها المَخْرَجُ

    ضاقتْ فلمَّا استَحْكَمَتْ حَلقاتها *** فُرِجت وكنتُ أظنُّها لا تُفرَجُ

    أيها المؤمنون، إنه مهما كان من انهزام وانكسار، فلن يخلف الله وعده.. وهذه رابع المواقف التي يجب أن نقفها مع الله عز وجل.. وعد الله لا يزيد المؤمنين عند اشتداد الكرب إلا ثباتًا، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ الأحزاب: 22.. لَمَّا اشتد الأمر على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، وبلغت القلوب الحناجر، وظنوا بالله الظنون، قال المنافقون: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا، ما وعدنا إلا أمرًا لا تحصيل له، كذبًا لا سبيل إلى إدراكه، وأما المؤمنون الثابتون المصدقون لوعد الله عز وجل فمهما اسودت الدنيا في وجوههم لا يتزلزل الإيمان في قلوبهم، بل هم مصدقون لوعد الله ورسوله.

    وعد الله أيها الإخوة لا يخلف، قال تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ إبراهيم: 47 وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ المجادلة: 21، وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ غافر: 51. ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ الأنبياء: 105. ، وقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ إبراهيم: 13. قال الله جلّ وعلا مبشرًا أهل الإيمان بعد هذا التهديد: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ إبراهيم: 13..

    إننا بحاجة إلى أن ننظر إلى المستقبل بنظرة متفائلة، فالبشائر كثيرة التي تدل على أن الأمة قد أقبلت على خطوة يرتفع بها دينها، ويعلو بها شأنها، إن الخصوم أعداء الإسلام لم يخرجوا من ديار الإسلام عقب الاستعمار إلا وقد أيقنوا أنهم خلّفوا في بلاد الإسلام ما يأمنون به على مصالحهم ويقوم به شأنهم ويقوم بما يريدون تحقيقه في بلاد الإسلام، فلما رأوا أن الأمة قد عادت إلى ربها على وجه العموم، فالخير انتشر في الأمة، والدعوة إلى الله عز وجل سادت، وانقلبت عليهم الموازين، وأصبحوا يرون في الذين خلّفوهم بعدهم لا يحققون مقاصدهم، ولا يحققون مآربهم، عادوا بجيوشهم ليسيطروا على الأمة ويمنعوها من تحقيق العلو والنصر، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يوسف: 21.، كل هذا السعي إنما هو لتمكين اليهود وإفشال كل من يدعو إلى الله ورسوله، ولو كان يدعو بالكلمة الحسنة ويدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، إنهم لا يريدون أن تعلو كلمة الله في مكان من الأرض؛ كما جاء في دعاء عمر رضي الله عنه: اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ويقاتلون أولياءك.

    هذا الوصف منطبق على الصهاينة الصليبيين الذين يحتلون بلاد العراق، ويحتلون غيرها من بلاد المسلمين، نسأل الله جلّ وعلا أن يكشف الكربة عن هذه الأمة، وأن يعز الإسلام وأهله، وأن يذل الكفر وملله، وأن يخرج هؤلاء الكافرين من بلاد الإسلام أذلة صاغرين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    أيها الإخوة.. إننا بحاجة إلى أن نرجع إلى كتاب الله عز وجل، نقرأ فيه السنن، ونطالع فيه ما ذكره الله سبحانه وتعالى من سبل النجاة في الكربات والمدلهمات، نتأمل فيه الخير الذي يخرجنا من هذه الأزمات، والله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، وقد قال سبحانه وتعالى في خصوم الدين: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ مريم: 84. . وقد جعل الله لكل شيء قدرًا، والله لا تعجله الأماني، ولا تعجله دعوات الناس، فالله جعل لكل شيء قدرًا، فإذا جاء الكتاب وبلغ أجله فإن الله سبحانه وتعالى منجز وعده، لا إله إلا هو وحده، نصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، وأظهر دينه. نسأل الله بأسمائه وصفاته أن يقر الجميع بنصر الإسلام، وأن يحقن دماء إخواننا في العراق وفي سائر بلاد الإسلام، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    التفاصيل
    0
    2215
  • محاضرة لماذا نتعلم
  • الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أحمده سبحانه وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فنحمد الله سبحانه وتعالى على ما يسر من تجدد هذا اللقاء الشهري الذي نتناول فيه شيئًا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

    أيها الإخوة الكرام.. إن موضوع هذا الدرس هو ما قرأتموه: لماذا نتعلم؟ إنه سؤال قليل العبارة لكنه يتضمن في جوابه معانيَ كبيرة، وذلك أن المسئول عنه أمر عظم الله جل وعلا شأنه في كتابه، وذكر فضل أهله، وبيّن مناقبهم، وحث على الاستكثار منه، وكذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مليئة بالنصوص الحاثة على العلم، المرغبة فيه، الداعية إليه، ويكفي أن النبي صلى الله عليه وسلم صح عنه كما في حديث أم سلمة أنه كان يستفتح النهار بأذكار منها: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا» أخرجه النسائي في الكبرى (9850)، وابن ماجه (925).

    وقد أمر الله جل وعلا رسوله صلى الله عليه وسلم بسؤال الله المزيد من العلم؛ فقد قال جل وعلا: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ طه: 114.  . ولم يأمر جل وعلا رسوله صلى الله عليه وسلم بطلب الزيادة في شيء إلا العلم؛ وذلك أنه مفتاح الفضائل، وفيه خير عظيم، فالعلم كما قال الإمام مالك: خير كله. لكن ينبغي للمتعلمين وللمعلمين ولمن يشتغل بالتعليم على أي وجه كان أن يعرف لماذا نتعلم.

    أيها الإخوة الكرام... إن جواب هذا السؤال يحتاج إلى أن نبين أن أنواع العلم التي يشتغل بها الناس نوعان من حيث الجملة: النوع الأول وهو أشرفها وأعظمها أجرًا عند الله عز وجل العلوم الشرعية، العلوم الدينية، وهذه العلوم هي كل علم يقرب إلى الله جل وعلا؛ علم الكتاب وعلم السنة، علم قول الله عز وجل وعلم قول رسوله صلى الله عليه وسلم، ويدخل في هذا العلم كل ما أعان على فهم كتاب الله وفهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه يحصل لمتعلمه الفضل إذا قصد بهذا التعلم فهم كلام الله وفهم كلام رسوله صلى الله عليه وسلم.

    أيها الإخوة الكرام... لماذا نتعلم العلم الشرعي؟ لماذا أطال العلماء في الحث على تحصيل العلم والصبر على مضاضة الطلب وما فيه من الكد والعناء؟ هل هو لتحصيل مكاسب قريبة وانتزاع مناصب في الدنيا أم هو لأمر أبعد من ذلك؟ إن طلب العلم الشرعي له مقاصد عديدة، من أهمها وأولها أنه يعرف به الله سبحانه وتعالى، فالعلم الشرعي أيها الإخوة به يعرف الإنسان ربه سبحانه وتعالى، يعرف ما لله جل وعلا من الأسماء وما له من الصفات، وما له من الأفعال، هذا فيما يتعلق بذاته جل وعلا، ويعرف أيضًا ما يجب له من الحقوق، فإن العلم الشرعي هو السبيل الذي يتعرف به الخلق على ربهم سبحانه وتعالى، فإن الله سبحانه وتعالى بعث المرسلين به معرفين، وإليه داعين، فكل الرسل جاءت تعرف الخلق بربهم وتدلهم عليه، وتبين لهم شيئًا من أوصافه ليعرفوه سبحانه وتعالى ويعبدوه، وذلك أيها الإخوة أنه لا سعادة للناس في حياتهم ولا لذة لهم في معاشهم إلا بمعرفة الله جل وعلا؛ فإن معرفة الله سبحانه وتعالى أصل السعادة ورأسها، وهذه السعادة ليست مقتصرة على سعادة الدنيا فحسب، بل هي التي تبقى بعد الموت، وتنفع في الآخرة، فلذة العلم بالله جل وعلا ومعرفته سبحانه وتعالى فوق كل شيء، فالعلم بذاته يستلزم العلم بما سواه؛ لأن من عرف الله تفتحت له أبواب العلم، وأبصر السبيل، واستضاء له الطريق، فلا يحتاج بعد ذلك أكثر من العلم بالله جل وعلا؛ لأن به يفتتح كل مغلق، ويحصل به كل مطلوب، أما من لم يعرف ربه جل وعلا فإنه عن كل خير غافل، قال الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ الحشر: 19.

    فتأمل هذه الآية تجد فيها أن الله عز وجل هدد من نسيه بأنه سبحانه وتعالى ينسيه نفسه، ومن نسي نفسه أيها الإخوة كيف يعرف مصالحها؟ كيف يعرف فلاحها؟ كيف يستقيم معاشه فضلًا عن معاده؟ إن من غفل عن الله عز وجل ونسي ربه سبحانه وتعالى يصدق عليه قوله جل وعلا: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ الكهف: 28 فإن مَن غفل عن الله عز وجل وعن ذكره انفرط عليه أمره، ولم ينتظم له شيء من الأشياء، بل تفوته مصالح دينه ومصالح دنياه، وهذا -أيها الإخوة- ليس مبالغة في بيان أهمية العلم بالله عز وجل، بل هذا هو الواقع. وليس ما نراه عند الكفار من إتقان عمارة الدنيا من تشييد المباني، وإتقان المصنوعات، والسبق الحضاري؛ ليس ذلك أمام ما فاتهم من الخيرات التي في الدنيا والخيرات التي أخبر بها جل وعلا في الآخرة؛ ليس ذلك بشيء، إنما هو كما قال الله جل وعلا: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ المرسلات: 46.  ، فهو أكل وشرب وتمتع قليل، لكن لا ينزع عنهم هذا وصف الإجرام.

    أيها الإخوة الكرام.. إننا نطلب العلم الشرعي لنعرف به نبينا صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله حجة على الإنس والجن، بعثه الله سبحانه وتعالى بين يدي الساعة بالحق بشيرًا ونذيرًا يدعو إلى الله عز وجل، يبلغ الرسالات، يبصر من العمى، ويهدي من الضلال، فمن أقبل على العلم الشرعي عرف النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا عرف النبي صلى الله عليه وسلم وعرف ما جاء به تيقن صدق ما جاء به صلى الله عليه وسلم، فإن أهل العلم يعرفون صدق ما أخبر به صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم بما معهم من العلم يدركون صحة خبره صلى الله عليه وسلم فيما عقلوه من معاني هذا الكتاب العظيم، وفيما أدركوه من آيات الله عز وجل في الأنفس والآفاق، قال الله جل وعلا: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ سبأ: 6.   ، وقال جل وعلا: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ الإسراء: 107.   . ولا يمكن أن يكون منهم هذا إلا إذا صدقوا بما جاء في الكتاب؛ فإنهم يخرون تعظيمًا لله عز وجل، وتعظيمًا لكلام الله سبحانه وبحمده، وتعظيمًا لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الحق والهدى والنور.

    أيها الإخوة الكرام.. إن من فوائد تعلم العلم الشرعي أن العلم الشرعي يعصم العبد من الوقوع في أعظم الظلم، وهو الشرك، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ آل عمران: 18. فاستشهد الله سبحانه وتعالى العلماء دون غيرهم من الناس على أعظم مشهود، وهو أنه لا إله إلا هو سبحانه وبحمده المتفرد بالألوهية، واستشهاد الله للعلماء بيان لفضلهم، وتزكية لهم؛ لأنه لا يمكن أن تقبل شهادة أحد ما لم يكن عدلًا، فاستشهد الله سبحانه وتعالى العلماء على أعظم مشهود، وهو التوحيد، وكان في ذلك تعديل لهم؛ لأن الله لا يستشهد من خلقه إلا العدول، قال الله سبحانه وتعالى في بيان ما كان عليه أهل الجاهلية لما فقدوا العلم: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ نوح: 23.، فهذه وصية بعض الجهال من المشركين لأتباعهم ولمن يسمع نصحهم، لكنه متى كان هذا؟ كان هذا لما نُسي العلم وارتفع أثره، ولم يبقَ لدى الناس له وجود؛ عبد هؤلاء الأصنام من دون الله عز وجل، فالعلم يعصم الإنسان من الشرك.

    روى البخاري في صحيحه رقم (4920). عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في بيان معنى هذه الآية: كان هؤلاء رجالًا صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم أنصابًا وسموها بهم، فنصبوا الأنصاب ليتذكروا عبادة هؤلاء، وسموها بأسمائهم لينشطهم هذا على شدة السعي للخير والعمل به، ففعلوا ولم تُعبَد حينًا من الزمن، حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلم عُبدت.

    ومن هذا نفهم أن نسيان العلم سبب لكل شر، بل هو سبب لأعظم الشرور، وهو الشرك بالله سبحانه وتعالى.

    أيها الإخوة.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» أخرجه البخاري (2651)، ومسلم (2535).. وإن المتأمل الناظر لهذا الترتيب للفضل يعلم أن هذا الترتيب للفضل إنما هو بالنظر إلى ما مع القرن الأول من العلم والإيمان ، فلما كان القرن الأول سابقًا في العلم والإيمان كان متقدمًا على غيره من القرون، وهكذا القرن الذي بعده والقرن الذي بعده، ولا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، وذلك بسبب نقص العلم، فإنه كلما تقدم الزمن وكلما مضى الدهر كلما قل العلم في الناس، ولا يقل برفع العلم؛ فإن الله لا يرفع العلم ولا ينتزعه انتزاعًا من صدور الناس، إنما ينتزعه بموت العلماء.

    أيها الإخوة الكرام.. إننا نطلب العلم الشرعي لأن العلم الشرعي به تكمل الأخلاق الفاضلة، وبه يحصل الإنسان محاسن الخصال، ولذلك قال الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ آل عمران: 164. فالله جل وعلا أخبر بأنه منّ على المؤمنين بأن بعث فيهم رسولًا من أنفسهم، أي: من جنسهم، ما مهمته؟ ما وظيفته؟ ما عمله؟ يتلو عليهم آياته ويزكيهم، يتلو عليهم الآيات التي جاءت في كتاب الله عز وجل، والتلاوة هنا ليست تلاوة اللفظ فقط، بل هي تلاوة اللفظ والمعنى، فهو يبين لهم بقوله وفعله ما أنزل الله جل وعلا من الكتاب المبين ويزكيهم، والتزكية هي التدرج بالنفس إلى أعلى درجات كمالها، فالنبي صلى الله عليه وسلم بعثه الله مزكيًا مكملًا للأخلاق، ولذلك جاء في مسند الإمام أحمد رقم (8952) بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ». قال أنس رحمه الله: إذا قلَّ العلم ظهر الجفاء.

    فالخلق الفاضل والسجايا الكريمة تنبع -أيها الإخوة- عن العلم الشرعي، فإذا أقبل الإنسان على تعلم كتاب الله عز وجل تعلمًا، وعلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم تلقيًا، بصدر منشرح، وهمة عالية، ورغبة في الخير، فإنه لا بد وأن تزكو أخلاقه، ولا بد أن يظهر للعلم أثر في أخلاقه، وفي قوله، وفي عمله، وفي هديه، وفي سمته، وفي سائر شأنه.

    أيها الإخوة.. مدح الله جل وعلا في كتابه صفاتٍ كثيرة، وأثنى على أهلها، واعلم أن كل صفة مدح الله بها العبد إنما منشؤها العلم، وهذا يبين لك أهمية العلم، وأن العلم به تكمل الفضائل، وبه تحصل على السبق في ميادين الخير والبر والشرف، وإن من قعد عن العلم فقد قعد عن تكميل أخلاقه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ».

    أيها الإخوة.. إننا نطلب العلم الشرعي لأنه به يعصمنا الله جل وعلا من الفتن، والفتن كثرت في هذا الزمان، وهي على مر الوقت ستكثر؛ لأنه كلما تقدم الوقت كثرت أسباب الضلال وأسباب الزيغ وأسباب الشر على مر العصور؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ» أخرجه البخاري (7068)..

    أيها الإخوة.. إنما العلم الشرعي حصن يتدرع به الإنسان من الوقوع في شراك الفتن، سواء كانت الفتن فتن الشهوات أو فتن الشبهات، قال الله جل وعلا في بيان أثر العلم في إزاحة العصمة من كل فتنة: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾  وهذا شأن المنافقين وعملهم، إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به، أي: أشاعوه ونشروه دون أن يترووا هل في إشاعته مصلحة للمؤمنين وأهل الإسلام أو لا، قال الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾النساء: 83.. فالعلم سبب للحفظ وصيانة من الوقوع في أسباب الشر.

    أيها الإخوة.. إن الفتن كما ذكرنا تكثر مع مرور الوقت؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي موسى وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما: «إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ أَيَّامًا يُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ، وَيَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ» وَالْهَرْجُ الْقَتْلُ أخرجه البخاري (7062)، ومسلم (2672). أي: كثرة القتل في الناس، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن أول ما يصاب به الناس بين يدي الساعة رفع العلم؛ لِما لرفع العلم من الشر الذي يصيب الناس.

    ويبين هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث أنس رضي الله عنه: «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يَقِلَّ العِلْمُ، وَيَظْهَرَ الجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً القَيِّمُ الوَاحِدُ»أخرجه البخاري (81)، ومسلم (2671).. وهذا يبين لنا أيها الإخوة خطورة ارتفاع العلم، وأن ارتفاع العلم من المجتمع سبب للوقوع في أنواع الفتن وأنواع الشرور.

    وأنت أيها الأخ إذا تأملت مسيرة الأمة تجد أن عمل الصحابة رضي الله عنهم في ذب الفتن والبدع وفي رد الشرور كان أعظم من عمل من بعدهم، وأن الشرور والفتن في وقتهم لم تنتشر وتشيع كما كانت في العصور التي كانت بعد عصر الصحابة وعصر التابعين ثم من بعدهم. إن بوادر الفتن التي ظهرت في عهد الصحابة رضي الله عنهم كانت بوادر خفيفة، وليست من الفتن المغلظة والبدع الشديدة التي يحصل بها زيغ القلوب وطيش الألباب.

    أيها الإخوة.. إن التمسك بالعلم والإقبال عليه سبب لأن يقذف الله جل وعلا في قلب العبد النور الذي يحصل به الفرقان بين الحق والباطل، وما أحوج الإنسان إلى أن يقذف الله جل وعلا في قلبه نورًا يمشي به في الناس يميز به بين الحق والباطل، بين الهدى والغي، بين الرشاد والضلال، إننا نحتاج إلى هذا النور، وهذا النور سبب ووسيلة تحصيله تقوى الله جل وعلا مع العلم، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الحديد: 28..

    القلوب إذا مُلئت بالعلم تحصنت من الوقوع في الشبهات، وتحصنت من أن تقر فيها الشهوات على وجه الدوام، بل كل شبهة ترد على القلب يردها القلب بقوته وصلابته، وكل شهوة تترك أثرًا في القلب يردها القلب بما معه من الإيمان الصادق والإقبال على الله عز وجل والتوبة والاستغفار، فلا يبقى في قلبه شيء من الشبهات ولا شيء من الشهوات، قال سبحانه وتعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ الأنعام: 122.. إن الذي أعطي النور هو الذي استمسك بالعلم الشرعي، بالكتاب والسنة، والذي بقي في الظلمات هو ذلك الذي أعرض عن كتاب الله عز وجل، وعن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    أيها الإخوة الكرام.. إننا نطلب العلم لأن الله سبحانه وتعالى بيّن في كتابه فضل العلم وفضل أهله، ورتّب الأجور العظيمة والفضائل الكثيرة على تحصيل العلم وعلى طلبه، ولذلك ينبغي لمن رغب في تحصيل تلك الفضائل أن يسعى في تحصيل العلوم الشرعية؛ فإن العلوم الشرعية سبب لتحصيل تلك الفضائل؛ كقول الله جل وعلا: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ المجادلة: 11..

    وهذا فيه دعوة لكل أحد أن يسعى إلى الترقي في درجات الخير، وفي درجات البر والإحسان، وفي الاستكثار من العلم، فكلما كثر علمك بالله عز وجل كلما كثر علمك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، كلما ارتفعت درجتك وعلت قدمك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»أخرجه البخاري (71)، ومسلم (1037).؛ أي: يرزقه الفقه في الدين، أي: في الشرع، فيما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من كتاب الله عز وجل وسنته صلى الله عليه وسلم.

    أيها الإخوة.. إن أهل العلم هم خلاصة الوجود، وهم الذين بهم يحفظ الله سبحانه وتعالى الأمة من الزيغ والضلال، وهم الذين تكفل الله جل وعلا بنصرهم في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ ظَاهِرِينَ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ – وفي روايةٍ: مَن خالَفَهُمْ - حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»أخرجه الترمذي (2229). فمن أراد مثل هذه الفضائل فليُقبِل على العلم الشرعي، ليقبل على كتاب الله عز وجل حِفظًا وفهمًا، وعلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم درسًا وضبطًا وفهمًا لكلامه صلى الله عليه وسلم، ليقبل على حلق العلم، ليقبل على المعاهد ودور التعليم؛ فإن فيها خيرًا عظيمًا، بها يحصل للإنسان مبادئ العلم التي تنير له السبيل، ومن خلالها يستطيع أن يتوصل إلى خير عظيم؛ فإن حِلق العلم ودور التعليم إنما هي بوابات فيها المفاتيح التي تفتح لك أبواب العلم، ثم بعد ذلك يفتح الله جل وعلا على العبد على حسب ما معه من الإيمان والتقوى والرغبة والإخلاص، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

    أيها الإخوة الكرام.. إن من فوائد ومنافع طلب العلم أن العلم من أهم ما يحتاجه من يقوم بالدعوة إلى الله عز وجل، فلا يسوغ لمن يقوم بالدعوة إلى الله عز وجل -والدعوة إلى الله هي أشرف المقامات- لا يسوغ له أن يكون جاهلًا، بل لا بد وأن يكون عالمًا بما يدعو وبمن يدعو، فمن علم من يدعو وبما يدعو فإنه داخل في قول الله عز وجل: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ يوسف: 108..

    فالعلم أيها الإخوة هو الذي يثمِر البصيرة التي أثنى الله عليها في كتابه، وأثبتها الله عز وجل لرسوله في قوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، أي: أنا ومن اتبعني على بصيرة ندعو.

    أيها الإخوة .. إن الناس في هذا الزمان أحوج ما يكونون إلى من يبصرهم بالله عز وجل، وإلى من يدعوهم إلى الهدى، وهذا ليس خاصًّا بأهل الإسلام فحسب، إن أهل الإسلام يحتاجون إلى دعوة من أهل العلم ممن عرف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويحتاجون إلى من يعلمهم القرآن ويفهمهم القرآن، ويبين لهم معاني القرآن، ويحتاجون إلى من يعرفهم بالله عز وجل، ويعرفهم بدينه وما يجب له سبحانه وتعالى، ولا تنظر إلى محيطك الضيق الذي تعيش فيه؛ فإن الأمة بحاجة ماسة إلى العلم، بل إن الإمام أحمد رحمه الله قال: إن حاجة الناس إلى العلم فوق كل حاجة. يقول رحمه الله: الناس محتاجون إلى العلم قبل الخبز والماء؛ لأن العلم يحتاج إليه الإنسان في كل ساعة، والخبز والماء في اليوم مرة أو مرتين. العلم أيها الإخوة يحتاجه المسلمون وغيرهم بعدد الأنفاس، كلما كثر علم الإنسان كلما كانت بصيرته ونظره وعبادته وتقواه وصلاحه ونفعه أكبر. ولذلك ينبغي لنا أن نحرص على الاستكثار من العلم، وأن نشيع العلم الذي تعلمناه بين الناس؛ فإن إشاعة العلم ونشره مما يثبت العلم ويزكيه وينميه.

    أيها الإخوة .. إن أمتنا الإسلامية في هذا الوقت هي بحاجة إلى العلم لكثرة ما في بلدان المسلمين من الجهل بالله عز وجل، وذلك يظهر بمظاهر الشرك الكثيرة المنتشرة في بلاد المسلمين، ويظهر أيضًا بالبدع الكثيرة التي انتشرت في بلاد المسلمين، ويظهر أيضًا بتقصير كثير من المسلمين فيما أوجبه الله عليهم، ومن ذلك تقصيرهم في ثاني أركان الإسلام؛ في الصلاة؛ فإن كثيرًا من المسلمين يقصرون فيها إما أنهم لا يؤدونها ولا يقومون بها في أوقاتها التي أمر الله بها أن تقام فيها، وإما أنهم يقصرون فيها بالتأخير أو بأنهم لا يقيمونها على وجهها. وتظهر حاجة الأمة إلى العلم بما نشاهده من الدعاوى المنحرفة التي تشيع بين المسلمين وتنتشر بينهم وتروج في أقلامهم وأقوالهم وكتاباتهم وبلدانهم، إننا بحاجة إلى أن نبصر المسلمين بدينهم لما تشهده الأمة من هجمة عظيمة على الإسلام في هذه الأيام الأخيرة؛ فإن أعداء الإسلام ضاقوا بالإسلام ذرعًا وبدءوا يشككون فيه ويبحثون عما يصور لهم أنه تشوه فيه، أو ضعف فيه، والضعف في عقولهم، والتشوه في أذهانهم، وأما كلام الله عز وجل وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم فهو الحق المبين، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ هود: 16..

    إن العلوم الدنيوية لا تُطلب لأجل التكسب فحسب، بل إن الأمم تدفع الأموال وتشيد المدارس وتبذل الميزانيات الطائلة في سبيل التعليم لا لأجل وجود الوظائف للمتعلمين، بل لأجل السبق الذي يحصل به رقي الأمة بمجموعها.

    أيها الإخوة الكرام.. هذه لمحة في جواب هذا السؤال الذي لا بد أن نشتغل في طلب الجواب عنه في مجالسنا وفي دراستنا وفي عملنا؛ لأن الجواب عنه يختصر علينا ويلخص لنا شيئًا كثيرًا قد نجهله، ووجود هذا السؤال في أذهاننا يفيدنا فائدتين: الفائدة الأولى: تحديد الغايات، وتحديد الغايات مما يعين الإنسان في السعي إلى تحصيلها. الفائدة الثانية: أن ننظر ونقيس سيرنا في تحقيق هذه الغاية، فإذا أجبنا على السؤال يمكننا بعد ذلك أن نقيس ما الذي حصلناه، وما الذي حققناه مما لم نحققه في سبيل التعلم.

    الإخوة الكرام.. إننا بحاجة إلى العلم لندعو غير المسلمين؛ فإن الناظر إلى جمهور الناس يرى أن المسلمين لا يشكلون إلا خمس العالم، وهذا بالنسبة لمجموع الناس عدد قليل، فينبغي للأمة أن تجهد وأن تبذل ما تستطيع في سبيل إيصال هذه الرسالة التي أنقذ الله جل وعلا بها الناس وأخرجهم بها من الظلمات إلى النور، فهؤلاء يحتاجون إلى دعوة تبين فيها محاسن الإسلام، ويبين فيها ما في هذا الدين من جوانب العظمة، وكله عظيم، ويبين فيها بطلان ما يدعيه أعداء الإسلام من أن هذا الإسلام فيه وفيه من الشبهات التي يثيرونها، وهي في الحقيقة:

    شُبَه تهافت كالزجاج تخالها *** حقًّا وكل كاسِر مَكسورُ

    فالجميع لا حجة فيه، بل هي شبه وخيالات وظنون فاسدة؛ إما ناشئة عن فساد نية، أو ضعف علم، فإذا كمل العلم وصحت النية انبهر العالم بما في هذا الدين من النور الساطع المبين الذي يخرجهم الله عز وجل به من الظلمات إلى النور.

    فكل هذه الأسباب من أجلها نتعلم العلوم الشرعية، أما ما يتعلق بالعلوم الدنيوية المدنية فإن العلوم الدنيوية المدنية واجبة على الأمة، لا سيما في هذا الوقت الذي تعيش الأمة سباقًا حضاريًّا لا يعرف توقفًا، ولا يعرف كللًا ولا مللًا، بل إن الأمة يسابقها أمم يصلون الليل بالنهار في سبيل تحصيل العلوم، ثم في سبيل تسخيرها والاستفادة منها في تحقيق العز للأمم والدول والمجتمعات. إننا نحتاج للعلوم بشتى صنوفها؛ في الصناعة، وفي الطب، وفي جميع مجالاتها التجريبية والمدنية؛ وذلك لأن بها يحصل فرض الكفاية التي من خلالها تستغني الأمة عن غيرها، ومن خلالها تخرج الأمة من كونها فتنة للذين كفروا؛ فإن من صور افتتان الكفار ما عليه المسلمون اليوم من الضعف والانكسار والتقهقر الحضاري الذي جعل المسلمين في آخر الركب. ومعلوم أيها الإخوة أن السابق لا يمكن أن يقتدي بمن يراه دونه في التقدم والرقي، فلا بد للأمة أن تطلب هذه العلوم لتخرج من هذا الحيز الذي جعلها فتنة للذين كفروا، حيث إن كثيرًا من الكفار يصدهم عن الإسلام ما عليه المسلمون من ضعف وتقهقر وتشرذم وتشقق وعدم استمساك بالدين الحنيف وعدم العمل به.

    أيها الإخوة الكرام.. إن العلوم في شتى أنواعها لم تعلم ولم تبذل فيها الأموال ولم يجتهد فيها المربون والمعلمون على مستوى العالم كله لأجل أن تكتسب بها الوظائف وتحصل بها الأموال، إن اكتساب الوظائف والأعمال والمناصب ليس سبيله التعلم فحسب، إن حصول المال من غير طريق العلم أقرب، ولذلك تجد أن أكثر الأثرياء إنما حصلوا ثروتهم من غير العلم، فالعلم ليس سبيلًا للتكسب، بل إنه قد ثبت بالدراسات أن أقل الناس دخلًا هم الذين يشتغلون بالعلم، فالعلم ليس وسيلة لتحصيل المكاسب الدنيوية، فإذا كان كذلك فإنه ينبغي لنا أن نصحح النية، ومن كان غرضه من العلوم الشرعية خاصة أن يحصل بها المكاسب الدنيوية فليذهب إلى غير هذا الميدان، وليبحث عن غير هذا السبيل؛ فإنه من طلب علمًا مما يُبتغى به وجه الله لا يطلبه ولا يبتغيه إلا لدنيا يصيبها لم يرح رائحة الجنة؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. وقد قال الله جل وعلا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ هود: 15..

    أسأل الله عز وجل أن يرزقني وإياكم العلم النافع، وأن يجعلنا من أئمة الهدى العاملين به، وأن يوفقنا وأمتنا إلى نشر العلم والدعوة إليه والعمل به، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    التفاصيل
    0
    4117
مقالات
  • لبيك
  •  


    بسم الله الرحمن الرحيم

    استوقفتني أبيات شاعر مشهور بالمجون في كتب الأدب أنشدها في مسيره إلى الحج:

     

    إِلَهَنا مـا أعـْدَلَكْ

     

    مَلِيكَ كُـلِّ مَنْ مَلَكْ

    لَبَّيـْكَ قَدْ لَبَّيْتُ لَكْ

     

    لَبَّيْكَ إِنَّ الحَـمْدَ لَكْ

    والمُلْكَ لا شَريكَ لَكْ

     

    ما خـابَ عَبْدٌ سَأَلَكْ

    أنْتَ لَـهُ حَيْثُ سَلَكْ

     

    لَـولاكَ يا رَبِّ هَلَكْ

    لَبَيْكَ إِنَّ الحَمْدَ لكْ

     

    وَالمُلكَ لا شريكَ لَكْ

    وَاللَّـيل لمَّا أنْ حَلَكْ

     

    والسَّابِحَاتِ في الفَلَكْ

    على مَجاري المُنْسلك

     

    كُـلُّ نَـبيٍّ ومَـلَكْ

    وكـلُّ مَن أهلَّ لَكْ

     

    سَبَّـحَ أو لبَّى فَـلَكْ

    يا مُخْطِئًا مـا أَغْفَلَكْ

     

    عَـجِّلْ وبادِرْ أجَلَكْ

    واخْتُمْ بخيرٍ عمـلَكَ

     

    لبَّيـكَ إنَّ الحمدَ لكْ

    والعِزَّ لا شريكَ لَكْ

     

    والحَمْـدَ والنعمةَ لَكْ

     

     

    فأَسَرَتْني كلمةُ: (لبَّيك)، فقلَّبتُ فيها نظري، وأجَلْتُ في مدلولاتها فكري، وأطلقت لها قلمي فكتَبْتُ هذه الكلمات.
    لبَّيك: أرق كلمات الإجابة وألطفها، تنشرح لها النفوس، وتبتهج لسماعها المسامع.

    لبيك: أعذب كلمة يجيب بها المؤمنون نداء ربهم ودعاءه، تهتف بها قلوبهم قبل ألسنتهم، كيف {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ}يونس: 25؟

    لبيك: كلمة يجيب بها المحب حبيبه، والسرور قد ملأ جوانحه بدعوته، والبهجة عمرت فؤاده بنداء سيده و مولاه، فله المنة بندائه، ومنه الفضل بدعوته؛ {بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}الحجرات: 17. حاله وهو يجيب دعوة ربه، ويلبي نداء مولاه تهتف:

    لو جئتُكم زائرًا أسعى على بَصَري            لم أقضِ حقًّا وأيُّ الحقِّ أدَّيْتُ

    لبيك: كلمة تنضح بتعظيم الرب جل جلاله، ولذلك  يعقبها في مواردها ثناء وتمجيد وتقديس.

    لبيك: بها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهتف في مناجاة ربه تعالى إذا قام إلى الصلاة: لبيك وسعديك والخير كله في يديك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت.

    لبيك: بها أجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه في نسكه، فكان يهل بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.

    لبيك: كلمة إجابة دائمة مستمرة مقيمة فالله جل في علاه لم يرض من العبودية إلا دوامها فقال سبحانه: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}الحجر: 99.

    قال الحسن البصري: "لم يجعل الله لعبده المؤمن أجلًا دون الموت". و لذا كان أحبَّ العمل إلى الله أدومُه. روى البخاري (6464)، ومسلم (782) من طريق أبي سلمة، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِل: أيُّ الأعمال أحبُّ إلى الله؟ فقال: «أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ».

    لبيك: كلمة يعلن بها العبد إجابة ربه ومولاه إجابة دوام واستمرار، يلتزم فيها بالعبودية للملك الديانن ويجدد العهد مع الله. فالشأن كل الشأن في دوام العبودية واستحضارها في جميع الأحوال، فإن من الناس من يمكنه التزام عهد العبادة يومًا أو أيامًا، لكنه يعجز عن الدوام والاستمرار؛ لذا فإن السابق في العبودية هو من سعى في تحقيق دوامها، يقول الله تعالى عن خليله إبراهيم: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}النحل: 120 لقد كان من أسباب إمامة إبراهيم للناس قنوته ودوام عبوديته.

    لبيك: كلمة ترددت على لسان رسول الله صلى عليه وسلم في صلاته ونسكه وفي العديد من تقلباته صلى الله عليه وسلم، فكان إذا رأى شيئًا يعجبه يحب أن يقول: «لبَّيْكَ، إنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ» , قال البيهقي رحمه الله: وهذه كلمة صدرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في أَنْعَمِ حاله يوم الحج يوم عرفة، وفي أشد حاله يوم الخندق. فكان صلى الله عليه وسلم دائم العبودية لربه في عسره ويسره، وفي منشطه ومكرهه، وفي حله وسفره، وفي غيبه وشهادته، روى البخاري (1987) ومسلم (783) عن علقمة قال: قلت لعائشة: هل كان رسول الله صلى عليه وسلم يختص من الأيام شيئًا؟ قالت: لا، كان عمله ديمة, أي: مستمرًّا.

    لبيك: يهتف بها المؤمن لينزع نفسه من مواطن الإساءة ومواقع العثار يطلب المغفرة والعفو، لسان حاله يقول:

    رَبَّاهُ جئتُكَ طـائِعًا مُسْتَنْجِدًا          تكوي حُشَاشاتي مَراراتُ النَّدَمْ

    فاجعَلْ طريقي بالصَّلاحِ مُمَهَّدًا         وأَنِـرْهُ بالحسناتِ يا رَبِّ الكَرَمْ

     

    خالد بن عبدالله المصلح

    2/12/1426هـ

    التفاصيل
    1
    2403
  • مُنية العاملين القبول من رب العالمين
  • (تقبل الله) أعذب تهنئة وأوفى دعاء بعد نصب وعمل، فالقبول مُنية العاملين، {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}المائدة: 27، ومما يُروى أن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- جاءه سائل، فقال ابن عمر لابنه: أعطه دينارًا. فقال له ابنه: تقبل الله منك يا أبتاه. فقال: لو علمت أن الله تقبل مني سجدةً واحدةً أو صدقة درهم واحد لم يكن غائب أحب إلي من الموت، أتدري ممن يتقبل الله؟ {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}المائدة: 27.

    (تقبل الله) كلمة يهنئ بها المسلمون بعضهم بعضًا يوم عيدهم بعد عمل في  طاعة الله ونصب، كما كان أصحاب النبي يقولها بعضهم لبعض إذا التقوا يوم العيد بعد طاعة وإحسان.

    (تقبل الله) دعوة هتف بها إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل عليهما السلام لما فرغا من بناء الكعبة البيت الحرام: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}البقرة: 127. روى ابن أبي حاتم عن وهيب بن الورد أنه قرأ قول الله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}البقرة: 127، ثم بكى وهو يقول: يا خليل الرحمن، ترفع قوائم بيت الرحمن وأنت مشفق ألا يتقبل منك!

    فهذه حال عباد الله المخلصين، عمل دائب في خصال الإيمان ومراتب الإحسان، مع إشفاق تام من عدم قبول الملك الديَّان؛ كما حكى الله تعالى عنهم في قوله:{وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}المؤمنون: 60  أي: يعطون ما أعطوا من الصدقات والنفقات وسائر القربات {وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} أي: خائفة ألا يُتقبَّل منهم.

    (تقبل الله) تهنئة ودعاء، تنطوي على شريف المعاني و جليلها.

    (تقبل الله) إعلان كمال الافتقار إلى الله تعالى، وتمام الإقرار بالمن والإحسان، يتلاشى بها كل من واغترار، فلو عمل العباد ما عملوا من البر وصالح الأعمال فليس بهم عن رحمة الله وبره وإحسانه غنًى؛ روى البخاري(5673) ، ومسلم(2816)  من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: «لَنْ يُدخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ».قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: (لَا، وَلَا أَنَا، إلَّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا».

    قال بعض أهل العلم: لو أن العبد سجد لله منذ أن وضعته أمه إلى أن آواه لَحْده، لمْ يُوفِّ اللهَ حقَّه.

    وعذبٌ ما قاله الشاعر:

    ذُنُوبيَ إنْ فكَّرتُ فيها كثيرةٌ  ***  ورحمة ربِّي من ذُنُوبيَ أوسعُ

    وما طَمَعِي في صالحٍ قد عَمِلتُهُ  ***  ولكنَّنِي في رحمة الله أطمـعُ

    (تقبل الله) يهتف بها من جد في عمله وأحسن، ومن قصر في سيره وتأخر، فالكل فقراء إلى الله، يسألون ربهم الكريم أن يجود عليهم بالقبول، فيزول بذلك كل عجب وإدلال بالعمل وعلو على بني البشر، {كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ}النساء: 94،  {بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}الحجرات: 17.

    (تقبل الله) كلمة يتذكر بها المؤمنون أن الفرحة إنما تتم بالقبول من الرب تعالى، فيا لها من فرحة.

    نسأل الله الكريم رب العرش العظيم كما أذاقنا فرحة الصائم عند فطره ألا يحرمنا لذة الفرحة عند لقائه.

    التفاصيل
    0
    2791
  • بمناسبة قدوم شهر رمضان
  • الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على البشير النذير والسراج المنير، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    فنعمة من الله جليلة ورحمة كبيرة أن يبلغ الله تعالى عبده مواسم البر والخير، ولا شك أن مواسم الخير فرصة يفتحها الله تعالى لعباده، فهي ميدان سباق يستبق فيه الناس إلى رحمة الله تعالى، ويستبقون فيه إلى فضله وإحسانه، وإلى عظيم ثوابه وجزيل عطائه جل وعلا، والفائز في هذا المضمار هو المستكثر من الصالحات، السابق إلى الخيرات.

    ولذلك أهنئ نفسي وإخواني المسلمين في كل مكان على هذه النعمة العظيمة التي من الله تعالى بها علينا جميعًا، وهي أن بلغنا هذا الشهر المبارك، شهر الصيام والقيام، شهر الطاعة والبر والإحسان، الشهر الذي اصطفاه الله تعالى، فخصه بجملة من الخصائص الكونية والشرعية.

    فأعظم خصائص هذا الشهر الكونية أنه الشهر الذي اصطفاه الله تعالى فجعله محلًّا لإنزال القرآن؛ يقول الله جل في علاه: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}البقرة: 185 . فهذه الخاصية الكونية هي التي جعلها الله تعالى سببًا للصيام فقال: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} بعد أن أخبر بهذا الاصطفاء وهو إنزال القرآن على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر المبارك، لا سيما أن هذا الشهر شهر احتف أيضًا بأنواع أخرى من الخصائص الكونية، وهي أن الله تعالى هيأه للعباد ليقبلوا عليه فيه، ففتح فيه أبواب الجنة، وغلق فيه أبواب النار، وصفد فيه الشياطين، وذلك كله تهيئة لهذا الموسم الكريم حتى يقبل الناس فيه على رب العالمين، ولذلك في رواية الترمذي يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَيُنادِي مُنَادٍ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ»، فمنة من الله تعالى أن ندرك هذا الموسم، فينبغي للعبد أن يشكر الله تعالى على بلوغ مواسم الخير.

    ورمضان حجة لك أو عليك؛ إما أن تخرج فيه بربح وفوز وسبق، وإما أن يخرج الإنسان خاسرًا، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أنه قال: «رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ». كيف لا يغفر له وهو شهر الصيام؛ فمن صامه إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه؟! كيف لا يغفر له ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه؟! كيف لا يغفر له والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ» وهي ليلةٌ واحدةٌ من هذا الشهر «إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»؟! إنه خسار كبير أن تمر علينا الأيام والليالي ونحن في غفلة عن هذا الموسم الكبير والمضمار والميدان الذي يتسابق فيه الناس إلى الرحمات.

    فينبغي لنا أن نشحن النفوس بعظيم هذه الفرصة، وأن نملأها استشعارًا بما فيها من الخير حتى نستبق الخيرات؛ فالله تعالى يقول: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ}البقرة: 148 ، وإنما تُسْتبَقُ الخيرات عندما يشعر الإنسان بأنها فرصة تفوت وليس أمرًا إذا لم تدركه اليوم تدركه غدًا، فالعمر فرصة في حد ذاته، ومواسم الخير فرصة على وجه الخصوص، فإذا فاتت فاتك خير كثير، ولو لم يَفُتْكَ إلا السبقُ إلى الصالحات والدخولُ في زُمرة الذين قال فيهم الله جلَّ وعلا: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ}الواقعة: 10  لكان ذلك كافيًا في الحرمان والخسارة، فكيف ونحن في أول هذا الشهر؟!

    أدعو نفسي وجميع إخواني أن نبيت النوايا الصالحة والعزائم الراشدة على أن نستقبل هذا الشهر بالعلم النافع، والعمل الصالح، وتعلم ما نتعبد به الله تعالى، ونشتغل بهذا العلم ترجمةً بصوم إيمانًا واحتسابًا، وقيام إيمانًا واحتسابًا، بتلاوة للقرآن، والتنوع في أبواب الإحسان طلبًا للأجر والمثوبة من الله تعالى، ولنعلم أن عطاء الله جزيل وخيره كبير، وأن ما يكون من العبد إنما هي أشياء قليلة يقدمها فيجد منها خيرًا كبيرًا، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في بيان عظيم فضل الرب جل في علاه: «وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً». وذلك فضل الله، فينبغي أن نُرِيَ اللهَ من أنفسنا خيرًا، وأن نقبل بالعزائم الراشدة، والنوايا الصادقة، والأعمال الصالحة؛ فهي فرصة.

    أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يستعملني وإياكم في الصالحات، وأن يجعله شهر خير وبركة على الإسلام وأهله، وأن يعيننا فيه على الصيام والقيام إيمانًا واحتسابًا.

    التفاصيل
    0
    2317
  • صوم يوم عاشوراء وشيء من فضائله
  • الحمد لله رب العالمين، وأصلِّي وأسلِّم على المبعوث رحمةً للعالمين، نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

    فابتداءً فيما يتعلق بفضيلة صوم يوم عاشوراء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي لَأَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ»، وهذا فضل عظيم وأجر كبير على عمل يسير؛ فصوم ساعات يَحْصل به حطُّ أوزار سنة كاملة، وهو يوم في الشتاء وساعات قليلة مع قِلة العناء، فهذا فضل وخير ينبغي أن يبادر إليه المؤمن ويحتسب الأجر عند الله عز وجل.

    والفضيلة تحصل بصيام يوم عاشوراء منفردًا على الصحيح من قولَيْ العلماء، وقد قال بعض أهل العلم: إنه يصوم يومًا آخر على وجه الاستحباب، وبعضهم قال: إذا أفرده كُرِه، والصواب أن إفراد عاشوراء بالصوم ليس مكروهًا، بل هو السُّنة؛ لأنه هو اليوم المقصود بالصوم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وجد اليهود يصومون، وكان صلى الله عليه وسلم يصوم ذلك قبل بعثته، فإنه كان يومًا تعظمه قريش فتُكسى فيه الكعبة ويصومونه، وكان يصومه، ثم لما جاء المدينة ورأى اليهود يصومون فسألهم وقال: «مَا هَذَا؟». قالوا: هذا يوم نجَّى اللهُ فيه موسى بني إسرائيل من عدوِّه فرعون، فصامه موسى. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى». وفي بعض الروايات: «أَنَا أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ». فصامه وأمر بصومه صلى الله عليه وسلم.

    فلصومه من الفضيلة ما ينبغي للمؤمن أن يبادر إليه، وقد أدرك الصحابة رضي الله عنهم تأكيد النبي صلى الله  عليه وسلم وحثَّه على صيام هذا اليوم، فكانوا يصومونه ويصوِّمون صبيانهم كما جاء ذلك في صحيح البخاري من طريق خالد بن ذكوان، عن الرُّبَيِّع بنت معوِّذ أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل في الأنصار وأمَر بصيام عاشوراء، قالت: فكنا نصومه ونُصَوِّم صبياننا ونجعل لهم اللعبة من العِهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام دفعناها إليه حتى يأتي الإفطار. وهذا يدل على عنايتهم؛ لأنه لم يكن الصيام فقط مقتصرًا على الراشدين من كبار السن، بل حتى الصغار يُربَّون على الصيام.

    ولهذا أنا أدعو نفسي وإخواني وأخواتي وأولياء الأمور في البيوت ممن له ولاية أن يحثَّ الصغار ولو كانوا دون البلوغ، وقد جاء في بعض الروايات: ولو كانوا دون التمييز، فيما ذكره الحافظ ابن حجر أنهم كانوا يُصوِّمون الرُّضَّع، لكن هذا لم يثبت ثبوتًا يُصار إليه، لكن تصويم الصبيان القادرين على الصيام هو مما جاء في حديث الرُّبيِّعرضي الله عنها في صحيح البخاري.

    فينبغي أن نحثَّهم وأن نرغِّبهم لا على وجه الإيجاب والإلزام لأنه سُنة، لكن على وجه التشجيع والتنشيط على العمل الصالح، لا سِيَّما مع هذا التيسير في كونه يوافق وقتًا النهارُ فيه قصير والجو بارد.

    وأما ما يتعلق بالخلاف -وهنا أقف وقفةً مهمةً تستدعيها الحاجة- في عاشوراء: هل هو الاثنين أو الثلاثاء؟ هنا احتدم البحث والنقاش بين المختصين من أهل العلم وحتى الفلكيين والمتابعين: هل هو الاثنين أو الثلاثاء؟

    وبالتأكيد أنه في بلادنا (قطعتْ جهيزةُ قولَ كلِّ خطيب)، فصدر من المحكمة العليا بيان بأنه يوم الثلاثاء لعدم حصول ثبوت الرؤيا ليلة السبت، فكان أول أيام الشهر هو يوم الأحد، وبالتالي يوم عاشوراء هو يوم الثلاثاء غدًا إن شاء الله تعالى.

    وأقول: في مثل هذه المسائل التي تختلف فيها وجهات النظر ويختلف فيها الناس على أقوال، ينبغي ألَّا يُثَرِّب أحد على أحد قبل الحسم، وذلك أن الجميع يقصد أمرًا واحدًا وهو أن يصيب الحق، وإصابة الحق لا يلزم أن يتفق الناس كلهم في المسار وأن يصيبوا كلهم شيئًا أو عملًا واحدًا؛ ذلك أن الاجتهادات والآراء قد تختلف، فهُنا في مثل هذه الحالة من قال بأنه يوم الاثنين قبل صدور البيان من الجهة المختصة كان له وجه، ومن قال بأنه يوم الثلاثاء كان له وجه، ولكن بعدما -وأنا صدَّرتُ كلامي بأنه قد قطعت جهيزةُ قولَ كلِّ خطيب- صَدَر من المحكمة العليا البيان انتهى الأمر، وأصبح الأمر محسومًا ببيان الجهة ذات الاختصاص، لكن قبل ذلك بعضهم يشتد ويقول: لماذا؟! وتجد نوعًا من التجاذب والشحناء في كثير من المسائل، وهذا نموذج لطريقة تعاملنا مع مسائل الخلاف؛ ففي كثير من الأحيان عندما يقتنع أحدنا برأي من الآراء يفرض هذا الرأي على نفسه، وهذا طبيعي، وله الحق في ذلك، لكن أن ينقل الفرض إلى غيره وأن يُلزم الناس برأيه هذا يخالف المسار السليم والمسلك الصحيح الذي سار عليه العلماء؛ فإنه ليس لأحد في مسائل الاجتهاد أن يلزم غيره باجتهاده، بل المجتهد الذي يبحث ويتوصل إلى نتيجة ليس له أن يلزم الناس برأيه؛ فكيف بالمقلد الذي يأخذ بقول أحد المجتهدين أن يلزم الناس برأيه؟!

    اختلف الصحابة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعنِّف أحدًا من المختلفين فيما يتسع فيه الخلاف ويُقبَل، فنهى عن الخلاف وذمَّه كما جرى في بعض المواقف، لكنه أذِن فيه وأقره في بعض المواقف؛ كما جرى في قوله صلى الله عليه وسلم بعد غزوة الأحزاب وانصراف الأحزاب: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»، فاختلف الصحابة في فهمهم لهذه المقولة النبوية: هل مقصود النبي صلى الله عليه وسلم أن يبادروا إلى المسير ولا يتأخروا في الخروج إلى بني قريظة، أم المقصود ألَّا يُصلُّوا فعلًا إلا إذا وصلوا ولو غربت الشمس؟

    فاختلفوا على هذين القولين؛ فمنهم من صلى عندما أدركتْهم الصلاة وخشوا خروج الوقت، ومنهم من أخَّرها فلم يصلِّ حتى وصل بني قريظة، فعلم النبي صلى الله عليه وسلم باختلافهم، ولكن هل عنَّف أحدًا منهم؟ الجواب: لا، بل لم يُنقل أنه قال: إن الفئة التي فعلت كذا صواب أو الفئة التي فعلت كذا صواب، فالمنقول لم يأتِ فيه بيان، ففيه دليل على أنه في مثل هذه الأمور التي تحتملها الألفاظ وهي من مسائل الاجتهاد ومطارح الآراء والتي يسوغ فيها تعدد وجهات النظر، ينبغي ألَّا يشدَّد فيها على الناس، ولا يُحمل الناس على رأي واحد، بل تُترك المساحة واسعة للمختلفين كلٌّ يفعل بما يراه ما دام أننا نريد الحق، فلو اختلفنا في الوصول إليه فإنه ليس هناك مشكلة، فهؤلاء الذين اختلفوا في الصلاة زمن النبي صلى الله عليه وسلم كلهم أراد الحق، من صلى قبل أن يَصِل، ومن صلى بعد أن وصل، كلهم أراد الحق، لكنهم اختلفوا في طريقة الوصول إلى الحق، ما هو الحق الذي أرادوه؟ امتثال توجيه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ».

    فكذلك إذا اختلف المختلفون الآن في دخول الشهر فقالت طائفة: كذا، وقالت طائفة: كذا، ولم يأتِ حسم -وبعد الحسم انتهى الموضوع- فكلهم  يريد حقًّا، وكلهم يريدون إدراك فضيلة هذا اليوم صيامًا، فكونهم اختلفوا في تعيين هذا اليوم لا يؤثر ولا يفسد للود قضية.

    التفاصيل
    0
    1675
  • علاقة النصر بالصيام
  • الحمد لله رب العالمين، وأصلِّي وأسلِّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اتَّبع سُنته بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    فالصوم من العبادات التي ينتصر فيها الإنسان على نفسه وعلى شهواته وعلى مألوفاته، وبالتالي فهذا النصر المحدود، وهو الذي يكون في ساحة الإنسان نفسه في جواذبه إلى الخير وجواذبه إلى الشر، انتصاره الذي يحقِّقه في مجال سلوكه، وعمله، وطاعته لله عز وجل، وتخلُّصه من عوائق السمو والرقي والارتفاع، تنعكس على المجموع، وبالتالي يتحقق من هذا النصر الفردي نصر كلِّي، نصر جمعي، وذلك بنصر الأُمة في مواطن تحتاج فيها النصر؛ فالله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7]  ، وهذه الآية يكررها الخطباء ويرددها المذكِّرون بضرورة تحقيق نصر الله للفوز بوعده وأنه ينصر أولياءه، لكن قد يغفل كثيرون عن أن هذا النصر الذي ذكره الله عز وجل في قوله: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ} ليس نتاج فجأة، وإنما هو نتاج خطوات، ونتاج عمل يقوم فيه الفرد والجماعة لتحقيق نصر الله عز وجل، فكل من أطاع الله فقد نصر الله، وكل من التزم شرع الله فقد نصر الله، وكل من توقَّى السيئات فقد نصر الله، وكل من قال: (أستغفر الله وأتوب إليه) عند الخطأ والإساءة فقد نصر الله.

    إذَنْ نصر الله مفهوم أوسع من أن يكون فقط أن يحمل سلاحًا ويذهب إلى ساحات الوغى وملتقيات القتال، لا، نصر الله يكون للصغير والكبير، والذكر والأنثى، والحر والعبد، والفرد والجماعة؛ وذلك بتحقيق شرع الله عز وجل على المستوى الفردي، وعلى المستوى الجمعي، وعلى مستوى الأُمة، وعلى مستوى الجماعة، وبالتالي إذا حققنا نصر الله عز وجل فسنفوز بنصره.

    والصوم هو من أبرز العبادات التي يتحقق بها النصر، ولذلك وافق أن يكون هذا الشهر محلَّ انتصارات كبرى عبر تاريخ الإسلام؛ ففي حياة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أكبر انتصارين حققهما حوَّلا مجرى مسيرة الإسلام وقبول الناس لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، كانا في رمضان:

    النصر الأول في غزوة بدر الكبرى، وذلك في السنة الثانية من الهجرة؛ فإن الله عز وجل نصر رسوله على عدوه، والعجيب أن هذا النصر اقترن بفرضية الصوم؛ فالصوم فُرِض في السنة الثانية من الهجرة، فصام نبينا صلى الله عليه وسلم تسعة رمضانات، وكان ابتداؤه في السنة الثانية من الهجرة، وهذا نصر عظيم، وتحوَّل به مجرى معادلة المعركة بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش، هذا أول نصر.

    النصر الثاني: النصر الكبير الذي أشرقت به الدنيا بعد ظلمتها، حيث مَنَّ الله على رسوله بتطهير البيت الحرام (مكة) من الأصنام والأرجاس والأوثان، ففتح الله لنبيه صلى الله عليه وسلم مكة في شهر رمضان من العام الثامن، حيث جاء صلى الله عليه وسلم إليها في رمضان ففُتحت له، وكان يقول لأصحابه لما قربوا إلى مكة: «إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ». وكان ما كان من النصر.

    إذَن النصر هو نتاج تربية، والله عز وجل يختار من أوقاته ما يشاء، ولا يعني أن النصر لا يقع في غير هذا الزمان، لا، فالنصر يكون في كل وقت، لكن هذا الوقت -وهو وقت هذه العبادة الجليلة- اصطفاه الله بخصوصيات في حوادث كبرى تتعلق بفعل الناس وتتعلق بغير فعلهم، فإنزال القرآن في رمضان هذا من أعظم النصر الذي خُصَّ به هذا الشهر، فإن إنزال هذا النور على النبي صلى الله عليه وسلم كان في شهر رمضان في ليلة القدر: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2)} [القدر: 1، 2]  إلى آخر ما ذكر الله عز وجل، وليلة القدر هي في العشر الأخيرة من رمضان.

    إذَن كل هذه المعاني: أولًا: تخصيص رب العالمين، ثانيًا: الأعمال والشرائع التي شرعها الله تعالى في هذا الشهر، وأثر ذلك على النفس عندما تزكو وتسمو، وتقترب من الحق، وتعلو عن السفاسف؛ أنَّ كل ذلك يُنتج نصرًا، وليس هذا مقصورًا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، بل معارك كان لها حضور واسع في تاريخ الإسلام كانت في هذا الشهر المبارك وإلى يومنا المعاصر.

    نحن نقول: رمضان شهر النصر حتى ولو لم تقع معارك؛ لأنه شهر النصر على النفس، شهر النصر على الشهوة، شهر النصر على الملذات والانحرافات، شهر النصر من كل وجه.

    وأنا أقول: ينبغي أن نستثمر هذا النصر، وأن نحمد الله تعالى عليه، وأن نفرح به، وأن نبني عليه؛ لأنه خطوة في الطريق، فمن الخطأ أن يرجع الإنسان عن خطوة تقدَّم فيها إلى خير.

    أسأل الله عز وجل أن يتمم لأمتنا النصر بالتئام شملها واجتماع كلمتها وظهور رسالتها، والله ولي ذلك وهو القادر عليه، {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة: 257]  ، فنسأل الله أن ينير قلوبنا والمسلمين، وأن يرينا في أُمَّتنا ما تقر به أعيننا.

    التفاصيل
    0
    2434
  • خواطر حول شهر رمضان
  • الحمد لله رب العالمين، وأصلِّي وأسلِّم على البشير النذير والسراج المنير، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اتَّبع سُنته بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    فلا ريب أن المؤمن تتوق نفسه إلى مواطن البر، ومواقع الخير، وأزمنة المغفرة والرحمة، الله تعالى يقول: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} [آل عمران: 133]  ، ويقول جل وعلا: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [الحديد: 21]  ، ورمضان هو من الأشهر التي تتنوع فيها أسباب المغفرة، وتتلوَّن فيها أسباب العطايا والهبات والمنِّ من ربٍّ عظيمٍ كريمٍ يجزي بالعطاء على القليل الكثيرَ.

    وحقٌّ، هذا الشهر لا شك أن النفوس تتوق إليه؛ لأنه شهر فيه حطُّ الخطايا؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». هذا عمل النهار، «وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». وهذا عمل الليل، ثم يَكمُل الفضل ويزداد الجود فيقول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ» ليلة واحدة من هذا الشهر، «إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، فلا شك أن النفوس تتوق لمثل هذا الموسم المبارك الذي يجزل الله تعالى فيه العطاء، ولو لم يكن في الصيام إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيما يخبر عن الرب جل وعلا: «يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ: الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» لَكان ذلك كافيًا؛ فإنه ما من عمل ذكر الله تعالى فيه أجرًا كهذا الأجر، وهو أنه أضافه إليه سبحانه وبحمده.

    وإذا قيل لك: هذا للملِك. كان هذا مدعاةً لرفعة شأنه وعلو مكانته، فكيف والذي أضافه إليه هو ملك الملوك جل وعلا، سبحانه وبحمده، فلا شك أنه موسم كبير مبارك، ولو لم يكن فيه إلا هذه الفضائل لَكان كافيًا في أن تتلهف النفوس إلى لُقياه وإلى الاجتماع به، والله يعطي على القليلِ الكثيرَ، وبه نفهم السرَّ الذي جاء في قول المعلَّى بن الفضل: كان سلف الأُمَّة يدعون الله ستة أشهر حتى يبلِّغهم رمضان، ويدعون الله ستة أشهر حتى يتقبَّل منهم. إذَن هم في ارتباطٍ عامٍّ ودائمٍ بهذا الشهر في استقباله وفي تخليفه والذهاب عنه.

     

    التفاصيل
    0
    4077
فوائد
  • الصبر طريق التعلم

  • قال في المجموع شرح المهذب: وليس بعاقل من أمكنه درجة ورثة الأنبياء ثم فوتها, وقد قال الشافعي - رحمه الله - في رسالته: "حق على طلبة العلم:
    1.    بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من علمه
     2.    والصبر على كل عارض دون طلبه,
    3.    وإخلاص النية لله تعالى في إدراك علمه نصا واستنباطا,
    4.    والرغبة إلى الله تعالى في العون عليه ".
    وفي صحيح مسلم عن يحيى بن أبي كثير قال: "لا يستطاع العلم براحة الجسم". المجموع شرح المهذب (1/69).

    التفاصيل
    0
    3558
  • العقيقة عن الميت وتسميته

  • ولا يجوز تقديم العقيقة قبل السابع قال مالك في "المبسوط": إن مات الصبي قبل السابع فليس عليهم أن يذبحوا عنه فاقتضى ذلك أن وقت ثبوت حكمها هو الوقت المذكور من اليوم السابع فإن أدرك الصبي ذلك الوقت ثبت حكمها وإن مات قبل ذلك بطل حكمه والله أعلم وأحكم.



    "المنتقى" للباجي (3/102) مذهبنا أنه لا يعق عن اليتيم من ماله، وقال مالك: يعق عنه منه.



    ( فرع ) قد ذكرنا أن مذهب أصحابنا استحباب تسمية السقط، وبه قال ابن سيرين وقتادة والأوزاعي، وقال مالك: لا يسمى ما لم يستهل صارخا، والله أعلم. "المجموع شرح المهذب" (8/ 431) قال أصحابنا:" لو مات المولود قبل تسميته استحب تسميته".



    قال البغوي وغيره: "يستحب تسمية السقط لحديث ورد فيه".



    "المجموع شرح المهذب" (8/ 415) وظاهر كلامهم أن التسمية في الجملة مستحبة، وصرحوا به في السقط.



    "الفروع" (3/563) (سموا أسقاطكم ) جمع سقط بتثليث السين ولد سقط من بطن أمه قبل كماله فإنهم من أفراطكم جمع فرط بالتحريك هو الذي يتقدم القوم ليهيئ لهم ما يحتاجونه من منازل الآخرة ومقامات الأبرار ابن عساكر في التاريخ عن أبي هريرة .



    قال ابن القيم: "وأما خبر إن عائشة أسقطت من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سقطا فسماه عبد الله وكناها به، فلا يصح سموا السقط يثقل الله به ميزانكم فإنه يأتي يوم القيامة يقول أي رب أضاعوني فلم يسموني قيل وهذا ثم ظهور خلقه وإمكان نفخ الروح فيه لا ثم كونه علقة أو مضغة ميسرة في مشيخته عن أنس ورواه عنه الديلمي لكن وعثمان لسنده". "فيض القدير "(4/ 112)

    التفاصيل
    0
    2893
  • بأيهما يبدأ حفظ القرآن أم طلب العلم
  • فصل (في طلب العلم وما يبدأ به منه وما هو فريضة منه، وفضل أهله). قال الميموني: سألت أبا عبد الله أيهما أحب إليك أبدأ ابني بالقرآن أو بالحديث قال: لا بالقرآن قلت: أعلمه كله قال: إلا أن يعسر فتعلمه منه. ثم قال لي: إذا قرأ أولاً تعود القراءة ثم لزمها وعلى هذا أتباع الإمام أحمد إلى زمننا هذا. وسيأتي قريبا قول ابن المبارك إن العلم يقدم على نفل القرآن وهذا متعين إذا كان مكلفا لأنه فرض فيقدم على النفل وكلام أحمد والله أعلم إنما هو في الصغير كما هو ظاهر السياق والذي سأل ابن المبارك كان رجلا فلا تعارض، وأما الصغير فيقدم حفظ القرآن لما ذكره أحمد من المعنى. ولأنه عبادة يمكن إدراكها والفراغ منها في الصغر غالبا، والعلم عبادة العمر لا يفرغ منه فيجمع بينهما حسب الإمكان، وهذا واضح وقد يحتمل أن يكون العلم أولى لمسيس الحاجة إليه لصعوبته وقلة من يعتني به بخلاف القرآن ولهذا يقصر في العلم من يجب عليه طلبه ولا يقصر في حفظ القرآن حتى يشتغل بحفظه من يجب عليه الاشتغال في العلم كما هو معلوم في العرف والعادة. وقال ابن هانئ: لأحمد ما معنى لو كان القرآن في إهاب ما مسته النار قال: " هذا يرجى لمن القرآن في قلبه أن لا تمسه النار " في إهاب يعني في قلب رجل وقال: أيضا في جلد وقال إسماعيل الشالنجي عن أبي عبد الله قال: والذي يجب على الإنسان من تعليم القرآن والعلم ما لا بد له منه في صلاته وإقامة عينه، وأقل ما يجب على الرجل من تعلم القرآن فاتحة الكتاب وسورتان كذا وجدته، ولعله وسورة، وإلا فلا أدري ما وجهه؟ مع أنه إنما يجب حفظه ما بلغ أن يجزئه في صلاته وهو الفاتحة خاصة في الأشهر عن أحمد والمسألة معروفة في الفقه. وقد قال ابن حزم في الإجماع قبل السبق والرمي: اتفقوا أن حفظ شيء من القرآن واجب ولم يتفقوا على ما هية ذلك الشيء ولا كميته بما يمكن ضبط إجماع فيه إلا أنهم اتفقوا على أنه من حفظ أم القرآن ببسم الله الرحمن الرحيم وسورة أخرى معها فقد أدى فرض الحفظ، وأنه لا يلزمه أكثر من ذلك. واتفقوا على استحباب حفظ جميعه وأن ضبط جميعه واجب على الكفاية لا متعين. وروى الخلال عنه أنه سئل عن رجل حفظ القرآن وهو يكتب الحديث يختلف إلى مسجد يقرأ ويقرئ ويفوته الحديث أن يطلبه فإن طلب الحديث فاته المسجد وإن قصد المسجد فاته الحديث فما تأمره قال: بذا وبذا فأعدت عليه القول مرارا كل ذلك يجيبني جوابا واحدا بذا وبذا. وسأل رجل ابن المبارك يا أبا عبد الرحمن في أي شيء أجعل فضل يومي في تعلم القرآن أو في تعلم العلم؟ فقال هل تحسن من القرآن ما تقوم به صلاتك: قال نعم قال: عليك بالعلم. وقال أحمد في رواية أحمد بن الحسين وقيل له طلب العلم فريضة قال نعم لأمر دينك وما تحتاج إليه من أن ينبغي أن تعلمه وقال في رواية أبي الحارث: يجب عليه أن يطلب من العلم ما يقوم به دينه ولا يفرط في ذلك قلت: فكل العلم يقوم به دينه قال: الفرض الذي يجب عليه في نفسه لا بد له من طلبه)). الآداب الشرعية (2/33-34).

    التفاصيل
    0
    6194
  • رد البدع والفتن
  • ((وليس رد البدع وإبطالها من باب إثارة الفتن فإن الله سبحانه أمر العلماء بذلك وأمرهم ببيان ما علموه ومن امتثل أمر الله ونصر دين الله لا يجوز أن يلعنه رسول الله)). طبقات الشافعية الكبرى (8/233).

    التفاصيل
    0
    2118
  • قراءة الجنب والحائض للقرآن
  • وأما قراءة الجنب والحائض للقرآن فللعلماء فيه ثلاثة أقوال: قيل يجوز لهذا ولهذا وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور من مذهب الشافعي وأحمد. وقيل لا يجوز للجنب ويجوز للحائض إما مطلقا أو إذا خافت النسيان وهو مذهب مالك وقول في مذهب أحمد وغيره. فإن قراءة الحائض القرآن لم يثبت عن النبي فيه شيء غير الحديث المروي عن إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر: ((لا تقرأ الحائض ولا الجنب من القرآن شيئا)) رواه أبو داود وغيره وهو حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث. وإسماعيل بن عياش ما يرويه عن الحجازيين أحاديث ضعيفة بخلاف روايته عن الشاميين ولم يرو هذا عن نافع أحد من الثقات. ومعلوم أن النساء كن يحضن على عهد رسول الله ولم يكن ينههن عن قراءة القرآن كما لم يكن ينههن عن الذكر والدعاء، بل أمر الحيض أن يخرجن يوم العيد فيكبرون بتكبير المسلمين وأمر الحائض أن تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت تلبي وهي حائض وكذلك بمزدلفة ومنى وغير ذلك من المشاعر. وأما الجنب فلم يأمره أن يشهد العيد لا يصلي ولا أن يقضي شيئا من المناسك لأن الجنب يمكنه أن يتطهر فلا عذر له في ترك الطهارة بخلاف الحائض فإن حدثها قائم لا يمكنها مع ذلك التطهر ولهذا ذكر العلماء ليس للجنب أن يقف بعرفة ومزدلفة ومنى حتى يطهر وإن كانت الطهارة ليست شرطا في ذلك. لكن المقصود أن الشارع أمر الحائض أمر إيجاب أو استحباب بذكر الله ودعائه مع كراهة ذلك للجنب فعلم أن الحائض يرخص لها فيما لا يرخص للجنب فيه لأجل العذر وإن كانت عدتها أغلظ. فكذلك قراءة القرآن لم ينهها الشارع عن ذلك وإن قيل إنه نهى الجنب لأن الجنب يمكنه أن يتطهر ويقرأ بخلاف الحائض تبقى حائضا أياما فيفوتها قراءة القرآن تفويت عبادة تحتاج إليها مع عجزها عن الطهارة وليست القراءة كالصلاة فإن الصلاة يشترط لها الطهارة مع الحدث الأكبر والأصغر والقراءة تجوز مع الحدث الأصغر بالنص واتفاق الأئمة والصلاة يجب فيها استقبال القبلة واللباس واجتناب النجاسة والقراءة لا يجب فيها شيء من ذلك بل كان النبي يضع رأسه في حجر عائشة رضي الله عنها وهي حائض وهو حديث صحيح وفي صحيح مسلم أيضا يقول الله عز وجل للنبي إني منزل عليك كتابا لا يغسله الماء تقرأه نائما ويقظان فتجوز القراءة قائما وقاعدا وماشيا ومضطجعا وراكبا. مجموع الفتاوى 21/460.

    التفاصيل
    0
    4572
  • كتاب أبي حازم الأعرج للزهري

  • وعن الذيال بن عباد قال كتب أبو حازم الأعرج إلى الزهري: عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك بها أن يرحمك أصبحت شيخا كبيرا وقد أثقلتك نعم الله عليك فيما أصح من بدنك وأطال من عمرك وعلمت حجج الله تعالى مما علمك من كتابه وفقهك فيه من دينه وفهمك من سنة نبيه فرمى بك في كل نعمة أنعمها عليك وكل حجة يحتج بها عليك الغرض الأقصى ابتلى في ذلك شكرك وابدى فيه فضله عليك وقد قال عز وجل ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد﴾ فانظر أي رجل تكون إذا وقفت بين يدي الله عز وجل فسألك عن نعمه عليك كيف رعيتها وعن حججه عليك كيف قضيتها فلا تحسبن الله عز وجل راضيا منك بالتعذير ولا قابلا منك التقصير هيهات ليس ذاك أخذ على العلماء في كتابه إذ قال ﴿لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾ إنك تقول إنك جدل ماهر عالم قد جادلت الناس فجدلتهم وخاصمتهم فخصمتهم إدلالاً منك بفهمك واقتدارا منك برأيك فأين تذهب عن قول الله عز وجل ﴿ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة﴾. اعلم أن أدنى ما ارتكبت وأعظم ما احتقبت أن آنست الظالم وسهلت له طريق الغيّ بدنوك حين أدنيت وإجابتك حين دعيت فما أخلقك أن ينوه غدا باسمك مع الجرمة وأن تسأل عما أردت بإغضائك عن ظلم الظلمة إنك أخذت ما ليس لمن أعطاك جعلوك قطبا تدور عليه رحى باطلهم وجسرا يعبرون بك إلى بلائهم وسلما إلى ضلالتهم يدخلون بك الشك على العلماء ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم فلم يبلغ أخص وزرائهم ولا أقوى أعوانهم لهم إلا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم واختلاف الخاصة والعامة إليهم فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خربوا عليك وما أقل ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك فانظر لنفسك فإنه لا ينظر لها غيرك وحاسبها حساب رجل مسئول وانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيرا وكبيرا وانظر كيف إعظامك أمر من جعلك بدينه في الناس مبجلا وكيف صيانتك لكسوة من جعلك بكسوته مستترا وكيف قربك وبعدك ممن أمرك أن تكون منه قريبا مالك لا تتنبه من نعستك وتستقيل من عثرتك فتقول والله ما قمت لله عز وجل مقاما واحدا أحيى له فيه دينا ولا أميت له فيه باطلا أين شكرك لمن استحملك كتابه واستودعك علمه ما يؤمنك أن تكون من الذين قال الله عز وجل ﴿فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى﴾ الآية إنك لست في دار مقام قد أوذنت بالرحيل فما بقاء المرء بعد أقرانه طوبى لمن كان في الدنيا على وجل ما يؤمن من أن يموت وتبقى ذنوبه من بعده إنك لم تؤمر بالنظر لوارثك على نفسك ليس أحد أهلا أن ترد له على ظهرك ذهبت اللذة وبقيت التبعة ما أشقى من سعد بكسبه غيره احذر فقد أتيت وتخلص فقد وهلت إنك تعامل من لا يجهل والذي يحفظ عليك لا يغفل تجهز فقد دنا منك سفر بعيد وداو دينك فقد دخله سقم شديد ولا تحسبن أني أردت توبيخك وتعييرك وتعنيفك ولكني أردت أن تنعش ما فات من رأيك وترد عليك ما عزب عنك من حلمك وذكرت قوله تعالى وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين أغفلت ذكر من مضى من أسنانك وأقرانك وبقيت بعدهم كقرن أعضب فانظر هل ابتلوا بمثل ما ابتليت به أو دخلوا في مثل ما دخلت فيه وهل تراه دخر لك خيرا منعوه أو علمك شيئا جهلوه فإذا كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا في كبر سنك ورسوخ علمك وحضور أجلك فمن يلوم الحدث في سنه الجاهل في علمه المأفون في رأيه المدخول في عقله ونحمد الذي عافانا مما ابتلاك به والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. وعن محمد بن إسحاق الموصلي قال قال أبو حازم إن بضاعة الآخرة كاسدة فاستكثروا منها في أوان كسادها فإنه لو جاء يوم نفاقها لم تصل منها إلى قليل ولا إلى كثير.

    التفاصيل
    0
    1623
دروس
  • الدرس الأول من الأصول الثلاثة
  • بسم الله الرحمن الرحيم

    وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    ففي هذا الدرس سنقرأ إن شاء الله رسالةً من مؤلفات الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وهذه الرسالة رسالة عظيمة، كثيرة الفوائد، ألفها رحمه الله لبيان ما يحتاج إليه كل مسلمٍ ومسلمة، وسمى هذه الرسالة ( ثلاثة الأصول ) وهي معروفة بهذا الاسم، أو باسم ( الأصول الثلاثة ) بين فيها ما يجب معرفته فيما يتعلق بالله عز وجل، ومما يتعلق بالنبي r، ومما يتعلق بدين الإسلام، وأكثر من ذكر الأدلة في ثنايا هذه الرسالة المباركة، ليتبين بذلك أن ما يدعو إليه منبثق من الكتاب والسنة معتمدا عليهما، ولاسيما أن الشيخ رحمه الله واجه في دعوته خصوماً ألداء، شنوا عليه وعابوا ما جاء به من دعوة المرسلين، وألصقوا به تهماً عديدة، ولكن الحق أبلج والباطل لجلج، فمهما كانت هذه الدعاوى فإنها تتساقط وتتلاشى أمام الحجج والبراهين، وليست المسألة بدعاوى فارغة عن مضمونها لا تستند إلاّ لهوى صاحبها أو انحرافه، فكل من ناوأ هذه الدعوة لم يأتِ بشيء يستند إليه ويعتمد عليه فيما ذهب إليه، المهم أن هذه الرسالة رسالة لطيفة موجزة، يحتاج إلى العلم بها كل مسلم، وقد رأينا أن نقرأها في هذه الليالي لعل الله عز وجل أن ييسر ختمها للإخوة الحاضرين هذه الدروس الصيفية، ويرجعوا بمتنٍ من متون العلم، ورسالة من الرسائل المتعلقة بما هو أهم ما هو مطلوب من المؤمن، وهو إفراد الله بالعبادة، فنبدأ بسم الله الرحمن الرحيم. . .

    قال المؤلف رحمه الله تعالى :

    اعلم رحمك أن لله أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل:

    الأولى: العلم وهو معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة، الثانية: العمل به، الثالثة: الدعوة إليه، الرابعة: الصبر على الأذى فيه، والدليل قوله تعالى:] وَالْعَصْرِ `إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ `إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[([1]). قال الشافعي رحمه الله تعالى ((لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم)). وقال البخاري رحمه الله تعالى: ( باب العلم قبل القول والعمل )، والدليل قوله تعالى:]فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ[([2])فبدأ بالعلم قبل القول والعمل.

     

    بسم الله الرحمن الرحيم افتتح المؤلف رحمه الله هذه الرسالة المباركة بالبسملة كسائر رسائل أهل العلم ومؤلفاتهم، وذلك تأسياً بكتاب الله عز وجل، واتباعاً لسنة النبي r، وجرياً على ما سلكه سلف هذه الأمة من التيمن بالبداءة بذكر الله جل وعلا واسمه سبحانه وتعالى، والبسملة والكلام عليها معروف متكرر، وجعل بين يدي رسالته ومقصوده من بيان الأصول التي يجب تعلمها مقدمتين: المقدمة الأولى بين فيها ما يجب على كل أحد تعلّمه، وهذه مقدمةٌ تمهيدية، يحثّ فيها مطالعَ هذه الرسالة على لزوم الصراط الذي يكفل له النجاة، فهي تمهيد وتوطئة لما يريد بيانه، في هذه الرسالة، فقال رحمه الله: (اعلم رحمك الله)وهذا من لطفه وحسن تأليفه ورفقه بمن يعلم، فدعا للمتعلّم والمستمع بالرحمة، وهذا منهج مهم وطريق لابد من التنبه إليه، وهي أن يكون المعلِّم والداعية إلى دين الله عز وجل شفيقاً رحيماً، وأن يشعر من يدعوه أنه يريد به الخير والهدى، ويريد أن يخرجه من الظلمات إلى النور، فإن هذا الأسلوب من أسباب قبول الدعوة، ومن أسباب قبول العلم، ولذلك قال الله جل وعلا في رسوله:  ] وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ[([3]).وينبغي أن يكون الداعية إلى دين الله عز وجل رؤوفاً رحيماً، كما قال الله جل وعلا في حق نبيّه e:]لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ[([4])هذا وصفه الذي وصفه الله به، ولذلك أسر القلوب rوانقادت له الأفئدة قبل الأبدان.

     

    قال رحمه الله: ( اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل ) فهذه مسائل من العلم العيني الذي يجب على كل أحدٍ، لأن العلم ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: علم عيني يجب على كل أحدٍ تعلمه، والقسم الثاني: علم كفائي يجب على من تقوم بهم الكفاية تعلمه، وضابط العلم العيني هو ما لا يقوم دين المرء إلا به، سواء في العقائد، أو في الأعمال، أو في الأقوال، فما لا يستقيم دينك إلا به يجب عليك أن تتعلمه مما يتعلق بعلوم الاعتقاد أو مما يتعلق بالعمل أو مما يتعلق بالقول.

    يقول رحمه الله في بيان هذه المسائل الأربع: ( الأولى العلم )ثم بين ما هو العلم الذي يجب تعلمه على كل أحد فقال: ( وهو معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة )

    معرفة الله واجبة على كل أحد، وهي أمر جبلت عليه القلوب، وفطرت عليه الأفئدة، فالناس مفطورون مجبولون على التعبد لله عز وجل، ولا يمكن أن يعبدوه إلاّ إذا عرفوه، فبكمال المعرفة يحصل كمال العبودية، فكلما ازداد العبد علماً بالله عز وجل ومعرفةً به سبحانه وتعالى ازداد عبوديةً له سبحانه وتعالى، والعلم بالله والمعرفة به أصل العلوم والمعارف، لأن العلم به يتحقق مقصود الوجود، والمقصود من الخلق، كما قال الله جل وعلا: ] وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ[ ([5])وسيأتي تفصيل ذلك فيما يأتي إن شاء الله تعالى في كلام الشيخ.

     الثاني معرفة نبيه، والمقصود بالنبي هنا: هو نبينا محمد r، وذلك أن معرفة النبي rبها يعرف الشرع، لأنه الرسول الذي أرسله الله عز وجل للناس بشيراً ونذيراً، فيجب معرفة النبي r، ومعرفته تكون من خلال سنته، ومن خلال الدلائل الدالة على صدقه وعلى صحة ما جاء به.

    الثالث من المعارف كما قاله المؤلف رحمه الله تعالى: ( معرفة دين الإسلام بالأدلة )والمقصود بدين الإسلام أي: العمل الذي جاء به الإسلام من أحكامه وشرائعه العينية، وذلك في الأصول التي يجب على كل أحدٍ أن يقرّ بها حتى يكون مؤمناً، وهي ما تضمنه حديث ابن عمر: (( بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله، وهذان تقدما، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً))([6]).هذه أصول الأعمال في دين الإسلام، فيجب معرفتها بالأدلة، ومعرفة هذه الأعمال تختلف درجتها باختلاف حال الناس، فالصلاة يجب معرفتها على كل واحدٍ من أهل الإسلام، وأما الحج فإنه لا يجب معرفته تفصيلاً إلاّ على من أراد أن يحج لمن استطاع، لأنه واجب على المستطيع فقط، فالمعرفة لدين الإسلام تتفاوت وتختلف باختلاف أحوال الناس.

     المسألة الثانية: ( العمل به )والضمير في قوله: ( به )عائد إلى العلم، وذلك أن العلم إنما يراد للعمل، فمن كان علمه عوناً له على العمل فقد حقق المقصود من العلم وطلبه، ومن كان مقصوده من العلم جمع المعلومات وتكثيرها لا للعمل به فيخشى أن يكون داخلاً في قول الله تعالى: ] ألهاكم التكاثر[([7])لأنه حجة على صاحبه كما قال النبي r: (( القرآن حجة لك أو عليك ))([8])وإنما يكون حجة عليك إما بالإعراض عنه وعدم رفع الرأس به، وإما بالإقبال عليه دون العمل بما تضمنه من الأحكام والتوجيهات، فهو حجة على من قرأه وحفظه ثم هجره في عمله وقوله واعتقاده.

    الثالثة من المسائل التي يجب تعلمها على كل أحدٍ: ( الدعوة إليه )والضمير يعود إلى المتقدم من العلم والعمل، وذلك أن النبي rأرسله الله بالهدى ودين الحق، والهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح، وإليهما دعا رسول الله r، فدعا إلى العلوم النافعة، ودعا إلى الأعمال الصالحة التي هي ثمرة العلم، فالدعوة إليه تعود إلى الأمرين المتقدمين.

     المسألة الرابعة: ( الصبر على الأذى فيه )يعني في العلم والعمل والدعوة إليه، فالضمير يعود إلى جميع ما تقدم، فالإنسان بحاجةٍ إلى أن يصبر حتى يتعلم، وبحاجةٍ إلى أن يصبر ليعمل، وبحاجةٍ إلى أن يصبر ليدعو، والصبر في الأصل هو حبس النفس عن محبوباتها ومنعها من ذلك، والصبر أيها الإخوة شأنه عظيم، ولذلك أكثر الله جل وعلا من الأمر به والثناء على أهله في كتابه، فما من خلةٍ حميدةٍ ولا خصلةٍ فاضلةٍ ولا خلقٍ كريم ٍولا سجايا صالحةٍ ولا أعمال برٍّ وحسناتٍ إلاّ ومنشؤها الصبر، ولذلك كان الصبر أفضل ما يوفق إليه العبد، قال النبي r: (( وما أعطي أحد عطاء خيراً ولا أوسع من الصبر ))([9]).ومعلوم أن العلماء قسموا الصبر إلى ثلاثة أقسام:

    الأول: الصبر على طاعة الله.

    والثاني: الصبر عن معصية الله.

    والثالث: الصبر على أقدار الله.

    وأفضلها وأشرفها وأكبرها منزلةً: هو الصبر على طاعة الله، والفضل لها جميعاً ثابت، وكلاًّ وعد الله الحسنى، فينبغي للمؤمن أن يحرص على تحقيق الصبر في جميع هذه الأمور.

     بعد أن فرغ المؤلف رحمه الله من ذكر هذه المسائل الأربع التي يجب تعلمها على كل أحدٍ قال: والدليل قوله تعالى:] وَالْعَصْرِ`إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ `إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[ ([10]).

    وهذا هو الدليل على وجوب تعلّم هذه المسائل، وهذه السورة هي سورة العصر، افتتحها الله جل وعلا بالقسم بالزمان الذي هو محل الأعمال، فقوله: ] وَالْعَصْرِ [ الواو للقسم، والعصر هو المقسم به، والله جل وعلا يقسم بما شاء من مخلوقاته، فهو سبحانه وتعالى يقسم بنفسه، ويقسم بصفاته، ويقسم بأفعاله، ويقسم بما شاء من مخلوقاته، ومن ذلك القسم هنا، حيث أقسم سبحانه وتعالى بالعصر وهو الزمان، لبيان شرفه وعظم مكانته، ثم أتى بجواب القسم بقوله: ] إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [ والإنسان هنا المراد به: جنس الإنسان، فيشمل كل من اتصف بهذا الوصف، وقوله:]لَفِي خُسْرٍ[ الخسر ضد الربح، أي لفي خسارٍ كخسار التجار في أرباحهم، وقال: ] لَفِي خُسْرٍ[ولم يقل خاسر ليبين إحاطة الخسر به من كل مكان، فإن ( في ) تفيد الظرفية، فالخسر محيط بالإنسان من كل جوانبه، وفي القسم على هذا الأمر وفي تأكيده ب ( إنَّ ) التي تفيد التوكيد في قوله: ] إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [ دلالة واضحة على عظم الأمر، وأن الله أراد من هذا القول: شحذ الهمم للانفكاك من أسباب الخسار، والأخذ بأسباب النجاة، فإن الله سبحانه وتعالى بعد أن أقسم على هذا الأمر وهو خسار جنس الإنسان بين السبيل والطريق الذي يتخلص به الإنسان من هذا الخسار، والخسار على درجات، فالخسار المطلق هو خسار من خسر الدنيا والآخرة نعوذ بالله من ذلك، ودونه دركات كبيرة وكثيرة من الخسار، لكن طريق النجاة موصوف وصفاً واضحاً بيناً في هذه السـورة الكريمة، في الاستثناء الذي ذكره الله عز وجل في قوله: ] إلا الَّذِينَ آمَنُوا [ آمنوا بأيِّ شيء ؟لم يبين في الآية ما الذي يجب الإيمان به، ليعم جميع ما يجب الإيمان به، فيكون المعنى: إلا الذين آمنوا بكل ما يجب الإيمان به مما يتعلق بالله عز وجل، ومما يتعلق بملائكته، وما يتعلق بكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وهل يمكن أن يتحقق الإيمان بلا علم ؟ لا يمكن أن يكون إيمان بلا علم، فالإيمان فرع العلم وثمرته، ولذلك قال المؤلف رحمه الله في المسائل التي تجب : الأولى العلم، ودليل العلم قوله تعالى: ] إلا الَّذِينَ آمَنُوا [ والدلالة على هذا باللاّزم إذا أتى الاستثناء، كالاستدلال باستثناء الذين آمنوا على وجوب العلم، فهذه دلالة باللاّزم، لأنه لا يمكن أن يحصل إيمانٌ إلاّ بعلم، فمن لوازم الإيمان أن يكون صاحبه عالماً، وقوله: ]وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ[ هذا الوصف الثاني من الأوصاف التي علق عليها النجاة من الخسار، وهذا يشمل كل عمل صالح ظاهرٍ أو باطن، واجبٍ أو مستحب، من حقوق الله أو من حقوق عباده، كل هذا يدخل في قوله: ]وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ[ وانظر كيف أخّر العمل عن العلم، لأنه لا يمكن العمل الصالح إلاّ بعد الإيمان الذي لا يحصل إلاّ بالعلم النافع، ثم بعد أن ذكر هذين الوصفين ذكر وصفاً ثالثاً وهو دليل المسألة الثالثة التي يجب علينا تعلمها، وهي الدعوة إليه، قال: ]وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ [ بالحق تواصوا أي: أوصى بعضهم بعضاً بالحق، والتواصي بالحق من صور وأنواع العمل الصالح، وإنما نص عليه وذكره لأهميته وأثره في حصول النجاة، ولئلاّ يظن الظان أنه باستكثاره من الأعمال الصالحة في نفسه يحصل له النجاة، وإن أهمل من يجب عليه نصحهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ولذلك جاء النص على التواصي بالحق مع أنه من الأعمال الصالحة.

    والتواصي بالحق يشمل أن يوصي الإنسان نفسه بالحق، ويأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر، وكذلك يشمل أن يكون ذلك مع غيره ممن يعايشهم، سواء كانت له ولاية عليهم أم لم تكن له ولاية عليهم، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من حق أهل الإيمان بعضهم على بعض.

    والوصف الرابع الذي تحصل به النجاة قوله: ]وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[  أي: أوصى بعضهم بعضاً بالصبر، يعني أنواع الصبر كلها، والتي هي الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله، والصبر على أقدار الله تعالى، وهذا الأمر في هذه الآية ]وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[ داخل في الذي قبله، فإن التواصي بالصبر من التواصي بالحق، وخصه بالذكر لأهميته وعظم أثره في تحقيق النجاة والسلامة من الخسار، وإن كان داخلاً مندرجاً فيما تقدم من العمل الصالح والتواصي بالحق، وبقدر ما يتصف الإنسان بما ذكر من الأوصاف في هذه السورة يحصل له بقدر ذلك من النجاة، والناس في هذا بين مستقل ومستكثر، وإذا علم العبد المؤمن ذلك حرص أن يستكثر من هذه الصفات وأن يزداد منها، لأن بها يحصل له الفوز والسلامة من الخسارة المذكورة في قوله: ] إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ[ وهذه الآية واضحة الدلالة على ما تقدم من وجوب تعلم هذه المسائل، ووجه ذلك: أنها نجاة للنفس من الخسارة، وقد بين الله سبحانه وتعالى طريق ذلك، وهو ما تضمنه الاستثناء في قوله: ] إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[ فدل ذلك على وجوب الصبر، وعلى وجوب تعلّم هذه المسائل الأربع التي يتحقق فيها للمرء السلامة في الدنيا والآخرة، قال الشافعي رحمه الله: " لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم"، وهذا لا يعني أن ما زاد على هذه السورة لا حاجة إليه، بل أراد الشافعي أن هذه السورة كافية شافية في بيان طريق النجاة، وإلا فأهل الإسلام بحاجةٍ إلى كل حرف نزل في كتاب الله عز وجل، ليس لهم عنه غنية ولا بهم عنه كفاية، بل هم محتاجون إلى كل حرفٍ في كتاب الله عز وجل، ولذلك كان من أعظم ما أصيبت به الأمة بوفاة النبي rهو انقطاع الوحي عن نبي الأمة، فمراد الشافعي رحمه الله: لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلاّ هذه السورة لكفتهم، يعني في بيان طرق النجاة والسلامة من الخسار الذي اتصف به الإنسان.

    ثم قال رحمه الله: وقال البخاري رحمه الله: " باب العلم قبل القول والعمل "

    فلابد من العلم قبل العمل، وأيّ عملٍ لا يبنى على علم فهو لا يزيد صاحبه من الله إلاّ بعداً، لأنه إحداث وابتداع وضلال.

    ثمّ قال: والدليل - على وجوب تقديم العلم على العمل -قوله تعالى:] فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [ ([11]).سئل سفيان بن عيينة رحمه الله عن فضل العلم فقال: " ألم ترَ كيف بدأ الله بالعلم ؟ " يعني في قوله: ] فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إلا اللَّهُ[ فيكفي ذلك في بيان فضل العلم: أن الله بدأ به قبل العمل، فالواجب على المؤمن أن يحفل بالعلم، وأن يجتهد فيه، ويبذل فيه مهجته ووقته وعمره، وأن لا يبخل عليه بشيء، لأن العلم تزكو به الأخلاق، وتصلح به الأعمال، ويرفع الله به ذكر العبد في الدنيا والآخرة، كما جاء في الحديث عن النبي rأنه قال: (( إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين))([12]).

    والمراد: أنه يرفع به من أقبل عليه وأخذ به حفظاً وعلماً وعملاً وتعلماً وتدبراً وغير ذلك مما يكون في كتاب الله عز وجل،

    قال: ( فبدأ بالعلم قبل القول والعمل. . . )وبهذا يكون الترتيب الذي ذكر المؤلف رحمه الله ترتيباً دل عليه الكتاب وقول السلف، لأن قوله: وقال البخاري. . . ، هذا في موضع الاستدلال على ترتيب هذه المسائل، أما أصل هذه المسائل فقد دل عليها الدليل من سورة العصر، وأما الترتيب فإنه جاء من قوله تعالى: ] فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إلا اللَّهُ[ وقول البخاري رحمه الله تعالى.

     

    اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم ثلاث هذه المسائل والعمل بهن: الأولى: أن الله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملاً بل أرسل إلينا رسولاً فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار، والدليل قوله تعالى:] إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً `فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً[([13]). الثانية: أن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته لا ملك مقرب ولا نبي مرسل والدليل قوله تعالى: ]وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً [([14]).

    الثالثة: أن من أطاع الرسول ووحد الله لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب، والدليل قوله تعالى:  ]لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [([15]).

    هذه هي المقدمة الثانية التي قدم بها الشيخ رحمه الله ذكر الأصول الثلاثة، وهو ذكْره رحمه الله لمسائل يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها، وهو أيضاً بيان لأولى المراتب، في قوله: ( الأولى العلم )يعني من أول ما يجب تعلمه على الإنسان هي هذه المراتب الثلاث التي ذكرها رحمه الله، حيث قال: ( اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم هذه المسائل الثلاث والعمل بهن. . . )

    ليس مجرد العلم هو المطلوب فقط، بل العلم والعمل معاً، لأن العمل هو المقصود.

    قال رحمه الله: (الأولى أن الله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملاً، بل أرسل إلينا رسولاً، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار). ثم ذكر الدليل على ذلك، أما أن الله خلقنا فلا يرتاب في ذلك مؤمن، بل هذا مما فطر الله عليه الناس، وهو من مستلزمات ومن أفراد توحيد الربوبية، فالواجب الإقرار بأن الله هو الخالق، ولا يوجد أحد يعارض في هذا، فإن الجميع مقرون بأن الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء، وكذلك الرزق، هذا مما يجب الإقرار به في توحيد الربوبية، فإن توحيد الربوبية: هو إفراد الله جل وعلا بالخلق والرزق والملك والتدبير، ودليل ذلك قوله تعالى: ] قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ [([16])هذه الآية هي الدليل على أن توحيد الربوبية لا يثبت ولا يقر إلاّ بالإقرار: بأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق، الرازق، المدبر، وهذا مما فطر الخلق عليه، وبدأ الشيخ رحمه الله به تمهيداً لما بعده، وإلاّ فلا معارضة ولا خلاف بين الناس في الإقرار بأن الله سبحانه وتعالى هو خالقهم ورازقهم ومالكم ومدبرهم.

    ثم قال: ( ولم يتركنا هملاً ) - ثم بين وجه ذلك - فقال: ( بل أرسل إلينا رسلاً )

    فإرسال الرسل دليل على عناية الله جل وعلا بخلقه، وأنه سبحانه وتعالى لم يتركهم هملاً لا يقصدونه بشيءٍ من العبادة، ولا يُطلب منهم شيء.

    ثم بين ما الواجب فيمن أرسلهم الله عز وجل فقال: ( فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار )والطاعة هنا المراد بها: الطاعة بالجملة، أي: في أصل ما جاء به، وأما في أفراد ما جاؤوا به فمن أطاعهم دخل الجنة واستحقها، ومن عصاهم استحق النار، لكن قد يدخلها وقد لا يدخلها، أما في أصل ما جاؤوا به من التوحيد فإنه من أطاعهم فيه دخل الجنة، ومن عصاهم فيه دخل النار كما دلت على ذلك الأدلة.

    قال: والدليل على هذا قوله تعالى: ] إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً [ ([17])وهذا دليل على أن الله لم يتركنا هملاً، بل أرسل إلينا رسولاً، فقال:  ] إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً[ والخطاب هنا لمشركي مكة الذين بعث فيهم النبي rوكذبوه وعاندوه، فخاطبهم الله بهذا الخطاب قائلاً: ] إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً[ فهذا أمر ليس بجديد ولا محدث، ولستم ببدعٍ ممن سبق، بل جرت على هذا سنة الله أن يبعث إلى الناس من يدعوهم ويبصرهم بما يجب عليهم، وإنما نظَّر بفرعون لمشابهة مشركي مكة، كفر فرعون، فإن فرعون كان كفره من جهتين: من جهة عبادة غير الله، ومن جهة الإباء والاستكبار، وكذلك الذين بُعث فيهم النبي rمن مشركي مكة، فإنهم كانوا يعبدون غير الله، وكانوا يأنفون ويستكبرون عن اتباع النبي r، حتى قال قائلهم: ] وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [([18])وذلك احتقاراً للنبي r، إذ لم يكن من أعلى أشرافهم فيما زعموا، ثمّ قال تعالى: ] فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً [([19])أي أخذاً شديداً ثقيلاً، وهذا فيه التهديد لهم، وأنهم لن يتركوا هملاً، ولو كانوا متروكين هملاً لما أرسل إليهم رسولاً، ولما هددهم بهذا التهديد، وهو تهديد لكل من خالف الرسل فيما جاؤوا به.

    قال رحمه الله تعالى: ( الثانية )يعني من المسائل التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها (أن الله لا يرضى أن يشرك معه في عبادته أحد، لا ملك مقرب، ولا نبيّ مرسل، ودليل ذلك قوله تعالى:] وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً [ ([20])ووجه الدلالة على أن الله لا يرضى بالشرك كائناً من كان المشرك به: أن الله جل وعلا قال: ]وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ[ هذا من جهة، ومن جهة أخرى تأكيداً لهذا التوحيد قال: ]فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً[ فإثبات المساجد وهي محال العبادة لله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له، و تعقيب ذلك بالنهي عن دعاء غيره دليل على أن الله سبحانه وتعالى لا يرضى أن يشرك معه غيره.

    ويدل لذلك أيضاً قوله:]وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ [([21]). ودليل ذلك من السنة: أن النبي rقال: (( قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه ))([22]). وهذا دليل على أن سبحانه وتعالى لا يرضى أن يشرك معه أحد، لا ملك مقرب، ولا نبيّ مرسل، فضلاً عن أن يشرك معه الأشجار والأحجار والأصنام، فإذا كان لا يرضى أن يشرك به ملك وهو من أشرف الخلق من الخلق الغيبي الذي نعلمه، ولا نبيٌّ مرسل، وهم أشرف جنسنا من بني آدم فكيف بالإشراك معه غيره ممن هو دونه، لا شك أن الله سبحانه وتعالى لا يرضاه بل يبغضه، وقد قال الله جل وعلا في بيان عقوبة من وقع منه الشرك: ] إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ[([23])وهذا فيه التهديد البليغ البين على هذا العمل، وفيه بيان عظم الشرك، وأنه أمر خطير كبير لا يرضاه الله، وإلاّ لما توعد عليه بهذا الوعيد الشديد العظيم من تحريم الجنة والإخبار بدخول النار.

     ثم قال رحمه الله في بيان المسألة الثالثة: ( أن من أطاع الرسول ووحد الله فلا يجوز له موالاة من حادّ الله ورسوله، ولو كان أقرب قريب ).

    وهذا من أصول الإيمان، فإن أوثق عرا الإيمان: الحب في الله والبغض في الله، وذلك أنه إذا وقر الإيمان في قلب العبد أحب ما يحبه الله، وأبغض ما يبغضه الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى يحب التوحيد وأهله، ويبغض الشرك والكفر وأهله، فمن أحب أهل الشرك ووادّهم وتقرّب منهم فإنه قد حادّ الله سبحانه وتعالى، لقوله تعالى: ] وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [([24]). والموالاة مأخوذة في الأصل من: ولي الشيء إذا قرب منه، والقرب يكون في الأصل بالقلب، ثم يتبعه قرب القول والعمل، والمنهي عنه هنا هو قرب القلب في المودة والمحبة، وقرب القول والعمل،]إلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً[([25])وإلا من استثناهم الله عز وجل في قوله:  ]لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ[([26])لأن هذا من جملة الإحسان الذي كتبه الله على كل شيء، فليس هذا من الموادّة، فالبر والقسط مع الكفار ليس من الموادّة والموالاة التي حرمت، وهذه مسألة مهمة يجب التنبه لها لأن المنهي عنه هو موالاة القلب لا البر والإحسان فيمن استثناه الله عز وجل في هذه الآية. ثم قال المؤلف رحمه الله في الاستدلال على هذه المسألة: ( والدليل قوله تعالى – أي الدليل على أنه لا يجوز موالاة من حادّ الله ورسوله ولو كان أقرب قريبٍ -قوله تعالى: ] لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[([27]).

    قوله: ] لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [ وافتتاح الآية بهذا النفي فيه التشويق إلى معرفة ما تضمنه قوله: ] لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ والمحادّة هي: الممانعة والمضادة لله جل وعلا ولرسوله، ]وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ[  أي ولو كان أولئك المحادون آباءهم، أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم، وهؤلاء متفاوتون في الصلة، إلا أنهم من أقرب من يتصل بهم، وبدأ بمراتبهم الأقرب فالأقرب، أولئك المشار إليه هم الذين لا يوادّون هؤلاء إذا كانوا محادّين لله ورسوله، ] أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ[  أي ثبت ورسخ في قلوبهم الإيمان،] وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [ أي قواهم وأمدهم ]بِرُوحٍ مِنْهُ [أي بوحيٍ منه سبحانه وتعالى به تثبت قلوبهم، و بعونه الذي يستطيعون به مواجهة هؤلاء.

    فقوله: ] بِرُوحٍ مِنْهُ [ يشمل المدد بالوحي من الكتاب والسنة، ويشمل أيضاً العون والتأييد والتقوية والنصر، وقوله: ] وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا [ هذا جزاؤهم، لأنهم قدموا محاب الله على ما تقتضيه طبائعهم،]رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُأُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ[ فأضافهم إليه تشريفاً وتكريماً وإجلالاً لفعلهم، وكل ما يضيفه الله سبحانه وتعالى لنفسه مما ليس من صفاته إنما المقصود به التشريف والتكريم، وقد يضاف الشيء إضافة خلقٍ، ولكن هذا قليل ] أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[ والفلاح أجمع كلمةٍ للخير في لسان العرب، وهي حصول المطلوب والأمن من المرهوب، فيحصل لهؤلاء مطلوبهم ويأمنون مما يهابونه ويرهبونه ويخافونه في الدنيا والآخرة.

    الأصل الأول: معرفة الإنسان لربه، اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم أن تعبد الله مخلصاً له الدين وبذلك أمر الله جميع الناس وخلقهم لها كما قال تعالى: ]وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ [([28]) ومعنى يعبدون يوحدون، وأعظم ما أمر الله به التوحيد: وهو إفراد الله بالعبادة، وأعظم ما نهى عنه الشرك: وهو دعوة غيره معه، والدليل قوله تعالى: ]وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً[([29]).

    هذا التمهيد أيضاً للأصول الثلاثة هو بيان لدين الإسلام في الجملة، فإن دين الإسلام هو ملة إبراهيم،

    فقال رحمه الله: (اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم)الحنيفية التي كلٌ يتمنى الانتساب إليها وكلٌ يسعى إلى الاتصاف بها: هي ملة إبراهيم، وهي التي من رغب عنها فقد سفه نفسه، كما قال الله جل وعلا: ] وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [([30])أي خسرها وأهملها، والدليل على أن ملة إبراهيم هي الحنيفية قوله تعالى: ] قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ[([31])وقوله تعالى: ] إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ[([32])فملة إبراهيم هي الحنيفية التي جاء بها النبي rمجدداً لها وداعياً إليها.

     والحنيفية في الأصل مأخوذة من: حنف، وهو الميل من الضلال إلى الاستقامة، ويقابلها الجنف، وهو الميل من الاستقامة إلى الضلال.

    ثم قال في بيان ملة إبراهيم: ( أن تعبد الله وحده مخلصاً له الدين )والدليل قوله تعالى:      ]وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ[ لا قولاً ولا عقداً ولا عملاً ولا حالاً ولا مآلاً، فإنه ليس منهم في شيء، ولذلك قال في بيان ملة إبراهيم: ( أن تعبد الله وحده ) وأكد ذلك بقوله: ( مخلصاً له الدين )أي مخلصاً له العمل من كل شائبة شرك تجعل فيه لغير الله نصيباً، فقوله: ( مخلصاً له الدين )أي: العمل، والعمل عمل القلب والجوارح، وليس الجوارح فقط.

    قال: وبذلك أمر الله جميع الناس وخلقهم لها، كما قال تعالى: ] وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ [ ([33])وهذا دليل على الغاية من الخلق، وبدأ في الاستدلال بالغاية لأن كون الله جل وعلا أخبر الخلق بأنه إنما خلقهم ليعبدوه يدل على أنه يجب عليهم أن يعبدوه وحده لا شريك له، وإلاّ لما حققوا ما من أجله خلقوا، فهو دال على الأمرين: على أن هذا هو الغاية من الخلق، وعلى أن الله أمرهم بعبادته وحده سبحانه وتعالى، وأما كون ذلك أمراً لجميع الناس فلأن هذا هو الغاية من خلق جميع الناس، قال تعالى: ] وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ [ أي إلاّ من أجل عبادته وحده، واللام هنا لام التعليل وليست لام العاقبة والصيرورة، لأنه من المعلوم أن أكثر الخلق ليسوا على هذا الأمر، ولم يحققوا هذه الغاية، قال تعالى: ] وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [([34])وقال تعالى: ] إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ [([35])وقال تعالى:]وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ[([36])كل هذه الأدلة تدل على أن اللاّم هنا لام التعليل الغائية، وليست لام التعليل الفاعلة، أي التي هي للعاقبة والصيرورة، وانظر كيف جاء الخبر عن هذه الغاية بأسلوب النفي والاستثناء الذي يفيد الحصر، وأنه لم يخلقهم لشيء آخر، وإنما خلقهم لهذه الغاية.

     ثم قال رحمه الله: ( ومعنى يعبدون يوحدون )وذلك من تفسير ابن عباس رضي الله عنه، فإنه فسر قوله تعالى: ] ليعبدون [ بيوحدون، ولاشك أن أول ما يدخل وأولى ما يدخل هو التوحيد، لأنه هو غاية الوجود، وهو أصل العبادة الذي لا تصح إلاّ به، كما قال سبحانه وتعالى: ] فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً[([37]). فالشرك مفسد للعمل، مذهب للغاية من الخلق، مبطل لما قصده الله جل وعلا من خلق الجن والإنس.

    قال رحمه الله تعالى: ( وأعظم ما أمر الله به التوحيد )ويدل على ذلك أن الله سبحانه وتعالى افتتح أول سورةٍ في كتابه بإثبات الإلهية بقوله: ] الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [ فذكر هذا الاسم في أول ذكرٍ له في كتابه جل وعلا في أم الكتاب دليل على أنه هو المقصود، وكذلك مما يدل على أن أعظم ما أمر الله به  هو التوحيد: أنه أول أمر في كتاب الله عز وجل، فإن أول الأوامر في كتاب الله عز وجل هو قوله تعالى: ] يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون [([38])والعبادة لا يمكن أن تثبت ولا يمكن أن يتصف بها الإنسان إلاّ إذا حقق التوحيد.

     ودلائل كون أعظم ما جاءت به الرسل هو التوحيد كثيرة، وليس هذا مقام التفصيل فيها.

    قال رحمه الله تعالى: ( وهو إفراد الله بالعبادة )هذا بيان للتوحيد، وهو بيان لأشرف أنواعه وأعلاه، وهو توحيد الإلهية الذي وقعت فيه الخصومة بين الرسل وأقوامهم، ولهذا فسر التوحيد بهذا ولم يفسره بتوحيد الربوبية ولا بتوحيد الأسماء والصفات، ففسره بتوحيد الإلهية، لأنه أعظم أنواع التوحيد، ولأن من حققه فقد حقق توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، فتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات طريق وسبيل لتحقيق توحيد الإلهية، ولذلك استدل الله جل وعلا في كتابه على وجوب إفراده بالعبادة بأسمائه وصفاته، وبأنه سبحانه وتعالى الخالق المالك الرازق المدبر.

     وقوله رحمه الله: (وهو إفراد الله بالعبادة )العبادة هنا تشمل كل ما أمر الله به ورسوله من الأقوال والأعمال والاعتقادات الظاهرة والباطنة، أو نقول: من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فكل عبادة لا يجوز صرفها لغير الله، فكما أنه لا يجوز أن تصلي لغير الله فكذلك لا يجوز أن تذبح لغير الله، لأن الذبح عبادة، ولا يجوز أن تعتمد في جلب رزقك على غير الله، ولا أن تتوكل على غيره، بل يجب إفراده سبحانه وتعالى بأعمال القلوب والجوارح.

    وقوله رحمه الله: ( وأعظم ما نهى عنه الشرك )ثم بين ما هو الشرك فقال: ( وهو دعوة غيره معه ) وعبر بالدعوة ليشمل نوعي الدعاء، دعاء المسألة، ودعاء العبادة، فمن قال: يا رسول الله أغثني، أويا علي أنقذني، أويا فلان ارزقني، فهذا يكون قد أشرك في دعاء المسألة، فسأل وطلب غير الله عز وجل، ومن ذبح لغير الله فإنه يكون قد أشرك بدعائه غير الله، ولكن الدعاء هنا دعاء عبادة، وذلك أن كل من صام وصلى وحج وتصدق وذبح لله سبحانه وتعالى لا يريد بهذه الأفعال إلاّ الجنة، فهو في حقيقته داعٍ وسائل، يسأل الله عز وجل أن يقبل منه العمل، وأن يجعله من الناجين بهذه الأعمال، فكل عمل هو من دعاء العبادة، فقول المؤلف رحمه الله: ( وهو دعوة غيره )يشمل صرف كل نوع من أنواع العبادة لغير الله سبحانه وتعالى، من الأعمال الظاهرة والباطنة.

    ثم قال رحمه الله: والدليل قوله تعالى: ] وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [([39])اعبدوا الله، هذا فيه أمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والعبادة هنا تشمل كل ما أمر الله به ورسوله rمن الأقوال الظاهرة والباطنة، الواجبة والمستحبة، وقوله: ]وَلا تُشْرِكُوا بِهِ[ يتضمن النهي عن كل صرفٍ لعبادة لغير الله عز وجل كائناً من كان من صرفت له العبادة، ويشمل النهي عن الشرك الأصغر والأكبر، فيشمل النهي عن الحلف بغير الله، كما يشمل النهي عن السجود لغير الله، وكذلك يشمل النهي عن النذر لغير الله، والذبح لغير الله، وسؤال المقبورين ودعائهم، كل هذا داخل في قوله:]وَلا تُشْرِكُوا بِهِ[ وهذا أمر واضح جلي، ولكن الإشكال كل الإشكال في من يقرأ هذه الآيات الواضحات في كتاب الله عز وجل ثم يجيز سؤال المقبورين، والتوجه إليهم بقضاء الحوائج والذبح لهم والنذر لهم، وغير ذلك من العبادات التي تصرف لغير الله في كثير من البلاد، نسأل الله عز وجل أن يعيذنا وإياكم من الشرك دقيقه وجليله. . .


    ([1]) العصر: 1-3.

    0
    2744
  • الدرس الثاني من الأصول الثلاثة
  • بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    قال المؤلف رحمه الله تعالى :

    فإذا قيل لك: ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها ؟ فقل: معرفة العبد ربه ودينه ونبيه محمداً r.

    فإذا قيل لك: من ربك ؟ فقل: ربي الله الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمه، وهو معبودي ليس لي معبود سواه، والدليل قوله تعالى: ]الحمد لله رب العالمين [وكل من سوى الله عالم وأنا واحد من ذلك العالم. فإذا قيل لك: بم عرفت ربك ؟. . . فقل: بآياته ومخلوقاته، ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، ومن مخلوقاته السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهما، والدليل قوله تعالى: ]ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون [ ([1])وقوله تعالى: ]إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ[([2])والرب هو المعبود. والدليل قوله تعالى: ] يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ `الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ[([3])قال ابن كثير – رحمه الله تعالى -: (( الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة )).

    بسم الله الرحمن الرحيم وأصلي وأسلم على نبينا محمد المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    فبعد أن فرغ الشيخ رحمه الله من المقدمات التي سمعناها في الدرس السابق أتى إلى مقصود هذه الرسالة وما أراده منها، وهو: بيان الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان تعلمها، ولا نجاة له في الدنيا ولا في الآخرة إلا بمعرفتها وإتقانها، فبقدر ما يحصل للإنسان من هذه الأصول علماً وعملاً يحصل له مقابل ذلك من النجاة في الدنيا والآخرة.

    قال رحمه الله: فإذا قيل لك: ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها؟

    فقل: معرفة العبد ربه، ودينه، ونبيه محمداً r، فثلاث معارف هي الأصول التي سيدور عليها الكلام في بقية هذه الرسالة، الأصل الأول: معرفة العبد ربه والأصل الثاني: معرفة العبد دينه والثالث: معرفة العبد نبيه محمداً r، وإذا أردتَ أن تعرف الدليل على أهمية هذه الأصول، وأنها من الأصول التي تحصل بها النجاة للعبد إذا آمن بها وصدق وعمل بمقتضاها فاعلم: أن فتنة القبر مدارها ومحورها على هذه الأسئلة الثلاثة: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فالفتنة التي هي في أول منازل الآخرة فتنة القبر، وسؤال القبر عن هذه الأصول الثلاثة، ولذلك اهتمّ الشيخ - رحمه الله - بهذه الأصول وأفردها بالتأليف، ليحصل للعبد النجاة في الدنيا والآخرة والأمن مما يخافه في مستقبل حياته الدنيوية، قال - رحمه الله - بعد أن بين الأصول الثلاثة، وبدأ بها واحداً واحداً: (فإذا قيل لك: من ربك؟ فقل: ربي الله الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمه)ودليل هذا: الآيات الكثيرة في كتاب الله عز وجل التي تثبت ربوبية الله سبحانه وتعالى لجميع الخلق، فهو الرب سبحانه وتعالى، ومعنى قوله: رباني وربى جميع العالمين بنعمهأي: أصلحني وأمدني وهيأ لي، فالرب يطلق في لسان العرب على المالك، وعلى السيد، وعلى من يقوم بالأمر، وعلى المصلح، كل هذه المعاني من معاني الرب، فربوبية الله سبحانه وتعالى لجميع الخلق هي: قيامه سبحانه وتعالى بشؤونهم، وتدبيره لأمر خلقه، فهو القائم على كل نفسٍ بما كسبت، لا غنى لأحد عن فضله، بل كل مخلوق فهو تام الفقر إلى الله سبحانه وتعالى فقراً ذاتيّاً لازماً، لا يستطيع الانفكاك عنه، ولا الخلاص منه.

    وقوله: جميع العالمينلبيان أن ربوبيته سبحانه وتعالى لا تختص بصنفٍ من الخلق، بل جميع الخلق مربوبٌ لله سبحانه وتعالى علويه وسفليه، كل ذلك مربوبٌ له سبحانه وتعالى، لا يخرج عن رزقه ولا عن ملكه ولا عن تدبيره وتصريفه، ولا عن خلقه سبحانه وتعالى، قال: وهو معبودي، فبعد أن أثبت الربوبية العامة لكل مخلوق ولكل ماسوى الله سبحانه وتعالى ولجميع العالم أثبت حق هذه الربوبية، وهو عبادته سبحانه وتعالى، فقال: وهو معبودي، يعني: وهو الذي أتقرّب إليه بالعبادة، وسيأتي بيان العبادة التي هي حقه سبحانه وتعالى، قال: ليس لي معبود سواه، وهذا تأكيد على ما دلت عليه الجملة السابقة من إفراده سبحانه وتعالى بالعبادة، فقوله: وهو معبودي، يفيد الحصر لأن الجملة المعرّفَةَ الطرفين من أساليب الحصر في لغة العرب، فهو تعالى المعبود المستحق للعبادة، وأكد ذلك بقوله: ليس لي معبود سواه، والدليل على ما تقدم من أنه سبحانه وتعالى هو الرب الذي ربى جميع العالمين وهو المعبود الذي لا يستحق العبادة سواه- قول الله سبحانه وتعالى: ] الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[ ([4]).

    فقوله: ] لِلَّهِ [ فيه الإثبات بأنه المعبود وحده لا شريك له، ففيه إثبات الإلهية له دون غيره، وقوله: ] رَبِّ الْعَالَمِينَ [ فيه إثبات ربوبيته سبحانه وتعالى، وإضافة الربوبية للعالمين هنا هي الربوبية العامة التي يندرج تحتها كل أحد.

     ثم قال رحمه الله: وكل من سوى الله عالم، وهذا يفيد دخوله في قوله تعالى: ] رَبِّ الْعَالَمِينَ[ فهو مربوب له سبحانه وتعالى، فإذا قيل لك: ما المراد بالجمع هنا ؟ فقل: المراد به الأفراد، والأجناس، والأنواع على اختلافها وتنوعها، فكل هذه الأصناف على اختلافها مما سوى الله سبحانه وتعالى فهي داخلة في العبودية له، وهي عبودية القهر التي لا يخرج عنها أحد، كما قال الله جل وعلا: ] إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً[([5])فهذه العبودية هي عبودية القهر الشاملة لكل مخلوق.

     ثم قال: وأنا واحد من ذلك العالم، واعلم أن العالم في قوله تعالى: ] الْعَالَمِينَ [ يشمل العوالم المكلفة والعوالم غير المكلفة، والمكلفة هي التي وجه إليها الخطاب بالطلب، وغير المكلفة هي التي لم نعلم أنه وجه إليها طلب، وإنما عبادتها عبادة ذاتية، أي تسبيح فطري لا تكليفي بأمر ونهي، والعوالم المكلفة فيما نعلم هم بنو آدم، والجن، والملائكة، فهؤلاء وجه إليهم الخطاب من رب العالمين، وطولبوا بأفعال ونهوا عن أشياء.

    ثم قال: فإذا قيل لك: بمَ عرفت ربك، فقل: بآياته ومخلوقاته، هذا فيه الاستدلال على ربوبية الله سبحانه وتعالى، واعلم أن الله سبحانه وتعالى قد أقام الأدلة الدالة على ربوبيته سبحانه وتعالى، وأنه رب العالمين، أقامها بأنواعٍ مختلفة وصور متعددة في السماوات والأرض والأنفس، فالآيات الدالة على ربوبية الله جل وعلا لا حصر لها.

    وفي كل شيءٍ له آية                   تدل على أنه واحد

    فآيات الله سبحانه وتعالى الدالة على ربوبيته واستحقاقه للعبادة دون غيره كثيرة لا حصر لها، وإنما ذكر المؤلف رحمه الله بعض الآيات فقال: بآياته ومخلوقاته، والآيات هنا الظاهر أن المراد بها الآيات الخلقية الكونية، واعلم أن الآيات نوعان: آيات كونية خلقية وآيات شرعية أمرية، فالآيات الشرعية هي ما تضمنته الشريعة من آيات الكتاب المبين، وما جاء في التوراة والإنجيل في الأمم السابقة، أما هذه الأمة فالآيات الشرعية: هي ما في كتاب الله عز وجل، والآيات الكونية هي العلامات الدالة على الخالق سبحانه وتعالى. وهي متنوعة كثيرة، وقوله: ومخلوقاته، هل هذا من عطف الشيء على نفسه أم من عطف المتغايرات؟ ،  والظاهر أنه من عطف الشيء على نفسه لا من عطف المتغايرات ، لأن المخلوقات آيات، فكل مخلوق من مخلوقات الله عز وجل يدل على عظمة من خلقه سبحانه وتعالى، فهذا عطف تنويع.

    قال: ومن آياته، ( من ) هنا للتبعيض، وذكر المؤلف رحمه الله الآيات الظاهرة البينة التي يدركها كل أحد، والتي توجب لفت الأنظار إليها في كتاب الله وفي سنة رسوله r. فقال: ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، ومن مخلوقاته السماوات السبع، والأرضون السبع، ومن فيهن وما بينهما، كل هذه آيات دالةٌ على أن الرب هو الله جل وعلا، وأنه الرب لكل شيءٍ سبحانه وتعالى.

    ثمّ ذكر الدليل على الآيات فقال: والدليل قوله تعالى: ] وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ[([6])فهذه الشمس الدوارة وهذا القمر السيّار وهذا الليل والنهار المتعاقبان كلها أدلة على ربوبية الله عز وجل لخلقه، ]لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ[ فنهى عن صرف العبادة لغيره، لأن السجود عبادة، والعبادة لا يجوز صرفها لغيره من المخلوقات، ولو كانت من المخلوقات العظيمة الباهرة، ولذلك قال: ]وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ[ فأمر بالسجود لله الذي خلق هذه الآيات العظيمة وحده، فهو المستحق للسجود والعبادة، وذِكْرُ السجود هنا لا لحصره فيه، بل يشمل جميع ما يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى فليس المنهي عنه السجود فقط، ولا المأمور به في حق الله السجود فقط، بل المنهي عنه صرف كل نوع من أنواع العبادة من السجود وغيره، قال: ]إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ[ أي: توحدون، فإن كنتم قد قمتم بحقه في توحيده وعبادته فإن من لازم ذلك أن تفردوه بالسجود له سبحانه وتعالى دون غيره، والمقصود من سياق هذه الآية بيان أن الشمس والقمر والليل والنهار من آيات الله سبحانه وتعالى الدالة على عِظَمِ الرب، وأنه سبحانه وتعالى رب كل شيء.

    وقوله: ]إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ[([7])فذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية خلقه للسماوات والأرض، وهما من المخلوقات العظيمة التي تكرر ذكرها في كتاب الله عز وجل، وذكر الاستواء على العرش، والاستواء على العرش صفة من صفاته التي يثبتها أهل السنة والجماعة، وينكرها المكذبون للرسل، المخالفون لهم الممثلون المشبهون المقصرون في حق الله سبحانه وتعالى، فإن تعطيلهم صفة الاستواء فرع عن تمثيلهم الاستواء الثابت لله عز وجل بالاستواء المعلوم من المخلوق.

     والعجيب: أن الاستواء مع تكرر ذكره في كتاب الله عز وجل إلا أن الفرق الضالة مطبقةٌ على إنكاره، إما إنكاراً كلياً كالجهمية، وإما إنكاراً بالتأويل الباطل، حتى إنه جاء عن جهم ابن صفوان أنه قال: وددت أن أحك من المصحف ] الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [ لضيق صدره بما تضمنته هذه الآيات من إثبات صفة الاستواء لله جل وعلا، وإنما ذكر الله عز وجل استواءه لبيان عظيم فعله سبحانه وتعالى، وعظيم ما يتصف به، قال تعالى: ] يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ [ أي: يزيل الليل بالنهار والنهار بالليل، وهذه الإزالة لا تحتاج إلى وقت، ولذلك قال: ] يَطْلُبُهُ حَثِيثاً [ أي: هذا الغشيان زوال الليل بالنهار وزوال النهار بالليل أمر يحصل بسرعة، ولذلك لا نجد توقفاً في الليل أو النهار، بل هما متعاقبان، يكور الله الليل على النهار والنهار على الليل، وهذا دال على عظيم صنع الله عز وجل وقدرته سبحانه وتعالى, قال سبحانه: ]وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ[ مسخرات أي: مذلّلاتٍ بأمره وتدبيره سبحانه وتعالى، فسير القمر وسير النجوم وسير الشمس دليل على عظمة المدبر لهذه الأجرام العظيمة، حيث إنه لا يختل سيرها ولا يتأخر ] لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [([8])وهذا يدل دلالة واضحة على عظم إتقان الله عز وجل لخلقه، ولذلك الآن وقبل الآن يستطيع أصحاب الحساب أن يخبروا بخسوف القمر وكسوف الشمس بالدقيقة والثانية، ومراحل الخسوف ودرجاته ومتى ينجلي، وتجد أن الأمر مطابق مطابقة تامة، وهذا يدلك على العظيم المدبر المسير المسخر لهذه الكواكب، حيث لا يتأخر سيرها ولا ثانية واحدة، فهذه آيات عظيمة تدل على عظمة من خلقها ودبرها وملكها، ثم بعد أن ذكر هذه الآيات العظيمة قال: ]أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [ ألا له أي: لله جل وعلا، الخلق المراد به كل أمر قدري كوني، فجميع الحوادث الكونية القدرية ترجع إلى قوله: ] الْخَلْقُ [ وجميع أوامره الشرعية ترجع إلى قوله: ] وَالأَمْرُ [ فأوامره الخلقية غير أوامره الشرعية، فأمره سبحانه وتعالى لنا بالصلاة أمر شرعي، وأمره سبحانه وتعالى الشمس في سيرها بأن تغرب عن هذا البلد وتشرق على البلد الآخر أمر كوني.

    والفرق بينهما: أن أمره الخلقي لا يمكن أن يتخلف، وأما أمره الشرعي الديني فقد لا يتحقق، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى فيما يتعلق بأوامره الشرعية: ] وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ[([9])هذا هو الفرق بين الأمر والخلق.

    ثمّ قال تعالى: ] تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [ تبارك: يفسرها كثير من أهل التفسير بقولهم: تعالى وهو من معانيها، لكن تبارك أشمل من ذلك، فالمراد تبارك أي: كثر خيره وبركته، ومن خيره وبركته سبحانه وتعالى اتصافه بصفات الكمال وتنـزهه جل وعلا عن صفات النقص.

    ] تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [ أي: المسخر المدبر لهذه الآيات العظيمة الخالق لها.

    ثم قال رحمه الله: ( والرب هو المعبود ) بعد أن ذكر الآيات الدالة على ربوبية الله عز وجل انتقل ليبين وجوب إفراده سبحانه وتعالى بالعبادة، وأن الرب هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فقال: والدليل على ذلك قوله تعالى: ] يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ`الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [([10]قال ابن كثير رحمه الله تعالى: الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة.

    وهذا وجه ذكر هذه الأشياء بعد الأمر بالعبادة، فكأنه يقول: إن المستحق للعبادة هو الموصوف بهذه الصفات، وهو المدبر الخالق المالك وهذا استدلال بتوحيد الربوبية على وجوب إفراد الله بالعبادة وهو توحيد الإلهية، واعلم: أن هذا أول أمر في كتاب الله عز وجل فأول الأوامر في كتاب الله تعالى أمر الله تعالى عباده بإفراده بالعبادة في قوله: ] يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [([11])أي: لتحصل لكم التقوى، والتقوى هنا من عذاب الله وسخطه، ولأن العبادة هي سبب زيادة التقوى وقرارها في قلب العبد، ولذلك لم يذكر ما يتقى ليشمل الجميع، فقوله: ]تَتَّقُونَ[لم يذكر المعمول معمول التقوى هنا، وفائدة هذا: هو التعميم.

     

     


    ([1]) فصلت: 37.

    ([2]) الأعراف: 54.

    ([3]) البقرة: 21-22.

    ([4]) الفاتحة: 1.

    ([5]) مريم: 93.

    ([6]) فصلت: 37.

    ([7]) الأعراف: 54.

    ([8]) يّـس: 40.

    ([9]) سـبأ: 13.

    ([10])البقرة: 21-22.

    ([11]) البقرة: 21.

    التفاصيل
    0
    1826
  • الدرس الثالث من الأصول الثلاثة
  • بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    قال المؤلف رحمه الله تعالى :

    وأنواع العبادة التي أمر الله بها مثل الإسلام والإيمان والإحسان ومنه الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والخشوع والخشية والإنابة والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والذبح والنذر وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها كلها لله تعالى، والدليل قوله تعالى: ] وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً [ ([1])، فمن صرف منها شيئاً لغير الله فهو مشرك كافر، والدليل قوله تعالى: ] وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [ ([2]). وفي الحديث: ( الدعاء مخ العبادة ) والدليل قوله تعالى: ] وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [ ([3])، ودليل الخوف قوله تعالى: ] إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [([4])، ودليل الرجاء قوله تعالى: ] فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [([5])، ودليل التوكل قوله تعالى: ] وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [([6])، وقال: ] وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [([7])، ودليل الرغبة والرهبة والخشوع قوله تعالى: ] إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ[([8])، ودليل الخشية قوله تعالى: ] فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي[([9])، ودليل الإنابة قوله تعالى: ] وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ [([10])، ودليل الاستعانة قوله تعالى: ]إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[([11])، وفي الحديث: ( إذا استعنت فاستعن بالله )([12])، ودليل الاستعاذة قوله تعالى: ] قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [([13])، وقوله تعالى: ] قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ[([14])، ودليل الاستغاثة قوله تعالى: ] إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ [([15])، ودليل الذبح قوله تعالى: ] قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [([16])، ومن السنة: ( لعن الله من ذبح لغير الله )([17])،ودليل النذر قوله تعالى: ] يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً[ ([18]).

    هذا بداية تفصيل لما يجب إفراد الله سبحانه وتعالى به من العبادات، قال المؤلف رحمه الله: مثل الإسلام والإيمان والإحسانوفهمنا من هذا أن المؤلف رحمه الله لن يستوعب ذكر العبادات، إنما مقصوده التمثيل لأهمها، وبدأ رحمه الله في ذكر العبادات بذكر أصولها، فأصول العبادات الإسلام والإيمان والإحسان، فكل العبادات ترجع إلى هذه الأنواع الثلاثة، الإسلام ترجع إليه عبادات الجوارح الظاهرة، والإيمان يرجع إليه عبادات القلب، والإحسان هو منتهى العبادة القلبية، فهذه الأمثلة الثلاثة هي مراتب الدين، ولذلك لما جاء جبريل وسأل عنها في حديث عمر tفي الحديث الطويل المشهور قال رسول الله r: (( هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم ))فوصف ما تضمنه الحديث بأنه الدين أو أمر الدين، المهم أن هذه المراتب الثلاث هي مراتب الدين وهي أصوله، ثم بعد ذلك فرّع المؤلف رحمه الله أمثلةً فقال: ومنه الدعاء، واعلم: أن الدعاء في كتاب الله عز وجل يطلق ويراد به دعاء العبادة، ويطلق ويراد به دعاء المسألة، فحيث ما ذكر الله الدعاء فيصلح أن يكون دعاء العبادة ويصلح أن يكون دعاء المسألة، إلا في مواضع ينصرف عن دعاء المسألة في قوله تعالى: ]ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً[ ([19])فهنا المراد بالدعاء دعاء المسألة فالدعاء والدعوة في كتاب الله عز وجل يراد بها دعاء العبادة ودعاء المسألة وأظن أن التفريق بينهما واضح: دعاء العبادة هو كل عبادة يتقرب بها الإنسان لله عز وجل ودعاء المسألة هو ما ينزله العبد بربه من الحوائج.

    قال رحمه الله: والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والخشوع والخشية والإنابة والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والذبح والنذر،

    هذه الأمثلة منها ما هو عبادات قلبية وهو الأكثر والغالب ومنها ما هو عبادات فعلية.

     ومنها ما هو عبادات قولية. فمثل رحمه الله لجميع العبادات: العبادات القولية، العبادات الفعلية، العبادات القلبية.

    قال رحمه الله: وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها كلها لله تعالى.

    المؤلف رحمه الله ذكر أمثلة للعبادة،  والضابط الذي ينتظم جميع العبادات : هو " أن العبادة     اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة " وهناك تعريف آخر وهو أسهل وأوضح وهو أن يقال: " العبادة كل ما أمر الله به ورسوله سواء كان أمرَ وجوبٍ أو أمر استحباب فإنه عبادة " ولذلك من الأحسن أن يضاف للتعريف الأول للعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال الظاهرة والباطنة الواجبة والمستحبة؛ حتى يتضح أن العبادات لا تقتصر فقط على الواجبات، بل حتى المستحبات داخلة في مسمى العبادة.

    يقول رحمه الله في الاستدلال لهذه لأمثلة التي ذكرها من العبادات: والدليل على ذلك قوله تعالى: ]وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً[([20])هذا دليل لجملة ما تقدم من العبادات، فكل عبادة يصح الاستدلال على عدم جواز صرفها لغير الله تعالى بقوله سبحانه وتعالى: ]وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً[ وقد تقدم الكلام على هذه الآية، وقلنا: إن المساجد هنا هي أماكن العبادة، جمع مسجد وهو اسم مكان العبادة، فإن الله سبحانه وتعالى جعل أماكن العبادة مستحقةً له، وهذا يفهم منه أن ما يكون فيها يجب أن يكون له، ولذا أكد ذلك بقوله:]فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً[ وهذا يشمل النهي عن دعاء المسألة ودعاء العبادة، وقوله: ] أَحَداً[ نكرة في سياق النهي فتفيد العموم كائناً من كان.

    قال رحمه الله: فمن صرف منه شيئاً لغير الله فهو مشرك كافر.

    لا إشكال في ذلك: من صرف أيَّ نوعٍ من أنواع العبادات لغير الله عز وجل ولو أفرد بقية العبادات لله سبحانه وأخلصها له فإنه لا ينفعه، بل هو مشرك.

    قال: والدليل قوله تعالى: ]وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ[([21]) هذا دليل على عدم جواز صرف العبادة لغير الله عز وجل، وأن من صرف شيئاً منها فقد كفر ]وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ[ فالشرط في قوله: ]وَمَنْ يَدْعُ[ جوابه في قوله: ]فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ[ وهذا فيه التهديد والوعيد لكل من دعا غير الله عز وجل، فمن يدعو مع الله إلهاً آخر ملكاً مقرباً، أو نبياً مرسلاً، أو حجراً أو صنماً أو غير ذلك، كل ذلك يدخل في هذه الآية، وفائدة قوله تعالى: ]لا بُرْهَانَ لَهُ[: أنه وصف كاشف، وفائدة الوصف الكاشف: زيادة البيان والتوضيح والتسجيل على هؤلاء الذين صرفوا العبادة لغير الله بأنهم صرفوها بلا بينة ولا برهان. وفي هذه الآية قال: ]فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ[ ثم صرح بالحكم على هؤلاء فقال: ]إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ[ فحكم عليهم بالكفر لأن الخطاب فيمن دعا مع الله إلهاً آخر، فأخبر بأن حسابه عند ربه، وأنه لا يفلح الكافرون، فتبينت نتيجة الحساب، وهي عدم الفلاح، فنفى عنه تحصيل المطلوب والأمن من المرهوب. وهذه الآية دالة، ووجه دلالتها على أن من صرف شيئاً فقد أشرك]وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ[ قوله: ] إلهاً [ نكرة في سياق الشرط فتعم كل مدعو. وتعم أيضاً كل دعاء، فالعموم في المدعو والعموم في الفعل أيضاً، وهو الدعاء، واعلم أنه يشمل دعاء العبادة ودعاء المسألة، وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله قاعدة مفيدة، فقال: " حيثما رأيت الله سبحانه وتعالى ذكر في كتابه دعاء الكفار والمشركين فاعلم أن المقصود به دعاء العبادة المتضمن دعاء المسألة"، وهذا يريحك إذا ضبطت هذا الضابط واستحضرته أراحك فيما ذكره الله عز وجل من الدعاء والدعوة عن المشركين في كتابه. فان المقصود به دعاء العبادة المتضمن لدعاء المسألة.

    قال رحمه الله في الاستدلال على أفراد العبادات التي مثل بها:

     وفي الحديث: "الدعاء مخ العبادة"([22])هذا الحديث رواه الترمذي من حديث أنس رضي الله عنه، وهو حديث متكلم فيه، وأصح منه ويحصل به المقصود في الاستدلال: اللفظ الآخر، وهو قوله r: "الدعاء هو العبادة "([23])وأدلة كون الدعاء عبادةً كثيرة واضحة.

    قال: والدليل قوله تعالى: ]وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ[([24]).

    هذا فيه أيضاً الاستدلال على الدعاء في قوله: ]ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ[، والدعاء المأمور به في الآية: دعاء العبادة ودعاء المسألة.

    فإذا كان دعاء عبادة  فإن استجابته هي الإثابة من الله سبحانه وتعالى عليه.

    وإذا كان دعاء مسألة فاستجابته حصول مقصود الداعي والإثابة عليه أيضاً؛ لأن كل من دعا ولو كان دعاؤه بأمر دنيوي فإنه يثاب على دعائه، يعني لو قال: اللهم ارزقني مركباً هنيئاً وزوجةً صالحة، وبيتاً واسعاً فهذه من أمور الدنيا مما يتمتع به في الدنيا، إذا سأل الله عز وجل فإن استجابة الله له تكون بإثابته عليه، وهذا محقق لكل داعٍ.

     الأمر الثاني: وهو حصول مطلوبه فهذا قد يحصل وقد لا يحصل، بناءً على حكمة الله عز وجل في تحقيق مطلوب العبد أو ادخار ذلك له في الآخرة أو دفع شرٍ عنه نظير ما دعا أو مثل ما دعا.

     و قوله تعالى: ]وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي[ فيه دلالتان:

    الأولى: أن دعاء المسألة من العبادة، والثانية: أن المراد بالدعاء السابق في أول الآية ما هو أعمّ من دعاء المسألة وهو دعاء العبادة.

    قال: ودليل الخوف قوله تعالى: ]فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ[.

    واعلم أن الخوف الذي يجب إفراد الله سبحانه وتعالى به هو خوف السر، فهذا نهى الله سبحانه وتعالى عن صرفه لغيره، وخوف السر: هو الخوف الذي يتقرب به الخائف للمخوف ويتعبد به الخائف للمخوف منه، وذلك بأن يستحضره في الغيب والشهادة وفي السر والعلن، ولذلك سماه العلماء بخوف السر يعني: الخوف العبادي الذي يحمل الإنسان على فعل الطاعات وترك المنكرات، فهذا لا يجوز صرفه لغير الله، ومن صرفه لغير الله فقد أشرك شركاً أكبر يحرِّم عليه الجنة ويوجب له النار، هذا النوع الأول من الخوف الذي نهي عن صرفه لغير الله عز وجل.

    والنوع الثاني من أنواع الخوف التي نهى الله سبحانه وتعالى عنها عباده المؤمنين هو الخوف المقعد عن الطاعة أو الخوف الحامل على المعصية، فهذا الخوف ليس من الشرك، ولكنه معصية يعاقب عليها الإنسان، فإذا حمل الخوف الإنسان على ترك الجهاد مثلاً أو حمله على ترك طلب العلم أو حمله على عدم فعل ما يجب عليه فإنه معصية يأثم عليها، ولكن هل يكون قد قارف شركاً بهذا النوع من الخوف ، لا ليس هذا من الشرك.

    أما النوع الثالث من الخوف: فهو الخوف الطبيعي، والخوف الطبيعي منه ما هو مذموم ومنه ما ليس بمذموم، مثال الذي ليس بمذموم قوله تعالى: ]فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ[([25])في قصة موسى عليه السلام، فهذا الخوف ليس بمذموم، لأنه خوف مما يوجب الخوف، ويحصل منه الخوف عادة، أما الخوف الذي ينشأ عن الأوهام فإنه خوف مذموم، ومن الخوف ما يكون جبناً فإنه مذموم، لكنه ليس بشرك، ولكنه يكون من المعاصي.

    قال: ودليل الرجاء قوله تعالى: ] فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [([26])ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الرجاء بعد الخوف، لأنه قرينه، فالإنسان له جناحان يطير بهما، الخوف والرجاء، وبهما يبلغ المأمن، وسيأتي تفصيل ما يتعلق بالخوف والرجاء وأيهما يغلب في شرحٍ مفصل.

    قال المؤلف رحمه الله: ودليل التوكل قوله تعالى: ]وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ[([27])وقال تعالى: ] وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [([28])والتوكل هو صدق الاعتماد على الله عز وجل في جلب المحبوب ودفع المكروه , وهذا يجب إفراد الله سبحانه وتعالى به لفظاً وعقداً، أما لفظاً فلا يجوز أن تقول: توكلت على فلان، إنما تقول: وكلت فلاناً، وأما عقداً فلا يجوز أن تركن بقلبك وأن تعتمد على غير الله جل وعلا فيما لا يقدر عليه إلا هو سبحانه وتعالى، بل يجب تمحيض الاعتماد وتخليصه من كل نظرٍ إلى مخلوق أو سبب،

    قال رحمه الله في الاستدلال على التوكل:]وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ[ أي: كافيه، وهذا فيه الأمر بالتوكل، وفيه أن المتوكل على الله يحصّل مطلوبه.

    قال: ودليل الرغبة والرهبة والخشية قوله تعالى: ]إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ[([29])فالرغبة هي الصدق في الرجاء، والرهبة هي الصدق في الخوف، فالرغبة إذاً: نوع من الرجاء وهي أعلاه، والرهبة نوع من الخوف وهو منتهاه، قال: والخشوع هو الذل لله عز وجل، واعلم أن الذل أمر لا تستقيم العبادة بغيره، وهو من أركان العبادة العظيمة التي ينشأ عنها الكثير من العبادات القلبية من الإخبات، والإنابة، والتواضع، وغير ذلك من عبادات القلب، ولذلك قال:]وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ[ هذا في بيان مجمل حالهم أنهم خاشعون لله سبحانه وتعالى،

    قال:ودليل الخشية قوله تعالى: ]فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي[([30])والخشية نوع من الخوف، لكنها تفارق الخوف بأنها خوف مع علم، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: ]إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ[([31])فالخشية خوف مع علم، وذكرت فروق أخرى، ولكن هذا أبرزها.

    قال: ودليل الإنابة قوله تعالى: ] وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ[([32])والإنابة هي الرجوع، وحقيقة الإنابة عكوف القلب على طاعة الله ومحبته والإقبال عليه.

     

    قال رحمه الله: ودليل الاستعانة قوله تعالى: ]إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[ فالاستعانة طلب العون، وطلب العون من الله جل وعلا يكون على الأمور الدينية وعلى الأمور الدنيوية. فإن لم يحصل من الله عون للفتى وللمرء في تحصيل مطلوباته فإنه لا يحصل شيئاً، ولا يصيب غرضاً، وقد ذكره الله في كتابه بعد العبادة لأنها فرع الإقرار بعبودية الله سبحانه وتعالى، فإن من أقرّ بأن الله هو المعبود طلب العون منه وحده، لأن المعبود هو الكامل في أوصافه جل وعلا، ]إِيَّاكَ نَعْبُدُ [ فيه إثبات ألوهيته سبحانه وتعالى، ] وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ فيه إثبات ربوبيته، لأنه إنما يستعان بالمالك الرازق المدبر الخالق الذي بيده الأمر وله الأمر كله جلّ وعلا.

    قال: وفي الحديث: (( إذا استعنت فاستعن بالله ))([33]). واعلم أن إفراد الله بالاستعانة وإخلاص الاستعانة به سبحانه دون غيره وإخلاص الاستعانة له كل هذا في استعانة العبادة، وأما الاستعانة بالمخلوق فيما يقدر عليه وهو حاضر أو وهو غائب ويتصل به إما مباشرة أو بكتاب فإن هذا ليس محذوراً، ولا يخل بالتوحيد، ولكن تركه من كمال العبد، ولذلك كان الأصل في سؤال الناس وطلبهم النهي.

    قال: ودليل الاستعاذة قوله تعالى: ]قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس ِ[ ([34])الاستعاذة هي طلب العوذ.

    ودليل الاستغاثة قوله تعالى: ]إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ [ ([35])والاستغاثة طلب الغوث، والفرق بينهما: أن الاستعاذة دفع والاستغاثة رفع، فالاستعاذة طلب دفع الشر قبل وقوعه، هذا في الغالب، والاستغاثة طلب رفعه بعد نزوله، واعلم أن الاستعاذة والاستغاثة تارةً تكون عبادةً، فلا يجوز صرفها لغير الله عز وجل، وتارةً تكون عادةً، فيجوز طلبها من المخلوق، نظير الاستعاذة التي تجوز من المخلوق ما جاء في صحيح مسلم أن النبي rقال: (( من سمع به فلينأ عنه" وفيه قال: "من وجد معاذاً أو ملاذاً فليعذ به ))فدل ذلك على جواز الاستعاذة بالمخلوق فيما يقدر عليه إذا كان حاضراً، وكذلك تجوز الاستغاثة بالمخلوق في الأمر العادي الذي يقدر عليه وهو حاضر، ومثال هذا ما جرى من صاحب موسى ]فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ[ ([36])فدل ذلك على جواز طلب الاستغاثة من المخلوق الحاضر فيما يقدر عليه.

    إذاً فهمنا أن الاستعاذة والاستغاثة والاستعانة تارةً تكون عبادة فلا يجوز صرفها لغير الله عز وجل، وتارةً تكون عادةً فهذا يجوز بالقيود التي تقدمت.

    قال رحمه الله: ودليل الذبح قوله تعالى: ]قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ`لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ[ ([37]). والذبح لغةً: هو شق حلق الحيوان، والمراد به هنا: ذبح ما يتقرب به لله، وقوله:]قُلْ إِنَّ صَلاتِي[ الصلاة قيل: المراد بها الدعاء، وقيل: المراد بها الصلاة المعروفة المفتتحة بالتكبير والمختتمة بالتسليم، فالصلاة لله جل وعلا، وقوله: ]وَنُسُكِي[ النسك قيل في تفسيره هو: ما يتقرب به إلى الله عز وجل من الذبائح والقرابين، وقيل: إن النسك هنا يشمل كل ما يتعبد به، والنسك لغةً يطلق على ما يتقرب به من العبادات غير الذبح، ومنه الحج والعمرة، فالمناسك هنا لا تقتصر على الذبح والتقرّب به فقط، بل النسك يشمل الذبح ويشمل غيره، ]وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي[ أي: عمل حياتي وعمل موتي، كل هذا لله رب العالمين، وهذا فيه بيان وجوب إفراده سبحانه وتعالى بذلك، لأنه أخبر وأمر النبي rبالقول في هذه الآية لتبليغ هذا بخصوصه على أنه هو المستحق لذلك دون غيره، ] لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[ قوله: ] لِلهِ[ استحقاقاً، وقوله: ]رَبِّ الْعَالَمِينَ [ هذا فيه بيان وجه استحقاقه، وقوله: ]لا شَرِيكَ لَهُ[ هذا فيه بيان انفراده بذلك وتأكيد ما تقدم في قوله: ] لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[، ثم قال: ]وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ[ يعني: أن هذا الإفراد وهذا الإخلاص ليس أمراً من قبل نفسي، بل هو أمر من الله سبحانه وتعالى، ]وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ[ أي: أول المنقادين المبادرين لامتثال هذا الأمر، وهو في قوله: ]قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[ والإسلام هو الانقياد.

    يقول: ومن السنة: (( لعن الله من ذبح لغير الله ))([38])واللعن يقتضي تحريم الفعل الملعون صاحبه. والذبح على أنواعٍ نبينها على وجه الإيجاز:

    النوع الأول: الذبح لله عز وجل مع ذكر اسمه، هذا هو المأمور به فتذبح لله قصداً وتفرده لفظاً، فتقول: باسم الله عند الذبح، هذا الذي أمر الله سبحانه وتعالى به وأحله لأهل الإسلام.

    الثاني من أنواع الذبح: الذبح لغير الله قصداً ولفظاً، فيقصد بذبيحته مثلاً ولياً من الأولياء أو ملكاً من الملائكة أو أحداً من الجن أو صنماً، ويسمي المقصود، فيذبح مثلاً لعلي بن أبي طالب، أو للحسين بن علي قصداً، يعني: يريد التقرب إليه بهذا الذبح باسم الحسين أو باسم عليٍ أو باسم النبي أو باسم جبريل، هذا كله شرك أكبر يخرج صاحبه من الملة. وهذا لا إشكال فيه، ولا خلاف بين أهل العلم: في أن من فعل هذا فقد خرج من دائرة الإسلام، وخلع ربقة الإيمان، وليس من أهل القبلة، لوقوعه في الشرك الذي جاءت الرسل بالتحذير منه والنهي عنه.

    النوع الثالث: أن يذبح لله قصداً ويذكر اسم غيره لفظاً، ففي العقيقة مثلاً يتقرب إلى الله بالذبح وفي الهدايا التي تهدى إلى البيت الحرام، يقصد بها التقرب إلى الله عز وجل، لكن عند الذبح يذكر غير الله، يذكر ملكاً، أو إنساً أو جناً أو ما إلى ذلك مما يُشرك به وتصرف العبادة إليه، فهذا شرك وكفر كالنوع الثاني، وإن كان أخف منه درجة. لكنه شرك وكفر، لأنه مما أهلّ به لغير الله.

    النوع الرابع: أن يقصد بالذبيحة غير الله ويذكر اسم الله عليها، فيقصد بالذبح ولياً أو نبياً أو ملكاً أو غير ذلك، وعند الذبح يقول: باسم الله ، وحكم هذه الذبيحة : أنها محرّمةٌ لا يحلّ أكلها، وفعل الذابح شرك أكبر، لأن النبي rقال: ((إنما الأعمال بالنيات))([39])ولأنه ذبح لغير الله، فلم يحقق قوله تعالى: ]قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[([40])هذه الأقسام على وجه الإيجاز في الذبح.

    قال رحمه الله: ودليل النذر قوله تعالى: ]يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً[([41])والنذر هو أن يلزم المكلف المختار نفسه لله شيئاً ممكناً بأيِّ صيغة كانت أي: بأيِّ قولٍ كان، كأن يقول: لله عليّ صوم كذا إن فعلتُ، أو إن لم أفعل كذا، أوغير ذلك من الصيغ التي تفيد الالتزام، والأصل في النذر أنه منهي عنه، ولكن إذا نذر الإنسان وجب عليه الوفاء بنذره، لثناء الله عز وجل على الموفين بقوله: ]يُوفُونَ بِالنَّذْرِ[ ولقول النبي r: (( من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصِه ))([42])، والنذر أيضاً لا يجوز صرفه لغير الله، لأنه عبادة من العبادات التي يجب أن يفرد بها الله سبحانه وتعالى، فمن نذر لغير الله ولو بعود كبريتٍ تقرباً فإنه قد وقع في الكفر والشرك وخرج من الإسلام، واعلم أن الشرك قليله وكثيره سواء، ولذلك ينبغي للمؤمن أن يحذر منه غاية الحذر، ومقصودي بقليله وكثيره: أنه يستوي فيه الحكم بخروج الإنسان عن الإسلام إذا كان شركاً أكبر، وفي حصول التهديد والعقوبة له إن كان شركاً أصغر.

    وبهذا يكون قد انتهى ما ذكره المؤلف رحمه الله من أمثلة العبادة والأدلة عليها، وبهذا يكون قد انتهى الأصل الأول إن شاء الله تعالى.

     

     

     


    ([1]) الجـن: 18.

    ([2]) المؤمنون: 117.

    ([3]) غافر: 60.

    ([4]) آل عمران: 175.

    ([5]) الكهف: 110.

    ([6]) المائدة: 23.

    ([7]) الطلاق: 3.

    ([8]) الأنبياء: 90.

    ([9]) البقرة: 150.

    ([10]) الزمر: 54.

    ([11]) الفاتحة: 5.

    ([12]) أخرجه الترمذي في صفة يوم القيامة برقم 2440 وأخرجه أحمد في مسند بني هاشم برقم 2537، 2627، 2666.

    ([13]) الفلق: 1.

    ([14]) الناس: 1.

    ([15]) الأنفال: 9.

    ([16]) الأنعام: 162.

    ([17]) أخرجه مسلم في الأضاحي برقم : 3657 و 3658 والنسائي في الضحايا برقم :4346 وأحمد في مسند العشرة برقم : 813.

    ([18]) الإنسان: 7.

    ([19]) الأعراف: 55.

    ([20]) الجن: 18.

    ([21]) المؤمنون: 117.

    ([22]) أخرجه الترمذي في الدعوات برقم: 3293.

    ([23])    أخرجه الترمذي في التفسير برقم: 3170، وفي الدعوات برقم: 3294، وأبو داود في الصلاة، برقم: 1264، وابن ماجه في الدعاء، برقم: 3818، وأحمد في مسند الكوفيين، برقم: 17629، و 17660.

    ([24]) غافر: 60.

    ([25]) القصص: 21.

    ([26]) الكهف: 110.

    ([27]) المائدة: 23.

    ([28]) الطلاق: 3.

    ([29]) الأنبياء: 90.

    ([30]) البقرة:150.

    ([31]) فاطر: 28.

    ([32]) الزمر: 54.

    ([33]) أخرجه الترمذي في صفة يوم القيامة، برقم:2440، وأحمد في مسند بني هاشم برقم: 2537، و 2627، و 2666.

    ([34]) الناس: 1.

    ([35]) الأنفال: 9.

    ([36]) القصص: 15.

    ([37]) الأنعام: 162-163.

    ([38]) أخرجه مسلم في الأضاحي برقم: 3658، و3659، والنسائي في الضحايا برقم: 4346، وأحمد في مسند العشرة، برقم: 813، و908، و1238.

    ([39]) أخرجه البخاري في بدء الوحي برقم: 1، وأبو داود في الطلاق، برقم: 1882، وابن ماجه في الزهد، برقم: 4217.

    ([40]) الأنعام: 162.

    ([41]) الإنسان: 7.

    ([42]) أخرجه البخاري في الأيمان والنذور، برقم: 6202، و 6206، والترمذي في الأيمان والنذور، برقم: 1446، والنسائي في الأيمان والنذور: 3746، و 3747، وابن ماجه في الكفارات، برقم: 2117، وأبو داود في الأيمان والنذور برقم: 2862.

    التفاصيل
    0
    2537
  • الدرس الرابع من الأصول الثلاثة
  • بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    قال المؤلف رحمه الله تعالى :

    الأصل الثاني: معرفة دين الإسلام بالأدلة، وهو: الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله، وهو ثلاث مراتب: الإسلام والإيمان والإحسان، وكل مرتبة لها أركان:

    فأركان الإسلام خمسة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام.

    فدليل الشهادة قوله تعالى: ] شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[([1])ومعناها لا معبود بحق إلا الله. ] لا إله [ نافياً جميع ما يعبد من دون الله، ] إلا الله [ مثبتاً العبادة لله وحده لا شريك له في عبادته كما أنه لا شريك له في ملكه، وتفسيرها الذي يوضحها قوله تعالى: ] وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ` إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ `وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ[([2])وقوله: ] قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [([3]).

    أما بعد: فهذا هو الأصل الثاني من الأصول التي تضمنتها هذه الرسالة المباركة، وهو معرفة دين الإسلام بالأدلة، والأدلة الدالة على هذا الدين القويم أدلةٌ متنوعة، أدلة خلقية وأدلة سمعية، يعني: أدلة مشاهدة وأدلة متلوّة، فأما الأدلة المشاهدة فهي ما لفت الله عز وجل إليه الأنظار من الآيات السماوية والأرضية، العلوية والسفلية، الدالة على صدق ما جاءت به الرسل وصحة ما جاء به النبي rمن دين الإسلام، وأما الأدلة المتلوّة السمعية: فهو هذا الكتاب المبين، القرآن الحكيم، الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على خاتم النبيين.

     والإسلام يتوصل إلى صحته عن الطريقين جميعاً، عن طريق النظر في الأدلة الخلقية، ولذلك أمر الله بالنظر إليها، وعن طريق النظر بالأدلة السمعية الأدلة المتلوة الدالة على صحة هذا الدين القويم، وأنه من لدن حكيم خبير، فقوله: ( بالأدلة )يشمل هذين النوعين، ثم بين المؤلف رحمه الله الدين بقوله: ( وهو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة) – وعندي -(والخلوص من الشرك )

    وهذه الأمور الثلاثة بها يستقيم إسلام الإنسان، والمراد به: الاستسلام لله بالتوحيد، هذا هو الأصل الذي اتفقت عليه الرسل، ولتأكيد هذا قال: والخلوص من الشرك، فإنه لا يحصل تمام الاستسلام لله بالتوحيد إلا بالبراءة من الشرك، قال الله سبحانه وتعالى: ] فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى [([4])فجعل الاستمساك بالعروة الوثقى مرتبةً على أمرين: على الكفر بالطاغوت، وعلى الإيمان بالله تعالى، فلا يحصل لأحد الاستمساك بالعروة الوثقى و الإقرار على الإسلام إلا بهذين الأمرين، وهما اللذان عرّف بهما الشيخ رحمه الله الإسلام بقوله: ( وهو الاستسلام لله بالتوحيد والخلوص من الشرك )، أما الانقياد له بالطاعة فلا إشكال أنه من الإسلام، وأنه لا يكون المرء مسلماً إلا بانقياده لله جل وعلا بالطاعة فيما أمر وبالطاعة في اجتناب ما نهى عنه وزجر، وهو من لوازم الاستسلام لله تعالى، وإنما أفرده بذكر مستقل لأنه أراد أن يحصل في هذا التعريف الإحاطة بالإسلام الظاهري والباطني، يعني بإسلام القلب والجوارح، وإلا لو قال: الإسلام هو الاستسلام لله وحده لكفى في بيان ماهية الإسلام، ولذلك عرّف شيخ الإسلام ابن تيمية الإسلام بقوله: " الإسلام وهو الاستسلام لله وحده"، وأصله في القلب بالخضوع، والمحبة، والخوف، والرجاء، وإفراده سبحانه وتعالى بالعبادة، وبالجوارح، يعني في باب العمل بالانقياد له سبحانه وتعالى، فلا يقر الإسلام في قلب أحد إلا بهذين.

    ثم بعد أن ذكر البيان المجمل لهذا الدين أراد ذكره على وجه التفصيل، فقال رحمه الله: (وهو ثلاث مراتب: الإسلام، والإيمان، والإحسان)وبه نعرف أن التعريف السابق يشمل جميع هذه المراتب، فالإسلام الذي تقدم تعريفه هو الدين الذي جاء به النبي r، المتضمن لجميع ما أمر به ونهى عنه ودعا إليه، وهذا الذي أمر به أو نهى عنه أو دعا إليه يندرج تحت ثلاثة أمور، هي المراتب التي أشار إليها بقوله: ( وهو ثلاث مراتب: الإسلام، والإيمان، والإحسان)هذه هي مراتب الدين، والدليل على هذه المراتب الثلاث وأنها تشمل الدين ويندرج تحتها جميع ما جاء به الرسول rحديث جبريل: فإنه أتى النبي rوسأله عن الإسلام وعن الإيمان وعن الإحسان، فأجابه النبي rعن ذلك كله، ثم قال النبي rفي آخر الحديث: (( هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم )) وفي رواية ((أمر دينكم ))([5])فجعل ما تقدم ذكره من بيان الإسلام والإيمان والإحسان تعليماً لأمر الدين، ولذلك كان هذا الحديث الأصل الذي يجب على كل أحد، فمن أنكر شيئاً مما تضمنه هذا الحديث في الإسلام والإيمان والإحسان فإنه لم يقر بالنبي r، ولم تثبت قدمه في دين الإسلام، وهذه المراتب الثلاث يدخل بعضها في بعض، فالإسلام أوسعها دائرة، فهو ينتظم الإيمان والإحسان، وأخص منه الإيمان، وأخص منه الإحسان، وسيأتي تفصيلها في كلام المؤلف رحمه الله. ودليل هذه المراتب من كتاب الله عز وجل قوله سبحانه وتعالى: ] ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ[([6])فهذه المراتب الثلاث تقابل المراتب المذكورة في كلام الشيخ رحمه الله، وهي المضمنة في حديث جبريل، واعلم: أن هذه الأسماء الثلاثةإذا افـترقت دل كل واحد منها على مضمون الآخر، وإذا اجتمعت كما هو الحال في حديث جبريل اختص كل اسمٍ بمعنى مستقل، والجامع لهذه المعاني: أن الإسلام يتعلق بالعمل الظاهر, والإيمان يتعلق بعمل القلب، والإحسان هو الغاية في عمل القلب وعمل الظاهر، يعني: الإحسان هو المنـتهى في أعمال القلوب والجوارح، فمن حقق الإحسان يكون حقق الإحسان والإيمان والإسلام، ومن حقق الإيمان فإنه قد حقق مع الإيمان الإسلام فقط، دون الإحسان، لأن الإحسان مرتبة فوقهما، ومن أتى بالإسلام لا يكون قد حصل مرتبة الإيمان ولا الإحسان من باب أولى.

    والدليل على ذلك قوله تعالى: ] قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [([7]) فدل ذلك على أن المتصف بالإسلام قد لا يتحقق به وصف الإيمان.

     

    نبدأ في بيان ما ذكره المؤلف رحمه الله في كل مرتبة، قال: ( وكل مرتبةٍ لها أركان، فأركان الإسلام خمسة)، دليل ذلك حديث جبريل الذي فيه أن النبي rسئل عن الإسلام فأجاب بقوله: " الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت " فذكر الأركان الخمسة، ويدل عليه أيضاً: حديث ابن عمر: " بني الإسلام على خمس. . . " الخ، هذا هو الدليل لهذه الأركان، قال المؤلف رحمه الله: ( فأركان الإسلام خمسة: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام) ثم انتقل من الإجمال إلى التفصيل في دليل كل ركن من هذه الأركان، فقال رحمه الله: ( فدليل الشهادة قوله تعالى ] شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ ([8])، مراده الشهادة لله تعالى وحده بالألوهية، واستدل على وجوب الشهادة لله تعالى وحده بقوله تعالى: ] شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ ووجه الدلالة على وجوب الشهادة لله تعالى: أن الله سبحانه وتعالى شهد لنفسه على انفراده بالألوهية، وشهادة الله سبحانه وتعالى تتضمن الحكم والقضاء والإلزام، ولذلك فسّر جماعة من السلف قوله تعالى: ] شَهِدَ اللَّهُ[  بقضى الله، وهذا لا غرابة فيه، فإن شهادة الله قضاء، وحكم، وفصل، وإلزام، ودليل ذلك قوله تعالى: ] وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ[([9])فالشهادة قضاء كما أن الشهادة إعلان وإخبار وإظهار وبيان، وهي لا تكون إلاّ عن علم، فكذلك هي في حق الله تعالى تكون حكماً وقضاءً ] شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ[ وهذه شهادته سبحانه وتعالى لنفسه بالإلهية، وأنه لا إله غيره، وأشهد على هذا الأمر طائفتين من الخلق، هما أشرف الخلق فيما نعلم، الملائكة - وهم عالم غيبي، خلقوا من نور، وهم من أشرف خلق الله عز وجل – وأولو العلم، والمقصود بأولي العلم : النبيون، والصديقون، والشهداء، والصالحون،كل هؤلاء يدخلون في قوله تعالى: ] وَأُولُو الْعِلْمِ [ ووصفهم بالعلم لأن هذه الشهادة لا تكون إلاّ من عالم، ثم قال سبحانه وتعالى: ] قَائِماً بِالْقِسْطِ [ هذه من حيث الإعراب حال من الضمير في قوله: ] إِلَّا هُوَ [ فيكون قد شهد الله سبحانه وتعالى لنفسه في هذه الآية بأمرين: شهد لنفسه بالألوهية، وشهد لنفسه بأنه سبحانه وتعالى قائمٌ بالقسط، وقيامه بالقسط أي بالعدل، فهو سبحانه وتعالى القائم على كل نفس بما كسبت، القائم بنفسه المقيم لغيره جل وعلا، وهذا الإعراب أحسن من قولنا في قوله: ] قَائِماً بِالْقِسْطِ [: إنه حال من لفظ الجلالة ( الله ) لأن هذا الإعراب الذي قدمناه أشمل في المعنى، فيكون شهد الله وشهد الملائكة وشهد أولو العلم بأمرين: شهدوا لله بأمرين:

    بالألوهية، وأنه سبحانه وتعالى قائمٌ بالقسط، ثم كرر إفراده بالألوهية بقوله: ] لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ[  والتكرار لتأكيد الشهادة المتقدمة، وليتلفظ بها القارئ انفراداً، فيكون من الشاهدين، لأن مقدم الآية خبر عن شهادة الغير ولذلك قال سبحانه وتعالى : ] شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ [  وهل قراءة هذه الشهادة تحصل بها الشهادة من القارئ ؟ الجواب أنها لا تحصل، ولذلك كررت كلمة التوحيد ليتلفظ بها القارئ حتى يدخل في زمرة أولي العلم، فقال: ] لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ سبحانه وتعالى  هو عزيز فيمتنع من أن يكون له شريك، وحكيم: فلا يمكن أن يسوى غيره به في شيء مما يختص به.

     

    ثم قال رحمه الله: ( ومعناها ) أي معنى هذه الشهادة، وهي شهادة أن لا إله إلاّ الله، ( لا معبود بحقٍ إلاّ الله وحده )، وأتى بـ ( معبود ) من الشهادة التي يفسرها في قوله تعالى: ]لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[ ففسّر كلمة ( إله ) ( بمعبود ) وهذا تفسير مطابق، فالإله في كلام العرب هو المعبود، فالإله مأخوذ من: أله بمعنى (مألوه ) وهو الذي تألهه القلوب محبةً وتعظيماً، وخضوعاً وذلاً، وخوفاً ورجاءً، والأصل في تعريف الإله في كلام العرب: أنه اسم لمن قُصِدَ بشيءٍ من العبادة، وهذا أصح ما قيل في معنى كلمة ( إله ) أما في هذا السياق فالمراد به: لا معبود حقٌ إلاّ الله. من أين أتى المؤلف رحمه الله بكلمة ( حق ) هل هي موجودة في الشهادة ؟ ليست موجودةً في لفظ الشهادة، ولا أحد يقول لا إله حق لفظاً، ولكنّ هذه الجملة لابد فيها من خبر ( لا إله إلاّ الله ) وإعرابها ( لا ) نافية للجنس، و( إله ) اسمها، مبني على الفتح، ( إلا الله ) إلا أداة استثناء للفظ الجلالة، وليس الاستثناء خبرها ، لأنه لا يصلح أن يكون خبراً لها لا لفظاً ولا معنى، أما كونه لا يصلح لفظاً فلأن ( لا ) لا تعمل إلا في النكرات.

    كما قال ابن مالكٍ رحمه الله تعالى:

    عمل إن اجعل ل(لا) في النكرة                مفردة جاءتك أو مكررة

    فهي تعمل فقط في النكرات، ولفظ الجلالة ( الله ) فهو معرفة بل لفظ الجلالة أعرف المعارف على الإطلاق، فلا يمكن أن تعمل فيه ( لا ) من حيث اللفظ واللغة.

     وأما من حيث المعنى فكذلك، لأن جَعْلنَا لفظ الجلالة خبراً يقتضي إقراراً لمعبوداتٍ من دون الله، لأن المعنى يكون: لا معبود إلا الله، وهذا ليس بصحيح، فهناك معبودات كثيرة غير الله عز وجل، ولهذا احتاج العلماء إلى تقدير خبر لهذه الجملة، واختلفوا في تقدير الخبر، فمنهم من قال: ( لا اله ) أي لا معبود في الوجود، ومنهم من قال: ( لا إله حق ) وهذا التقدير هو الأصوب، لأن تقدير في الوجود يلزم عليه أن يكون كل من قصد بعبادة حقاً، وهذا ليس بصحيح، إنما الذي يراد من هذه العبارة ومن هذه الجملة: هو إثبات أن الله هو الإله الحق، ولذلك قال سبحانه وتعالى: ] فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ[ ([10])وهذا التقدير أصوب ما قيل في التقدير، وقد سبق ذكر الدليل على ذلك، فيكون المعنى: لا معبود حق إلاّ الله تعالى، يعني لا إله يقصد بشيء من العبادة وهو مستحق لها وأهل لتلك العبادة إلا الله، فإنه هو المستحق للعبادة دون غيره ]ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ[([11]).

     

    قال المؤلف رحمه الله: ( لا إله نافياً جميع ما يعبد من دون الله إلا الله، مثبتاً العبادة لله وحده ) وهذا يفيدنا أيها الإخوة أن التوحيد لا يحصل ولا يتم إلا بركنين: إثبات، ونفي، فالنفي هو : أنّ (لا إله) نفي لجميع ما يعبد من دون الله تعالى (إلا الله) وحده لا شريك له، وتأمل فيما ذكره الله عز وجل في كتابه من آيات التوحيد، تجد أنها سائرة على هذا النسق، فلا بد من ذكر نفي وإثبات، لأن بذلك يحصل كمال التوحيد.

     قال المؤلف رحمه الله: ( لا شريك له في عبادته، كما أنه لا شريك له في ملكه )

    وهذا كالدليل لما تقدم ذكره من تقدير في قوله: لا معبود حق إلا الله، فالشيخ رحمه الله يقول: وجه هذا التقدير أنه لا يستحق العبادة إلاّ الله، كما أنه ليس له شريك في ملكه، وهذا استدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الإلهية.

    قال المؤلف رحمه الله: وتفسيرها الذي يوضحها ]وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ`إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ`وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ[([12])، فقوله: ( وتفسيرها ) الضمير يعود إلى شهادة أن لا إله إلا الله، (الذي يوضحها) ويبينها ويجليها قوله تعالى:]وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ`إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ[، ]إِذْ[  ظرف لما مضى من الزمان، ولابد له من متعلق، ومتعلقه في مثل هذا السياق ( اذكر ) يعني اذكر إذ قال إبراهيم لأبيه وقومه: ]إِنَّنِي بَرَاءٌ[ براء مصدر يستوي فيه المفرد والجمع، والمراد من ذلك: إنني بريء، فهو تبرؤٌ من عبادة قومه للأصنام، وهو معنى قوله تعالى: ] وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ[([13])فالبراءة اجتناب لما كان عليه قومه، ولذلك قال: ] مِمَّا تَعْبُدُونَ [ يعني من الذي تعبدونه، فما موصولة بمعنى الذي، فتبرأ مما يعبدون ثم قال: ] إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي [ وهذا استثناء، إما أن يكون استثناء متصلاً، أو استثناء منقطعاً، على قولين لأهل العلم، فالاستثناء المتصل يلزم عليه أن يكون قومه يعبدون الله وغيره، يعبدون الأصنام ويعبدون الله مع الأصنام، فهذا هو المعنى بناءً على جعل الاستثناء متصلاً، أما المعنى على كون الاستثناء منقطعاً فإن قوم إبراهيم عليه السلام كانوا لا يعبدون إلاّ الأصنام فقط، ولا يعبدون الله مع الأصنام، ويكون تقدير الكلام: إنني براء مما تعبدون، لكن الذي فطرني فهو الذي أعبده وأفرده بالعبادة وحده.

    ثم قال: ومعنى الذي فطرني أي: الذي خلقني، فإنه سيهدين، وهذا فيه التعليل لإفراده بالعبادة، وأنه سبحانه وتعالى هو الذي يملك الهداية، وأن هذه البراءة من هداية الله له، وأن كل من خالف هذه البراءة لفظاً أو معنىً فإنه بعيد عن هداية الله سبحانه وتعالى، فكما قال جل وعلا في نبأ إبراهيم: ]وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ[([14]]جَعَلَهَا[ الضمير هنا يعود إلى الكلمة وهي البراءة من الشرك المتمثل بعبادة قومه للأصنام، وهي الشهادة والكلمة الباقية في عقبه، ] فِي عَقِبِهِ[ يعني في ذريته وخلَفِهِ في أولاده وأولاد أولاده، وذلك بما تعاهد به إبراهيم أبناءه من الوصية كما ذكر الله عز وجل في سورة البقرة من وصيته لأولاده بأن يلزموا هذا الدين، ]لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ[ أي لعلهم يرجعون إلى هذه الكلمة ويلتزمونها، وجه الدلالة: أن شهادة أن لا إله إلا الله تستلزم البراءة من كل ما يعبد من دون الله، وأنه لا يستقيم التوحيد إلاّ بإفراد الله عز وجل بالعبادة والخلوص من الشرك والبراءة من أهله، وهو معنى قوله تعالى: ]فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى[([15]) فجعل الاستمساك بالعروة الوثقى مرتباً على هذين الأمرين، وانظر إلى حسن تأليف المؤلف رحمه الله وقوة تصنيفه حيث لم يفسر هذه الكلمة أو لم يوضحها ويشرحها بكلام من عنده، وإنما وضحها بكلام الله عز وجل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبهذا يلقم خصومه حجراً، لأنه لا يمكن لأحد أن يعارض كلام الله عز وجل إلا من كان في قلبه زيغ.

    ثم قال رحمه الله في بيان هذه الشهادة ومعناها:  وقوله تعالى:] قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [([16])، قوله: ] قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ[ وهم اليهود والنصارى ] تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ [  سواء أي مستوٍ أمرها بيننا وبينكم، وقيل: كلمة سواء أي كلمة عدل، وهذه الكلمة : هي ]أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً[ هذه هي الكلمة العدل، وهي الكلمة التي استوى فيها أهل الإسلام مع أهل الكتاب، لأن دعوة المرسلين على اختلافهم واختلاف أزمانهم وأماكنهم وأقوامهم واحدة، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله ]وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ[ هذا تأكيد لإفراد الله عز وجل بالعبادة، ومن لوازم العبادة ألاّ يتخذ الناس بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله، ] أَرْبَاباً[ جمع رب، والرب هو الذي يملك ويرزق ويدبر ويخلق، والمقصود من اتخاذهم أرباباً هنا كما بينته السنة: اتباعهم في تحريم الحلال أو تحليل الحرام، فمن اتبع أحداً وأطاعه في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فإنه قد اتخذه ربّاً من دون الله.

    قال: ]فَإِنْ تَوَلَّوْا[ أي لم يقبلوا هذه الدعوة ولم يستجيبوا إلى ما دعوتموهم إليه من الاجتماع على كلمة سواء - وهي إفراد الله بالعبادة - فموقف أهل الإسلام هو ما أجابنا به آمراً لنا بقوله تعالى : ]فَإِنْ تَوَلَّوْافَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ[ وهذا فيه أنه يجب على المؤمن الثبات على هذه الكلمة ولو خالفه من خالفه، وأنه لا يجوز له أن يتنازل عنها أو أن يعرض عنها أو أن يتخلى عنها بسبب كثرة المعرضين المتولين عنها، فإن تولوا فاثبتوا أنتم على أمركم، بل وأعلنوا ثباتكم بالتصريح في قوله: ] فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ[ وهذه الآية بينت الشهادة التي لا يستقيم لها ساق ولا يثبت لها عود ولا تقرّ في قلب إلا بهذين الركنين العظيمين، وهما إثبات العبادة لله عز وجل، ونفيها عن غيره كائناً من كان.

    ثم انتقل المؤلف رحمه الله إلى ذكر الدليل الثاني أو دليل الشهادة الثانية فقال:

    ودليل شهادة أن محمداً رسول الله قوله تعالى: ] لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ[ ([17])، ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر وأن لا يعبد الله إلا بما شرع.

    هذا هو الركن الثاني من أركان شهادة أن لا إله إلاّ الله، أو هذه أركان الشهادة التي يدخل بها الإنسان إلى الإسلام، الشهادة للنبي محمد rبالرسالة، وسيأتي تفصيل ذلك أو تفصيل من هو النبي في الأصل الثالث من الأصول التي ذكرها المؤلف رحمه الله، ودليل شهادة أن محمداً رسول الله: قوله تعالى ] لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [،فقوله: ]مِنْ أَنْفُسِكُمْ [ أي: من جنسكم، وقيل: إن الخطاب لقريش، فيكون معناها يعني من العرب، ] عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ [ وعزيز إذا عدّيت بعلى كان معناها: الثقل والشدة، أي يثقل عليه و يشق عليه ويشتد عليه، ] مَا عَنِتُّمْ [ يعني الذي يتعبكم ويلحقكم مشقة، فهذا وصفه r، عزيز عليه مشقة أمته وتعبهم ]حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ[ والحرص هو: شدة الرغبة في الشيء، وذلك أن النبي rكان حريصاً غاية الحرص على هداية قومه، ودلالتهم على الحق والهدى، حتى إنه أدمي وجهه، وكسرت رباعيته، وشجّ رأسه، وكان يقول: (( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ))([18])وهذا من غاية حرصه وشفقته على الناس r، ]بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [ وهذا خاص بأهل الإيمان تميزوا به عن غيرهم، فهو rبالمؤمنين رؤوف رحيم، والرأفة هي رقة تنشأ عن الخوف على المرؤوف به، والرحمة تقتضي الإحسان بالمرحوم، فالرأفة تقتضي دفع المكروهات، والرحمة تقتضي جلب المحمودات والمحاسن والمحبوبات، والشاهد من هذه الآية قوله تعالى: ] لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [ والذي جاءنا من أنفسنا : هو محمد rالذي أخبرنا بهذه الآية، فهذا دليل من القرآن على رسالة النبي r، ومن ذلك قوله تعالى: ] إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [([19])فأثبت علمه سبحانه وتعالى برسالة الرسول r، بل لما طولب النبي rبدليل على رسالته قال: ] قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ [([20])فاكتفى بشهادة الله عز وجل على إثبات رسالته كما تقدم بيان ذلك في ما تقدم من دروس.

     

     

     


    ([1])  آل عمران:18.

    ([2]) الزخرف: 26-28.

    ([3]) آل عمران:64.

    ([4]) البقرة: 256.

    ([5]) أخرجه مسلم في الإيمان، برقم: 9، والنسائي في الإيمان وشرائعه، برقم: 4904.

    ([6]) فاطر: 32.

    ([7]) الحجرات: 14.

    ([8]) آل عمران: 18.

    ([9]) الإسراء: 23.

    ([10]) يونس: 32.

    ([11]) الحج: 62.

    ([12]) الزخرف: 26-28.

    ([13]) إبراهيم: 35.

    ([14]) الزخرف: 28.

    ([15]) البقرة: 256.

    ([16]) آل عمران:64.

    ([17])التوبة:128.

    ([18]) أخرجه البخاري، أحاديث الأنبياء، برقم: 3218، وأحمد في سند المكثرين، برقم 4103.

    ([19]) سورة المنافقون: 1.

    ([20]) الإسراء: 96.

    التفاصيل
    0
    1369
  • الدرس الخامس من الأصول الثلاثة
  • بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    قال المؤلف رحمه الله تعالى :

    ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر وأن لا يعبد الله إلا بما شرع. ودليل الصلاة والزكاة وتفسير التوحيد قوله تعالى: ]وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ[([1]). ودليل الصيام قوله تعالى: ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [([2]). ودليل الحج قوله تعالى: ] وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ[ ([3]).

    ثم قال رحمه الله: (ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلاّ بما شرع)، هذا هو معنى شهادة أن محمداً رسول الله، فكل من لهج بهذه الشهادة فإنه يجب عليه أن يستحضر هذه المعاني، فإن ما جاء به النبي rلا يخلو من أمرين:

    إما خبر، فالواجب فيه التصديق فالأخبار تقابل بالتصديق.

    وإما أمر فالواجب فيه الانقياد والتسليم، فالواجب في الأخبار التصديق، والواجب في الأحكام الطاعة والانقياد والتسليم، واعلم أنه يجب طاعة النبي rفيما أمر به سواء علمنا ما حكمة هذا الأمر أو جهلنا الحكمة، سواء أدركته عقولنا أو لم تدركه، هذا فيما يتعلق بالأوامر، فمن علّق العمل بالأوامر على معرفة الحكمة فإنه لم ينقد للنبي r، ولم يحقق هذه الشهادة، وحقيقة من هذه حاله إنما هو عابد لهواه، لأنه لا يقبل من الأوامر ولا ينتهي عن شيءٍ إلاّ ما وافق عقله ورأيه، وهذا لا يكون قد حقق العبودية لله عز وجل ،  لأن العبودية التامة : أن ينقاد لأمر الله عز وجل ولأمر رسوله r، أدرك عقله الحكمة أو لا، هذا فيما يتعلق بالأحكام، أما ما يتعلق بالأخبار فالواجب على المؤمن إذا بلغه خبر الله أو خبر رسوله r: أن يؤمن بما أخبر الله به وبما أخبر به رسوله r، علم معناه أو لم يعلم، فإن الإنسان مهما بلغ علمه فإنه قد يخفى عليه بعض ما أمر الله به ورسوله، فلا يدرك معنى ما أمر الله به ورسوله على وجه الكمال، وعلى هذا فإن الواجب على مثل هذا: أن يسلِّم بما جاء عن الله وبما جاء عن رسوله r، ويقول: آمنتُ بما جاء عن الله وعن رسوله rكما جاء عن الله وعن رسوله rعلى مراد الله ورسوله r، وهذا الإيمان المجمل يكفيه وتبرأ ذمته به، ولا يلزمه معرفة التفاصيل إذا كان لا يستطيع معرفة التفصيل، لقول الله تعالى: ]فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [([4])وهذا ما عمله سلف الأمة في معرفة كيفيات ما أخبر الله سبحانه وتعالى به عن نفسه، وأخبر به عما يكون في اليوم الآخر، فإنهم آمنوا بذلك على ما جاء عن الله وعن رسوله rدون الدخول في تعيين الكيفيات، أو تصويرها. فمعنى شهادة أن محمداً رسول الله: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر فشمل الواجب في الأمر والواجب في الخبر.

     ثم قال: (واجتناب ما نهى عنه وزجر)، هذا تابع للأمر، وهو التفصيل، وقوله: (وأن لا يعبد الله إلاّ بما شرع)، هذا فيه بيان وجوب لزوم طريقة النبي rعلى وجه الإجمال. فالواجب أن يسلِّم العبد انقياده للنبي r، وليعلم أن من رغب في الفوز والنجاة يوم القيامة أنه لا يمكن أن يحصل له مقصوده ولا أن يفلح بمطلوبه ولا أن يأمن مما يرهب إلاّ بسلوك طريق النبي r، فإن الله سبحانه وتعالى قد سد الطرق الموصلة إليه جميعها إلاّ طريقه r، فمن رام الوصول إلى رضوان الله وجنته من غير طريق النبي rفإنما يطلب ضائعاً لا يمكن تحصيله، فهو لا يجني من سعيه خيراً ولا يحصل مطلوباً، ويدل على هذا أن النبي rأخبر بما يكون يوم القيامة أن الذين يعبرون الصراط إذا منّ الله عليهم بمجاوزته وأردوا دخول الجنة فإنهم لا يتمكنون من الدخول حتى يستفتح لهم النبي r، كما ورد في الحديث عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: (( آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ. فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ))([5])، وهذا يدل على أنه لا سبيل لدخول الجنة بعد بعثة النبي rإلاّ من طريقه، فإذا كانت الجنة لا يفتح بابها إلاّ باسمه فإن دخولها لا يتحقق إلاّ لمن تبعه وارتسم منهجه وسار على هديه، وهذا دليل هذه القاعدة أننا لا نعبد الله إلاّ بما شرع، وليعلم من عبد الله بغير ما شرعه الله سبحانه وتعالى أو بغير ما جاء به النبي rفقد افترى على الله، وما افتراه واخترعه لا يزيده من الله جل وعلا إلاّ بعداً، فهذه قاعدة مطردة في كل بدعة، وفي كل محدثة، فإن الله سبحانه وتعالى قد شرع من الدين أكمله وأتم علينا النعمة وأسبغ علينا الفضل بكمال هذه الشريعة، فلا مجال للزيادة ]الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً [([6])فأكمله جل وعلا في القول وأكمله في عمل الجوارح وأكمله في عمل القلوب، ثم إنه كمّله على وجه رضيه سبحانه وتعالى، فمن زاد فقد سخط ما رضيه الله جل وعلا، ولم يكتف بما رضيه الله سبحانه وتعالى لهذه الأمة، ودلائل هذه القاعدة أكمل وأكثر من أن تحصر، والأصل في ذلك قوله تعالى: ]أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ[([7])ومن السنة قوله r:(( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ))([8])، استمسك بهذا الصراط المبين والطريق القويم، واعلم بأن مآله إلى جنة عرضها السماوات والأرض نسأل الله عز وجل أن يثبتنا عليه وأن يزيدنا هدىً وتقىً فيه.

    قال رحمه الله: ودليل الصلاة والزكاة وتفسير التوحيد قوله تعالى:]وَمَا أُمِرُوا إلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ[([9])فهذه الآية تضمنت ثلاثة أمور: تضمنت بيان التوحيد، وتفسيره، وتضمنت الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وفيها أن هذا الدين عقيدةً وعملاً هو أقوم الأديان، وأن كل من رام استقامةً في غيره فإنه لا يحصل له ذلك، لقوله تعالى: ]وَذَلِكَ[ أي: المتقدم، وما أمر به من التوحيد، ومن إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة ]دِينُ الْقَيِّمَةِ[ أي: الدين القويم والصراط المستقيم.

    قال رحمه الله: ودليل الصيام قوله تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[([10])والشاهد منها قوله تعالى: ]كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ[.

    قال رحمه الله: ودليل الحج قوله تعالى: ] وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ[([11])وفي هذه الآية دليل على وجوب الحج. وهذه هي أركان الإسلام وشرائعه التي لا يستقيم إسلام المرء إلاّ بها.

    المرتبة الثانية: الإيمان، وهو بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان. وأركانه ستة: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، والدليل على هذه الأركان الستة قوله تعالى: ] لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ[([12]). ودليل القدر قوله تعالى: ] إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ[([13]).

    هذه المرتبة هي المرتبة الثانية، فرغ الشيخ رحمه الله من المرتبة الأولى وهي مرتبة الإسلام وتلخص لنا: أن الإسلام هو الطاعات الظاهرة، هذا باعتبار ذكر الإسلام مع الإيمان والإحسان، لأن تعريف الإيمان وتعريف الإسلام وتعريف الإحسان يختلف فيما إذا اقترن شيء منها بالآخر، وفيما إذا جاء كلٌ منها على انفراد، فإذا جاءت منفردةً كان الإسلام يشمل الإيمان والإحسان، وإذا جاء الإيمان منفرداً كان الإيمان شاملاً للإحسان والإسلام، وكذلك الإحسان إذا جاء منفرداً شمل الإسلام والإيمان، وانتبه لهذا التفريق. أما إذا اجتمعت كما هو الحال في حديث جبريل فإن الإسلام يختص بالأعمال الظاهرة قوليةً أو فعليةً، والإيمان يختص بالأعمال الباطنة، والإحسان هو الكمال والغاية في هذين الأمرين، أعمال الظاهر، وأعمال الباطن.

     قال المؤلف رحمه الله تعالى: المرتبة الثانية الإيمان،ثم بين الإيمان وعرّفه بقوله: ( هو بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلاّ الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان )وهذا تعريف للإيمان بنص نبوي، وفي هذا فائدة ولفتة مهمة لطالب العلم، وهي أن الاصطلاحات الشرعية كالإسلام والإيمان والإحسان والبر والتقوى والصلاة والزكاة وغير ذلك من ألفاظ الشريعة إنما يستقى معناها ومفهومها من الشريعة لا من لسان العرب، وهذه فائدة تهمك وتفيدك في تعريف الإيمان، فإن أقواماً عرّفوا الإيمان ( بأنه مجرد التصديق ) وقيل لهم: من أين لكم هذا ؟ قالوا: أفادتنا اللغة بهذا، قلنا لهم: إن الإيمان أمره كبير وشأنه خطير، به تحصل النجاة من النار والفوز بالجنة. وهل يعقل أن مثل هذا يتركه الله سبحانه وتعالى ويتركه رسوله rدون بيان أو توضيح؟ الجواب: لا يمكن تركه بدون بيان وإيضاح، ولذلك وجب الرجوع في تعريف الإيمان وفي تعريف الإسلام وفي تعريف الإحسان وفي غيرها من الاصطلاحات الشرعية إلى اصطلاح الشارع، وإلى ألفاظه وإلى بيانه وتوضيحه، فإنه الغاية والمنتهى في بيان حقائق هذه الأمور، فالشيخ رحمه الله سلك هذا المنهج، فبين الإيمان بقول النبي r، ولا أظن أحداً يقرأ هذا الحديث إلاّ ويتضح له الإيمان غاية الوضوح، فإن النبي rأخبر بأن الإيمان بضع وسبعون شعبة، ثم ضرب مثلاً لكل شعبةٍ من شعبه، فهذه المذكورات في هذا الحديث وهي ثلاثة أمور ترجع إليها بقية الشعب، فأعلاها قول: لا إله إلاّ الله،هذا أعلى شعب الإيمان، وهذا يفيد أن الأقوال تدخل في مسمى الإيمان، فالقول من الإيمان. ولذلك جعل أعلى مراتب الإيمان القول، وهو قول: لا إله إلاّ الله، ثم قال: ( والحياء شعبة من الإيمان )، والحياء عمل قلبي أصله في القلب وقد تظهر ثماره في الجوارح والسلوك، لكن أصله في قلب الإنسان، وبهذا نعرف أن جميع الأعمال القلبية تدخل في مسمى الإيمان.

     ثالث ما ذكره النبي rمن شعب الإيمان في هذا الحديث (وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)،إماطته يعني: إزالته عن الطريق المسلوك، سواء كان طريق مشاةٍ أو طريق سياراتٍ أو طريق دواب، كل ما استطرقه الناس ومشوا فيه بأرجلهم أو في دوابهم فإنه يدخل في قوله: (وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)وإماطة الأذى من عمل الجوارح، وبه نعرف أن من مسمى الإيمان عمل الجوارح، وأن من أخرج الأعمال عن مسمى الإيمان فقد خالف ما أجمع عليه السلف وما دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة.

    فهمنا من هذا الحديث أن الإيمان يكون في القلب ويكون في اللّسان ويكون في الجوارح، واعلم أن قول النبي r:( فأعلاها قول: لا إله إلاّ الله )ليس المراد مجرد القول الخالي من تدبر ما تضمنته هذه الكلمة من العمل، فالحقيقة أن قوله: ( فأعلاها قول: لا إله إلاّ الله )يشمل القول وعمل القلب، لأن القول هو قول القلب وقول اللسان، وقول القلب يكون بتصديقه وإخلاصه، وقول اللسان يكون بنطقه وتلفّظه.

    إذاً: فهمنا الآن ما هو الإيمان، وأنه قول وعمل قول القلب، وقول اللسان وعمل القلب وعمل الجوارح، وعلى هذا تواطأت كلمات السلف، فمهما اختلف لفظها وتنوع تعبيرها فإنها ترجع إلى أن الإيمان قول وعمل.

     هل قوله: ( والإيمان بضع وسبعون شعبة فأعلاها قول: لا إله إلاّ الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان )هو تعريف الإيمان إذا قرن به الإسلام ، لأننا ذكرنا قبل قليل: أن الإسلام هو الأعمال الظاهرة إذا اقترن بالإيمان وأن الإيمان يكون عمل القلب، والحديث تضمن قول اللسان وعمل الجوارح وعمل القلب.

     ففهمنا من هذا: أن المؤلف رحمه الله بدأ بيان هذه المرتبة بالبيان العام الذي لا يكون مع الإسلام والإحسان، أما الإيمان الذي يقصد ويراد عند ذكر الإسلام أي: عند اقترانه بذكر الإسلام فهو ما قاله رحمه الله في قوله: وأركانه ستة، وهي: أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، هذه كلها أعمال قلبية. ولذلك سماها شيخ الإسلام رحمه الله: عقود القلب، وسماها حقائق الإيمان، فعقود القلب وحقائق الإيمان كلها من الأعمال القلبية، فإذا قيل لك: ما الإيمان ؟ فإن أردتَ أن تعرِّفه تعريفاً عاماً دون اقترانٍ بذكر الإسلام فقل: ما ذكره المؤلف رحمه الله أولاً: بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلاّ الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان،

    إذا جاء ذكر الإيمان والإسلام في سياقٍ واحدٍ كقوله تعالى: ] إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ[([14])حيث ذكر الأمرين: الإسلام والإيمان. فالمسلمون في قوله: ] إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ [ هم الذين أتوا بالأعمال الظاهرة، والمؤمنون في قوله: ]وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ[ هم الذين أتوا بالأعمال الباطنة، وتنبه إلى هذا الفرق.

    إذاً فقول المؤلف رحمه الله: ( وأركانه ستة )هذا باعتباره مع الإسلام، فلو أن شخصاً أتاك وقال لك: عرِّف الإيمان ؟ قلت: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، هل تكون قد أجبته؟ إذا لم يسبق سؤال عن الإسلام فإنك لا تكون قد أوفيت ببيان الإيمان بياناً كافياً، لأنه بقيت الصلاة، والصيام، والحج لم يأتِ ذكر لواحدٍ منها، فتنبه لهذا، ولذلك لما قال النبي rلوفد عبد القيس: (( آمركم بالإيمان أتدرون ما الإيمان ؟. . . )) ([15])، بماذا فسره النبي r؟ فسره بقوله: (( أن تشهدوا أن لا إله إلاّ الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة وتعطوا الخمس من المغنم ))([16])فعرَّف الإيمان بالإسلام ، لأنه لم يأتِ سؤال عن الإسلام هنا، فكان الإسلام هو الإيمان، وهكذا حيث ذكر الإيمان أو الإسلام مستقلاً فإنه لابد في البيان أن تبينه كما بينه النبي rبياناً عاماً يشمل القول والعمل والاعتقاد، أما إذا سئلت عن الإسلام كما هو الحال في حديث جبريل، ثم جاءك السؤال عن الإيمان ففي هذه الحال يكون الإسلام متعلقاً بالأعمال الظاهرة، ويكون الإيمان متعلقاً بالأعمال الباطنة.

    قال المؤلف رحمه الله: ( وأركانه ستة )،فأركان: جمع ركن، والركن هو الذي لا يقوم الشيء إلاّ به، ففهمنا من هذا: أن اختلال وصفٍ من هذه الأوصاف المذكورة ثلمةٌ في الإيمان، تؤدي وتفضي بصاحبها إلى ارتفاع وصف الإيمان عنه، فمن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر لكن لم يؤمن بالقدر فإنه لا يكون مؤمناً ، ولا يستحق وصف الإيمان ، لأنه فقد ركناً من أركان الإيمان الذي لا يثبت ولا يقر إلاّ به.

    يقول رحمه الله: أن تؤمن بالله، الإيمان بالله يتضمن أموراً هي، الإيمان بالله يقتضي ويستلزم الإيمان بوجوده، وبربوبيته، وبألوهيته، وبأسمائه وصفاته، ولو أننا لم نذكر الوجود لما ضر، لأنك إذا أقررت بالثلاثة الأمور لزم منها أن يكون موجوداً من تثبت له الألوهية والربوبية والأسماء والصفات. لأنها أوصاف، والأوصاف لا تثبت إلاّ لموجود، ولا تثبت لمعدوم، وإنما نص على الوجود لمقابلة شبهة الملحدين، أهل التعطيل الذين يقولون: لا وجود للإله، أو: لا إله والكون مادة، فهؤلاء الجواب على شبهاتهم: بأنه لا يحصل الإيمان إلاّ بهذه الأمور الأربعة.

    ثم قال رحمه الله: ( وملائكته )، الإيمان بالملائكة، وهم عالم غيبي نوراني، أحياء ناطقون. خلقهم الله سبحانه وتعالى من نور، ولهم شأن عظيم مفصل في الكتاب والسنة، فالإيمان بهم أن تؤمن بوجودهم على وجه الإجمال، وأن تؤمن بما ذكره الله عنهم في كتابه، وما ذكره رسول الله rفيما صح من سنته، وأن تؤمن بمن سمي منهم، وأن تؤمن بأنهم خلق عظيم لهم أحوال وقدرات الله مكنهم منها، وأنهم مذللون لرب العالمين، لا يخرجون عن أمره، هذا ما يتضمنه الإيمان بالملائكة.

    ثم قال رحمه الله: ( وكتبه )، وأما الإيمان بالكتب فإنه الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى أنزل إلى رسله كتباً، والله أعلم بها، وتؤمن بما سماه الله منها كالزبور، والإنجيل، والتوراة، والقرآن، وهو أعظمها. ويزيد القرآن خاصيةً وميزةً في الإيمان: أن تؤمن بأن أخباره يجب تصديقها، وأن أحكامه يجب الانقياد لها، فهذا ما اختص به القرآن دون غيره من الكتب، وأيضاً أن تؤمن بأن الجميع كلام الله، حتى التوراة هي من كلامه سبحانه وتعالى، مع أنه كتبها لكنه كتبها وتكلم بها.

    ثم قال رحمه الله: ( ورسله )، الإيمان بالرسل يحصل: بأن الله سبحانه وتعالى بعث رسلاً لا يحصيهم إلاّ هو، وأن تؤمن بمن سماه الله منهم، وأن تؤمن بأنهم بلّغوا البلاغ المبين، ونصحوا أممهم، وقاموا بما أمرهم الله به، ويختص محمد rبأن تؤمن أنه خاتم الرسل، وأنه خاتم النبيين وأنه لا نبي بعده، وأنه مبعوث إلى الثقلين الجن والإنس، وأن من أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار، وأنه لا ينتظر نبي بعده، ولا يرتقب كتاب غير كتابه، فلا كتاب بعد كتابه ولا نبي بعده r، ويضاف إلى هذا وجوب الطاعة والانقياد، وذلك بتصديق أخباره وقبول ما جاء به من الأحكام.

    ثم قال رحمه الله: ( واليوم الآخر )، والإيمان باليوم الآخر ملخصه أن تؤمن بكل ما أخبر الله به مما يكون بعد الموت، هذا ملخص الإيمان باليوم الآخر، فاليوم الآخر يبتدئ بالموت، قال الله تعالى: ]وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ[([17])بالحق أي: بما أخبرت به الرسل مما يكون بعد الموت من الثواب والعقاب كما تقدم في التفسير.

    قوله: ( وبالقدر خيره وشره ) هذا فيه إثبات القدر، والقدر: هو حكم الله الكوني، هذا تعريف القدر، وأحسن ما قيل في تعريفه: أن القدر هو حكم الله الكوني فتؤمن بأن الله سبحانه وتعالى علم بالأشياء قبل وقوعها، وأنه كتبها سبحانه وتعالى في اللوح المحفوظ، وأن ما علمه وكتبه فقد طابق مشيئته وخلقه، وبهذا تعلم بأن القدر أربع مراتب كما سيأتي بيانها إن شاء الله تعالى.

    ثم قال رحمه الله: ( بالقدر خيره وشره )أحسن ما قيل في تعريف القدر أنه : حكم الله الكوني،  فتؤمن بأن الله سبحانه وتعالى علم بالأشياء قبل وقوعها وأنه كتبها سبحانه وتعالى وأن ما علمه وكتبه فقد طابق مشيئته وخلقه وبهذا تعلم أن مراتب القدر أربع مراتب كما سيأتي بيانها إن شاء الله، والمقصود بالقدر هنا: المقدور أي بما قدره الله من الخير والشر، واعلم أن الله سبحانه وتعالى ليس في فعله شر، كما قال النبي rفي ثنائه على ربه: ((والشر ليس إليك))([18])، فالشر لا يضاف إلى الله عز وجل ولا ينسب إليه، إنما الشر في المفعولات، والمقدورات، والمخلوقات، أما تقديره وفعله وخلقه فلا شر فيه سبحانه وتعالى، بل الخير كله في يديه.

    قال رحمه الله :والدليل على هذه الأركان الستة قوله تعالى:] لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ [([19])هذه خمسة أركان، ثم قال رحمه الله :ودليل القدر قوله تعالى: ]إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ[([20]). وقد جمعت في حديث جبريل الذي سيأتي الحديث عنه قريباً، واعلم أن الأدلة على هذه الأصول كثيرة، وإنما يذكر أهل العلم هذين الدليلين لأن الدليل الأول جمع خمسة أركان من أركان الإيمان، والثاني نص على الركن السادس، وإلاّ فإنه لا ينحصر الاستدلال على هذه الأركان بهذا الدليل، وإنما نبهنا على هذا حتى لا يتوهم متوهم أن العلماء إذا ذكروا هذا الدليل فلا دليل غيره، بل الأدلة كثيرة، وإنما هذا الدليل يذكر ويكرر لكونه جمع أكثر أركان الإيمان.

     

     

     


    ([1])  البينة:5.

    ([2]) البقرة:183.

    ([3]) آل عمران: 97.

    ([4]) التغابن: 16.

    ([5]) أخرجه مسلم في الإيمان برقم : 292، وأحمد في باقي مسند المكثرين برقم : 11948.

    ([6]) المائدة: 3.

    ([7]) الشورى: 21.

    ([8]) أخرجه مسلم في الأقضية، برقم: 3242، وابن ماجه في المقدمة، برقم: 14، وأحمد في باقي مسند الأنصار، برقم 25124.

    ([9]) البينة: 5.

    ([10])البقرة: 183.

    ([11]) آل عمران: 97.

    ([12]) البقرة:177.

    ([13]) القمر:49.

    ([14]) الأحزاب: 35.

    ([15]) أخرجه البخاري في الإيمان، برقم: 51، والترمذي في الإيمان، برقم: 2536، وأبو داود في السنة، برقم: 4057، وأحمد في مسند بني هاشم، برقم: 1916.

    ([16])أخرجه البخاري في الإيمان، برقم: 51، والترمذي في الإيمان، برقم: 2536، وأبو داود في السنة، برقم: 4057، وأحمد في مسند بني هاشم، برقم: 1916.

    ([17]) ق: 19.

    ([18])أخرجه مسلم في صلاة المسافرين، برقم: 1290، والترمذي في الدعوات، برقم: 3344، والنسائي في الافتتاح، برقم: 887، وأبو داود في الصلاة، برقم: 649، وأحمد في مسند العشرة، برقم: 764.

    ([19])البقرة: 177.

    ([20])القمر: 49.

    التفاصيل
    0
    2129
  • الدرس السادس من الأصول الثلاثة.
  • بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    قال المؤلف رحمه الله تعالى :

    المرتبة الثالثة: الإحسان، ركن واحد وهو: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، والدليل قوله تعالى:] إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ[([1]) وقوله: ]وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ `الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ `وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ` إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[ ([2])  وقوله: ] وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ[([3]). والدليل من السنة حديث جبرائيل المشهور عن عمر رضي الله عنه قال: (( بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام ؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً. فقال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان ؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان ؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة ؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها ؟ قال: أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. قال: فمضى، فلبثنا مليّاً. فقال: يا عمر أتدري من السائل ؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: هذا جبرائيل أتاكم يعلمكم أمر دينكم ).

     

    هذه المرتبة الثالثة من مراتب الدين قال رحمه الله في بيانها: الإحسان ركن واحد،وكما بينّا في الإيمان نقول هنا: إن الإحسان الذي بينه حديث جبريل والذي يتكلم عنه الشيخ رحمه الله هنا هو المضمون المقترن بالإيمان والإسلام، فتنبه لهذا، فليس التعريف هنا للإحسان على وجه الإطلاق، بل الإحسان الذي يقترن بالإيمان والإسلام، ودليل هذا لو أن شخصاً أقر بالأصول الستة في أركان الإيمان لكنه لم يصلِ ولم يحج ولم يقر بوجوب هذه الأشياء فإنه لا يكون مؤمناً بإجماع أهل العلم كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله، وكذلك من أتى بالشهادتين وأتى بالصلاة والزكاة والصيام والحج ولكنه لم يؤمن بوجوب الإيمان بالأركان الستة المذكورة في الآية والحديث.

    ولا يكون من هذا حاله مسلماً بإجماع أهل العلم ، فتنبه لهذا. وإنما كرر لأهميته.

    قوله رحمه الله: ( ركن واحد )أي ليس فيه تعدد، ولكن ركن الإحسان له مقامان، قال رحمه الله: ( وهو أن تعبد الله كأنك تراه )هذا هو المقام الأول، وهكذا جاء بيانه عن النبي rفي حديث جبريل، (فإن لم تكن تراه)هذا هو المقام الثاني، فإنه يراك وانظر كيف بدأ بأعلى ما يكون من الإحسان، وهو أن يعبد العبد ربه سبحانه وتعالى كأنه يراه، يعني وحاله حال الذي يعبد الله وهو يشاهده وينظر إليه، وكيف تكون الحال إذا كان العبد في عباداته وفي ذهابه وإيابه وفي معاملاته وفي جميع شؤونه، يتصرف وهو كالناظر إلى رب السماوات والأرض فوق سماواته مستوٍ على عرشه، يراه ويراقبه ويطلع عليه، وتكون حاله في أعلى درجات الإيمان، وأعلى درجات الدين وهي درجة الإحسان، بل أعلى المقامين في الإحسان، وهو أن يعبد العبد ربه كأنه يراه. فهذا المقام كبير وشأنه عظيم، ويحتاج إلى استحضار تام وشهود متواصل، وأن يعلم العبد أنه لا تخفى على الله منه خافية، ويحتاج إلى زيادة العناية بمطالعة ما ذكره الله عن نفسه من الأسماء والصفات، فإن القلب إذا توالى عليه ما أخبر الله به عن نفسه وما أخبر به رسوله rعن ربه قوي قلبه، وأصبح العلم كالمشاهدة، أي: يكون كالذي يشاهد ربه بعينه في تصرفه، في عمله، في قيامه، في قعوده، في خروجه، في عبادته، وهذا المعنى أكثر الناس يغفلون عنه، إذاً: هذا هو المقام الأول، وهو أعلى مقامات الدين.

    المقام الثاني: وهو منزلة دون المنزلة الأولى، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وهو استحضار مراقبة الله عز وجل واستحضار اطلاعه سبحانه وتعالى عليك يا عبد الله، واعلم أن اطلاع الله ونظره ورؤيته وعلمه لا يقتصر على ظاهر حالك، بل الظاهر والباطن عند الله سواء، قال النبي r: (( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم ولكن إلى قلوبكم وأعمالكم))([4])، فنظر الله عز وجل لا يقتصر على حال الإنسان الظاهرة، بل يشمل الظاهر والباطن، ثم ذكر رحمه الله الدليل على هذه المرتبة فقال: والدليل قوله تعالى: ]إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ[([5])فأثبت الإحسان في قوله: ]وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ[ وهذا يشمل درجة الإحسان ومقامي الإحسان، المقام الأول: أن تعبد الله كأنك تراه، والمقام الثاني: فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

    وقوله: ]وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ`الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ`وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ`إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[([6])فيها دليل على المقام الثاني، وهو استحضار رؤية الله عز وجل للعبد، فالله عز وجل يأمر نبيه rأن يتوكل عليه فيقول: ] وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيم[ وانظر كيف ذكر هذين الوصفين في باب التوكل، العزيز الذي يمنعك، والرحيم الذي يوصل إليك البر والإحسان، وبهما يحصل للخائف والقلق مقصوده، وهو الأمن وسكون النفس من الخوف، ولا يكون فيها نظر إلى غير الموصوف بهذين الوصفين، لأن الذي يطلب أمراً ويسعى في تحقيقه سواء دفعاً أو جلباً إذا علم أنه يستند ويعتمد على من يمنعه ومن يوصل إليه الخير فإنه لا يكون في قلبه نظر إلى غير من يتصف بهذين الوصفين، وهما العزّة والرحمة، وهذا هو السر في ذكر هذين الاسمين في مقام التوكل، ]الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ[ وهذا فيه إثبات رؤية الله عز وجل لعباده، حين تقوم أي: في صلاتك وعبادتك ]وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ[ أي: تغير أحوالك في العبادة من قيام وركوع وسجود، وهذا فيه الحامل للعابد أن يحسن العبادة، أنت إذا وقفت في صف الصلاة وأردت الدخول فيها فاستحضر هذا الأمر، أن الله جل وعلا يراك، وستجد في هذا الاستحضار أثراً في إحسان العبادة وتجويدها وإصلاحها والمبالغة في إحسان العمل، قال: ]وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ `إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[ هذا فيه إثبات سمعه سبحانه وتعالى، وفيه إثبات علمه جل وعلا، وليس السمع كالعلم ، فالعلم أشمل وأوسع، فالله يسمع مقالك ويعلم بجميع أحوالك ما تتلفظ به ومالا تتلفظ به.

    ثم قال: وقوله تعالى: ]وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ[([7])هذه الآية ذكر الله فيها عز وجل أموراً خاطب فيها النبي rفقال:]وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ [ الخطاب للنبي r، ما تكون في شأنٍ يعني: ما تكون في حالٍ من الأحوال ] وَمَا تتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآن ٍ[ الضمير في قوله: ]مِنْهُ[ إما أن يعود على شأنٍ، يعني وما تتلو من شأنٍ من القرآن، فيكون المعنى: وما تتلو من شأنٍ من شؤونك، فـ (من ) هنا للسببية، يعني: لسبب من الأسباب، وحالٍ من أحوالك، ما تتلو منه من قرآنٍ إلاّ والله عز وجل عالم به كما سيأتي، وقيل: إن الضمير في قوله: ]مِنْهُ[ عائد إلى القرآن نفسه، فيكون المعنى: وما تتلو من القرآنِ من قرآنٍ، وهذا المعنى هو الذي حققه بعض المرجحين من المفسرين، قال: ]وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ [ ما تعملون من عمل يشمل عمل القلب وعمل الجوارح، و تدخل الأقوال في ذلك ، لأنها نوع عمل،]إلاَّّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً [ وهذا هو الشاهد من الآية، وهو إثبات شهود الله عز وجل على أحوال العبد، وأنه يراه وأنه مطلع عليه سبحانه وتعالى، لا تخفى عليه من شؤون العبد خافية قال: ] إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [ يعني: إذ تدخلون وتشرعون وتقبلون فيه، يعني في هذه الأعمال التي قال: ]وَما تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ[ ، وهذا فيه تمام شمول علم الله عز وجل واطلاعه على حال العبد، وهو دليل على المقام الثاني من مقامات الإحسان، وهو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

    ثم بعد أن فرغ المؤلف رحمه الله من ذكر هذه المراتب وأدلتها من الكتاب انتقل إلى بيان الدليل من السنة على هذه المراتب جميعاً، التي بينها حديث جبريل، وهو الحديث المشهور الطويل المعروف الذي اتفق أهل العلم على صحته وتلقته الأمة بالقبول، وقد رواه عمر بن الخطاب وأبو هريرة رضي الله عنهما في الصحيحين، كما رواه غيرهما أيضاً في صحيح مسلم.

    يقول رحمه الله: والدليل من السنة حديث جبرائيل المشهور عن عمر رضي الله عنه قال: (( بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام ؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً. فقال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان ؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان ؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة ؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها ؟ قال: أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. قال: فمضى، فلبثنا ملياً. فقال: يا عمر أتدري من السائل ؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: هذا جبرائيل أتاكم يعلمكم أمر دينكم )).

     

     واعلم أن هذا الحديث اشتمل على أصول الدين التي يجب اعتقادها، والتي يسميها العلماء الإيمان المجمل، قال رحمه الله: قال عمر رضي الله عنه: (( بينما نحن جلوس عند النبي rإذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد ))([8]).

    وفائدة هذه المقدمة : بيان غرابة حال هذا السائل، رجل ليس من المدينة وحاله حال المقيم في ثوبه وبدنه، فشعره شديد السواد، وثوبه شديد البياض، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، قال: (( فجلس إلى النبي rفأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه ))وهذا فائدته: العناية الفائقة بما سيطرحه، ولفت الانتباه إلى ذلك، قال: (( قال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ ))دعاه باسمه لا بوصفه، والسبب في هذا: أنه جاء عليه السلام على صورة أعرابي يستبين أمر الدين، ولذلك لم يقل يا رسول الله، إنما دعاه باسمه الذي عرف به ((أخبرني عن الإسلام ؟ فقال: أن تشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً )).

    وهذه هي أركان الإسلام، وتقدم الكلام عليها (( قال: صدقت ))هذه الأركان الجامع فيها ما تقدم من أنها شرائع الإسلام التي هي من العمل الظاهر.

    قال رضي الله عنه في سياق الحديث: إن جبريل (( قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه)) فحال هذا غريب، حيث جاء في الظاهر ليسأل عما لا يعلمه من أمر دينه ثم يصدق على الجواب، (( قال: أخبرني عن الإيمان ؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره ))وقد تقدم الكلام على هذه الأركان قبل قليل، وقلنا: إن الجامع لها أعمال القلب، وهي أعمال الباطن.

    قال بعد ذلك: (( أخبرني عن الإحسان ))هذا سؤال عن أعلى مراتب الدين وهي: أن تعبد الله كأنك تراه (( فقال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك))وبهذا تكون قد تمت مراتب الدين.

    وهذه المراتب قد دل عليها كتاب الله عز وجل، فجاءت في قوله تعالى: ] ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ [([9])هذه مرتبة الإسلام، وهي الإتيان بالعمل الظاهر، ] وَمِنْهُمْ مُقْتَصِد ٌ[ وهي مرتبة الإيمان، ] وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [ وهي مرتبة الإحسان التي هي أعلى المراتب، وقد ذكر الله هذه المراتب في غير هذا الموضع، كما في سورة الواقعة، وبالتأمل يجدها الإنسان في كتاب الله عز وجل.

    بعد أن فرغ من هذه الأسئلة (( قال: أخبرني عن الساعة ؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ))فهنا سأله عن الساعة يعني عن قيام يوم القيامة، فأجاب النبي rبقوله: ((ما المسؤول عنها بأعلم من السائل )) مما يفهم من هذه العبارة: أنه rلا يعلم الغيب، ولا يعلم متى الساعة، وعلى هذا فالذي يستدل بهذا الحديث على أنّ النبي rيعلم متى تقوم الساعة،  يكون قوله هذا  تحريفاًٍ وتشبيهاً وتضليلاً بلا ريب .

     زعم بعض المعطلة من غلاة الصوفية: أن النبي rيعلم الساعة، لأنه يعلم أن السائل الذي أتاه جبريل، وجبريل يعلم متى الساعة، فلما سأله عن الساعة قال: (( ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ))يعني: كلانا مشتركان في علم الساعة، هكذا زعموا، وهل هذا يفهمه صاحب لسان عربي فصيحٍ إطلاقاً، بل المقصود: أن النبي rأراد نفي علم الساعة عن نفسه، لكن الشيطان زين لهم سوء أعمالهم، ثم إن الجواب على هذه الشبهة: أن النبي rلم يعلم من هو السائل، كما جاء في بعض الروايات (( لم يخفَ عليه أمره كما خفي عليه في هذه المرة )) فإن النبي rأجاب وهو لا يعلم من السائل، ولذلك جاء في آخر الحديث لما طال مقام الصحابة عنده قال: (( يا عمر أتدرون من السائل ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم ))، ولو كان الأمر واضحاً له من أول الأمر لما انتظر ملياً، أي: طويلاً، بل كان سيبين لهم من هو من أول وهلة، المهم أن هذه شبهة ساقطة لا نحتاج إلى الإطالة فيها.

    قال: (( أخبرني عن أماراتها ))يعني عن علاماتها، قال: (( أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان )) هذا بيان لبعض أماراتها الصغرى، وذكر في هذا الحديث علامتين (( أن تلد الأمة ربتها ))أي: سيدتها (( وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، قال: فمضى فلبثت ملياً ))يعني طويلاً ثم الباقي تكلمنا عليه، ثم قال: (( يا عمر أتدرون من السائل ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم ))وفي رواية (( دينكم ))ففهم من هذا: أن المراتب الثلاث هي مراتب الدين.


    ([1]) النحل:128.

    ([2]) الشعراء: 217-220.

    ([3]) يونس:61.

    ([4]) أخرجه مسلم في البرّ والصلة، برقم: 4651، وابن ماجه في الزهد، برقم: 4133.

    ([5]) النحل: 128.

    ([6]) الشعراء: 217.

    ([7]) يونس: 61.

    ([8]) أخرجه مسلم في الإيمان، برقم: 9، والنسائي، في الإيمان وشرائعه برقم: 4904، وأبو داود، برقم: 4075، وأحمد في مسند العشرة، برقم: 346، و 352.

    ([9]) فاطر: 32.

    التفاصيل
    0
    1731
الاكثر قراءة
  • شرب زمزم بنية صلاح الحال والزواج ونحو ذلك
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، في الحديث عن فضل ماء زمزم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ، إِنْ شَرِبْتَهُ تَسْتَشْفِي شَفَاكَ اللهُ، وَإِنْ شَرِبْتَهُ لِشِبَعِكَ أَشْبَعَكَ اللهُ، وَإِنْ شَرِبْتَهُ لِقَطْعِ ظَمَئِكَ قَطَعَهُ اللهُ، وَإِنْ شَرِبْتَهُ مُسْتَعِيذًا أَعَاذَكَ اللهُ». ومن دعاء ابن عباس عند شرب ماء زمزم: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ» رواه الحاكم، فما صحة الحديث؟ وهل يصح شرب ماء زمزم بنية صلاح الحال، أو بنية الزواج وغيرهما؟

    التفاصيل ..
    0
    76804
  • حكم الكلام في أمور الدنيا داخل المسجد
  • ما حكم الكلام في أمور الدنيا داخل المسجد؟

    التفاصيل ..
    0
    43794
  • جماع الزوجة في الحمام
  • ما حكم جماع الرجل لزوجته في الحمام؟

    التفاصيل ..
    0
    43716
الأكثر تحميلا
  • خطبة : بماذا تتقي النار.
  • إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلل فلن تجد له وليًا مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله، إله الأولين والآخرين، لا إله إلا هو الرَّحمن الرَّحيم، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُ الله ورسوله، صفيُّه وخليله، خِيرته من خلقه، لم يترك خيرًا إلا دلَّنا عليه، ولا شرًا إلا حذَّرنا منه، حتى تركنا على محجَّةٍ بيضاء، طريقٍ واضحٍ جليٍّ، لا زلل فيه ولا خفاء، من استمسك به هُدي، ومن حاد عنه ضلَّ وعمي، فصلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتَّبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد،

    فاتَّقوا الله أيُّها المؤمنون، اتَّقوا الله حق التقوى، وقوموا بما أمركم الله تعالى به في حقه، من توحيده، من تعظيمه، من محبته، من إجلاله، من السَّعي إليه بكلِّ ما تستطيعون، من طلب رضوانه، فإنَّ خيرَ ما يَستعمل به الإنسان نفسه، أن يشتغل بما يُرضي ربَّه جلَّ في علاه، وإنَّ الله تعالى فرض عليكم فرائض، لتُسعدكم في دنياكم، ولتحفظكم من أهوال يوم معادكم، فاحرصوا على القيام بها على الوجه الَّذي يرضى به عنكم، فإنَّ كلَّ طاعة تقربكم إليه، كما أنَّ كل معصية تُباعدكم منه، فكلُّ قُربة، كلُّ طاعة، ظاهرة أو باطنة، فيما بينك وبين الله عز وجل، أو فيما بينك وبين الخلق، في أداء الحقوق والإحسان إليهم، كلُّ ذلك يقربك إلى مولاك، واعلم أنَّ من أعظم ما تَتقرَّب به إلى الله عزَّ وجلَّ، أن تؤدي الحقَّ الذي فرضه عليك، في حقِّه وفي حق عباده، فأحبُّ ما تقرَّب به العبدُ إلى الله، أداء الواجبات والفرائض، جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة، أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: يقول الله تعالى : «إنَّ الله قال: من عادى لي وليَّاً فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضتُ عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببتُه كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطشُ بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأُعِيذَنَّه، وما ترددتُ عن شيءٍ أنا فاعله تردُّدي عن نفس المؤمن، يكره الموتَ وأنا أكره مساءته»الموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلح صحيح البخاري: باب التواضع, حديث رقم: 6137 .

     فالمرتبة الأولى هي: أن تقومَ بما فرض الله تعالى عليك، والمرتبة الثانية هي: أن تقوم بالاستكثار من الصَّالحات والتطوُّعات والمستحبات، فتلك الطريق هي التي يدرك بها الإنسان رضا الله جلَّ وعلا، بها يدرك فوز الآخرة، ونجاة الدنيا.

    أيُّها المؤمنون عباد الله،

    إنَّ مما يُدرِك به الإنسانُ رضا الله مما فرضه عليه، أن يشتغل في وقاية نفسه، من كلِّ ما يقربه إلى النار، ومن كلِّ ما يُباعده عن طريق الهداية، وهذه مسؤولية أناطها الله تعالى بكل واحدٍ منَّا، فكلُّ واحدٍ منَّا مكلف، أن يقيَ نفسه النار، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وأَهْلِيكُمْ نَارًا وقُودُهَا النَّاسُ والْحِجَارَةُالموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلح سورة التحريم، الآية 6   إنَّ الله أمرنا، بأن نشتغل وأن نعمل، في وقاية أنفسنا من عذابه، ومن سخطه، ومما أعده للعصاة من النار، ذاك لا يكون إلا بطاعته والإقبال عليه، إنك مسؤول عن نفسك، ستحاسب على الدقيق والجليل، الصغير والكبير، السر والإعلان، فاحذر أن يرى الله تعالى منك ما لا يرضى، فإنَّ الله تعالى أخرج آدم عليه السلام من الجنَّة بمعصية، فلا تستهتر، ولا تستخفَّ بالذنب مهما دقَّ وصغر، فإنَّ الذنوب إذا اجتمعن على صاحبها أهلكنه، جاء في "الصحيح "عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : «إيَّاكم ومحقَّراتِ الذنوب، فإنهنَّ يجتمعن على الرجل حتى يُهلكنه»، وأنَّ رسول الله صلى الله عليه و سلم ضرب لهنَّ مثلًا: «كمثل قوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سواداً، فأججوا نارا وأنضجوا ما قذفوا فيها» الموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلح مسند أحمد بن حنبل: مسند عبدالله بن مسعود, حديث رقم: 3818, حسن لغيره

    أي: الذنوب التي تُحتقر لا يراها الإنسان شيئًا، يقول هذه ما بضارةً، وهذه لن تؤثر عليَّ، وهذه لن تبعدني عن طريق الاستقامة، وهذه لن تُغضب الله عليَّ، ((إيَّاكم ومحقرات الذنوب، فإنَّهن يجتمعنَ على الرجل حتى يُهلكنه)) هكذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم، يجتمعن على الرجل فيهلكنه، ثم ضرب مثلًا يوضح كيف يقع الهلاك بصغائر الذنب ومحقَّر الخطايا، فقال صلى الله عليه وسلم: «كمثل قوم نزلوا أرض فلاة فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سواداً فأجَّجوا ناراً وأنضجوا ما قذفوا فيها» الموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحسبق تخريجه

     هكذا يقع الهلاك بالذَّنب تلو الذنب، والصغير تلو الصّغير، وإنَّ المؤمن مطالب بأن يقي نفسه الصغير والكبير، قال الله تعالى: ﴿وذَرُوا ظَاهِرَ الإثْمِ وبَاطِنَهُالموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلح سورة الأنعام، الآية 120 ، فأمرنا الله تعالى بتوخِّي ظاهر الإثم، وهو ما يقع عليه أعين الناس، أو أسماعهم، أو علمهم، وباطنه وهو ما يكون بينك وبينه جلَّ في علاه، فاحذر واجتهد في اجتناب ذلك، «كلُّ ابن آدم خطاء»الموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلح سنن الترمذي: باب 48, حديث رقم: 2499, سنن ابن ماجة: باب ذكر التوبة.  لكنَّ الخطائين يختلفون في إفاقتهم، قال صلى الله عليه وسلم: «وخير الخطائين التوابون» ، إنَّ النبي أقرَّ بالخطأ، ولا تقف عند هذا؛ لأنَّ من الناس من يُبرر لنفسه الخطأ، بأنَّ كل ابن آدم خطَّاء، لكنه يغفل عن توجيهٍ نبويٍّ مهم، وهو أنَّ خير الخطَّائين التوابون، فكن توابًا، والتواب ولم يقل التَّائبين، بل قال التَّوَّابون، لكثرة توبتهم، ومعاودة التوبة بين فترة وأخرى، فهم لا يستغنون عنها، هي العبادة، التي لا ينفكُّ عنها الإنسان، في حينٍ من الأحيان، ولا في حال من الأحوال، هي عبادة العمر، فما أحوجَنا إلى كثرة التوبة والاستغفار، لا تقل: لن تضرَُّني تلك المعاصي، إنَّني أذنبتُ ولم أرَ لها أثرًا، فما من معصية إلا ولا بد أن تترك أثرًا، لكن عندما تنطمس البصيرة، ويعمى القلب، ما لجرحٍ بميت إيلام، تتوالى على الإنسان الخطايا، حتى يسودَّ قلبه، وهو في غفلة، عند ذلك لن يتمكن من اليقظة، سيكون هناك عوائق، تعيقه عن معاودة المسير إلى الله، وإصلاح الطريق في العودة إليه جلّ وعلا، فأكثر من التوبة والاستغفار، محمد بن عبد الله، أطيبُ الناس قلبًا، وأقربهم إلى ربه عبادة وطاعة، وأتقاهم لله، وأقومهم بأمره، أتدري كم كان يستغفر؟ إنه يحسب له في المجلس الواحد، كمجلسنا هذا أكثر من سبعين استغفارًا، «ربِّ اغفر لي، وتب عليَّ، إنك أنت التواب الغفور» الموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحأخرجه الترمذي(3434)، وابن ماجه(3814)، وقال الترمذي حسن صحيح غريب، هذا حال من حَطَّ الله خطاياه، وخفَّف عنه الذنوب، ورفع درجته، وأماط عنه كل أذى، يستغفر في المجلس الواحد أكثر من سبعين استغفارًا، وجاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان من آخر ما يقول في صلاته، بين التشهد والتسليم، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ « اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ وَعَلاَنِيَتَهُ وَسِرَّهُ»الموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلح صحيح مسلم: باب مَا يُقَالُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُود, حديث رقم: 1112.

    إنه يسأل الله باستفاضة، طالبًا مغفرة الذنوب والخطايا، ليشملها كلها، دقيقها وجليلها، تفقَّد نفسك من صباح هذا اليوم إلى الآن، كم هي خطاياك؟ ولا تكن غافلًا عن خطايا، لا يراها الناس، لكن يعلمها ربُّ العالمين، كم في قلبك من الكِبر؟ كم في قلبك من الحقد؟ كم في قلبك من الحسد؟ كما في قلبك من العُجب ورؤية فضلك على الناس؟ كم في قلبك؟ وكم في قلبك؟ بعض الناس يقصر المعصية على صورة، يقول: أنا ما أزني، أنا ما أسرق، أنا ما اعقُّ والديَّ، ويغفل عن أن هذه المعاصي ليست هي كل المعاصي، ولكن هناك معاصٍ أخرى، قد تفضي بك إلى الهلاك، وقد توقعك في شر المآل وسوء الحال، فاتَّق الله في السر والعلن، وذر ظاهر الإثم وباطنه، واجتهد في التخفُّف من المعاصي والسيئات ما استطعت، وأكثر من التوبة والاستغفار، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، فإنّ الله تعالى يحب التوابين، ويحب المتطهرين، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرَّحيم.

    الخطبة الثانية:

    الحمد لله حمدَ الشاكرين، أحمده حقَّ حمده، لا أحصي ثناءًا عليه، هو كما أثنى على نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُ الله ورسوله، اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

    أما بعد،

    فاتَّقوا الله أيها المؤمنون، اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية، بطاعته، اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية، بالقيام بما أمركم به، اجعلوا بينكم وبين الله وقاية، بترك ما نهاكم عنه، لأن ذلك يحقق لكم سعادة عاجلة، وفوزًا أجلا، ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَالموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلح سورة أل عمران، الآية 185 ، ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًاالموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلح سورة عم، الآية 31، اللهم اجعلنا من عبادك المتقين، وحزبك المفلحين، وأوليائك الصالحين يا رب العالمين.

    أيُّها المؤمنون،

    إننا بحاجةٍ، إلى من يُذكِّرنا، إلى من يعظنا، إلى من يوقظنا من غفلتنا، فإنَّ كثيرًا من الناس استحكمت عليهم الغفلة، وذاك بسبب ما وقعوا فيه من إقبال على الدنيا، وانصراف عن الآخرة، لذلك ينبغي للمؤمن أن يعالج نفسه، وأن ينظر في إصلاح مسيره إلى ربه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾  الموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحسورة المدثر، الآية 38، لا تغترَّ بكثرة المخطئين، لا تغترَّ بكثرة الغافلين، لا تغترَّ بكثرة المعرضين، فإنَّ الله لن يحاسبك مع المجموع، بل سيحاسبك منفردًا، ويسألك عن أمره ونهيه، ماذا صنعت في كذا؟ ماذا فعلت في كذا؟ لماذا عصيت في كذا؟ فإنَّ الله تعالى قد أخبرنا في كتابه، أنّ كل واحد منا محبوسٌ على عمله، ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌالموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحسورة المدثر، الآية 38، يعني محبوسة، كل نفس في كسبها وعملها محبوسة، عملك إما أن يفُكَّك، وإما أن يُقيِّدَك، فإن كان صالحًا فكَّك عن عذابه، وأعتقك من عقابه، وإن كان غير ذلك فلا تلومنَّ إلا نفسك.

     اللهم ألهمنا رشدنا وقنا شرَّ أنفسنا، قوموا بما أمركم الله تعالى به، من إصلاح أنفسكم، وأوصوا أهليكم بكلِّ خير، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: « أَلاَ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِىَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلاَ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» الموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلح صحيح مسلم: باب فَضِيلَةِ الإِمَامِ الْعَادِلِ وَعُقُوبَةِ الْجَائِرِ وَالْحَثِّ عَلَى الرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ وَالنَّهْىِ عَنْ إِدْخَالِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ, حديث رقم: 4828.

    لن تنجوَ إذا قصرت بحق أهلك، وفي حق من ولاك الله تعالى عليهم، ولا يلزم أن يكون هذا التوجيه للأب، حتى يقول غيرُ الأب نحن لسنا مخاطبين، هذا الخطاب لكل مؤمن: « مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ »الموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلح صحيح مسلم: باب بَيَانِ كَوْنِ النَّهْىِ عَنِ الْمُنْكَرِ مِنَ الإِيمَانِ وَأَنَّ الإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَأَنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْىَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاجِبَانِ, حديث رقم: 186. ، ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾  الموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحسورة التحريم، الآية 6  وأهليكم بوصيتهم، ونصيحتهم، الأب، الأم، الأخ، الأخت، الصغير، الكبير، كلُّنا مأمورون بأن نأتمر بالمعروف، وأن نتناهى عن المنكر ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، إنَّ الذنوب تحجب عن الناس الخير، تحجب عنك الخير، تحجب عنك أول ما تحجب طمأنينة الفؤاد، وانشراح الصدر، فأكثر من الاستغفار ليزول ذلك، ثم يترتب على هذه الذنوب، من البلايا والشرور في الأرض والسماء، ما ذكره ربنا جل في علاه، حيث قال: ﴿ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُواالموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلح سورة الروم، الآية 41، أي ليرى الناس ثمرة شيء، من أعمالهم، وتقصيرهم، لماذا؟ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَالموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلح سورة آل عمران الآية: 72 ، أي لأجل أن تحصل منهم إفاقة، إذا توالت علينا النُّذر، ولم نرَ من أنفسنا رجعة، عند ذلك تستحكم على قلوب الناس الغفلة، فلا ينفع فيهم وعظ، ولا ينفع فيهم تذكير، حتى تَحِلَّ بهم العقوبات، وتنزل بهم النَّقمات، وعند ذلك، لا يلومنَّ الإنسان إلا نفسه، الله تعالى يؤدب عباده، فيما يُجريه عليهم في الخاص والعام، فيمنع منهم ما يُحبُّون، ويوقع بهم ما يكرهون، ليُفيقوا ويعودوا، فلتكن المصائب، وحرمان النعم، سببًا للإفاقة، ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾  الموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلح سورة النساء، الآية 160 والتحريم هنا  منه ما هو تحريم قدريٌّ، يعني يقضي الله بمنع الناس شيئًا مما يحبون، بسبب ظلمهم، كما فعل في بني إسرائيل: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ هذا التحريم يحتمل أنه تحريم شرعي، ويحتمل أنه تحريم قدري، بأن يمنع الله تعالى شيئًا من أنعامه، والطبيات على عباده، بسبب ذنوبهم، وإنّ أعظم ما تُستدفع به النقمات، وتزول به البلايا والمصيبات، الخاصة والعامة، العودة إلى رب الأرض والسموات، بالاستغفار والتوبة، فتوبوا إلى الله، وأمِّلوا منه خير زاد.

     والتوبة باختصار: ندم على ما مضى من إساءة، وإقلاع عن الخطأ الحاضر، وعزم على الرشد والصلاح في المستقبل، هذا هو ما أمرنا الله تعالى به في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًاالموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحسورة التحريم، الآية 8

    اللهمَّ ألهمنا رشدنا، وقنا شر أنفسنا، اسلك بنا سبيل الرَّشاد، يا ربَّ العالمين، اجعلنا من عبادك، وأوليائك وحزبك، واصرف عنَّا السوء والفحشاء يا الله، اللهم إنَّا نسألك الهدى والتُّقى والعفاف والرَّشاد والغِنى، اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلِّها، اللهم إنا نسألك من فضلك إيمانًا صادقًا وعملًا صالحًا، ورشدًا في الظاهر والباطن، يا ربَّ العالمين، اللهم أمِّنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا حي يا قيوم، اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

    التفاصيل ..
    0
    5350
  • خطبة : الخوف من الله تعالى
  • الخطبة الأولى:

    إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

    أما بعد.

    أيها المؤمنون بالله ورسوله.

    اتقوا اللهَ واحذروا عقابَه وشديدَ عذابِه وسخطَه، فالله سبحانه وتعالى شديدُ العذابِ شديدُ العقابِ ذو الطَّوْلِ لا إله إلا هو إليه المصيرُ، كما قال اللهُ جل ذكره: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} الموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحسورة الحجر: 49 -50

    وقد حذَّركم اللهُIنفسَه في كتابِه، فقال: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ}  الموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلح سورة آل عمران: 28قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسيرِ هذه الآيةِ: "أي: يخوِّفُكم اللهُ من نفسِه أن تركَبُوا معاصيَه أو توالوا أعداءَه، فإن إليه مرجعَكم ومصيرَكم بعد مماتِكم، فإن خالفتُم أمرَه نالكم من عقابِ اللهِ ما لا قِبَلَ لكم به، فاتقوه واحذروه أن ينالَكم ذلك منه، فإنه شديد العقاب"الموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلح جامع البيان في تفسير القرآن 5/320

    أيها المؤمنون.

    إن خوف الله تعالى من تمام الإيمان به لذلك أمر الله تعالى به عباده، فقال جل ذكره: {فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}  وقال سبحانه:{فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي}، الموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحسورة البقرة: 150.

    بل قد جعلَ سبحانه وتعالى خوفَه شرطاً لصحةِ الإيمانِ، فقال سبحانه عز وجل:{فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} الموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحسورة آل عمران: 175. .

    وقد أنذرَكم اللهُ أيها المؤمنون الأمنَ من مَكْرِه وعَذابِه، فقال تعالى: {وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} الموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحسورة الرعد: 13. وقال سبحانه:{أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ –أي: عملوا السيئات - أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ*أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ} الموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحسورة النحل: 45-47. ،وقال سبحانه وتعالى: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} الموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحسورة الأعراف: 97 -99.

    أيها المؤمنون.

    إن الخوفَ من اللهِ تعالى من أجلِّ العباداتِ ومن أعظمِ القُرُباتِ، فهو الذي يحُولُ بينَكم وبينَ محارمِ اللهِ- عز وجل- ومعاصِيه، فللهِ ما أعظمَه، وللهِ ما أحوجَنا إليه، وللهِ ما أحسنَ عاقبتَه في الدنيا والآخرةِ؛ إذ بالخوفِ يا عبادَ الله يَنزِعُ العبدُ عن المحرَّماتِ، وبه يُقبِلُ على الطَّاعاتِ، فهو واللهِ أصلُ كلِّ فضيلةٍ، وباعثُ كلِّ قربةٍ.

    وبالخوفِ من الله أيها المؤمنون يستيقظُ القلبُ من غفلتِه وينتفعُ بالإنذارِ ويتأثرُ بآياتِ القرآنِ، قال الله تعالى: {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى} الموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحسورة طه: 2-3. وقال سبحانه: {اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ}